Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات كراسك، رقم 1، 2001، ص. 1-7 | النص الكامل


 

 

العياشي عنصر

 

لعل إحدى السمات الثابتة والمميزة للساحة الفكرية والعلمية في الجزائر هي غياب التواصل بين أجيال المفكرين والباحثين والعلماء. هذا الانقطاع في التواصل هو المسؤول عن  انكسار  ديناميكية عملية التراكم الفكري والعلمي بشكل مفضوح وغير مسبوق. وإلا كيف نفسر وضعية الفراغ والمراوحة في نفس المكان رغم ما تزخر به بلادنا (ليس أقل ولا أكثر من البلدان الأخرى طبعا) من كفاءات علمية وفكرية ذات سمعة عالمية. أعتقد أن السبب البسيط والمعقد في أن المسؤول عن هذه المأساة المتكررة هو أننا دولة، سلطة ومجتمعا، لا نثمن العلم والفكر ولا نقدر أصحاب الكفاءات حق قدرها. وإن حدث وفعلنا ذلك فإنه عادة ما يأتي متخلفا، وغير بريء من المناورة والذرائعية.

لماذا هذا الانقطاع في التواصل؟ وهل محكوم علينا أن نبدأ دوما من الصفر؟ لماذا هذه النزعة الدائمة التي تدفعنا نحو تدمير ما شيدناه على رؤوسنا؟ هذه الأسئلة تحتاج منا إلى تفكير عميق، بل وبحث متأن نقوم به في ميدان علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي وربما علوم أخرى عديدة. ولكن قبل ذلك وحتى نقوم بتلك الأبحاث، لا بد من محاولة الإجابة ولو بسرعة عن هذه المعضلة.

 بالنسبة لي أنطلق من فرضية أولية، لا تقصي بالضرورة فرضيات أخرى مهمة، هي غياب الاعتراف والتقدير المتبادل بين المفكرين والباحثين، الشيء الذي يمنع تشكيل مجموعة تضامنية في نهاية الأمر. باختصار فئة مفكرة واعية بمكانتها ودورها وموقعها في المجتمع. ذلك ما يسمى بالطبع النخبة المثقفة أو الانتليجانسيا. الأسباب وراء هذه الوضعية عديدة ومتنوعة دون شك وليس في نيتي التصدي لها في هذه الكلمة التي أقدمها في عجالة.

أعتقد أن الاعتراف المتبادل بين المفكرين يشكل نقطة البداية لاعتراف المحيط بهم وبمكانتهم وتقدير دورهم. لكن مع الأسف يبدو أن المفكرين والباحثين عندنا يشكلون مجموعات صغيرة متنافرة ومتناحرة، بل أكثر من ذلك يعيشون فرادى منقطعين عن بعضهم منغمسين في نرجسية متطرفة تغلق عليهم أسوار العزلة والانعزال.

لا شك أن الظروف التي ميزت تكوين المجتمع الجزائري الحديث بتناقضاته الفكرية، الثقافية، العرقية، السياسية، والأيديولوجية مسؤولة عن ذلك بشكل أو بآخر عن هذا التخلف في مجال تشكيل النخب الاجتماعية، وبالذات النخبة الفكرية والعلمية. كما يبدو لي أن أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا التمزق الذي تعانيه "النخبة الفكرية" مرده إلى عدة عوامل منها: تبعيتها المفضوحة لمراكز السلطة والنفوذ في المجتمع، وبخاصة السلطة السياسية. أضف إلى ذلك تزلفها، بل خضوعها وخنوعها لأيديولوجيات تقليدية، متخلفة، ومتزمتة تمجد التطرف والظلامية وتحارب حرية الفكر والإبداع وتعتبرها بدعا ينبغي القضاء عليها. أيديولوجيات تنشر الاستبداد والتسلط وتحافظ على الأمر الواقع، واقع التخلف الفكري والثقافي والاجتماعي في المجتمع.

