Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 2، 2001، ص. 23-36 | النص الكامل 


 

 

 

فؤاد عبد المؤمن

 

 

مقـدمـة

إن تحديد فئة الإطارات الصناعية كفئة اجتماعية يتطلب منا أن نأخذ بعين الاعـتبار كونها فئة (تتحدد أساسا في سياق العمل الصناعي الذي يشكلها ويموضـعها في تراتبـية اجتماعية تعكس طـبيعة الـعلاقات الاجتماعية الإنتاجية.

يمثل العمل الصناعي في واقـع المـجتمع الجزائري معطى سوسيولـوجي بالـغ الأهمية في تحليل العلاقات الاجتماعية لأنه يعكس حدود عملية التصنيع، أي حدود السيـاسة التنموية وتوجهاتها، ومن ثم موقع ودور الفاعلين الاجتماعيين في ظـل ديناميكية التصنيع التي تحددها الخيارات الفنية والاقتصادية والسياسية للدولة.

انطلاقا من هذا التصور، فإن الاقتراب من تحليل موقع ودور هذه الفئة سوف يرتبط بمـلامسة الأبعاد التي ترسم حدود هذه الفئة في البنية الاجتماعية والتي نوجزها فيما يلي:

أولا : انتظامها في الهرمية التنظيمية تؤطـره ملكية الدولة لوسائل الإنتاج  وهذا الانتظام يعكس وضعا إشكالـيا على علاقتها بالآخرين.

ثانيا : ارتكازها في أداء عملها على طبيعة أداء المؤسسة الصناعية مما يكرس آليات إعادة إنتاج ذاتها وفق ما تمليه الأهداف.

ثالثا : اعتمادها في أداء أدوارها من الناحية النظرية على امتلاكها لرأسمال فني معـرفي يتحـدد بطـبيعة المـهام –فنية إنتاجية / إدارية بيروقراطية – التي تعزز من خلالها سلطتها.

إن الاقتراب من تحديد موقع الإطار الصناعي في بنية التنظيم يفرض علينا الرجوع إلى تحديد علاقات تملك رأس المال الصناعي، أو بالأحرى من يتصرف في وسائل الإنتاج والفائض الإنتاجي. فالصناعة الجزائرية تتميز أساسا باستنادها إلى القطاع العام،  بمعنى أن ملكية المؤسسات الصناعية تعود إلى الدولة صـاحبة المـشروع التصنيعي، وتعتمد في هذا الشأن باعتبارها كـذلك على الارتكاز على الريع البترولي من خـلال تثمين الـموارد البتـرولية وتصديرها وإحلالها بالأدوات والمـعدات الـكافية للاسـتثمار في الصناعة.

وقد بلغت مـلكية الـدولة – القطـاع العام – بعد انطلاق المشروع الإنمائي في كثير من الأنشطة الصناعية %100  بحيث أصبـحت الدولة المستـخدم الرئيسي في الجزائر بفعل استيعاب قوة العمل بـكل مواصفتها. إن كـثافة الاستـثمار من خـلال القـطاع الـعام تعكس إستراتيجية سياسة التشغيل التي كانت تهدف إلى توسيع نطاق الإجارة وتخفيض معدلات البطالة[1]، إنها بالأحرى السياسـة الاجتماعية التي طبعت التوجه التنموي للسلطة الحاكمة.

1. طبيعة السلطة في الجزائر

إن مسار تشكل فئة الإطارات الصـناعية في الجزائر على غرار الفئات الصناعية الأخرى يجد تفسيره عند مستوى تحليل طبيعة السـلطة في الجـزائر وذلك لغـموض وضبابية العلاقة التي تربط الإطارات عموما والصناعية منها خصـوصا بهذه الأخيرة من ناحية علاقة ممارسة السلطة بالتملك الفعلي لوسائل الإنتاج.

لتوضيح هذا الغموض في مضمون العلاقة نحاول الرجوع إلى ما قام به الاستعمار بشكل تعسفي واضـطراري في مراحـل سابقة حـيث عرقل عملية التطور الاقتصادي ومزق النـسيج الاجـتماعي التقـليدي لصالح نسيج اقتصـادي اجتماعي مهيـمن ومسيطر على العــلاقات والأنماط المجودة  والـذي أفرز بنحو أو بآخـر قوى اجتماعية جديدة وتدرج طبقي يشمل إلى جانب البورجوازية الكـبيرة والفئــات والشرائح الاجتماعية الدنيا فئات وسيطة من البرجوازية الصـغيرة شـديدة التباين من حـيث أوضاعها وأصولها الاجتماعية والأدوار الموكلة لها .

