Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 2، 2001، ص. 117-127 | النص الكامل


 

 

 

مراد مولاي الحاج

 

 

مقـدمــة

هذه المداخلة المتواضعة هي ثمرة  اهتمامنا المتواصل بمسألة العمل الصناعي وإشكالية التحضر والتثاقف في المجتمع الجزائري. فهذا الانشغال جعلنا نعمق بحثنا بملاحظات ميدانية عن طريق منح الكلمة للعمال في المؤسسات الصناعية العمومية.

كان هدفنا السوسيولوجي من وراء تلك البحوث الميدانية يتمثل في محاولة الكشف عن درجة تأقلم هؤلاء العمال ومدى تقبلهم لنظام ولثقافة صناعية لم يألفونها من قبل بل وجدوا أنفسهم وللضرورة الاقتصادية والاجتماعية أمام واقع مهني وتكنولوجي يفرض نوع من الصرامة في العمل والمهارة في الأداء، مع المراقبة والتأطير الدائمين للمهام  التي يجب إنجازها بهدف تحقيق الإنتاج المبرمج في الوقت المسطر.

من بين المؤشرات الأساسية التي يمكن من خلالها الكشف عن درجة تقبل أو مقاومة  العمال للثقافة والمنظمة الصناعية، نستطيع ذكر مؤشر التمثلات  والنظرة العمالية للإطارات الصناعيين والمشرفين على العملية الإنتاجية داخل الورش الصناعية. فمكان العمل في المجتمع الجزائري يشكل الواجهة التي تنمو بداخلها نوع من علاقات العمل والتي عادة ما كانت علاقة صراع بين الرؤساء والمرؤوسين.

للاقتراب من أحد أشكال هذا الصراع أردنا الرجوع مرة أخرى إلى الموجات الاحتجاجية والحركات العمالية المتمثلة في تلك الإضرابات التي عرفتها المؤسسات الصناعية بعد أحداث أكتوبر، 1988 والمطالبة برحيل الإطارات المسيرة، وكذلك الكشف عن نظرة وتمثلات عينة من العمال المنفذين للإطارات المسيرة بمؤسسة الزنك بالغزوات.

المحيط  الاجتماعي والتمثلات

قد نتساءل عن الأسباب الخفية التي تدفع بالعمال إلى اتخاذ نموذج معين من المواقف نحو المؤسسة التي تعتبر مصدر قوت لأسرته ورفاهية مجتمعه، و نحو الفئات المهنية المشرفة على التسيير والتنظيم داخل هذه المؤسسة. فالدراسات السوسيولوجية للعمال المنفذين الجزائريين كشفت عن وجود نوع من التصرف العدائي عند هؤلاء العمال نحو الإطارات المشرفة على العملية الإنتاجية[1]. والجواب عن مثل هذه التساؤلات يكمن في كون أن تلك التمثلات والمواقف العدائية تجاه الإطارات نبعت من الواقع الاجتماعي الذي عرف تحولات اقتصادية أثرت على التركيبة الاجتماعية للمجتمع المحلي، وخاصة في المدن الصغيرة التي استفادت من مركبات صناعية كبيرة عملت على خلق فرص للعمل وشجعت عملية الحراك الاجتماعي.

يعمل هذا الوضع على ظهور تصورات وتمثلات لدى المجتمع المحلي بالدرجة الأولى لهذه التحولات المترتبة عن عملية التصنيع، وثانيا تمثلات العمال المحليين للإطارات، وهي مستمدة من المجتمع المحلي، والتي تتلخص في أن التصنيع عمل على توظيف إطارات جاءت من مناطق مختلفة من الوطن واستفادت من نوع من الترقية المهنية والاجتماعية.

