Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات كراسك، رقم 1، 2001، ص. 57-60 | النص الكامل


 

 

فوزي عادل

 

ما هي المشكلة؟

إن حالة الوهن الشديد التي يوجد عليها علم الاجتماع اليوم في الجزائر، سواء من حيث التدريس أو البحث حقيقة بإمكان الجميع ملاحظتها. وإذا كانت هناك زاوية نستطيع من خلالها قياس تأثيرات التكوين المفتقد إلى ضوابط (الجامح débridée) فسوف نجدها في إنتاج مذكرات الليسانس والماجستير. ويبرز التساهل السائد بهذا الصدد بشكل جيد انهيار القواعد الأخلاقية، العلمية والتقنية التي يفترض أن تضبط مثل هذه العملية.

بإمكاننا الاعتقاد أن هذا الحكم القاسي نوعا ما، مصدره الحنين إلى العهد الماضي حيث كانت الممارسة العلماجتماعية أقل فوضى. لكن حقيقة الأمر أن هذه الملاحظة صادرة عن أولئك الذين يعتقدون أنهم وجدوا في التغيرات التي أدخلها الإصلاح الجامعي مبررات لممارسة علم اجتماع خصوصي.

من بين الأعمال التي يتضمنها هذا الملف عمل يرمي إلى تقديم تقويم نقدي لرسائل الماجستير في جامعتي قسنطينة وعنابة. وتؤكد التحليلات الواردة فيه الملاحظات التي استقيناها من الميدان بهذا الشأن.

ما ذا  يحدث  في  الواقع؟

تؤدي شروط ممارسة علم الاجتماع في الوقت الراهن إلى فقدان مستمر لرأسمال معرفي نظري وتطبيقي جرت مراكمته في مراحل سابقة. إذ نلمس بسبب عوامل عديدة، سنقوم بتحليلها فيما بعد، منها التعريب، إفقارا للخطاب العلماجتماعي يعود بالأساس إلى تغير في موقع الحقل المرجعي، وتحلل موضوع علم الاجتماع ليأخذ طابع شيء هلامي وضبابي يدعى "الاجتماعي".

هكذا نلمس في معظم الإنتاج العلمي تقريبا، أن محاولة التنظير تخفي بشكل سيئ عجزا واضحا في ترجمة قراءات منجزة بشكل غير منظم إلى تساؤلات محددة. وتتلخص النظرية عندها في الإشارة إلى منظومات أو أنساق فكرية لا تمتلك أية خاصية إجرائية (مثل الوظيفية، الماركسية، الإمبريقية…) حيث يتعلق الأمر بإلحاق موضوع معين بمنظومة فكرية توفر بالضرورة تفسيرات معينة، يمكننا أن نستخلص منها فرضيات لا تستند صياغتها إطلاقا للملاحظة الميدانية.

أما الموضوع ذاته فيبدو أنه يتلاءم أكثر مع انشغالات أصحاب القرار (التنمية، التصنيع..) أو يعكس النقاش الدائر في الساحة العمومية (الثقافة، المدرسة، الانحراف…) وتبدو نادرة جدا الرسائل التي استطاعت تجنب فخ الخطاب الجاهز حيث تكون موضوعات البحث مقترحة ومفروضة أحيانا من طرف محيط لا يرى سوى الجانب النفعي للعلم ( ما فائدة هذا إذا لم يساهم في حل مشكلات معينة؟).

تبدو كل هذه السلبيات عند إنجاز المذكرات. وبسبب الفشل في أشكلة الموضوع يلجأ الطلبة إلى التركيز على المنهجية، بمعنى الإجراءات والوسائل التقنية التي يعتقدون أنها ستزودهم بإجابات عن الأسلة المطروحة. ولكن ما دام الموضوع لم يَبن علماجتماعيا فإن العملية ككل تأخذ طابعا شكلانيا، بل مغرقا في الشكلانية. إلى الحد الذي تصبح فيه المقاطع والفقرات المخصصة للجانب المنهجي بمثابة عرض لمعارف كتبية لا علاقة لها بالموضوع أحيانا كثيرة. أما بالنسبة لاختيار الاستمارة كأداة وحيدة للتحقيق وجمع المعلومات فإنه يجسد في أسوأ الحالات كسلا فكريا، وفي أحسنها القلق والخوف من مواجهة المجهول.

لقد أضحت الاستمارة دغما تتغذى باستمرار من اليقين الوضعي ومن الجهل المستمر بالتقنيات الأخرى المستخدمة لمعرفة الواقع. هنالك إذن نزعة واضحة نحو "المنهجوية"méthodologisme  بمعنى نمو علم خاص بالمنهجية يتسبب في أضرار بليغة، ويدور في دائرة مغلقة بسبب عمله على تحويل التقنية الهادفة إلى مساعدة ممارسة بحثية في طور الإنجاز إلى قواعد أخلاقية.

