Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 2، 2001، ص. 15-21 | النص الكامل


 

 

العياشي عنصر 

 

 

الإطارات لفظة متداولة بكثرة تشير إلى فئة اجتماعية مهنية عرفت النور بفضل عمليات التصنيع الكبرى التي شهدتها الجزائر منذ استقلالها، وبخاصة منذ انطلاق مخططات التنمية الوطنية في بداية السبعينات (المخططين الرباعي الأول 1970-1973، والمخطط الرباعي الثاني 1973-1977).

لكن منذ تلك الفترة إلى اليوم عرفت الجزائر مجتمعا واقتصادا تحولات عميقة، وتعرضت لهزات وزلازل كبرى أحدثت تخلخلا عميقا في بنيانها الاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي في منظوماتها القيمية والمعيارية، في تصورات وأفكار الناس حول المجتمع والفئات والشرائح الاجتماعية المكونة له.

يعتبر الإطارات واحدة من الفئات الاجتماعية التي ارتبطت مسيرتها بقوة بما حدث ويحدث في المجتمع من تغيرات هيكلية عميقة، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن رصد تاريخ هذه الفئة الاجتماعية هو في ذات الوقت رصد لتاريخ الجزائر الحديثة بكل طموحاتها الكبرى وآمالها العريضة في الخروج من دائرة التخلف عن طريق التنمية الوطنية المتكاملة والمستقلة من جهة، ورصد أيضا لخيبات الأمل المتكررة والعثرات المتوالية التي قضت على تلك الطموحات والآمال من جهة ثانية.

كان الإطارات في زمن المشاريع التنموية الكبرى يمثلون الحامل الاجتماعي لمشروع المجتمع العصري والحديث، حيث ساد الاعتقاد في القوة الخارقة للتكنولوجيا والتأثير السحري للتصنيع الذي يكتسح بقوة البنى التقليدية للمجتمع ويقضي على مؤسساته وتنظيماته القديمة حاملا معه بنى اجتماعية حديثة ومنظومات معيارية وقيمية جديدة تتلاءم مع روح العصر في نهاية القرن العشرين.

لكن هذه الصورة حول الإطارات لم تدم طويلا فسرعان ما بدأت تتهاوى مع التغيرات التي عرفها نظام الحكم في الثمانينات حيث جرت مراجعة السياسة الوطنية للتنمية في ضوء بوادر التحول التي بدت على الساحة العالمية، وفي ضوء التصلب الذي أصاب النموذج البيروقراطي للتنمية الذي عرفته المرحلة السابقة. لقد برزت في الثمانينات بوادر سياسة اقتصادية جديدة تعتمد على التفتح الليبرالي التدريجي ومراجعة "الخيارات" الأيديولوجية، السياسية والاقتصادية لمرحلة السبعينات. هكذا جرى الحديث بداية الثمانينات عن ضرورة إدخال إصلاحات هيكلية على الاقتصاد تمثل بالأساس فيما سمي آنذاك بسياسة "إعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية "، كما اتسمت المرحلة بأزمة مالية كبرى جراء تدهور عائدات النفط، واتباع نمط استهلاكي غير عقلاني على مستوى الإنفاق العمومي، إضافة إلى تفشي الفساد وسوء التسيير والإدارة مما أدى إلى إفلاس العديد من المؤسسات الاقتصادية، وارتفاع مذهل في المديونية الخارجية التي بلغت مع منتصف الثمانينات حوالي 26 مليار دولار.

لقد أدى كل ذلك إلى تراجع كبير في الاستثمار وبدت بوادر التفكك الاقتصادي وتراجع السياسة الاجتماعية للدولة التي بدأت تتخلى تدريجيا عن التزاماتها تجاه المؤسسات العمومية منتهجة بذلك سياسة جديدة تمثلت فيما سمي "باستقلالية المؤسسات". ثم بعد ذلك اعتماد أسلوب لبرالي يقوم على تصفية المؤسسات العاجزة اقتصاديا وتسريح العمال بمن فيهم من الإطارات. وقد كان ذلك مصير المئات من مؤسسات القطاع العمومي سواء على المستويين المحلي أو الوطني. وبلغ عدد العمال المسرحين حوالي نصف مليون مع نهاية التسعينات.

