Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

مقدّمة

يخص بحثنا هذا الحقبة الكولونيالية و يقوم على عدد من المتغيرات والسياقات، سواء منها الزمنية الممتدة إلى لحظة ما قبل الاستقلال، أو الزمن المعيش وزمن الكتابة، وهنالك متغير آخر ممثل في فاعلي الجرائد الصادرة حينذاك. ومن ناحية أخرى نحن أمام سياق لغوي وثقافي يميز هذه الكتابة الجنائزية ويخص فئات المستعمرين الفرنسيين) دون غيرهم من الجزائريين (الأهالي).[1] وسيكون مضمون النصوص محل دراسة، انطلاقا من بعض المؤشرات التي تعطي انطباعا أوليا مفاده أن هناك بعض التميز والاختلاف بين هذه النصوص من فترة إلى أخرى ومن جريدة إلى أخرى. وفي الوقت نفسه هناك بعض النمطية والتشابه خصوصا في جرائد :L’Echo d’Oran; l’Echo de Tlemcen ; la Dépêche Oranaise ; l’Echo Soir, Oran Républicain.

وتمحورت الكتابة الجنائزية في الجرائد الفرنسية في عناوين عديدة نذكر منها : "نعي"، و"ذكرى"، و"إعلان وفاة"، و"وفاة"، و"إعلان شكر". وتضمنت هذه النصوص عددا من المتغيرات، التي تكررت في أغلب الجرائد ولو مع اختلاف في ترتيبها، وفي محمولها الرمزي. ويبقى كشف هذه النصوص مرتبطا بمدى ما سنسخره من أدوات وتقنيات، وفي الوقت نفسه ستكون المقارنة مساعدة في كشف الاختلافات والتمايزات سواء بين النصوص ذاتها في الجريدة نفسها أو مع الموجود في الجرائد الأخرى.

تساؤلات أولية

في دراستنا موضوع الكتابة الجنائزية في الجرائد، نعتبر أن المقصود من بحثنا ليس الموت في حد ذاته، بل إن موضوع بحثنا هو ضد الموت أساسا ؛ لأنه مرتبط بالذاكرة، فالكتابة فعل وتعبير وممارسة وخطاب، وهي ما نسلّط عليه الضوء بهدف استنطاق هذه الممارسة، لنصل إلى الفهم والتفسير. وقد تساءلنا عن طبيعة الكتابة الجنائزية وعما كان يكتبه المستعمرون ؟ وكانّ علينا توسيع البحث ليشمل مجموع خصائص وميزات الكتابة الجنائزية الفرنسية وكتابات المستعمرين الأجانب بالجزائر قبل الاستقلال والمقارنة بينها، من حيث متغيرات متمثلة في الكلمات والعبارات وثقلها الرمزي وبلاغتها اللغوية، واتجاهات خطابها بين المحمول الديني أو الدنيوي... إلخ. ومن ناحية أخرى ـــــــ وفي خضم تحليل مضمون هذه النصوص ــــــــ كان لا بد من الوقوف على جميع السياقات التي أنتج في إطارها هذا النص، من سياق زمني ومكاني وثقافي وتراثي وديني وإيديولوجي، عبر تحديد الخط الافتتاحي للجريدة، والصفحة، والفترة الاستعمارية المعنية بالدراسة، والاستقلال، والصحفيين الفرنسيين... وكيفية تأثير كل ذلك في صناعة النص الجنائزي.

وفي السّياق نفسه، عندما نعود إلى الكتابة الجنائزية في الفترة الاستعمارية نجد عددا من المتغيرات التي تشكل جسد النص الجنائزي إلى اليوم ؛ حيث تشترك هذه النصوص في اشتمالها على هوية الشخص وكنيته ومهنته وأسباب وفاته وتاريخها... إلخ، كما أن عناوينها تتشابه ؛ حيث نجد كلمة "تعزية"، و"ذكرى"، و"إعلان وفاة"...الخ، فهل يعكس ذلك نوعا من النمطية أثناء الفترة الكولونيالية، رغم اختلاف السّياق الزمني والاتجاه السياسي والإيديولوجيا، أم أن هذا التشابه الذي يبدو ظاهريا، هو في حقيقته منطلق لانقطاع وقطيعة بين الكتابات الجنائزية الكولونيالية ؟.

