Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 2، 2001، ص. 105-116 | النص الكامل


 

 

 

 اسماعيل قيرة و إبراهيم توهامي

 

 

لعل من أهم المقولات المطروحة حول تسارع وتائر العولمة والتقدم التكنولوجي الهائل، والتخصص الدقيق هي تلك المتصلة بتنامي ظاهرة الاغتراب والتهميش المرتبطة بالعنصر البشري الذي يعتبر من أهم موارد العملية الإنتاجية، وأكثرها حاجة لتوفير عوامل التماسك والتكيف والتكامل في مختلف المؤسسات المندرجة اليوم في عالم يتحرك نحو تكثيف علاقات الجوار والتبادل السريع للمعلومات من ناحية، ونحو بلورة عوالم منقسمة تسعى جاهدة للحفاظ على حدودها وهويتها ونسقها الفكري والقيمي من ناحية أخرى. ويستطيع المتتبع للإسهامات التي قدمها الدارسون لهذه العوالم المنقسمة على مستوى المؤسسات، أن يخلص إلى أن هناك معالم لإشكالية تثيرها بل وتفرضها دراسة تلك القضية على الباحثين. وتتحدد معالم تلك الإشكالية في نمط العلاقة التناقضية التي تكشف عنها مسألة الثورة الإعلامية وتنامي الحدود الفاصلة بين جماعات العمل، ومن ثم الوقوع في دائرة خبرة الاغتراب والانفصال وعدم الانتماء لرموز الأنساق الفرعية المشكلة للبناء التنظيمي.

و إذا كانت أنماط الاغتراب يمكن أن تعايش في مختلف المستويات التنظيمية، فإن مدلولها ينطوي على أبعاد أكثر عمقا وخطورة. و يتجلى ذلك في بعدين أساسيين يضيفان إلى معالم إشكالية التناقض السابقة معان تجعل من دراستها ورصدها أمرا تفرضه طبيعة وحجم وعلاقات تلك الإشكاليات بغيرها. ويتجلى هذان البعدان في واقع الأمر في حالة التباعد المتزايد بين قمة الهرم وأسفله. وما من شك أن صرامة انغلاق الشرائح التنظيمية العليا على نفسها يساعد لا على تكامل المستويات التنظيمية، إنما على تنمية الاغتراب والانفصال وخلق الحدود الاصطناعية بين جماعات   العمل التي لم تعد كتلة متراصة لمواجهة ضغوطات العمل، بل أصبحت ذرات متحركة في اتجاهات توجه فنيا وتكيف حسب مقتضيات العمل.

أما البعد الثاني في علاقة هذه الإشكالية بشريحة الإطارات فيتمثل  في تناقض هدف تعبئتها لمواكبة سياسة الخوصصة وتدني أوضاعها العامة واستيعابها في خضم الحياة اليومية الصعبة. وهنا يحدث التناقض بين واقع المؤسسة وواقع الإطارات. وغير خاف أن موقف التناقض بين الواقع والمستهدف من شأنه أن يصنع أو يخلق إشكالية التعارض داخل المؤسسة.

ورغم ما يبدو من تأثيرات سلبية على مستوى معيشة الإطارات العليا في مصنع تكرير البترول بسكيكدة، إلا أن أجور هذه الشريحة تظل عالية جدا مقارنة بأجور الشرائح الأخرى المشابهة في قطاعات اقتصادية أخرى. ومازالت هذه الشريحة تستفيد من كثير من المزايا التي وهبها لها تدفق البترول والغاز عبر أنابيب لتصب في حاملات النفط الأجنبية، دون أن ننسى الإشارة إلى عمليات التصنيع البسيطة التي لا ترقى قط إلى أهمية هذه المادة الإستراتيجية في الأسواق العالمية. فكاسبوا الدخل الصناعي عموما متميزون نسبيا وغالبا ما يشكلون محور الشبكة الحضرية التي تستقبل أقرباءهم الأقل حظا. لا يجب أن يقودنا هذا بالضرورة إلى وصف الشريحة العليا في مصنع تكرير البترول بالأرستقراطية، فهذه  التسمية خائنة لأنها توحي بوجود نخبة ذات مكانة، وهي تسمية لا تنطبق على الوضع الذي تحتله هذه الفئات نتيجة الضغوط التي تتعرض لها، وانهماكها في روتين يومي قاتل واستيعابها في سياق اجتماعي مغلق رغم تبجحها وادعائها بحملها ثقافة تتسم بخصائص الحضرية وقادرة على تغيير الأوضاع الاجتماعية السائدة.