إذا رجعنا مثلا إلى مجال دراستنا التي تدور حوله هذه المداخلة، أي مؤسسة الزنك بالغزوات، فإنها عرفت نوعا من المقاومة من طرف المجتمع المحلي خلال السنوات الأولى لتنصيبها. من جهة، تكمن هذه المقاومة في كون أنه تم تنصيب هذه المؤسسة  في وسط المدينة على مساحة شاطئ سياحي حيث هدمت مؤسسة ثقافية ( سينما الشاطئ Ciné Plage)  وورشات لتصبير السمك. كما يرى السكان المحليون أن هذه المؤسسة ملوثة للمحيط[2] سواء عن طريق النفايات والسوائل التي ترمى في البحر، أو تلوث الهواء عن طريق مدخنة المصنع التي أصبحت، في نظر السكان المحليين، السبب الأول لإصابتهم بالأمراض التنفسية. ومن جهة أخرى، فإن المؤسسة الصناعية عملت على توظيف أفراد من خارج المنطقة وقد كان ذلك محل مقاومة من طرف المجتمع المحلي على أساس أنهم جاءوا بعادات تختلف عن عادات المنطقة وخاصة أولئك الإطارات المتكونين بالخارج الذين عادة ما يظهرون بالشعر الطويل وسراويل عريضة الساقين Patte d'éléphant [3]. إن العمال البسطاء في المؤسسة لا يختلفون في تمثلاتهم لهؤلاء الفئات المهنية التي تعتبر بالنسبة لهم دخيلة على مجتمعهم، وقد استفادت من مناصب عمل سمحت لها أن تترقى اجتماعيا. كما أن هؤلاء الإطارات الحاملين للمعرفة العلمية Savoir Scientifique  وللمعرفة التقنية Savoir Faire  هم الذين يملكون سلطة القرار داخل المؤسسة، إنهم يشكلون الفئة التي تأمر وتراقب العمال المنفذين.

لا شك أن في مثل هذه الظروف، وكما هو الحال بالنسبة لأغلب المدن الصغير في المراحل الأولى من تصنيعها، تظهر بعض الممارسات والمواقف العدائية للأفراد الدخلاء على المجتمع، وبنفس الوقت يكون هناك سلوك عدائي  نحو الإطارات وخاصة تجاه أولئك الذين لا ينتمون  إلى المنطقة. فالنتائج التي خرج بها  جمال غريد من خلال التحقيقات الميدانية بنفس المؤسسة (مؤسسة الزنك)،  تظهر أنه بدلا من أن يشعر العمال بواجب تضامني مع مؤسستهم، فإنهم يسلكون سلوكا امتداديا  وممثلا للمحيط الاجتماعي… وأن هناك سلوكا عدائيا صريحا للعمال اتجاه الإطارات[4]. إنه الواقع الذي كانت تعيشه المؤسسة الصناعية والمتمثل في وجود تضامن أفقي بين العمال ضد أولئك الإطارات الذين يمثلون السلطة داخل هذه المنظمات  الصناعية.

أحداث أكتوبر 1988 وإضرابات العمال

تعد أحداث أكتوبر الواجهة التي من خلالها انكشف الصراع داخل المؤسسة  وعداء العمال المنفذين للإطارات المسيرين. فقد ظهرت إضرابات متعددة في مختلف المنشآت الصناعية العمومية تمثلت في محاولة منع الإطارات من الالتحاق بمناصب عملهم، وإظهار القدرة  على العمل ومواصلة مهمة الإنتاج بدون هؤلاء الإطارات، بل السعي إلى رفع الإنتاج أثناء هذه المرحلة. والأكثر من ذلك هو العمل على تغيير  النقابية لتصبح هيئة تعمل على فتح ملفات خاصة بالتقييم الاقتصادي ومحاسبة الإطارات المسيرة التي اعتبرت بالنسبة للعمال السبب الأول في إفلاس مؤسستهم.

فالإضرابات كشكل من أشكال النضال العمالي الرافض لأساليب التسيير  الفاشلة يعتبر سلوكا مطلبيا  متطورا  مقارنة بلتلك الممارسات التي كانت سائدة خلال السبعينات والمتمثلة في عرقلة الإنتاج عن طريق تعطيل الآلات مثلا، مادام أن العامل لم يكن له الحق في الإضراب. ولكن المتتبعين للحركات الاحتجاجية في الجزائر ومن بينهم عبد الناصر جابي   يرون أن أكتوبر العمالي قد تأخر شهرا بحيث أن قمة التعبير العمالي قد كانت في شهر نوفمبر (1988 824 إضرابا) وأن الحركة العمالية المطلبية قد تأخرت سنة للتعبير القوي عن نفسها، بحيث أن أكبر عدد من الإضرابات العمالية في تاريخ الجزائر حتى الآن قد سجل في سنة  3389( 1989 إضرابا)[5].

من بين المطالب الجديدة التي ظهرت بعد أكتوبر 1988، والتي أظهرت بشكل واضح تلك العداوة  السرية  بين العمال المنفذين والإطارات المسيرين، نجد أن أغلب تلك الإضرابات كانت تطالب برحيل الإطارات المسؤولين. فحسب وزير العمل لتلك الحقبة ( أبريل 1989) مس العديد من الإضرابات التي تلت أحداث أكتوبر بالدرجة الأولى الإطارات وممثلي العمال[6].