إشكالية البحث وفرضياته

ستتمحور إشكالية هذا البحث وفرضياته فيما يلي :

تتعلق إشكالية البحث، بالكيفية التي كان المستعمرون يكتبون بها النصوص الجنائزية مع المقارنة بين النصوص الجنائزية من خلال الجرائد التي تم اختيارها. وأما بخصوص الفرضيات، فإننا نفترض مبدئيا أن هناك أسبابا دافعة إلى الكتابة الجنائزية مثلما هناك اختلاف بين النصوص، ومن ثمة نفترض أن هناك قطيعة واختلافا بين النصوص من حيث العناصر والمضمون والسياقات. وينضاف إلى ذلك النمطية ؛ سواء في الأسباب الدافعة إلى الكتابة أو في الكتابة الجنائزية ذاتها. ومن ثمة نفترض أن تقاليد الكتابة الجنائزية الفرنسية هي نفسها واحدة طوال الفترة الكولونيالية.

المنهجية

ستكون الأنثروبولوجيا التأويلية "الغيرتزية"(Geertz, 2002)  المقاربة ــــــــ المفتاح لتفكيك هذه النصوص وفهم المعاني الثقافية، التي تقدمها وتحيل إليها باعتبارها فعلا إنسانيا، فالنص في الجريدة يخفي نصوصا أخرى، ومذاهب وتمثلات [...]، ولذلك وجب الوصف المكثف لأدق العناصر، وفي ذلك حاول غيرتز في إطار مقاربته التأويلية لأنساق الرموز والثقافات ومعانيها، أن يؤسس لإطار منهجي ومعرفي يبحث في فهم كيفية تشكيل هذه الرموز لفهم الناسومشاعرهم ووعيهم.

ومن ثمة، اعتبر الناس ذوات ثقافية، يمكن دائما النظر إلى أفعالهم باعتبارها ذات معنى ورمزية، (أبو اللغد، 1994، ص. 28) وبالتالي توجهت قراءته للظواهر من خلال قراءته "للفعل الاجتماعي وفهمه واستيضاح ما الذي تعنيه أفعال الناس لأنفسهم وللآخرين، ولتحديد هذه العملية استعار غيرتز فكرة الوصف السميك أو المكثف من الفيلسوف جلبيرت رايل"،                       (أبو اللغد،1994 ، ص.28) ومنه، فإن اختيارنا لمقاربته، يتأسس على ما تمنحه من قدرة على تفكيك النصوص وفهمها وتأويلها من وجهة نظر ثقافية،
(أبو اللغد، 1994، ص. 30). ولأجل هذا، اخترنا عينة من الجرائد وعددا من النصوص، التي بدأنا بقراءتها وتحليلها عبر منهجية تحليل المضمون، كما اعتمدنا على تكميم بعض المتغيرات، التي نلاحظ تكرارها للإجابة عن إشكالية النمطية والتجديد في الكتابة الجنائزية خلال الفترة الكولونيالية.