شكلت إفرازات الممارسة الاستعمارية في تقاطعها مع معـطيات الواقع الاجتماعي السياسي لما بعد الاستقلال نظاما سياسيا لم يعـط أي دور للفـئات الأجـيرة والـكتل التي تـمثلها أي إمكانية في صنع القرار السياسي والاقتصادي أو المشاركة فيه، إنها فقط السلطة التي لم تكن سوى تلـك المجـموعات العسكرية ذات الامتيازات التي وضعت نظاما أقصى كل التكوينات الأخرى[2].

عملت السلطة السياسة مع بداية الاستقلال على إقصاء البورجوازية وإقرار إصـلاح زراعي و تبني التسيير الذاتي والإعـلان عن تبني اشتـراكية تقوم على المسـاواة ونبذ الاسـتغلال بحيث صبغت هذه الإجراءات السلطة بمسحة راديكالية وجمعت حـولها كـل الأطـراف المعادية للرأسمالية الغربية إلى الحـد الذي أدى ببـعض الـدارسين[3] للنظام الاجتماعي الجزائري إلى نعتها – أي السلطة – بأنها تمثل جبهة طبقية في السلطة "front de classe au pouvoir  " تتشكل من البرجوازية الوطنية البيروقراطية والتكنوقراطية والطبقة العاملة وعموم الشغيلة.

إن القرارات السياسية والاقتصادية التي اتخذتها الإدارة الجزائرية في مراحلها المختلفة لم يتحقق منها سوى تنمية ودعم السلطة المهيمنة على أجهزة الدولة التي تعكس في الواقع تنامي رأسمالية الدولة بفعل إعادة توزيع الدخل الوطني وفق الترتيبات التي تسـمح بإعادة إنـتاج هيمنتها. على هذا الأساس فإن عمليات التأميم والإصلاح وبــناء القطاع العام التي أطرت النمو الصناعي في الجزائر تندرج في الواقع كإجراءات وممارسات تحركها المصالح الطبقية المتنامية بنمو الشرائح البـورجوازية الصغيرة المتواجدة رأسا في أجهزة الدولة، بتعبير" بولونزاس"N. POULANZAS ، [4] والتي تهيمن على أشكال توزيع الريع البترولي وترسـم حـدود صـراع المصالح من داخل تحالف الكتلة الموجودة في السلطة كما يقول سامي ناير [5].

2. الإطار و ممارسة السلطة داخل التنظيم

إن القــطاع العـام الصناعي باعـتباره حقلا للصراع من أجل استملاك المجال الاجتماعي السياسي لم يمكن الإطارات الصناعية كفئة اجتماعية مهيمنة من احتلال موقعا متميزا داخل الهرم التنظيمي، وذلك بفعل المركزية الشديدة للقرارات التي وضعت وحدات القطاع العام عموما تحت رقابة صارمة تنم عن توجيه للاقتصاد بمنطق سياسي من أجل التحكم في الصراع الاجتماعي وإدارته.

هذا المنطق الخاص الذي يميز القطاع العام جعل دوره يقتصر على تعديل بنية الاستخدام من خلال توسيع نـطاق الإجارة بهدف تأمين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للسكان، ليصبح وجوده الموضوعي قائما خارج دائرة الإنتاج باتجاه إعادة صياغة بنية السكان النشيطين .

إن هذا الـتوجه العام الذي يعكس في حقيقة الأمـر المضـمون الاجتماعي والطبقي للقطاع العام يجد تفسيره في الوظيفة التوزيعية للدخل الوطني التي انكمش حولها بدل الوظيفة الإنتـاجية، وذلك من خلال خلق اقتصاد استهلاكي لمداخيل البترول.[6] يقول عدي الهواري إن التنظيم الصـناعي الجزائري نشأ بعيدا عن الصعوبات المالية من خلال الدور التوزيعي لدولة الريع البترولي [7].