هكذا يبدو المفكرون والمثقفون في بلادنا منقسمين على أنفسهم زمرا وعصبا تتنازعهم الولاءات لمختلف جماعات الضغط والنفوذ. فيعلنون ولاءهم للجماعات المتنافسة والمتحاربة  من أجل السلطة والنفوذ والسيطرة، ويقدمون خدماتهم في سبيل الحصول على فتات الموائد الذي يتناثر بعد الولائم التي تقيمها ذات المجموعات المتحاربة بعد أن تتوصل إلى اتفاق حول تقاسم الغنيمة. 

المفكرون والمثقفون عندنا تفرقهم اللغة، السياسة، والدين إلى درجة أنهم يتحولون إلى وسائل وأدوات تستعملها الأطراف المتصارعة في تصفية حساباتها. ويذهبون هم أنفسهم في غالب الأحيان ضحية تلك الصراعات العقائدية والسياسوية المصطنعة. هكذا يبدو عجز المفكرين والمثقفين أمام النخب المسيطرة وكأنه عجز بيولوجي متأصل  congénital. بل يبدو وكأنه قدر محتوم يتحمله أصحابه إلى الأبد، بينما هو في واقع الأمر وضع اجتماعي تاريخي صنعه الفاعلون الاجتماعيون بمن فيهم المفكرون أنفسهم الذين يفتقدون الشجاعة اللازمة لتحمل مسؤولياتهم التاريخية كنخبة رائدة مستنيرة مهمتها الأولى والأساسية هي تمزيق الحجب الكثيفة، والضلالات العديدة، والأوهام المتنوعة التي تلف الحياة الاجتماعية بغلاف سميك، وتسليط الضوء على الرهانات الحاسمة في حياة المجتمع.

كما ينسون أو يتناسون أن مهمتهم كسر حاجز الصمت المضروب على المجتمع من قبل القوى النافذة والمتسلطة. خرق المحظورات، وهدم جدار الممنوعات الذي شيده المتسلطون (ماديا وفكريا) حول المجتمع حفاظا على نفوذهم ومصالحهم. وكسر الأغلال الثقيلة التي تمنع حركة الأفراد والجماعات خارج الأسوار العقائدية والفكرية التي أقامها مثقفو السلطان في مختلف العصور وحافظوا عليها لمنع تكوين الفكر العقلاني؛ الفكر النقدي والجريء.

لم تسلم الجامعة وهي المؤسسة المنتجة بامتياز للأفكار من هذا التمزق والتشتت الذي أصاب "النخبة المفكرة" بحيث نجد الباحثين والأساتذة منقسمين شيعا وطوائف، ليس حسب المدارس الفكرية والفلسفية، ويا ليت الأمر كان كذلك. بل حسب معايير لا علاقة لها بالعلم والفكر والفلسفة لا من بعيد ولا من قريب. إنها معايير اللغة، الجهوية، العرقية، المذهبية الدينية، والولاءات السياسية بالمعنى الضيق والمبتذل للكلمة.

تلك الانقسامات وذلك "التحزب" يطغيان بشكل قوي على الاعتبارات والمعايير العلمية مما يعطل التواصل وتبادل التجارب والخبرات. وينتهي الأمر إلى حالة من انعدام التراكم في الإنتاج العلمي إن وجد، وهو قليل في المقام الأول ومتناثر هنا وهناك. بل أن السمة الغالبة لهذا الإنتاج على ندرته هو النزوع نحو التقوقع على الذات والتحجر في قوالب دغمائية ترفض التعارض والتناقض والتغاير. إنتاج تميزه العدمية بشكل مثير ومأساوي بحيث أنه ينطلق في الغالب الأعم ليس من إنكار الآخر فحسب، بل من جهله و/أو تجاهل وجوده تماما. وهي حالة أمرَ وأدهى من الإنكار الذي يفترض الوجود رغم عدم الاعتراف بذلك.