أنثروبولوجيا الموت والكتابة الجنائزية

يعود بنا البحث في العلاقة بين الكتابة الجنائزية في الصّحف والجرائد والذاكرة، إلى ضرورة التأصيل الأنثروبولوجي والسوسيولوجي للموت باعتباره ليس مجرد حدث فيزيولوجي، فهو حدث رموزي ومعطى بشري وثقافي عام، كما أنه القدر النهائي للبشرية، فالإنسان كائن معد للموت، فهو "ذا القبر"          (بن حتيرة صوفية،2008، ص. 326)، وبتعبير مارسيا إلياد فإن : "الموت ليس مجرد ظاهرة طبيعية (الحياة، أو الروح التي تغادر الجسد)، بل إنه موضوع يتناول تغير نظام هو في آن واحد أنطولوجي واجتماعي" (إلياد، 2009، ص.212). وقد حظي الموت بطقوس ومعتقدات وأعراف وممارسات وتعابير وتصورات مختلفة، مثلما نُسجت عنه الخرافات والأساطير. وشكل جزءا من تراث الأمم الديني والتاريخي وحتى الثقافي والاجتماعي والأثري بالخصوص، يقول الفيلسوف الإغريقي هرقليطس : "في كل لحظة من اللحظات يموت جزء منا ويعيش الكل، وفي لحظة يموت واحد منا وتبقى الحياة. الموت بداية كما هو نهاية، والموت هو نهاية كما هو بداية".(عميري و روبه، 2012، ص. 29) أما الموت عند مارسيا إلياد، فهو "ضرب من ضروب الوجود البشري، الذي لا ينهي الحياة نهاية أخيرة وحاسمة [...] فهو ليس بالأمر النهائي، وإنه متبوع دائما بولادة جديدة". (إلياد، 2009، ص ص. 176-185) وأنشأ الإنسان الأول للأموات عمارة جنائزية تحاكي بيوت الأحياء ضمن رمزية الحميمية، وحملت الكثير من شواهد القبور باللغة اللاتينية عبارة "أنت من تراب". (جيلبير،2003، ص. 214) وفي نظرية الخلق، التي احتوتها كثير من النصوص المقدسة ومنها القرآن، تأكيد أن أصل الإنسان تراب، وإليه سيعود وسيبعث حيّا. وقد غذى هذا الأمر آمال الإنسان في حياة أخرى، ما جعله يبني القبور وفق هندسة تسمح بالمحاكاة الرمزية للحياة. ومن ثم فإن طقوس الدفن تحيل إلى أمل الإنسان ورجائه بحفظ الجسد الميت، ما أدى إلى الاعتماد على التحنيط عند المصريين مثلا، الذين خصوا جثت فراعنتهم بالعناية وهيؤوا لهم شروط الإقامة في القبر من أطعمة وقرابين. (جيلبير، 2003، ص ص. 216-217). لأن الموت عندهم" لم يكن نهاية الحياة (كما عند العراقيين القدامى) بل استمرارا لها في عالم آخر لا يختلف في جوهره عن عالم الحياة" (خزعل، 1999، ص. 238).

ودفعت تمثلات العرب القدامى حول الموت والدفن والجثة، إلى "الإسراع في التخلص من الجثة لخوفهم الشعوذي من الجثة ومن عودتها"، (الأضاحي عند العرب، 2013، ص. 109) ونجد في معتقدات الشرق الأدنى قبل الإسلام أن أرواح الأموات تلازمهم في قبورهم وتبقى بينهم، ومردّ ذلك أن الطاقة الروحية المقدسة يجب أن تعود إلى مصدرها. (ميثولوجيا أديان الشرق الأدنى قبل الاسلام، 2014، ص ص. 19-20) واختلف الأمر عند معرفة هذه المجتمعات بالإسلام، حيث أصبحت تصوراتهم وتمثلاتهم مبنية في نسقها بالمعتقدات الإسلامية، فأفضل ما يمكن تقديمه إلى المتوفى هو سرعة دفنه "إكرام الميت دفنه"، أي أن المعنى من السرعة في هذا الطقس هي إكرام له في بيئة يصعب الاحتفاظ فيها بجثته، Louis, 1979)) فالمسلم يعلم أن الجثة ستتحلل وتبقى الروح وحدها في السماء الأولى إلى حين يوم الحشر. ويبدو للمخيال الشعبي أن أرواح الموتى تسمعنا وترانا، وتصل إليها الصدقات والأدعية، ويمكن استحضارها في المنام. وعليه، "يوجد الموت في قلب الحياة الاجتماعية عند المجتمعات المسلمة، شأنه شأن بقية طقوس العبور الأخرى (الولادة، والزواج)، فهو لحظة أساسية ومفتاحية للحياة الاجتماعية من غير أن يكون مخبأ أو مكبوتا، بل إنه يظهر مقطعا مفتوحا ومتقبلا كجزء لا يتجزأ من الوجود، وهو يسمح في تصور مختلف الفاعلين الاجتماعيين بالعبور والمرور من عالم الحس إلى عالم الغيب، ما استدعى معه جملة من الشعائر والطقوس المنجحّة لهذا العبور"(Van Gennep, 1981).

وكشفت أنثروبولوجيا الموت (Louis, 1975) عن أن تصور الإنسان الأول عن عالم ما بعد الموت، جعله يتخذ مناحي عديدة وأشكالا وطقوساً مختلفة في عملية الإقبار، خصوصا أن الديانات كما يرى هربرت سبنسر قد نشأت عن احترام للأموات وعبادتهم، ولم يوار حسبه الإنسان في لحده إلا بعدما نشأت تصورات ذهنية للإنسان حول حياة ما بعد الموت، ودليل ذلك أن وضع الميت في القبر اختلف باختلاف معتقدات الإنسان الأول، فاعتقاد بعض الشعوب مثلا في أن الإنسان يولد من جديد بعد موته، دفعها لوضع موتاها في القبور في وضعية الجنين، استعدادا لولادة ثانية.(شلحت، 2003، ص. 60).