لم تعط هذه الوضعية  للإدارات على مستوى المؤسسـات الصـناعية الجزائرية، من حـيث أنها وضعية متميزة بمركزية القرار و بالدور التوزيعي للـدخل، الأدوات القـانونية لممارسة السلطة والضغط على قوة العمل لتحسين الإنتاجية بحيث جعلت هذه الوضعية دور الإطار الصناعي خصوصا يتمفصل بين ما تمليه عليه متطلـبات وظيفته الفنية الإنتاجية من جهة، ومتطلبات المنصب الذي يحـتله في هرم السلطة داخل المؤسسة من جهة ثانية، والذي يعتبر امتـداد طبيعيا لمركزية ورقابة الدولة بحكم سيطرتها على وسائل الإنتاج. ويقول عدي الهواري بهذا الصدد : " إن الإطارات على مستوى الإدارات مجبرون على احترام التعليمات التي تأتي من الوصاية بـهدف تفادي الصراع الذي يمكن استغلاله سياسيا من طرف الأعداء الخـارجين…."[8].

إن علاقة الإطار الصناعي بملكية وسـائل الإنتاج من خـلال الإطار القانوني الذي ينظمها جعلت دوره يتـجه  عموما نحو  تجسيد متطلبات المنصب – الوظيفة التوزيعية – التي تـؤمن له وضعا اجتماعيا متميزا عن باقي الفئات الأجيرة الأخرى على حسـاب دوره الإنتاجي الفني. إن شرعية "Légitimité  "هذه الفئة عنـد هذا المستوى من التحليل لا تقوم على ممارسة الوظيفة التوزيعية لفائض الإنتاج وفق آليات و قوانين السوق كما هو الحال في المجتمعات الرأسمالية، بل تقوم من خلال التوجيه السياسي لدور المؤسسة العمومية، إنها بذلك شرعية غير عقلانية لا يحددها الدور الإنتاجي، بل سيـاسة نـاتجة عـن تبعية Dépendance للـقوى المهيمنة على القرار السياسي.

من جهة أخرى، تبقى الإطارات الصـناعية بالـرغم مـن الـقوة المتنامية المحتملة من الناحـية الـنظرية التي قد تكتسبها بفعـل دورها المحتوم، فئة مختلفة عن الإطارات في المجتمعات الشمولية التي تحظى بوضـع متـميز بفعل هيمنتها على وسائل الإنتاج.[9] إن دورها التوزيعي في ظل علاقة التبعية للفئات المهيمنة المتشكلة أساسا من البرجوازية البيروقراطية لا يكفي لتوصيفها بـأنها مهيمنة تمتلك القوة وتسيطر على وسائل الإنتاج، إنها تكرس فقط الـدور التوزيعي لنخبة البيروقراطية الحاكمة .

عند هذا المسـتوى من التـحليل فإن تـصور الإطار الصناعي الجزائري في ظل علاقة التبعية التي يفرضها نمـط التمـلك وشـكل التوزيع يكشف عن حاله استلاب تنم عن حرمان حقيقي لممارسة دوره، لتكشف عن صراع الأدوار لديه بحكم توسطه لأطراف عـلاقة العمل الإنتاجية. وتعكس ازدواجية الوجود من خلال تموضـعه في الـبناء الاجتماعي ضمن المسيطر عليه أنه  يشعر بعلاقة السيطرة والتهميش من دائـرة اتـخاذ القرار ومراقبـة المجـال الاجتـماعي السياسي. إن الدور الموكل له يبقى محدودا في تعزيز موقعه داخل البنية التي يوجد بها.

3. علاقة الإطار بالعمل الصناعي

يمثـل العمـل الصـناعي في واقع المجـتمع الجزائـري حقلا سوسيولوجيا ذو أهمية بالغة في تحليل العلاقات الاجتماعية الطبقية لأنه يعكـس دور الفـاعلين الاجتماعيين في ظل ديناميكية عملية التصنيع وحدود توجهات السياسة التنموية المتمثلة في مضـمون الأنـشطة  والأعـمال التي يقومـون بها من أجل استملاك المـجال الاجتماعي و السياسي الذي يمكنهم من السيطرة على آليات الإنتاج والتحكم في توزيع الفائض.

انطلاقا من هذا التصور، سوف نحاول تحديد علاقة الإطار بالعمل الصناعي من خلال تحديد الـدور الإنـتاجي للإطار الصـناعي عند مستوى طبيعة المهام التي يقوم بها وحدود تحكمه فيها.