لم تفلت مؤسسة الزنك بالغزوات من هذا النوع من الإضرابات المطالبة برحيل الإطارات، فمحاضر الاجتماعات النقابية لهذه المؤسسة التي استطعنا الحصول عليها تكشف أن أهم مطلب كان يطالب به العمال هو منع النظام السابق من مواصلة مهامه التسييرية، وذلك عن طريق إبعاد المسيرين  ومراجعة مناصب العمل. كما أن العمال أصبحوا يرون في الإطار المسيَر ذلك الإنسان البيروقراطي المعرقل للسير الحسن لمهامهم. وهكذا فرض العمال أنفسهم داخل المؤسسة الصناعية حيث عملوا على القيام بمراقبة ومحاسبة وفتح ملفات السنوات الماضية، كما أن ممثلي العمال قد عوضوا بأعضاء آخرين بهدف تجديد النقابة التي لم تهتم بانشغلات العمال.

لعل أهم الأفكار الواردة في هذه المحاضر تدل على عدم الرضا عن نمط التسيير الذي كان مطبقا قبل 1988، مما مهد الطريق للمسيرين إلى اختلاس أموال الدولة واستعمال مصالح المؤسسة لأغراض شخصية. كما نلاحظ من خلال هذه المحاضر إثارة النقابة وعمال المؤسسة لقضية سوء تسيير أدوات الإنتاج، واحتجاجهم على السياسة السلطوية والتعسفية المطبقة في نظام الترقية. لم تسلم الإطارات المسيَرة من فتح الملفات السوداء التي تكشف عن عدم تأهيل هذه الإطارات لتسيير المؤسسة الصناعية، وتجاوزها حدود السلطة القانونية واستخدام المحسوبية والرشوة  في الترقية والتوظيف وتسيير الموارد البشرية بصفة عامة، وغير ذلك من الصفات السلبية التي وصفت بها هذه الإطارات. ومن بين الإطارات الذين فتحت بشأنهم هذه الملفات السوداء:  المدير العام، مدير الإنتاج، مدير المستخدمين وكذلك رئيس مصلحة المستخدمين .

عملت التحولات السياسية في الجزائر بعد أحداث أكتوبر، ونظرا للأزمة الاقتصادية  التي عرفتها البلاد في تلك المرحلة والتي أدت إلى تدني القدرة الشرائية للعمال، على زيادة حدة التوتر داخل المؤسسات  الاقتصادية. مما ترتب عنها تزايد في عدد الإضرابات المطالبة برحيل المسيرين. ولا يمكن أن نغض النظر عن كون هذه المرحلة شهدت ظهور أحزاب سياسية مشجعة لمثل هذه الإضرابات التي دفعت القاعدة العمالية نحو تشكيل نقابات منافسة للاتحاد العام للعمال الجزائريين. الجدول رقم 1 يبين لنا هذا الشكل من الإضراب خلال السنوات الثلاث (1990-1991-1992). 

          الجدول رقم 1  يبين توزيع مطلب رحيل المسيرين

      حسب القطاع الاقتصادي والقانوني خلال مرحلة 90-91-92

القطـاع

السنة

القطاع

الصناعي

الإدارة

العمومية

قطاع

المجموعات

المحلية

الخاص

القطاع

 

 

المجموع

1990

 

127

43.21

67

24.90

72

26.76

03

1.11

269

1100

1991

7

18.91

12

23.42

 

18

 

48.46

/

37

1100

1992

 

24

48.97

7

14.28

18

36.73

/

49

1100

المجموع

 

158

44.50

86

24.22

108

30.42

03

0.84

355

1100

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: عبد الناصر جابي، الجزائر تتحرك : دراسة سوسيوسياسية للإضرابات العمالية في الجزائر.  الجزائر: دار الحكمة، 1995، ص 290

يؤكد الجدول رقم 1 خطورة الوضع الذي كانت تعيشه المؤسسات الاقتصادية آنذاك فخلال ثلاث سنوات شهدت هذه المؤسسات 355 إضرابا كلها تطالب برحيل المسيرين الذين اتهموا بمختلف الاتهامات من سوء التسيير والرشوة والمحسوبية  وتحويل الأموال العمومية إلخ. إن تمثلات العمال المنفذين للإطارات لا يمكنها أن تتخلص من تأثير المحيط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، فكل الظروف كانت سانحة لمحاولة تصفية الحسابات بين الأفراد سواء داخل مكان العمل أو خارجه.