وتأتي الطقوس الجنائزية التي يعتبرها أرنولد فون جنيب أنها طقوس عبور، ويعد الدفن ممارسة تنقل الجسد من عالم الأحياء إلى الأموات،
(منديب، 2006، ص. 158) وبمقتضى ذلك يصبح الميت سلفا عند بعض المجتمعات، في حين تعمل مجتمعات أخرى على إزالة الموتى تماما من مجال الحياة الاجتماعية (الجوهري، 2008، ص. 374) تبعا لمعتقداتها وتصوراتها، في حين تحافظ أخرى على الذكرى بأمواتها، والكتابة وسيلة ربط بينهما.

وتتناسب مضامين الكتابة وأشكالها في النصوص المقتطفة من الجرائد الفرنسية مع مناسبات الموت والدفن وإقامة القداس على روح الميت، أو الذكرى السنوية إلى غير ذلك، فكل لحظة من تلك اللحظات لها مضمونها الكتابي، وهو ما تعكسه الكتابة الجنائزية الكولونيالية التي تحوي إلى جانب الهوية التعريفية إحساس العائلة، وهو الإحساس الذي لا نجده في الكتابة الشاهدية. وغدَت الجرائد والصّحف اليوم فضاء للتعبير والتواصل والذكرى تسمح بمجابهة النسيان.

الجرائد والصّحف، ميدان للدراسة

شملت دراستنا عددا من إعلانات الوفاة، والذكرى، والنعي والتعزية وحتى التشكرات. واخترنا لذلك عددا من الجرائد المتوفرة على مستوى أرشيف ولاية تلمسان أو أرشيف مكتبة بلدية وهران، نظرا لأن الموجود من الجرائد الفرنسية على مستوى المؤسستين مختلف، فمثلا هناك جرائد بتلمسان مثل :

  l’Avenir de Tlemcen, l’Echo de Tlemcen غير موجود بوهران، مثلما هناك جرائد في وهران مثل : La Dépêche Oranaise, Oran Républicain.

وبالمقابل، هنا كجرائد أخرى متوفرة بالمؤسستين نذكر منها :
 l’Echo d’Oran،l’Echo Soir، أي أن هذه الجرائد كانت متوفرة وتوزع في جهات عديدة سواء بالجزائر أو فرنسا وحتى المغرب وتونس. والمشترك بين هذه الجرائد أنها كانت تصدر بفرنسا والجزائر (وهران، وتلمسان، والجزائر العاصمة)، مثلما كانت هناك جرائد تخص العاصمة وقسنطينة مثل :
L’Echo d’Alger،l’Echo de Constantine

وهناك اختلاف آخر نسجله بين هذه الجرائد الموجودة في وهران وتلمسان، هو أن المؤسستين لا تتوفران على الأعداد نفسها، نظرا للظروف التي مرّ بها حفظ الأرشيف بالولايتين. ومنه، كانت العناوين المختارة هي كالتالي:

L’Echo d’Oran ; l’Echo de Tlemcen ; la Dépêche Oranaise ; L’Echo Soir ; Oran Républicain.

العينة البحثية

وشملت عينة الجرائد ما كان يصدر يوميا أو بشكل أسبوعي، كما تعددت أيديولوجيتها بين الوطنية والتقدمية والاشتراكية، وهي في عمومها ذات طابع سياسي، تعنى بجميع أخبار المعمرين خصوصا المحليين منهم، الذين يقطنون بالمدينتين أو بالغرب الجزائري عموما. وتتنوع محتويات الجرائد بين الأخبار ذات الطابع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتاريخي، ( (Kraemer, 1995 إضافة إلى تخصيصها لصفحات خاصة بالإعلانات المختلفة سواء التي كانت تخصّ الإعلانات القضائية أو النشاطات والفعاليات الثقافية والتربوية، أو الأعياد والاحتفالات المختلفة، مثلما كانت تخصص بعض الأجزاء من صفحاتها للإعلانات الجنائزية.