لذلك فإن أولئك الذين يتزعمون الدفاع عن خطاب منهجي (وابستمولوجي) هم أنفسهم الذين غالبا ما يفشلون في إنهاء بحوثهم. ونعتقد بهذا الصدد أن المنهجية لا ينبغي أن تدرس بصفة مستقلة، بما هي مجموعة من القواعد والتقنيات التي لا علاقة لها بوضعية حقيقية وملموسة للبحث لأن المنهجية ليست تخصصا مستقلا، بل تشكل برهة تفكير غير منفصلة عن الممارسة البحثية.

كل هذا الحديث يدفعنا للتذكير أن فعل المعرفة يجسد قطيعة مع الأفكار المتداولة والمقبولة، فعل التزام يفترض المخاطرة؛ بمعنى السباحة ضد التيار والتفكير بشكل مغاير. هذه طريقة أخرى للقول أن البحث عبارة عن ممارسة للحرية؛ حرية التفكير، وحرية التعبير.

ما سبب هذه الوضعية؟

إن غاية هذا التوضيح ليس تذنيب ولا محاكمة أولئك الذين يعتقدون، اليوم، أنهم يمارسون علم الاجتماع. إنما يتعلق الأمر بالتساؤل حول إخفاقات نظام يقف اليوم عاجزا عن ضمان انتقال المعرفة، وأكثر من ذلك فشله في منح الطلبة وسائل الحصول على معارف أضحت عالمية. وينبغي أن يركز التساؤل على الظروف التي تشكل فيها حقل العلوم الاجتماعية وعلم الاجتماع بالخصوص.

نستطيع إلى حد معين أن نشاطر العياشي عنصر[1] الرأي عندما يتحدث عن غياب علم الاجتماع بدلا من كونه في حالة أزمة. تكتسي هذه الفكرة في الحقيقة قوة خاصة لأنه حتى في أفضل ساعات الانتصار التي عرفها علم الاجتماع (بما في ذلك مؤتمر علم الاجتماع المنعقد في 1975 بالجزائر الذي شكل قمة الحدث)، كان الأمر يتعلق ليس بعلم الاجتماع بقدر ما كان يتعلق بكيفية استخدامه.

لقد دشن إصلاح التعليم العالي في 1971 هذا التوجه بتأكيده على ضرورة الربط بين التكوين النظري والانشغالات العملية للمجتمع. نعرف الآن ماذا يعني هذا الكلام. لقد كشفت السلطة، منذ البداية، عن نيتها في استخدام العلوم الاجتماعية لغاياتها الخاصة، وشاركت بالفعل في إنتاج خطاب ملائم لتأسيس موضوع علم الاجتماع. هذا الخطاب لم يجعل من التنمية موضوعا للعلم فحسب، بل جعلها هدفا عمليا كذلك (إذن هدفا أيديولوجيا).

لا بد من التذكير أن سنة 1971 هي بداية عشرية ذات دلالة رمزية قوية: اعتماد قانون الإصلاح الزراعي، تأميم المحروقات، انعقاد مؤتمر عدم الانحياز في الجزائر… الخ. عدد كبير من الأحداث التي يبدو أنها أعطت مؤسسات النظام طابع السيادة. لكن من المقلق معرفة أنه في خضم هذه النشوة الوطنية أسندت مهمة صياغة برامج علم الاجتماع لأخصائيين من بلجيكا.

لا يمكننا إذن، إنكار حقيقة وجود انحراف دائم في علم الاجتماع؛ يعتبر هذا الانحراف دون شك ثمرة الموقف الذرائعي (الأداتي)، ولكنه ناتج أيضا عن التحول العميق للمجتمع. وإذا أمكننا تحقيب تاريخ الجامعة باستطاعتنا تحديد ثلاث فترات:

  1. سنوات 1960 أو ما قبل الإصلاح.
  2. سنوات 1970 أو الاختيار التنموي.
  3. سنوات 1980 أو اختيار التعريب.

تميزت هذه الفترات بدفق بشري، باختيارات سياسية، وتوجهات تربوية وعلمية عمقت انحراف العلوم الاجتماعية، وحالت دون تشكلها كحقل مستقل للإنتاج. لقد اعتبرت دمقرطة التعليم وتعريبه بمثابة أهداف سياسية، وليست بمثابة أدوات عملية موضوعة في خدمة غاية تربوية وعلمية.