ضمن هذا السياق لم ننظر إلى الاغتراب كحالة من الانعزال الاجتماعي و النفسي فحسب، بل عملنا على تمديد أطرافها لتشمل السلبية بصورها المتعددة والتمرد والمجاورة غير الواعية بأي من الوسائل أو الأهداف أو كلاهما معا. و بالتالي يبدو جليا أن ظاهرة الاغتراب، باعتبارها ظاهرة اجتماعية، تتضمن ثلاثة جوانب أساسية تتداخل في سياق البناء التنظيمي وتفرز صورا عديدة من الاغتراب والتهميش (انظر شكل 1).

                                                                                                                                                                                                   شكل (1) أبعاد الاغتراب

                                

 

                                تعدد صور وأشكال الاغتراب  

 

أولا - جوانب من عملية التهميش والاغتراب

هذه الدراسة تصوير انتقائي لبعض مظاهر الاغتراب والتهميش لدى الشريحة العليا في البناء التنظيمي لمصنع تكرير البترول. واعتمدنا على الملاحظات العيانية و المقابلات المقننة وغير المقننة. ولهذا جاءت هذه الدراسة عبارة عن رصد لبعض المظاهر المغتربة والمهمشة. ورغم تركيزنا على شريحة اجتماعية محددة إلا أننا لم نتعمق في تناولها ودراستها من مختلف الجوانب، بل سعينا إلى إعطاء فكرة عامة عن عملية التهميش والاغتراب لدى هذه الشريحة التي تحاول مد سيطرتها ونفوذها على مختلف الأنشطة الاقتصادية و الاجتماعية داخل المصنع. فهي تتدخل في كل كبيرة وصغيرة وتقاوم عملية الحراك المهني نحو الأعلى وتحاول أن تحافظ على تماسكها الداخلي لمقاومة التهديدات الداخلية والضغوط الخارجية، رغم الاختلافات التعليمية والاجتماعية والجغرافية التي كثيرا ما أسفرت عن تكوين زمر اجتماعية صغيرة داخل هذه الشريحة.

وبهذا الخصوص تبين لنا وجود صراعات بين هذه الزمر الاجتماعية من ناحية و بين الأفراد من أجل المكانة والهيمنة على عملية اتخاذ القرار من ناحية أخرى. و لقد امتد هذا الصراع إلى الحي و المقهى وجماعة الأصدقاء والعمل، و تولدت عنه اتجاهات قاسية في النقد وتشويه صورة الآخر. ومن اللافت للنظر أن هذه الجماعة العليا تتميز بطريقتها في التعامل مع عمال المؤسسة وتتميز بمظهرها الخارجي والاعتماد الكلي على السيارة الخاصة والانغلاق على الذات. و من الغريب أن جزءا من هذه الشريحة قد انغمس في التجارة والإقامة في مساكن راقية، إلى جانب تحقيق عائدات مادية قد أهلتها لتبوأ مكانة متميزة في البناء الاجتماعي لمدينة سكيكدة. ولذا فإن القضية المهمة في مجال فهم جوهر شبكتها العلائقية التنظيمية والمجتمعية هو ضيق نطاقها واكتسابها الطابع الرسمي العقلاني والمصلحي- العارض والمؤقت. ومن نافلة القول أن نقاشات هذه الشريحة تتمحور حول القضايا العامة والجدل العقيم والقضايا الرياضية وأخبار الناس. فهي لا تولي عناية للتجديدات والابتكارات التنظيمية والتكنولوجية وتطوير القدرات والمهارات لمواكبة التطور الحاصل في الضفة الشمالية، بل تركز كل جهدها على الروتين اليومي في أداء الأدوار المندرجة في السياق العام لعملية التخصص وتقسيم العمل. والأدهى من ذلك هو ترسخ الاعتقاد لدى هذه الشريحة بأهمية دورها وموقعها الحساس في إدارة دواليب المؤسسة، فبدونها تتوقف دينامية التغير والتحول.

ومن هذه الزاوية رصدنا جوانب عديدة من عملية التهميش والاغتراب، أهمها :

1. تعاني الشريحة التنظيمية العليا أنواعا متعددة من التهميش، منه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والمهني. إذ يمكن أن يكون الإنسان مهمشا سياسيا ولكن وضعه الاقتصادي أو الاجتماعي جيد أو لا بأس به. و يمكن أن يكون مهمشا اقتصاديا أو اجتماعيا ولكنه متماسك فكريا. وعلى الرغم من العلاقة الوثيقة والمتبادلة بين الاقتصاد والسياسة فإننا نجد حالات كثيرة يكون فيها الإنسان مهمشا في ناحية وذا شأن في ناحية أخرى. وهذا ما يقودنا إلى القول بنسبية التهميش والاغتراب.