مجتمع المستعمرين

لقد كانت الغاية من هذه الجرائد ومن إعلاناتها المختلفة، أن تكون لسان حال المستعمرين، ولم يكن لمجتمع الأهالي الجزائري، حظ من ذلك، فقط فئات بعينها ممن كانت لها الإمكانيات المادية والمواقف الإيجابية الخادمة لمشروع فرنسا وإيديولوجيتها. حيث كانت أسماؤهم ونشاطاتهم تتردد في هذه الجرائد، ودون ذلك فلا وجود للأهالي، خصوصا ما تعلق بإعلانات وفاتهم.

يمكننا في البدء، اعتبار الكتابة الجنائزية تقليدًا فرنسيًا ناشئاً، بالمقابل لم يكن للجزائريين حظ فيه للظروف المجتمعية المختلفة والقاهرة التي كانوا يعيشونها، وهو ما جعل من إعلانات الجنائز آخر اهتمامات الجزائريين (الأهالي) أمام مصاعب تلك الحقبة. كما أن هذه الجرائد كانت تحيل مخياليا إلى الكافر إضافة إلى أن الإعلان عن المشاعر الحميمة  في الفضاء العمومي (Goffman,1973) في صورة "ذكرى وترحم وغيرهما" لا تتوافق مع ممارسات الأهالي وتقاليدهم في تلك الفترة كما أن تلك الإعلانات لم تكن مجانية. .(Ageron, 2005)

وراعينا في اختيار العينة البحثية -المقدرة بأكثر من أربع عشرة جريدة- متغيرات، منها : كمية هذه الجرائد ونوعها وعمرها الزمني، وخطها السياسي والإيديولوجي، ومحتواها من الكتابات الجنائزية، ونوعية هذه الكتابة، وإصدارها اليومي أو الأسبوعي، وطابعها المحلي أو الجهوي أو الوطني وحتى الفرنسي والجزائري وغير ذلك. وتتوزع هذه الجرائد المختارة على العناوين التالية :

L’Echo d’Oran

جريدة يومية فرنسية، ذات طابع جهوي في بداية الأمر ومع الزمن تحولت إلى جريدة شبه وطنية بوصول إصداراتها إلى العاصمة سنة 1846، وفي الوقت نفسه بدأت إصداراتها تتوسع في فرنسا لتشمل الشمال الفرنسي وجنوبه (باريس ومارسيليا مثلا)، عنوانها بوهران كان بشارع فليب رقم 19، وشعارها بداية صدورها كان يتضمن العبارة التالية :

L’Echo d’Oran 

Journal d’annonces légales, Judiciaires, Administratives et Commerciales de la Provence d’Oran.

وفي سنة 1900 تحول شعارها إلى:« Journal Quotidien du Matin » وخلال سنوات 1961 و1962 أصبح شعارها كما يلي : « le plus fort tirage et la plus forte vente de l’Afrique du Nord » وفي وسط عنوانها الرئيس نجد عبارة « Fondé en 1844 ».

وتعكس هذه الشعارات جزءا من طبيعة وخط الجريدة منذ انطلاقتها سنة 1844 إلى 1963 ؛ حيث ركزت على الأخبار السياسية، والاجتماعية، والثقافية والتجارية. كما كانت تتضمن إعلانات مختلفة [...]. وفي هذا الشأن تتوفر كل من مكتبة وهران وأرشيف ولاية تلمسان على أعداد منها، مع ضياع بعضها نتيجة ظروف طبيعية وبشرية.

وبخصوص مديري الإشراف الذين تعاقبوا على إدارة هذه الجريدة منذ بداية صدورها فهم : أدولف بيريي أول المديرين العامين للجريدة بين فترة 1844م وسنة 1879م، وجاء بعده بول بيريي بين سنوات 1879 إلى سنة 1937، ثم لوسيان بيريي مديرا عاما للجريدة بين سنوات 1937 و1956م، لتنتهي هذه الجريدة بالمدير العام لها بيار لافونت بين سنوات 1956و1963م تاريخ توقف صدورها بالجزائر المستقلة.

(Histoire de la presse en Algérie, http://www.cdha.fr/histoire-de-la-presse-en-algerie-lecho-doran)

وما يميز هذه الجريدة مبدئيا أنها كانت عائلية مملوكة لعائلة بيريي، التي تعاقبت على إدارتها منذ سنة 1844 وحتى سنة 1963، علما أن المدير لم يكن من العائلة نفسها بين سنوات 1956 و1963، وقد ترأس المجلس الإداري للجريدة خلال هذه الفترة راوول بيريي، وهذا يعكس الخط السياسي والإيديولوجي للجريدة وللقائمين عليها.