هنالك عدد من التفسيرات التي قد تبدو بديهية لهذه الوضعية: الشعبوية، المساواتية… لكن في الحقيقة هناك التدخل المشترك لعدد من العوامل من بينها؛ الأصول الاجتماعية المتواضعة باستمرار للطلبة، وارتفاع العنصر النسائي. هذه العوامل تفسر بقدر كبير تغير التوقعات تجاه علم الاجتماع. إذ من تصوره كأداة لإعادة اكتشاف نظام العالم، تحول هذا العلم إلى وسيلة تعبئة وتجنيد أخلاقي يتجسد في تقييد أكبر لحقل المرجعيات الفكرية و قراءة محددة للبرامج (يعطينا علم الاجتماع الإسلامي مثالا عن ذلك).

علم  اجتماع  علماء  الاجتماع :

يكمن التفسير الآخر المساعد على فهم الصعوبة التي تمنع تأسيس علم الاجتماع كحقل قائم بذاته في علاقة علماء الاجتماع بالمعرفة. ويتضح ذلك من خلال التبعية الكاملة تجاه الدولة باعتبارها الجهة السياسية التي توفر خطابا علماجتماعيا. تتجسد هذه التبعية في الإعجاب الشديد بكل ما تقوم به السلطة وكأنها الفاعل الاجتماعي الوحيد على الساحة.

إذ تصبح كل الأفعال التي تقوم بها (التنمية، التصنيع، الإصلاح الزراعي، إصلاح المدرسة ) موضوعا لخطاب علماجتماعي، وتتحول إلى موضوعات للبحث تظهر على كل مذكرات الليسانس والماجستير دون أن يثير ذلك مشكلة مدى ملاءمة الأسئلة المطروحة. في المقابل، حيث يسود الصمت المطبق من قبل السلطة فإن عالم الاجتماع هو الآخر لا يتساءل إطلاقا. ذلك هو الشان بالنسبة لموضوعات مثل العائلة، الدين، الجنس…الخ.

إن تحليلا علماجتماعيا معمقا سوف يسمح بفهم الأوليات الجوهرية (اجتماعية-عاطفية) للممارسة العلماجتماعية. في هذا المنظور (حالة التبعية للسلطة) فإن فعل المعرفة ليس فعلا لتمزيق الحجب، بقدر ما هو فعل لتأكيد حقائق قائمة. فالمعرفة العلماجتماعية والحالة هذه ليست  ثمرة تحقيق من نوع خاص. إنما هي مدعوة لقول (أو إعادة قول) الحقائق التي تفرض نفسها على الجميع في شكل بديهيات.

يبدو من خلال الموضوعات المعالجة وطريقة معالجتها أن ليس هناك رفض للالتزام فحسب (لا يتعلق الأمر هنا بالتزام سياسي إن صح التعبير)، ولكن أيضا للمخاطرة. ذلك ما يفسر أحيانا اختيار موضوعات "باردة" ذات موضوعية زائفة، وتفادي موضوعات "ساخنة" أين يمكن تقديم إشكالية للتغيير لا تعبر عن تبني موقف معين فقط، أو تأخذ شكل
رد فعل تجاه أحداث الساحة السياسية فحسب. نقصد بذلك ظواهر تخترق المجتمع في العمق مثل؛ العنف، المعاناة، بناء الهوية.

البديل الممكن: علم الاجتماع الأنثروبولوجي

هنالك بالتأكيد علاقة بين أنماط السلوك التي أشرنا إليها الآن وتطور علم اجتماع وضعي يحقق الطمأنينة من خلال ارتباطه بالإجراءات الشكلانية. وإذا كان تدريس دوركايم يشكل باستمرار مرجعا لعلم الاجتماع المعرب، فلأن هناك احتمال نجاحه في التوفيق بين ميول تبدو متناقضة؛ بين منظور علموي scientiste  وموضوعوي objectiviste من جهة، والانشغال بالتوصل إلى نظام (أو قوانين) تبين اشتغال المجتمع من جهة أخرى.

لا شك أن علم الاجتماع يقبل مبدأ الحتمية، بمثابة مبدأ السبب الكافي ( "العلم الذي ينبغي أن يعلل ما هو موجود، يسلم انطلاقا من ذلك أن لا شيء موجود دون علة وجود")، ولكنه لا يستطيع أن يرضى بالنظرة الميكانيكية لاشتغال المجتمعات كما تبدو من خلال كل أشكال البنيوية حيث ينتفي الوجود الحقيقي للأفراد، وينظر إليهم كدعائم سلبية لقوى تتجاوزهم.