1.3- الإطـار الصناعي خارج دائـرة الإنتاج

إن طبيعة عمل التـنظيمات الصـناعية الحديثة في المجتمعات الرأسمالية يعكس لنا خاصية استقلالية المستوى الإنتاجي وتوسطه بين العمليات الفنية التنفيذية وعملية اتـخاذ القـرار،[10] غير أن دلالة أو وظيفة هذه التنظيمات تغيب أو تنعـدم عنـدما نقترب من تحليلها على المستوى المحلي– الجزائر– لأن المشروع الـتصنيعي  الذي كانت أهدافه المحلية مركزة أسـاسا حول خلق نظام صناعي منـدمج مـن خلال توفير المعدات والأدوات وتطوير السلع الاستـهلاكـية لتلبية الحاجات الأساسية للسكان لم يتحقق. [11] أي أن الاتجاه نحـو تكـريس الـعلاقـات الاجتماعية حول العملية الإنتاجية لم يتـحقق إلا على مستوى الخطاب الإيديولوجي للسلطة، بحيث تحولت المؤسـسة الصـناعية بفـعل ذلك إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة فحسب وذلك من ناحية :

- تحول المؤسسة الصناعية إلى أداة لرسكلة الأموال البترولـية في السوق العالمية [12].

- إعادة توزيع الريع البترولي وفق تراتـبية اجـتماعية تـحددها طبيعة المصالح الطبقية ووفق المعايير السياسية وليس وفق معايير الكفاءة الإنتاجية.

إن وظيفة العمل الفني التأطيري في البنى الرأسمالية بقدر ما هي وظيفة فنية تؤمن عملية التخطيط وتنظم عملية العمل والسهر على صلاحية المنتجات ومواصفتها بقدر ما تؤمن دورا أيديولوجيا يساهم في تكريس البنية الهرمية للمؤسسة باتجاه إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية السائدة [13].

غير أن هذه الوظيفة تبقى على مستوى المؤسسة الصناعية الجزائرية محصورة في الوظيفة الإيديـولوجية التـي تكـرس البنـية الهرمية للمؤسسة باتجاه إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية السائدة وفق ما تمليه إستراتيجية التنمية المحددة بتخصيـص المؤسـسة الصـناعية لأداء دور اجتماعي يقوم على تشديد رقابة سياسية على الفئات والشرائح المنتجة دون الاهتمام بالدور الاقتصادي أي- الفني الإنتاجي – الذي يعطى شرعية عقلانية للمؤسسة الصناعية باتجاه تنظيم حقل الإنتاج.

على هذا الأساس فإن الوظيفة الفنية العلمية التي هي بالأساس وظيفة الإطار الصناعي غائبة بسبـب الأولوية الأيديولوجية التي جعلتها تتراجع خارج دائرة الإنتـاج، إن فـئة الإطارات الصناعية، رغم تمركزها العددي على مستوى وحدات القطاع العام كما هو موضح أدناه، لا تمثل فئة مهنية محــورية ذات شرعية تقنية أو تسييرية داخل الدائرة الإنتاجية لأن أداءها تتحكم فيه الوظيفة المحددة سلفا لدور المؤسسة الصناعية كحقل اجتماعي[14].

جدول 1 – يبين تركز الإطارات في القطاع العام الوطني

حجم  المؤسسة

نسبة الإطارات %

999-200  عاملا

7.50

1000-4999

37.16

5000-فما فوق

36.23

 

 

 

 

 

 

 

المصدر: الديوان الوطني للإحصائيات

إن هذا الوضع الذي يعيشه الإطار يرجع أساسا إلى الرفض المطلق لاستقلالية السلطة الاقتصادية، فالسلطة السياسية من خلال الدولة تسعى إلى جـعل قوانـين السوق تابعة للممارسة السياسية إلى الحد الذي أفقدت قدرة المؤسسة الصناعية على حل المشكلات التنظيمية والفنية.

إن غياب السلطة الفنية وحضور التوجيه الرقابي للمؤسسة لا يؤمن للإطار الصناعي هامشا لممارسة شرعيته الفنية التي تـبقى هشة عند مواجهة المشكلات الفنية اليومية التي غالبا ما تحـاط بسكوت وغياب للسلطة المركزية الوصية، الأمـر الـذي يصعب عليه في موقعه الإنتاجي اتخاذ القرارات لتنظيـم دائـرة الإنتاج.

فالدور الذي يفترض أن يقوم به الإطار يمثل قاعدة الارتكاز الأساسية لترقيته وصعوده الاجتماعي نـحو احتـلال مكانة مناسبة تساوي وتناسب قدراته وإمكانياته وكفاءته، لكـن تغييب هذا الدور دفع بالإطار لإعادة إنتاج ذاته خـارج دائرة الإنتاج، أي خارج المصنع.