2. التهميش والاغتراب نسبيان ولهما حالات كثيرة. وهذا ما أكدته المعطيات التي جمعناها من الميدان، إذ أنه ليس من الضروري أن يشعر الإنسان بتهميشه، فأحيانا وبسبب وعيه الاجتماعي أو السياسي المتدني لا يشعر بحالة التهميش أو الاغتراب التي يعيشها، و يظن أن الدنيا خلقت على هذا الشكل الذي يعيشه دون أن يشعر بالفروق الاجتماعية أو الاستغلال بمختلف أشكاله.

3. التهميش و الاغتراب المهنيان ليسا أزليين، أي ثمة حركية داخل المؤسسة لا تعرف السكون. فهناك فئات تنتقل من شريحة إلى أخرى صعودا أو هبوطا، ونجد أفرادا مروا خلال حياتهم بعدة مراحل شعروا في إحداها أنهم مهمشون ومغتربون وأحسوا في مرحلة أخرى أنهم يعيشون في صميم المؤسسة والمجتمع. فالتهميش والاغتراب يمكن أن يستمرا لفترة ثم يزولان وأحيانا يطلان برأسيهما من جديد.

4. التهميش ذو شكل هرمي ومن يقف في منتصف الهرم فهو مهمش من الأعلى ويهمش الأدنى. فمدير مصنع تكرير البترول مهمش بالنسبة لمن هم أعلى منه أو من يستطيع إقالته، وهو يهمش ما دونه من رؤساء الدوائر والأقسام ولا يسمع اقتراحاتهم أو لا يسمح لهم بتقديمها أصلا.

 
شكل (2) تدرج عمليتي التهميش والاغتراب

 

  .5 التهميش ذو شكل دائري، فثمة مركز وأطراف، وكلما ابتعد الموظف عن المركز أصبح أكثر تهميشا واغترابا. فإذا كان المدير يشغل مركز الدائرة فإن الوحدات التنظيمية المشكلة للمؤسسة تتدرج حسب أهميتها.

 

                                                                                                                                 شكل (3) الاغتراب والتدرج من المركز إلى الأطراف

 

 

المصالح الاخرى  

  6. ترتبط عمليتي التخصص وتقسيم العمل بتزايد وتائر الاغتراب وعدم تحقيق الذات وهدر الإمكانات والقدرات المتاحة لدى الفنيين والإطارات والعمال المهرة وغيرهم من الفئات العمالية الأخرى.

7. لم يعد خافيا على أحد أن انتشار مظاهر اللامبالاة والإهمال قد زادت درجتي الانفصال والعزلة الاجتماعية. فلو سألت كل عمال مصنع تكرير البترول ابتداء من "البواب" إلى المدير، سؤالا مفاده : من المسؤول عما يحدث في مؤسستكم من فساد وإهمال، لكانت الإجابة واحدة : "أنا خاطبني". الكل ينتقد والكل يبرئ نفسه. لا مراء في أن كل هذا يعبر عن اختلالات النسق القيمي، حيث تختل لدى الناس معايير الصواب والخطأ ومعايير التقييم والالتزام والمثل العليا، ويترتب على هذا أن يصبح البناء الاجتماعي متسما بالتعدد والتعددية التي تشير هنا إلى تجاور وتداخل وتناقض المكونات الأساسية للبناء الاجتماعي وهي : أشكال الإنتاج، والطبقات، والأنماط الثقافية والإيديولوجيات...الخ.