هكذا تنجز الأبحاث وتنشر الدراسات والأعمال دون أن تحظى بما تستحقه كل الأفكار من ترحاب أولا، كونها مساهمة جديدة في المعرفة، ودون إثارة ما يليق بها من نقاش علمي وجدل فكري ثانيا، كونها تعبر عن رؤى مغايرة ومخالفة ولكنها جديرة بالتقدير والاحترام. يأتي الإنتاج الفكري إلى الوجود وتظهر الأعمال والدراسات العلمية في محيط يلفه الصمت المطبق، وتختفي بعد ذلك في ضوضاء الحياة اليومية المثقلة بمشاكل تافهة، لكنها تستهلك القدر الأكبر من طاقات الباحثين والمفكرين. وتغيب وسط المناورات وحروب المواقع من أجل فتات الموائد الذي ترميه النخب السياسية، البيروقراطية المسيطرة على أجهزة الدولة ودواليب الحكم. صراعات من أجل عطلة علمية، منحة قصيرة المدى، سفر إلى الخارج "للمشاركة" في ندوة أو مؤتمر، منصب في وزارة، في عمادة الجامعة، أو في الكلية، في المعهد أو في القسم. وغيرها من بقايا ما تبقى من تقسيم الريع بين القوى النافذة.

إن نشر هذا الكتاب فعل واع غايته النهائية هي تكريم زميل وصديق عزيز علينا جميعا في مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية CRASC وهو بعد ذلك مساهمة رمزية في النضال ضد النسيان، والانقطاع وتأسيس التواصل بين الباحثين والمفكرين مهما تنوعت مشاربهم، ومواقفهم وآراؤهم، لأنهم يمثلون في نهاية الأمر الشعلة التي تحترق ببطئ لتنير الطريق للمجتمع، وتساعده على إضاءة ما خفي من جوانبه المعتمة، وهي في واقع الأمر كثيرة ومتعددة وبخاصة في هذه المرحلة التي تعج بالمسكوت عنه، والمحظور، والمغيب…الخ.

هذا الكتاب الذي يتضمن مجموعة من الأعمال المقدمة في الأيام الدراسية المنظمة من طرف المركز بمساهمة من معهد علم الاجتماع بجامعة قسنطينة بتاريخ 20-21 ماي 1997، يقوم المركز بنشره وفاء لروح زميلنا الفقيد الأستاذ فوزي عادل الذي عمل على تنظيم تلك الأيام الدراسية وأشرف عليها بنفسه.

 كما تعتبر هذه العملية بمثابة عربون تقدير وعرفان من قبل الباحثين في المركز للجهود الجبارة التي بذلها واحد من أعضائه البارزين كباحث متمرس ومفكر مستنير من أجل تطوير التفكير العلمي في مجال العلوم الاجتماعية عموما، وإعادة الاعتبار للأنثروبولوجيا التي رأى فيها الفقيد العلم الموحد لباقي علوم الإنسان والعلوم الاجتماعية، كونه يمثل نقطة التقاطع وهمزة الوصل بين الانشغالات التي تشكل حقول البحث في مختلف تلك العلوم.

 كما نهدف إلى تثمين الجهود التي بذلها زميلنا الأستاذ فوزي طوال تلك الفترة حيث عمل على أكثر من جبهة ( رئاسة المجلس العلمي للمركز، الإشراف على مخبر العائلة، العمل كرئيس مشروع بحث حول استراتيجيات الزواج، المشاركة النشطة في مختلف نشاطات المركز؛ ندوات، حلقات النقاش…الخ) إضافة إلى نشاطه في جامعة قسنطينة كأستاذ ومشرف، وقد ناقش في أواخر أيامه أكثر من رسالتين لنيل الماجستير كان قد أشرف عليهما بنفسه. كما امتد نشاطه إلى خارج البلاد حيث كان عضوا نشطا في منتدى تابع لهيئة اليونسكو يهتم بموضوع "التراث الثقافي في البلاد المتوسطية" وحضر في السنة الأخيرة رغم تدهور حالته الصحية أعمال المنتدى المنعقد بروما مرتين.