فالانشطار الحاصل اليوم في علم الاجتماع إلى عدة مدارس، والحوار الصعب أحيانا مع تخصصات قريبة، قد يوفر فرصة لأولئك الذين لا ترضيهم المنظومات التفسيرية التقليدية. وبهذا الصدد يبرز علم الاجتماع الأنثروبولوجي كأحد البدائل المحتملة لهذه الوضعية.

إن علم الاجتماع الأنثروبولوجي حقل جديد. جديد من حيث موضوعه، وأسئلته، ومناهجه. يتحدث بورديو[2] حقا عن تفكير أين تفقد الحدود بين التخصصات والمناهج دلالتها. إنها تسمح بتجاوز التعارض الدوركايمي الفرد/المجتمع، والتحرر من هذا المنظور ذي الخطأ المضاعف: بنائية ميكانيكية تضع الفاعلين في عطلة، وفردانية غائية يجسدها الإنسان الاقتصادي. ينبغي، كما يقول بورديو، تفنيد "العمل المفتت" الناتج عن مثل هذا التصور وإعادة الوحدة الجوهرية للممارسة الإنسانية.

فالموضوعية لا تتعارض مع الذاتية. لأن هذه وتلك تسهمان في بناء العالم الحقيقي بصيغة تعطي له حياة مضاعفة: الأولى ممثلة في الموضوعية من الدرجة الأولى (موارد مادية، ممتلكات، قيم …)، والثانية في الموضوعية من الدرجة الثانية في شكل مخططات ذهنية وجسدية.

يقوم العالم الاجتماعي في هذا المنظور على نشاط إنساني ملموس. فالأفراد لا يشكلون وحدات اجتماعية مستقلة (كما يدعي علم النفس)، بل أن أنشطتهم وممارساتهم تسمح بالتعرف على الصيغة التي يتحقق بها الجماعي. إذ أن "ملكة الاستعداد الداخلي"  Habitus  كما يحددها بورديو تعبر في الحقيقة عن الجماعي الفردي. إن ملكة الاستعداد الفردي مفهوم مركزي لأنه   يمكَننا من فهم كيفية تحقق التلاؤم بين الأبنية الاجتماعية (الموضوعية من الدرجة الأولى) والأبنية الذهنية (الموضوعية من الدرجة الثانية).[3]وتجدر الإشارة إلى أن علم الاجتماع الأنثروبولوجي مدين لعلم اجتماع الفهم الذي طوره ماكس فيبر[4]، لأنه يستلهم نفس المبدأ القائم على الفهم من الداخل والانغماس في العالم الاجتماعي. حيث يسمح الفهم من الداخل برؤية الكيفية التي ينبني بها واقع "موضوعي" انطلاقا من نشاط محدد للأفراد. ويتعلق الأمر من هذا المنطلق بتسليط الضوء على العلاقات الموجودة بين الأشياء، بدلا من فتح المجال لرؤية جوهرية substantialiste.

انقلاب  في  المنهج

إذا كان الأمر كما يقول كوفمان J.C Kaufmann "باستطاعة الإنسان العادي أن يعلمنا الكثير"[5] فإنه يترتب عن ذلك على المستوى المنهجي كثير من النتائج، وبالخصوص تلك المتعلقة بممارسة ما يمكن ترجمته "التعاطف مع الآخرين" l’empathie  بمعنى تنمية استعدادات تسمح باكتشاف "معرفة" اجتماعية يحملها الأفراد.[6] ولا ينبغي اعتبار المعرفة العامية "لا معرفة"، ذلك لأنها تقدم لنا قيمة علماجتماعية معتبرة ما دامت تنطلق من معرفة عملية أو تطبيقية تزيح الستار عن مصالح واستراتيجيات الفاعلين الاجتماعيين.

غير أنه لا يكفي الحصول على هذه المعرفة أو الرضى بالفهم. بل لا بد أيضا من التأويل والتفسير حتى لا نترك المجال لنزعات سهلة. بل من الواجب ممارسة روح الصرامة التي تقتضيها كل عمليات تحصيل المعرفة.

ذلك ما يبرز غموض المناهج التي تعتبر نفسها نوعية، لكنها لا تستطيع تقديم البديل إلا إذا اعتمدت على نسق تفسيري متماسك. فالتعارض بين المناهج النوعية /المناهج الكمية في الواقع مشكل زائف. والمقابلة تعتبر دون شك أفضل الوسائل لممارسة علم اجتماع الفهم، ولكنها لا تستثني اللجوء إلى وسائل أخرى؛ بما في ذلك الاستمارة ذات السمعة السيئة.