هذه الأوضاع هي التي شكلت المحيط والخلفية التي عاش فيها إطارات المؤسسات العمومية ومارسوا وظائفهم المتمثلة في الإشراف على القوى العاملة الصناعية وتسيير المؤسسات العمومية. ومثلما كانوا محل اهتمام وعرفوا المجد ونالوا الامتيازات في سنوات السبعينات في أوج عملية التصنيع والتنمية الوطنية، عرفوا أيضا الإقصاء والتهميش ثم بعد ذلك الاضطهاد في سنوات الثمانينات والتسعينات. وعرفت أوضاعهم المهنية، الاقتصادية والاجتماعية تدهورا غير مسبوق، مثلهم مثل بقية فئات الطبقة الوسطى والشرائح العريضة من الشغيلة الذين فقدوا مناصب عملهم ليصبحوا فريسة للفقر والمرض وكل المآسي الاجتماعية المرتبطة بحالة التفكك الاقتصادي والاجتماعي التي تعيشها البلاد منذ ما يزيد عن عشرية من الزمن.       

في هذا الصدد يندرج الاختيار الذي قامت به فرقة البحث ضمن "مخبر أنثروبولوجيا العمل والمؤسسة" أحد المخابر التي يتكون منها المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية لدراسة موضوع "الإطارات الصناعية" في محاولة لاستكشاف هذا الموضوع الذي يلفه كثير من الغموض والتناقض. إذ بالرغم من الدعاية والإشهار اللذين وفرهما الخطاب الرسمي والتغطية الصحفية للأحداث الوطنية فإن هذه الفئة الاجتماعية لم تحظ باهتمام الباحثين في العلوم الاجتماعية إلا فيما قل وندر.  وتبقى بذلك إحدى أقل الفئات الاجتماعية التي شكلت حقلا للبحث والدراسة العلمية رغم الموقع الاستراتيجي الذي احتله في مشروع التنمية الوطنية في سنوات السبعينات، واستمرارها في احتلال موقع متميز اليوم في السياسة الاقتصادية الجديدة المبنية على الانفتاح على السوق العالمية واللجوء إلى أساليب الإدارة والتسيير القائمة على العقلانية الاقتصادية والهادفة إلى تحقيق النجاعة.   

انطلاقا من هذه الخلفية جرى تنظيم اليومين الدراسيين حول "الإطارات الصناعية" وهي مبادرة قام بها فريق البحث العامل على مشروع يهتم بهذه الفئة الاجتماعية المهنية بهدف توفير فرصة للباحثين المنشغلين بهذا الموضوع للتفكير ولعرض آرائهم وتصوراتهم وربما بعض النتائج الأولية للبحوث التي يقومون بها أمام زملائهم الباحثين وكذلك الإطارات من الميدان للمناقشة والإثراء.

وقد تنوعت المساهمات التي قدمت خلال هذين اليومين الدراسيين وكانت على درجة من الثراء الذي يعكس تعدد المداخل والمقاربات لدى الباحثين. إذ عالج عبد المؤمن فؤاد من جامعة باتنة إشكالية العلاقة بين السلطة والإطارات بحيث طرح عددا مهما من القضايا المتصلة بموقع الإطارات في بنية النظام السياسي والدور الذي منح لهم ضمن استراتيجية عامة هادفة إلى تحقيق السيطرة الطبقية للبرجوازية والبيروقراطية في إطار نظام اجتماعي كلياني، ميشيرا بذات الوقت إلى وضعية الإقصاء والتهميش التي يتعرض لها الإطارات لأن المنتظر والمطلوب منهم في ظل نظام  مثل هذا ليس الإبداع في أساليب الإدارة والتسيير لإنجاح منشآتهم وتحقيق نتائج اقتصادية مرموقة، بقدر ما ينتظر منهم  لعب دور الحزام الناقل لتعليمات النظام وتطبيق سياسات التكتل الطبقي المتواجد في السلطة.