ومقاس الجريدة وعدد صفحاتها مختلف، ومتذبذب أحيانا ؛ حيث تراوح مقاسها سنوات 1844م إلى سنة 1900م مثلا في حدود 44 سم طول و32 سم عرض، وعدد صفحاتها أربعة، وأصبح مقاس الجريدة في الخمسينات إلى سنة 1961م يتراوح بين 57 سم طول و42.5سم عرض تقريبا، وعدد الصفحات بين 6 و8 و10 في كل عدد، أما في سنة 1962م فقد قل عدد صفحات الجريدة ليتراوح بين 6و8 مع زيادة في مقاس الجريدة بطول قدره 60 سم طول و44 سم عرض.

وما يميز هذه الجريدة أيضا أنّ بعض إصداراتها كانت مزدوجة، فتحتجب
في يوم أول قبل أن تصدر في اليوم الثاني وتجمع بين التاريخين واليومين مع بعض، مثالها : عدد واحد ليومي الأحد 31 ديسمبر 1961 والاثنين 01 يناير 1962..إلخ، وقد بلغت أعدادها بتاريخ 31 مارس سنة 1962 مثلا إلى35368، لتتوقف هذه الجريدة عن الصدور بالجزائر سنة 1963 في عددها الأخير إلى ما يقارب 36000.

وفيما يخص ثمن الاشتراك بالجريدة، فيختلف بين المستعمرين المقيمين بوهران وضواحيها وفرنسا والمناطق الأجنبية ؛ حيث كان يخضع الاشتراك في كل منطقة إلى ثمن مختلف ومحدد، فمثلا سنة 1844م كان الاشتراك لمدة ستة أشهر يكلف المعمر الفرنسي بوهران 12 فرنكا فرنسيا قديما، وفي فرنسا والمناطق الأخرى كان يكلف المواطن الفرنسي 13 فرنكا، والأجانب 14 فرنكا.

وفيما يخص الإعلانات والكتابات الجنائزية، فعادة ما كان يُخصص لها ركنٌ بالجريدة، تختلف مواقعه وأحجامه باختلاف الفترات وعدد الإعلانات وأيام إعلاناها ومساحة الأخبار الأخرى. كما كان لكل إعلان ثمن، والذي اختلف مع الزمن باتجاه الارتفاع. وفي بداية صدور الجريدة سنة 1844م وحتى 1900م، كانت الإعلانات الجنائزية تنشر في الصفحة الثالثة من كل عدد سواء في أسفل أو وسط أو أعلى الصفحة، من حجم إجمالي يقدر بأربعة صفحات كانت تتكون منها الجريدة، وفي سنوات الخمسينات وبداية الستينات أصبحت الإعلانات الجنائزية الأخرى تنشر في الصفحة الخامسة أو السادسة من كل عدد ومن مجموع صفحات الجريدة التي كانت تتراوح بين 06 و10 صفحات في الغالب.

كان ثمن الإعلانات المختلفة مجانيا بين سنوات 1844، 1846 و1847، لكن ما يلاحظ مثلا أنه في سنة 1900متم تحديد ثمن يختلف تبعا لطبيعة الإعلانات وصنفها وحجمها، فمثلا حدد المقابل المالي لكل سطر من إعلانات متنوعة (Annonces diverses) بـ 35 سنتيما، أما بالنسبة للإعلانات القانونية (Annonces légales) فحدد ثمنهابــ18 سنتيم للسطر الواحد، وأما بالنسبة للإشهاريات (Réclames) فقد كانت1 فرنك للسطر الواحد.

L’Echo de Tlemcen

هي جريدة أسبوعية محلية تعنى بأخبار مدينة تلمسان، وكان مسموح لها بنشر الإعلانات القانونية والقضائية بالفرنسية والعربية...إلخ، وهي موجهة لفئة المستعمرين والجيش الفرنسي والمثقفين من الأهالي، وبدأ صدورها سنة 1854م واستمر إلى حدود ما هو متوفر بأرشيف ولاية تلمسان إلى سنة 1935م؛ حيث وصلت في سنتها الواحدة والثمانين (الثلاثاء 29 يناير 1935) إلى 8943 عددا، وكان لها مكتب بشارع النصر بتلمسان، ومكاتب أخرى بوهران والعاصمة وباريس.