ثانيا- الشريحة العليا والاغتراب

بادئ ذي بدء، نشير إلى أن دراستنا حول الشريحة العليا انطلقت من مرحلة تهيؤ هذه الشريحة للاغتراب في ضوء متغيرات فقدان السيطرة، فقدان المعنى، فقدان المعايير ثم مرحلة الرفض والنفور الثقافيين أي التفاعل بين الجوانب الذاتية والموضوعية والانفصال بين الذات والعالم الموضوعي، وبين الذات وجوانب الذات التي صارت منفصلة وفي وضع مضاد للنفس مثل اغتراب العامل .ولم تتوقف دراستنا عند هذه المرحلة، بل عالجت مرحلة تكيف الإطار المغترب الذي يعاني من العزلة الاجتماعية. ولاستكمال الصورة العامة لتصورنا لأبعاد المراحل الثلاث للاغتراب، تعرضنا بالتحليل السوسيولوجي لأشكال السلوك المغترب لدى الشريحة العليا ووضعنا متصلا للاستغراق والانسحاب، على التناقض بين الواقع والمستهدف. وفي هذا السياق نفسه ناقشنا سلوكات وتصرفات الفئات العليا المنسحبة من حيث الهروب من مشاكلها وهمومها والانشغال بالحياة السطحية، الجهود الاجتماعية، اللامبالاة، والعزلة. كما ناقشت الدراسة سلوكات النشطاء المغتربين ضمن الفئة العليا في ضوء اشتراكها في الأنشطة المختلفة بهدف تغيير الواقع المعاش والميل إلى المعارضة والتمرد وعدم قبول الأمر الواقع، في حين تناولت دراستنا جماعة فرعية ضمن هذه الشريحة وهي فئة المتظلمين الذين يقفون بين الطرفين المتعارضين لمتصل الاستغراق والانسحاب، و هذه الجماعة نوقش سلوكها وتصرفاتها من حيث الإذعان للعام أكثر من الاستجابة للمطالب الخاصة، والميل إلى التوافق.

ولتجسيد هذا المتصل وتبيان تجدسيداته، ناقشنا في دراستنا الأنماط السلوكية المغتربة لشريحة متكونة من 50 إطارا يشغلون المواقع العليا في البناء التنظيمي. ولقد تجسدت في ثلاثة أنماط غالبة، هي :

1. نمط المجاراة غير الرشيدة : وفي هذا النمط تراوحت الأنماط السلوكية للإطارات بين قبول و إدراك الأهداف والمعايير والوسائل أو رفضها جزئيا أو كليا.

2. نمط السلوك السلبي : تتسم سلوكات وتصرفات ومواقف هذه الجماعة بالسلبية تجاه الأهداف والمعايير والوسائل. هذه السلبية تتراوح بين الجزئية والتامة.

3. نمط السلوك التمردي : ويتميز هذا النمط بالرفض وعدم التكيف مع معايير وأهداف المؤسسة، وفي نفس الوقت تتكيف الجماعة المندرجة تحت هذا النمط السلوكي مع بدائل أخرى.

و بدون التعرض إلى مختلف النتائج المتعلقة بكل محور، نشير إلى أنه بعد التحليل الأولي للعلاقة بين الأبعاد المكونة لكل من الجوانب الثقافية والاجتماعية والشخصية لظاهرة الاغتراب لدى الشريحة العليا تبين أن الاتساق واضح بين مكونات الجوانب الثقافية والاجتماعية والشخصية. وأن هذه الجوانب تشكل بصورة عامة الجوانب البنائية لظاهرة الاغتراب وأنها ترتبط ببعضها ارتباطا وثيقا.

و مما يؤكد وجود العلاقة الدينامية بين مراحل عملية الاغتراب تلك الدلالة القوية بين اللامعنى والجوانب ذات الصلة الوثيقة بمرحلة الرفض والنفور الثقافي لاختيارات الأفراد وانخفاض دلالة ارتباطها بالجوانب المشكلة لأنماط التكيف المغترب في الوقت الذي ترتفع فيه دلالة الارتباط بين الجوانب التي على صلة وثيقة بصراع الأهداف والقيم المغتربة ومظاهر الاغتراب النفسي وأنماط التكيف المغترب المتمثلة في المجاراة المغتربة والسلبية والتمرد. في الوقت الذي يظهر فيه أيضا وجود دلالة قوية لارتباط الأبعاد المتفاعلة مع اللامعنى بالرفض والنفور الثقافي والاغتراب على المستوى النفسي والاجتماعي. وفي ضوء ذلك يصدق ما ذهبنا إليه من ضرورة الفهم النسقي لأبعاد الاغتراب في إطار العملية الاجتماعية التي تؤدي لظاهرة الاغتراب.   

  وعلى هذا الأساس يمكننا طرح بعض الاستنتاجات المستخلصة من الدراسة التي مازالت في مراحلها الأولى :

1/ تشكل الشريحة العليا جماعة متباينة الأصول ومتنافرة من حيث المكون الثقافي- القيمي، لكنها تميل إلى التماسك.

2/ تعيش وضعا يتميز بعدم الاستقرار، بسبب خوفها من التحول الحاصل على النطاق المجتمعي.

3/ تنتمي هذه الشريحة لإيديولوجيات متعددة ويبدو أن الجماعة الفرعية المندرجة في المنحى الديني من أكثرها تماسكا ونشاطا وتغلغلا واطلاعا ومجاراة للوضع، بهدف التأثير فيه.