لقد لمست لدى الفقيد خلال السنوات الأخيرة انشغالا رئيسيا استقطب كل اهتمامه وبذل من أجله جهودا مضنية رغم أن حالته الصحية قد بدأت تسوء. إنه الانشغال بتجديد الفكر والممارسة العلماجتماعية، والعمل على وضع كل ذلك في متناول الطلبة وتشجيعهم بكل الوسائل والطرق للانفتاح على كل ما هو جديد ومثير للنقاش والجدل، بهدف التأسيس لفكر ولممارسة بحثية في علم الاجتماع تتجاوز القيود التي كبلتها في السنوات السابقة، بسبب ضعف التكوين وسيطرة الدغمائية والانغلاق في فكر تقليدي متزمت يرفض التجديد. وقد كان دوما يشجع طلابه على كسر المحظورات، والمخاطرة بولوج عوالم جديدة، والإبداع بتجريب أساليب وطرق عمل حديثة تفتح أمام البحث العلماجتماعي آفاقا واعدة.

لقد كان من بين الأساتذة الذين عرفتهم وعملت معهم أكثرهم جرأة في تناول مشكلة تعريب العلوم الاجتماعية في الجامعة، وقد كان موقفه من هذه المسألة مبدئيا وثابتا لصالح التعريب ، ولكنه لم يخف أبدا استياءه الشديد من استعماله لأغراض سياسية من قبل السلطة (أنظر مقاله في هذا الكتاب)، كما رفض استعماله كحصان طروادة من طرف العديد من الأساتذة سواء المعربين أو "المفرنسين" الذين حاولوا وما زالوا يحاولون رفع هذا الشعار كل بطريقته للدفاع عن الرداءة والوقوف ضد التجديد والتغيير في الفكر والممارسة البحثية في العلوم الاجتماعية.

لقد حرصت على تعريب مقال صديقي وزميلي الأستاذ فوزي الوارد في هذا الكتاب تحت عنوان "علم الاجتماع الأنثروبولوجي" ومراجعة بقية النصوص الواردة باللغة العربية، سواء كتبت أصلا بهذه اللغة أم ترجمت إليها، وفاء مني لموقفه المبدئي الذي عبر عنه أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة وهو ضرورة العمل على تقديم أعمال ذات مستوى راق مكتوبة بالعربية لطلاب العلوم الاجتماعية عموما وعلم الاجتماع خصوصا في الجامعات وهم يعدون اليوم بالآلاف حتى نضع بين أيديهم أمثلة يقتدون بها، ونماذج لأعمال علمية تمنحهم فرص الاطلاع على التيارات والمدارس الحديثة.

كل ذلك من أجل أن لا يبقى الطلبة أسرى لأوهام وضلالات السحرة الجدد الذين يحاولون ربطهم إلى الماضي رافضين العالمية بدعاوى متعددة منها الخصوصية والمحافظة على الهوية ومحاربة التغريب …إلى غير ذلك من الحجج التي لا تصمد أمام النقد الفكري الأصيل، ولا تعدو أن تكون مجرد محاولات يائسة وبائسة تهدف إلى إبقاء الحجب الكثيفة لفكر تقليدي معاد للإبداع ولحرية التفكير والتعبير.

ثقتي كبيرة أن هذا الكتاب سيجد صدى إيجابيا وترحيبا قويا لدى طلبة العلوم الاجتماعية، وبخاصة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا.

وأملي عظيم في أن يشكل رمزا ومعلما ضد النسيان والنكران، حتى لا يسقط من ذاكرتنا واحد من أولئك الذين كرسوا حياتهم للفكر النقدي الجريء، وحتى تبقى شعلة هذا الفكر متوهجة دوما لتنير ظلمات     دهاليز المجتمع سواء الرسمية أو غير الرسمية، لتطرد خفافيش الجهل، التزمت والتسلط، وتعلي سلطة الفكر على فكر السلطة، لتخترق جدار الصمت الكثيف الذي يلف الممارسات المجتمعية في تنوعها وتعددها، وتكسر القيود التي تكبل آلاف العقول التواقة إلى التجديد الفكري والعلمي.