Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

 

سواء تعلق الأمر بالكتابات الجنائزية على شواهد القبور أو في الصّحف والجرائد، فإن كلايهما يستمد مضامينه ؛ أولا : من ثقافة ما قبل الإسلام، التي نجد  فيها مثلا : صيغة "الموت كأس وكل الناس شاربه* والقبر باب وكل الناس داخله". وثانيا : من النصوص الدينية الإسلامية ؛ القرآن والحديث خاصة. وهذا ما توصل إليه كل : من مركو شولروورنر ديم في المؤلف المتكون من جزأين عن "الحياة والموت في الإسلام".(The living and the DeadinIslam, 2004) وقد أطلق المختصان على النصوص الإبغرافية في شواهد القبور Epitaph وهاته الكلمة مرادفة للنقوش على الأضرحة والقبور.

وعليه، فإن لمقاربة هذه الظاهرة، يوجد مصادر إبيغرافية ؛ (مصدر مادي) مثل : "الفهرس الكرونولوجي للنقوش العربية". وهناك مصادر غير إبيغرافية منها : القرآن والحديث ورسائل العزاء. وتأثر خطاب النقوش الجنائزي بخطابات أخرى منها : الحديث، ورسائل العزاء، والشعر الديني والزهد، وشعر المدح، والنقوش غير الجنائزية، والسّير الأدبية والأسلوب والخطاب القرآني الذي يؤكد حتمية الموت في قوله تعالى : "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ"[1].والسكينة الذي يجزي الله بها، في قوله: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي"[2].وأكد توماس بورThomas Bauer  أن فهم الموت في الإسلام لا بد من أن يتم انطلاقا من مصادر متعددة وخطاب الموت في شعر الزهد والتصوف (الزهديات) والخطاب الأدبي في القرون الوسطى حول المصير بعد الموت مثل كتاب القرطبي حول "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة". وقد أثر القرآن على الرثاء في الصيغة وفي الرؤية الإسكتولوجية كما هو واضح في هذا المثال :

 "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِلَهِي لَيْسَ لِي عَمَلٌ أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ ، وَلَا حَسَنَةٌ أَدُلُّ بِهَا عَلَيْكَ ، غَيْرَ فَقْرِي وَفَاقَتِي وَذُلِّي وَوَحْدَتِي ، فَارْحَمْ غُرْبَتِي ، وَكُنْ أَنِيسِي فِي حُفْرَتِي، فَقَدِ الْتَجَأْتُ إِلَيْكَ، وَتَوَكَّلْتُ عَلَيْكَ ، وَأَنْتَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

"رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَيءٍ قَدِيرٌ"[3].
"رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"[4].

ويعتبر الحديث أيضا مصدرا للمفاهيم الإسكتولوجية، وكذلك منح المؤلفين اهتماما للشعر العربي والذي من خلاله تبرز الانفعالات والأحاسيس والمعتقدات والقيم وهو ضروري من أجل تشريح الثقافة. والشعر (شعر الزهديات والمراثي : أبو العتاهية) مذكور في النقوش الكتابية الموجودة في الكتابات الشاهدية. ومن خلال مجموعة النصوص الشعرية المقدمة، نلمس وجود بكاء على الأموات والتعبير عن وجعة الفراق وتقديم مواعظ وحكم بخصوص ذلك من قبيل:

إذا أمسى فراشي من تراب * وصرت مجاور الرب الرحيم

فهنوني بإخلائي وقولوا * هنيئا قد قدمت على كريم

(The living and the Dead in Islam, 2004, p.625)

وتندرج الكتابات الجنائزية الموجودة في الجزائر اليوم ضمن هذا السّياق الثقافي والتاريخي العام، ويضاف إلى التأثيرات السابقة، تأثير الفترة الكولونيالية في تنظيم هذه الممارسات (الحالة المدنية، والكتابة باللغة الفرنسية...). وقد حافظت تلك الكتابات على صيغها الجوهرية، علما أن تعميمها وانتشارها أفقدها كثيرا من فنيتها وتنوعها، فصارت موجزة تكتفي بالأهم (هوية المتوفى، وتاريخ الميلاد والوفاة والدعاء). وتعتبر الجرائد متنفسا وامتدادا، فهي متنوعة ومستمرة من لحظة الإعلان عن الوفاة (اليوم الأول)، والتعازي (من اليوم الثاني للوفاة إلى نهاية الأسبوع الأول)، والشكر (بعد نهاية الأسبوع الأول)، والأربعينية (أربعون يوما بعد الوفاة) وأخيرا الذكرى السنوية التي تتجدد كل سنة ويتوافق تاريخها مع تاريخ الوفاة. وتتميز هذه التعابير بأنها تستعيد المضمون الشاهدي ذا الأبعاد والمعتقدات الدينية مع إضافة موقف الأقارب وأحاسيسهم المتعلقة بالفقدان. وتتراوح النصوص في الصّحف بين القصر والطول ؛ حيث إن المساحة المخصصة لذلك محكومة بالسعر. وفاعلوها كثر، منهم الأصدقاء : والأقارب، والجيران وزملاء العمل. وهذه الممارسة ليست متاحة للجميع نظرا لعدة أسباب منها :

المستوى الثقافي (القدرة على كتابة النص، الاطلاع على الجرائد، معرفة عنوان مقر الجريدة...)،

القرب من مقرات الجرائد اليومية الموجودة مقراتها في الحواضر والمدن الكبرى،

المستوى الاقتصادي نظرا لأن الإعلانات مدفوعة الأجر وليست مجانية. وهنا يكمن الفرق بين الإعلانات الجنائزية الخاصة بمديري المؤسسات وكبار المسؤولين وبين تلك الخاصة بالمواطنين "العاديين"، سواء من حيث الحجم أو من موقع الإعلان في الجريدة.

وأخيرا، قبول التعبير عما هو حميمي، وعائلي وخاص في فضاء عمومي.

وفي كل الأحوال فإن الممارسات في كلا الفضاءين (المقبرة-الجرائد) محكومة

بمنطق واحد ويتمثل في "الإعلان والتشييع" مع استهداف جلب أكبر قدر من الدعوات وطلب الرحمة. وإذا كان الأقارب يسعون لدفن ذويهم بقرب الممرات والمداخل أو المخارج الكبرى للمقابر، فإنهم يسعون أيضا لوضع إعلاناتهم في صفحات الجرائد الأكثر مقروئية أو في الصفحة الأولى وبالأحجام والمساحات الكبرى إن سمحت إمكاناتهم بذلك.

ومن أجل فهم الممارسات الكتابية (في الجرائد وفي الشواهد)، فلا مناص من استنطاق المستويات الشفهية بنوعيها العالِم (قراءة القرآن، وصيغ التعزية، والأدعية...) والعامي (العدادات. والفقيرات) إضافة إلى الممارسات الطقوسية (الصلاة، والصدقات، وزيارة المقابر...) التي تعتبر جميعها مداخل رئيسية لفهم وقع حدث الموت على الفاعلين وموقفهم منه.

الهوامش

 [1]سورة الرحمن، الآية : 26 .

[2] سورة الفجر، الآيات : 27، 28، 29، 30.

[3] سورة التحريم، الآية : 8.

[4] سورة الممتحنة، الآية : 4.