إن ما هو معيب ليس هذه التقنية أو تلك، بل الاستخدام السيئ للمنهجية أو ما نسميه "المنهجوية" التي هي إحدى سلبيات الوضعية. فالمنهجوية تعبر عن نزعة قوية للفصل بين التفكير حول المنهج وتطبيقه بالفعل في العمل العلمي. ففي حالة غياب وجهة نظر مبنية (موضوع مبني علماجتماعيا) لن تكون هناك إمكانية لتثمين وسائل منهجية معينة لذاتها. وتبقى النظرة الشاملة لمختلف مراحل وعمليات البحث وحدها كفيلة بتحديد الوسيلة المثلى.

يلعب الميدان، بهذا الصدد، دورا حاسما لأنه يسمح بتحقيق الانغماس الذي أشرنا إليه سابقا، فعادة ما يكون نقطة الانطلاق لأشكلة الموضوع. الفكرة هي أن علم اجتماع الفهم لا يستطيع صياغة فرضيات إلا بالانغماس شبه الدائم في العالم الاجتماعي. وبذلك فإن الميدان ليس مجرد مرحلة للتحقق كما يبدو ذلك في البحوث الشكلانية.

لا يتعلق الأمر هنا بمعارضة النظرية بالحسي (الميدان)، ولكن بإعطاء النظرية وظيفتها الحقيقية: ألا وهي تفسير الواقع. وإذا بقيت النظرية مجرد تخمين بدون موضوع فإنها لا تستطيع خدمة البحث في شيء. إنها لن تكون مفيدة إلا إذا وظفت في إشكالية حيث يتم التمفصل بين الملاحظات، التخمينات، المعلومات والأنساق التفسيرية المتوفرة. وتشكل الفرضيات موقعا منتخبا لتأكيد وجهة النظر المبنية والشخصية للباحث حول موضوع بحثه.

في صيغة  خلاصة  مؤقتة

ليس من الممكن أن نتعرض في مثل هذه الورقة لكل المشكلات المرتبطة بالوضعية الراهنة، وأبعد من ذلك تصور آفاق معقولة.

في ظل غياب سوق لعلم الاجتماع، لا شيء يسمح لنا بالاعتقاد أن تراكم المعارف لذاتها بإمكانه أن يصنع المعجزات. لقد مرت مرحلة -
السنوات السعيدة للإصلاح- كانت فيها مجموعات محدودة من علماء الاجتماع الأفظاظ جدا   bien léchésيتباهون بالاعتقاد أنهم يشكلون مدرسة.

أما اليوم وقد كنس الموج القادم من الأعماق ذلك الحلم، ينبغي العمل من أجل رسم مسالك جديدة للبحث من شأنها التعبير عن خصوصية الموضوع والطريقة في آن واحد، بحيث تتضمن كذلك تفكيرا صادقا عن علاقة الباحث بموضوعه. ودون التنكر للإرث التقليدي، يمكننا اعتبار هذا الموقف بمثابة الشرط الضروري للتخلص نهائيا من ممارسة علماجتماعية متحجرة، وإطلاق حركية تجديد منقذة للنظرة العلماجتماعية.

 


الهوامش

*  أستاذ علم الاجتماع بجامعة قسنطينة وباحث بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران.            

** أستاذ علم الاجتماع بجامعة عنابة وباحث بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران.

[1]  عنصر العياشي، "أزمة أم غياب علم الاجتماع" المستقبل العربي، عدد 137، أغسطس 1990.

[2] Bourdieu, P. Questions de sociologie. Ed. de Minuit, 1980, p. 44. 

[3] يحدد بورديو مفهوم L’habitus الذي نعربه "ملكة الاستعداد الداخلي" اقتداء بالباحث المغربي فاوبار محمد على النحو التالي: "إنه بالضبط ما تجسد وترسخ بصورة مستمرة في الجسد، إنه يتعلق بتاريخ فردي، كما أنه رأسمال مدمج ومولد بقوة أكثر مما هو تكرار كالعادة". Bourdieu questions de sociologie, Ibid. p. 134  أنظر، فاوبار محمد "دراسات في علم اجتماع التربوي"، دراسات عربية. عدد 7/8،  مايو/ يونيو 1995.(المترجم)

[4] قليلة هي المراجع بالعربية التي تتناول عمل فيبر وبخاصة ما يتعلق بعلم اجتماع الفهم. لمزيد من الاطلاع حول هذا الموضوع  يمكن الرجوع إلى كتاب عنصر العياشي الموسوم: علم الظواهر الاجتماعية. دار طلاس، دمشق 1990. (المترجم)

[5]  Kaufmann, Jean-claude. L’entretien compréhensif. Paris, Nathan Université. p.23

[6] نفس المرجع، ص 23