نظـرة العمـال للإشراف

نحاول من خلال هذا البعد الرجوع مرة أخرى إلى  عينة من العمال المنفذين الذين عايشوا موجة الإضرابات المضادة للإطارات المشرفة، للكشف عن نظرتهم وتمثلاتهم  لهؤلاء الإطارات في ظل معطيات جديدة تشهدها المؤسسة الاقتصادية وسوق العمل الجزائري بصفة عامة[7]  

الإطار المسير والمشرف على العمل يمثل ذلك التنظيم الرسمي المطبق داخل الوحدة الإنتاجية. فعملية الإنتاج تتطلب من هؤلاء المسيرين إعطاء أوامر ومراقبة صيرورة العمل داخل الورشات . هذا الواقع قد لا يخلو من اصطدام بين الآمر والمأمور وخاصة إذا كان الآمر لا ينتمي  إلى المنطقة. إن أغلب العمال ما زالوا متأثرين بعقلية تقليدية قائمة على معايير وقيم  تشجع وتحبذ التقسيم العمودي للمجتمع، على أساس أن فلان  ابن منطقي، ابن جهتي، ابن عشيرتي، ابن قريتي. لاحظنا مثلا أن هناك مقارنة يقيمها العمال بين مدير الوحدة السابق والمدير الحالي . فالمدير السابق لا ينتمي إلى المنطقة، حيث يقيٌمونه على أنه مسير فاشل ويتصف بأخلاق رذيلة، فحسب رأيهم  كانت مكافآت المردود الإنتاجي  في وقته   تساوي الصفر، حيث لم يحصلوا على أي مكافئة من هذا النوع. أما المدير الحالي، الذي هو ابن المنطقة،  فيرى المبحوثون أن وقته عرف تجديدا لوسائل الإنتاج مما أدى إلى الزيادة في الإنتاج ليصل إلى  130 حتى 140طن سنويا بينما التقديرات قد لا تتعدى 120 طن سنويا، الشيء الذي مكنهم من الحصول على مكافآت خاصة بالمردودية.

العامل المنفذ الذي يقوم بأعمال بسيطة يبقى دائما يشعر بنوع من النقص مما يجعله بعيدا عما يدور في المؤسسة. إلا أنه يشعر بأهميته داخل الورشة التي يعمل بها ويقيم مقارنة دائمة بينه وبين الإداريين الذين يعملون في ظروف عمل مختلفة ولا يلاحظ دور هذا الإداري أو الإطار في المؤسسة. وعن سؤال خاص بمن هو  الأفيد في المصنع، يرى المبحوثون أن هناك فرقا كبيرا بين العمال المنفذين بالورش والإطارات الذين لديهم حرية في التصرف وكذا ظروف عمل جد مريحة مقارنة مع وضعيهم. فنسبة 60 % من هؤلاء المبحوثين يعتقدون أنهم القلب النابض داخل هذه الوحدة.

الجدول رقم  2 يبين الأفيد في المصنع

 الأفيد في المصنع

الافيد في المصنع

 التكرار           

 

عامل الورشة

60

60

عامل الإدارة

01

01

الإطار المسير

00

00

كل المستخدمين

39

39

المجموع

100

100

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يقول أحد المبحوثين: " لو كان مشي أحنا لوزين راه ريد، أحنا اللي رانا نخدموا نتعبوا ونخدموا بالليل  والنهار وحتى الأعياد الدينية" مبحوث 47 سنة.

ويقول عامل أخر 44 سنة:  "عامل الورشة هو الأفيد، "رانا في وحدة إنتاجية وليس في وحدة إدارية" 

فالأفيد هو ذلك العامل  الذي لديه تجربة مهنية والذي يعرف المسار الإنتاجي داخل الورشة أما الإطار بالنسبة للعامل رغم أنه حامل لمعرفة علمية إلا أنه لا يفقه شيئا في الميدان الإنتاجي. ونفس الملاحظة نجدها عند أغلب العمال المنفذين، حيث  يرون  في الإطار ذلك الفرد المحظوظ الذي كانت له الفرصة لمواصلة الدراسة كي يصبح مهندسا في المؤسسة الصناعية مثلا، خلافا لوضعهم الاجتماعي الذي لم يسمح لهم بمواصلة الدراسة والوصول إلى مكانة هؤلاء الإطارات.    

 وحول سؤال خاص عن مدى تثمين المسؤولين لجهد العمال لاحظنا أن جل المبحوثين يرون أن هناك تقديرا إيجابيا لعملهم ونشاطهم من طرف الإطارات. لكن هذا لا ينفي وجود فئة من المبحوثين الذين يشعرون بعدم التقدير وسوء المعاملة من قبل المسؤولين نظرا لتوتر علاقات العمل بينهم، فالعامل مازال يقدس قيم الاحترام المتبادل وحفظ الكرامة، بحيث لا يستطيع تقبل الأوامر من الإطارات وخاصة تلك الأوامر الممزوجة بالتهديد والوعيد والخالية من التعامل غير الرسمي[8]، وهذا ما يؤثر على آراء العمال حول مهام الإطار وضرورة وجوده بالمؤسسة.