4/ تتفاوت درجة المقاومة لكنها تزداد لدى الجماعة الفرعية الحاملة لمشروع آخر كبديل لتغيير المجتمع.

5/ تتزايد درجة السلبية وسط هذه الشريحة العليا في البناء التنظيمي.

6/ تبين من دراسة درجة الارتباط بين تفاعل عدد من الأبعاد أن هناك ارتباطا واضحا بين سلب الحرية والمعرفة واللامعنى وتزايد درجة الاغتراب.

7/ تؤكد التحليلات الإحصائية الأولية ارتباط الاغتراب بتقييم العمل، التخصص الوظيفي، التكنولوجيا المعقدة، التنظيم الاجتماعي للمؤسسة وبنائها الاقتصادي.

8/ هناك تدرج في تنميط الاغتراب سواء من حيث حضور أبعاده (فقدان السيطرة و المعنى و الانعزال ...الخ) أو من حيث كثافة التفاعل بين هذه الأبعاد.

على هذا الأساس يتضح أن الشريحة العليا في التنظيم بالرغم من احتلالها مراكز اتخاذ القرار والسلطة، إلا أنها تعاني عمليات الاغتراب بأنواعه المختلفة ابتداء من فقدان السيطرة والمعنى والمعايير إلى العزلة الاجتماعية والاغتراب المتمثل في النفي-الذاتي، وذلك ما يزيد في وتيرة درجة الانفصال والتناقض بين الواقع والمستهدف.

حيث لاحظنا أن اتساع الفجوة بين عالمي الواقع واليوتوبيا يتزايد في ظل صراع الأهداف وعدم الشعور بالولاء والانتماء، إلى جانب عدم القدرة على فهم الأحداث والشعور بعدم القدرة على التأثير فيها. وفي هذا الإطار، تؤكد الشواهد أن الشريحة العليا يزداد اغترابها في ضوء إقرارها لحقيقة مفادها أنه عندما يكون الإطار في وضع المجبر على الاختيار بين البدائل التي لا يكون بينها اختلافات حقيقية أو عندما يعاق فكريا من بلوغ القرار المتعلق ببعض القضايا نتيجة لنقص المعلومات حول القرار الذي يفكر فيه، فإنه في هذه الحالة يمكن تصنيفه ضمن الأنماط المتعددة للاغتراب كفقدان السيطرة وعدم التحكم أو فقدان المعنى والسلبية والمجاراة غير الواعية ...الخ.

فلا عجب إذا، أن تؤدي التحولات التي تعتري النسق المجتمعي والمؤسسي إلى بروز فئات اجتماعية جديدة، وأشكال أخرى من الاستغلال والتهميش والاغتراب. وليس هناك من شك في أن الانتهاء من الدراسة وتحليل المعطيات سيقودنا لا محالة إلى نتائج أكثر عمقا وارتباطا بالشريحة العليا في التنظيم.

المــراجع

1. شتا علي (1997).-  الاغتراب.-  دار المعارف، القاهرة.

2. لوكاش جورج (1982).-  التاريخ والوعي الطبقي.- (ترجمة حنا الشاعر)، دار الأندلس، بيروت.

3. هاشم زكي (1984).- تنظيم وطرق العمل.- مطبوعات جامعة الكويت، الكويت.

4. علاقي مدني (1981).- الإدارة : دراسة تحليلية للوظائف والقرارات الإدارية.-  ج1 تهامة، جدة.

5. علاقي مدني (1981).- دراسة تحليلية للوظائف والقرارات الإدارية.-ج2 تهامة، جدة.

6. علي محمد محمد (1982).- علم اجتماع التنظيم.- دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية

7. الحسيني السيد (1980).- النظرية الاجتماعية ودراسة التنظيم.- دار المعارف، القاهرة.

8. سليمان حنفي (1986).- الأفراد.- دار الجامعات المصرية، الإسكندرية.

9. سيلفرمان دافيد (1980).- الإطار السوسيولوجي لنظرية التنظيم.- (ترجمة و تقديم عادل الهواري) مكتبة نهضة الشرق، القاهرة.

10. الخفاجي عصام و آخرون (1980).- هامشيون.- جدل، العدد 4.

11. Offe Clauss (1985).- Disorganised Capitalism.- polity press, London.

12. Larson Magali (1977).- The Rise of Professionalism : a sociological analysis.- University of California press, Berkeley 1977 13. Lojkine, Jean (1983).- Le Marxisme.- PUF, Paris.


الهوامش

*   أستاذان بقسم علم الاجتماع بجامعة قسنطينة وباحثان بمركز البحوث الأنثروبولوجية CRASC