أما حسان ميراني من جامعة عنابة فتعرض بالتحليل لقضية الدور الذي يقوم به الإطارات، مركزا على درجة الوعي لدى الإطارات بتعدد وتنوع الأبعاد في الدور الذي يقومون به. البعد الأول ذو طبيعة تقنية-تنظيمية يتعلق بتحقيق الاستخدام العقلاني للموارد التقنية والبشرية مثل القيام بوظيفة الإدارة والتسيير. أما البعد الثاني فيسميه البعد المهني الاجتماعي ويقصد به اعتبار الإطارات  كفاعلين اجتماعيين  يلعبون دورا نشطا على مسرح الأحداث المهنية والاجتماعية سواء في حدود أماكن العمل أو خارجها وذلك بتشكيل تنظيمات مهنية والمشاركة في تنظيمات  المجتمع المدني. البعد الثالث في دور الإطارات يتمثل فيما أطلق عليه البعد الاجتماعي-القيادي الذي يقصد به حسب تعبيره مساهمة هذه الفئة في الحركية المجتمعية الهادفة للتغيير والتجديد بالنظر إلى إمكانياتهم وقدراتهم الفنية والعلمية.

في حين عالجت بوطمين ليلى من جامعة عنابة موضوع الإطارات النسائية بداية من طرح تصور عام عن موقع المرأة في سوق العمل وتحليل العوامل المساعدة أو المعرقلة لخروج المرأة للعمل. ثم أثارت بعد ذلك مجموعة من القضايا التي تؤثر عل تحديد مكانة ودور النساء في البناء التنظيمي للمؤسسات مركزة بخاصة على مسائل توزيع القوة وممارسة السلطة مشيرة إلى الظروف والشروط التي تساعد المرأة على تسلق سلم الترقية للوصول إلى مناصب المسئولية، أو بالعكس تمنعها من تحقيق ذلك سواء كانت تلك الظروف عائلية أو اجتماعية أو مهنية.

في مداخلته الموسومة "الإطارات الصناعية: مسارات وتمثلات" طرح الأستاذ عنصر العياشي إشكالية المفهوم منذ البداية ليشير إلى الغموض الذي يعاني منه في الدراسات السوسيولوجية مستعرضا بعض الأمثلة من التراث السوسيولوجي القديم والحديث.

كما استخدم معطيات التحقيق الميداني الذي جرى في ثلاث منشآت صناعية كبرى في منطقة عنابة ليرسم صورة يبرز فيها الخصائص والسمات الأساسية للإطار الصناعي تتضمن الأبعاد الفكرية، الاقتصادية، الاجتماعية والمهنية.  وتعرض في جانب آخر من مداخلته إلى نمط الحياة والظروف العامة التي تميز وضعية الإطارات الصناعية اليوم، خاتما مداخلته بالتطرق إلى بعض التصورات التي يحملها الإطارات عن المؤسسة، عن المجتمع ومشكلاته وعن مكانتهم فيه باعتبارهم إحدى المجموعات الاجتماعية المكونة له.

أما الأستاذان قيرة إسماعيل وتوهامي إبراهيم فقد تطرقا في ورقتهما إلى موضوع الاغتراب الذي قد يمس الإطارات المسيرة باعتبارهم واحدة من الشرائح الرئيسية في البناء التنظيمي للمؤسسة. وقد حاولا دحض الاعتقاد السائد الذي مفاده أن ظاهرة الاغتراب المهني مسالة تخص الشرائح الدنيا والمتوسطة في التنظيمات الحديثة مبرزين حقيقة جديدة تتمثل في أن الإطارات المسيرة هي الأخرى معرضة لنفس المعاناة، أي الشعور بالاغتراب. كما حاولا تقديم بعض العناصر المساعدة على قياس ظاهرة الاغتراب وتحديد المجالات التي تظهر فيها مثل ممارسة السلطة وتوزيع القوة ودرجة المساهمة في اتخاذ القرارات ….