إن تشكيل مكانة اجتـماعية  وتحـقيق ارتـقاء اجتـماعي أصبحت تتم على المستوى التوزيعي والاستهلاكي، بحيث أصبح الإطار المسير على مستوى المؤسسة الإنتاجية يستخدم إستراتيجية فردية للدفاع عن قدرته الشرائية، إذ يعمل على انتزاع بعض المكاسب مثل السكن– سيـارة عمل – قسيمات بنزين، سفر إلى الخارج …الخ[15]، وهذا ما يجعل ديـناميكـية الإطـار في الارتقاء الاجتماعي لا تختلف عن ديناميكية العامل الأجير في استملاك المجال الاجتماعي.

إنها على العموم ديناميكية لا تثمن العمل الصناعي المنتج وهذا ما يبرر حسب اعتـقادنـا – في الواقـع إفلاس المؤسسة الصناعية العمومية التي تعيش حالة من التـسيب وعدم الانضـباط ونقص في الصيانة الـتي جعـلت مـرد وديتها أقـل بكثير من المستوى المطلوب.

  1. 2.3- تهميش المعـرفة الفنيـة

إن الإطارات الصناعية بحكم المؤهلات والخبرات الفنية التي بحوزتها تبقى بعيدة عن امتلاك القوة اللازمة التي تمكنها من التحول باتجاه التحكم في القرار مثل ما تقوم بـه هـذه الـفئات على المستوى التنظيمات الصناعية الرأسمالية أين تعتمد استراتيجيات ضغط و آليات للتفاوض للحفاظ على مكانتها أو لتغيير مواقعها وفقا للمصالح الطبقية التي تسعى  لتكريسها، وذلك انطلاقا من ارتكازها على ما تملكه من خبرات وكفاءة توظفهما بشكل عقلاني على مستوى التنظيم كما عبر عن ذلك "ميشال كروزي"CROZIER[16].

إن وزن الخبرة والكفاءة العلمية التي بحوزة الإطار الصناعي تعبر عن استجابة طبيعية لمتطلبات عملية التصنيع الموجه نحو تعزيز عمل البنى الفوقية الذي يكسبها شرعية فنـية صنـاعـية من خلال ارتكازها (عملية التصنيع) على فئة الإطارات الصناعية كفئات أجيرة تمتلك رأس مال معرفي– فني، بحيث يتم توظيفه في حدود تقليل الفجوة بين النخبة البيروقراطية الحاكمة وتلك الخبرات والمهارات التي بحوزة الفنيين من الإطارات في لحظة ما.

يستند هذا التحليل إلى النظرة الخاصة لديناميكية العلاقات التي تربـط الوظـيفة الفنـية المتعلقة بالأداء الفني والتحكم التكنولوجي بالوظيـفة التسييرية البيروقراطية التي تسعى السلطة من خلالها للتـحكم في المـؤسسة الصـناعية واسـتئناسها، وهي وظيفة تجد دلالتها في عملية نقل التكنولوجيا التي بقيت كما يقول كلا منKLASMAN ET KREMER [17]مجرد عملية نقل للمعدات دون أن تصحبها عملية نقل المعرفة الفنية.

إن هذه الوضعية أعطت الأولوية في ممـارسـات الإطـارات الصناعية إلى التوجه نحو ممارسة الوظائف التسيـيرية على حـساب الوظائف التقنية نظرا للامتيازات التي يستفيد منها هؤلاء، والتي يعتبرونها مصدرا للسلطة والمكانة. وبهذا الصدد يبين اسماعيل لعشر في كتابه "الـجزائر؛ الواقع الاجتماعي والسلطة " أن توجهات الإطارات الفنية مـن خلال الخيارات التكوينية تبرز أنها خيارات تعكس استبدال الشرعية الفــنية بالشرعية السياسية التي تـكرسها الـدولة من خلال بقرطة المؤسسات الصناعية (أنظر الجدول):

جدول 2 – يبين خيار التكوين للإطارات الفنية

نوع التكوين

نسبة الاختيار %

المديـرية العـامة

49

مـالية و محاسبة

39

إنــــــتاج

38

إدارة

38

تقنيـــات التسييـر

29

تسييـــر تجـاري

19

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Source . Laarcher;, Smain, Algérie : réalité sociales et pouvoir.- EdsL’Harmattan, Paris, 1985

إن هذه الأوضاع خلقت تقسيم عـمل واضـح بين الإطـارات الجزائرية المتوجهة نحو الوظائف البيروقراطية الرقابية والإطــارات الأجنبية لمكاتب ومؤسسات الدراسات الهندسية التـي تـهيمن عليها الشركات المتعددة الجنسيات، والذين يقومون بالوظائف الفنية من خلال عملية استيراد التكنولوجيا .