قرابة نصف المبحوثين يرون أن الإطارات لا يقومون بمهمتهم أحسن قيام، وبالتالي بإمكان الوحدة أن تشٌتغل بدون هؤلاء الإطارات، ذلك ما صرح به 48% من المستجوبين، بينما 49 % منهم يرون أن وجود الإطار بالوحدة ضروري وأكيد وإلا سوف لا تستطيع مواصلة مهمتها الإنتاجية.

تدلنا هذه المعطيات على أنه رغم وجود مجموعة كبيرة من العمال الذين يقدرون عمل الإطارات ويرون أنهم يقومون بأعمالهم على أحسن ما يرام، ووجودهم ضروري وأكيد بالمؤسسة الصناعية، إلا أن هناك مجموعة كبيرة أيضا من العمال ما زالت  لديهم أحكام مستمدة من المجتمع والثقافة التقليدية، بحيث لم يستطيعوا  تقبل فكرة التحول الاجتماعي للمجتمع واكتساب قيم ثقافية جديدة  مخالفة لتلك القيم التقليدية التي نشئوا فيها.

خـلاصـة

حاولنا من خلال هذه الورقة الاقتراب من تمثلات العمال المنفذين بالمؤسسة الصناعية للإطارات المسيرة. فرغم محدودية المعطيات الميدانية المحصل عليها إلا أنه بإمكاننا الخروج بخلاصة لها دلالة في عالم الشغل في الجزائر.

عمل التصنيع بالجزائر على التأثير على المحيط الاجتماعي الذي استقبل هذا الواقع الاقتصادي، مما ترتب عنه نوع من سخط ومقاومة السكان المحليين لكل ما هو جديد ودخيل على مجتمعهم. إن هذه النظرة أثرت على العمال المحليين الذين حصلوا على مناصب عمل بهذه المؤسسات إلا أنهم لم يندمجوا في محيط عملهم. فنظرتهم وتمثلاتهم لا تختلف  عن تلك التصورات التي يحملها المجتمع للمؤسسة الصناعية. ففي المراحل الأولى للتصنيع ظهر نوع من الصراع غير المعلن بين الفئات المهنية، لينكشف هذا الصراع بعد أحداث أكتوبر التي أصبح فيها الإطارات المسيرة الضحية الأولى، حيث تم منعهم من مواصلة عملهم  والمطالبة برحيلهم، ومحاكمتهم من طرف المنظمة النقابية.   

إن نظرة العامل المنفذ للإطار لا يمكن أن تسمو إلى أرقى مستويات العالم المصنّع ما دامت هناك رواسب ثقافية تقليدية قائمة في المجتمع تتمحور حول قيم التضامن الاجتماعي والاحترام وحفظ الكرامة…


الهوامش

*  أستاذ علم الاجتماع بجامعة وهران، وباحث بمركز البحث في الأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافية crasc  وهران.

[1] أنظر على سبيل المثال:

El Kenz A.,  et . al. S.N.S  (1982).- Industrie et Société.- Contrat de recherche avec SNS, Alger.

-غريد جمال (1997) .- العامل الشائع : عناصر للاقتراب من الوجه الجديد للعامل الصناعي الجزائري، في مجلة إنسانيات، عدد 1، ص.ص7-23.

[2]  cf. Semmoud B. (1979).- L’industrialisation de Ghazaouet : étude de localisation industrielle, implication  géographique.- In Cahiers géographiques de l’Ouest, N° 2-3, p.p 271-274

[3] Cf., Guerid D. (Mai 1990).- L’entreprise industrielle en Algérie et le conflit de rationalité.- Cahier du CRASC,.

[4] Ibid, p.11.

[5] جابي عبد الناصر (1995).- الجزائر تتحرك: دراسة سوسيوسياسية للإضرابات العمالية في الجزائر، دار الحكمة، الجزائر، ص ص272-273

[6]- Cf. Guerid D..- L’entreprise industrielle en Algérie et le conflit de rationalité.-Op.cit, p.11

[7] -المعطيات المعروضة والمحللة في هذا العنصر  هي جزء من تحقيق ميداني قمنا به في إطار مشروع بحث، تحت عنوان طرارة بين الحداثة والتقليد، أنجز  في سنة 1996-1997 مع المركز الوطني للأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية.

[8] أنظر خطابي أحمد (1997).- إدراك العمال لوضعهم في مكان العمل، في ثقافات المؤسسة .- منشورات مركز البحث في الأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافية CRASC  ،  وهران، ص.39.