كما كان موضوع العلاقات بين الإطارات والعمال موضوعا لمداخلة قدمها الأستاذ مولاي الحاج مراد من جامعة وهران، حيث قدم نتائج تحقيق ميداني حول تمثلات العمال للإطارات مبرزا مختلف التصورات التي يكونها العمال في أحد مصانع مدينة الغزوات عن الإطارات الذين يعملون معهم في ذات المصنع. وقد أبرزت تلك النتائج تنوع وتعدد التصورات لدى شريحة العمال عن الإطارات ومكانتهم في البناء التنظيمي للمصنع وكذلك الامتيازات التي يحظون بها. وكانت عوامل المكانة، الامتيازات والسلطة (سواء كانت فعلية أو مجرد اعتقاد لدى العمال ) وكذلك الأصول الجغرافية والاجتماعية للإطارات من بين العناصر الأساسية التي تتدخل في تشكيل الصورة التي يحملها العمال عن هذه الفئة الاجتماعية- المهنية.

وعالج عمر دراس من جامعة وهرا ن  موضوع الحراك المهني لدى فئة الإطارات اعتمادا على معطيات التحقيق ميداني الذي قام به في مركب تمييع الغاز الطبيعي بأرزيو. وقد بين كيف أن حراك الإطارات قد خضع لعدة اعتبارات تتجاوز قضية المهارة والتأهيل والتطابق ببين متطلبات منصب العمل من جهة، والقدرات الحقيقية للإطارات من جهة ثانية. ذلك أن ظاهرة الحراك خضعت لظروف خاصة ميزت السياسة العامة ليس للمؤسسة فحسب خلال مراحل تطورها المختلفة، بل لظروف اقتصادية وسياسية عامة تتجاوز المؤسسة ذاتها. وهذا ما جعل عملية الحراك تؤدي إلى حالة من التضخم في فئة الإطارات وأحدثت تشوهات في البناء التنظيمي للمؤسسة، إضافة إلى تحميلها تكاليف مالية إضافية كانت في غنى عنها.

كما كانت تجربة مؤسسة سونلغاز في تقييم الكفاءات موضوعا لمداخلة قدمها السيد بوسافل الطيب مدير الموارد البشرية بالمديرية الجهوية لهذه المؤسسة الموجودة بمدينة عنابة. وقد عرض المتدخل عناصر نظرية عن عملية تقويم الكفاءات موضحا مختلف المفاهيم المتداول والمستخدمة في هذا الشأن فبل أن يشير باختصار إلى تجربة سونلغاز التي استفادت كثيرا من الخبرة الأجنبية وبخاصة الكندية في مجال تقييم الكفاءات والموارد البشرية باعتبارها مسألة حيوية تحدد فرص نجاح أو فشل المؤسسة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي تسمح لها بالحفاظ على موقعها ومكانتها في السوق وتحسين صورتها لدى المحيط والرأي العام، وهي بمثابة العوامل المحددة لمدى نجاح أو فشل السياسة العامة للمؤسسة.

أما محي الدين شريط الإطار بمؤسسة ألفاسيد بمركب الحجار للحديد والصلب فقدم ورقة تعرض فيها لتجربة هذا المصنع في بداية عهده وبخاصة في سنوات السبعينات عندما كان يمثل مدرسة تطبيقية لتأهيل وتكوين الإطارات. وعالجت الورقة عدة نقاط مهمة في تشكيل هذه الفئة الاجتماعية المهنية بخاصة، موقعها ومكانتها وتأهيلها وطموحاتها المهنية والاجتماعية. كما أشارت إلى موضوع العلاقة بين الإطارات والسلطة السياسية هذه العلاقة التي لم تخل من التوتر ومن الطابع الأداتي حيث لجأ النظام باستمرار إلى الإطارات لتلميع صورته لدى المجتمع دون أن يحظى الإطارات بالتقدير والاهتمام الفعلي الذي يليق بالدور الحاسم الذي يقومون به في إنجاز مشروع التنمية الوطنية الذي راهن عليه النظام في ذلك الوقت.