ولا يمكن اعتبار البحث عن كيفية رفع الدخل الفردي لفئة الإطارات الصناعية من خلال توجهها نحو هذه الوظائف مبررا كافيا لنعت توجـهاتها الخاصة، لأن التحكم الفني من خلال الخبرات والمهارات المكتسـبة بإمكانه أن يعطي لهذه الفئة قدرة تفاوضية لرفع دخولها. إن تفسير هذا التـوجه يجد تبريـره في  ظل علاقة التملك الفعلي للذين يسـيطرون على الأدوات والوسائل الإنتاجية بحيث يضعون حدودا تكرس الـعمل التسييري دون أن تـسمح بخلق الـظروف المـوضوعية للإبــداع الفني والعلمي.

يلاحظ في هذا الإطار SIMON PIERRE HENERY[18] أن المؤسسات الوطنية مثل مؤسسة – سيدار عنابة – الـتي انتهجت سياسة إعادة صياغة الدراسات الهندسيةREALISATION PAR ENGINEERING DECOMPOSE  لم تستطع مواصلة عملها، بل تمت عرقلتها من خلال التعقيدات الإدارية. وتجدر الإشارة إلى أن إنجاز المشاريـع وتثمين المـعرفة الفنية ومـراقبة أهلية الورشـات وصـلاحيتها يفتـرض تفكيك وإعادة صياغة الدارسات الخاصة بعملية تحويل التكنولوجيا من خلال دفع الفنيـين الوطنيـين لمواقع عمل ميدانية، وليس تركهم في وضع زبائن مستهلكين يراقبون النتائج دون المساهمة في الدراسات .

إن الرقابة المفروضة على عملية التحكم التكنولوجي تدعم فقط اتجاهات تفضيل السلطة التسييرية والرقابة دون تحريك لآليات حقل الإنتاج المادي والتحكم فيه، لأن التحكم في التكنولوجيا مـن طـرف الإطارات الصناعية الجزائرية سوف يقلب موازيـن الـقوة باتجاه صعود قوى اجتماعية من دائرة العلاقات الإنتاجية (المصنع) تعيد صياغة العلاقات الاجتماعية والإنتاجية .

إن التبعية التكنولوجية هي حالة تم الحفاظ عليها وتـكريسـها لتبقى علاقة الإطار الصناعي بالسلطة علاقة تبعية تمنعه عن أداء دوره وتجبره على الانصياع و الرضوخ للأمر الواقع الذي يضعه كطرف سلبي في علاقة الإنتاج.

خـاتـمة

إن العلاقة التي تربط فئة الإطارات الصناعية في المؤسسة الصناعية العمومية بالسلطة هـي عـلاقة خـاصة تكشف عن تناقض موقعهم- الذي يسعون للحفاظ عليه ضمن الهرمية التنـظيمية من خلال الإجراءات والنصوص الإصلاحية التي تمكنهم من تعـزيز سـلطتهم تجاه الفئات الأجيرة الدنيا- مع الدور الذي يـفترض أن يلـعبوه عـلى مـستوى العـلاقة الإنتـاجية باتجاه التحكم في العـلاقات الاجتماعية والذي تميز بقيود فرضتها أجهزة الدولة على كل الممارسات التي من شأنها أن تسـاهم في تـطوير خبـرات ومؤهـلات هذه الفئة .

إن الإطـار الـمرجعي لإعادة إنتاج ذاتها كفئة اجتماعية مهنية لا يتم من خلال علاقة الـعمل، أي من خـلال شرعية وجودها الذي يتحدد بامتلاكها لرأسمال معرفي وفني، بل يتم من خلال علاقة التبعية التي تربطها بأجهزة الدولة، أي من خلال مرجعية الآخر، السلطة، التي تهيمن على المؤسسات الصناعية العمومـية والتـي تسعى إلى توسيع قاعدتها من خلال كسب شرعية عقلانية تقنية تعزز بها سلطتها.

وتظهر الإطارات الصناعية كفئة اجتماعية مهيمنة بقـدر مـا هي في وضعية تبعية للسلطة – الحاكم – التي تسعى إلى تـوجيه دورها خارج حقل الإنتاج وتغييبها من حلبة الصراع السياسي، والارتـكاز عليها كفئة مشاركة مهنيا تدافع عن أجهزة الدولة كما يرى أحد الدارسين. [19] فإن هذه الوضعية تزيد باتجاه معاكس من احتمـالات القطـيعة بين المجال السياسي الرمزي والمجال الفني العلمي من جهة ومن اشتداد الصراع التنظيمي والاجتماعي بين الذين يملكون ويسيطرون والذين ينفذون.

لذلك يمكننا القول أن الإطار الصناعي الجزائري يجسد جوهر التناقض على مستوى البنية الاجتماعية. إنه محور للتوتر –الأزمة – بين شرعية الموقع والدور، أي بين شرعية اللاعقلي / العقلي، التقليدي / الحديث، الأيـديولوجي/ الـعلمي. إن هـذا التناقض هو بالأحرى عبارة عن مد وجزر بين زمنيين اجتماعيين مختلفين على حد تعبير جورج غرفيتش [20]. زمن بطيء ممتد ومتواصل هو زمن البنية الاجتماعية السياسية القائمة، زمن الفئات والشرائح البورجوازية المسيطرة التي تسعى إلى تكريس الحالة الراهنة، وزمن غير منتظم، متواتر، سريع وانفجاري هو زمن التنظيمات الحديثة، أي زمن الإطارات الفنية الصناعية التي تسعى إلى التغيير.


 

الهوامش

* أستاذ مساعد بقسم علم الاجتماع بجامعة باتنة وباحث بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران  CRASC

[1] M.P.A.T.  (1977-78).-  Annuaire statistique de l’Algérie, p.32.

Harbi Mohamed  (1982).- L’expérience de 1962 – 65, sa porté ses limites .-  in  Les Temps Modernes, n° 432 -433, p 35.

[2] Durand Jean Pierre (1977).- Exacerbation des contradictions sociales en Algérie….- in Annuaire de l’Afrique du Nord, CNRS, Paris,  p. 124

[3] نيكوس بولنزاس (1983).-  السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية.- ترجمة عادل غنيم، دار الثقافة الجديدة، ط 2، القاهرة ، ص 132.

[4] Nair Samy, K, .-Forces sociales et bloc au pouvoir, 1954-1962.- in Les Temps Modernes, p.p. 18 et suite.

[5] Nirou Eftekhari (1984).- La rente et la dépendance en Algérie.- in Peuples Méditerranéens, 26, p.p. 54 .55.

[6] Addi El houari (1989).- Neo-patrimonialisme et économie en Algérie.- in Annuaire de l’Afrique du Nord, T XXIII, ED CNRS, Paris, p. 48.

[7]  Ibid.- p.44

[8] Laacher Smain (1985).- Algérie : Réalités sociales et pouvoir.- Eds. L’harmattan, Paris, p.81.

[9]  Touraine Alain (1959).- La société post industrielle.- Ed Donoel, Paris, p.75.

[10] Olivier Marc (1982).- Industrie et stratégie de développement en Algérie.- in Annuaire de l’Afrique du Nord, VXX,  CNRS,  Paris, p.p 461 –462.

[11] Nirou Eftekhari, OP.CIT, p.68

[12]  Gorz André (1969).- Réforme et révolution.- Ed.  Seuil,  Paris, p.156.

[13] M.P.A.T..- OP CIT.

[14]  Addi El houari.- OP. CIT, p 48.

[15] Elul Jaques (1965).- L’illusion politique.- Ed. Robert Laffont, Paris, p.p 194-195.

[16] Nirou Eftekhari.- OP. CIT.- p. 54.

[17] Laacher, Smain, OP. CIT, p. 83.

 [18]Thiéry Simon, Pierre (1980).- Distribution de qualifications dans l’industrie ».- in Annuaire de l’Afrique du Nord,  XIX ; (1981).-CNRS, Paris, p.189.

[19] Benguigui Georges (1990).-  Travail et classes moyennes.- in Cahiers Internationaux de Sociologie, VOL  XXXIX, p.270  

[20] Gurvitch Georges (1969).- La vocation actuelle de la sociologie.- T II, 3eme Ed.  P.U.F, Paris, p.362.