أما بخصوص شعار الجريدة فكان يتضمن التالي : "بريد تلمسان" إضافة إلى "الجريدة الأسبوعية الجمهورية لليسار"، وهذا يعكس الاتجاه والخط الإيديولوجي للجريدة الذي كان يساريا، كما كان إصدارها أسبوعيا، وتضمن العنوان شعار ا آخر بعنوان : "أعضاء الدفاع عن المصالح العامة والجهوية".

ترأس طاقم تسيير الجريدة وإدارتها، المدير المسير للجريدة أبرهام متوت، وذلك بين سنوات 1928 و1935، وليس لنا علم بأسماء بقية المدريين بالنسبة للسنوات التي سبقت هذه الفترة أو التي تلتها[2].

أما بخصوص ثمن هذه الجريدة، فكان يقدر بـ 15 سنتيم، وكان مبلغ الاشتراك السنوي يختلف باختلاف المناطق ؛ حيث حدد المبلغ بتلمسان وضواحيها بـ 8.5 فركا سنويا، وبالنسبة للاشتراكات من الجزائر وفرنسا والمغرب فحددت بمبلغ قدره 9.5 فرنكا سنويا، بالمقابل كان ثمن الإعلانات مختلفا تبعًا لحجم الاعلانات ونوعها، فمثلا نشر الإعلانات القانونية كان يقدربـ 0,9 فرنكا للسطر، أما بالنسبة لنشر إعلانات متفرقة فحدد مبلغه بـ 1,25 فرنكا للسطر، و بالنسبة للنصوص العربية فبمبلغ 1,52 فرنكا للسطر، وإعلانات (ردود) 1,50 فرنكا للسطر، وأخيرا فإنّ الإعلانات التي كانت تنشر عدة مرات فخصّت بثمن جزافي.

وبالنسبة لعدد الصفحات فكانت الجريدة تتكون من 4 صفحات ما بين سنوات 1928 وسنة 1935، كما أنّ مقاس هذه الصفحات تراوح بين 54,5 سم طولا و37 سم عرضا، بالمقابل فإنّ الكتابات الجنائزية (نعي، وفاة، تشكرات...) لم تكن لها مساحة مضبوطة، ولكن في أغلب الأحيان كانت تنشر في الصفحة الثانية أو الثالثة.

La Dépêche Oranaise

وهي جريدة يومية تصدر بشكل منتظم في كل من وهران وباريس. وما هو متوفر بالمكتبة البلدية لوهران هما الأعداد التي تخص سنوات 1925 و1930، ويمكن من خلال سنة الجريدة وعددها إدراك أن بداية صدورها كان سنة 1917 تقريبا، وكان مديرها السياسي سنة 1925 الدكتور والنائب J. Gasser، وكان لها مكتبان : الأول على مستوى مدينة وهران بعنوان 05 شارعAlsace- Lorraine، وأما الثاني فكان بباريس.

وبالنسبة لشعار الجريدة فكان متضمنا سنة 1925 التالي : 
La Dépêche  Oranaiseوتحتها « Le Soir » وأما في سنة 1930 فأصبح شعارها «Journal Quotidien ». ويعكس الشعار جزءا من طبيعة هذه الجريدة، وخطها، والتي كانت تنشر الأخبار السياسية والاجتماعية و الثقافية والتجارية و القضائية وغيرها، كما كانت تخصص أجزاء من صفحاتها الأربعة لنشر عديد الإعلانات.

ويخص بعض هذه الإعلانات الوفاة والتعزية والذكرى، وكانت المنشورة عادة في أسفل الصفحة الثانية أو حتى الثالثة، في جزء خاص بعنوان       Bloc-notes وتحته تأتي مختلف العناوين التي تخص دورات الحياة سواء منها الاحتفالية أو الاحتفائية من إعلان زواج وخطوبة ووفاة وتعزية وذكرى بعنوان Nécrologie.

وبالنسبة لمساحة صفحات هذه الجريدة فكانت بطول 54 سم وعرض 44سم، و صفحاتها أربع، وأما ثمنها فكان 20 سنتيما، وأما الاشتراك فكان محددا بـ 13 فرنكا خلال ثلاثة أشهر، و35 سنتيما في ستة أشهر و 65 فرنكا في السنة وهذا بالنسبة للمستعمرين في الجزائر، وأما بالنسبة للإعلانات فلم نجد ثمنا محددا لها في الجريدة، فقط وحدها الإشارة إلى مكان وضعها على مستوى مكتبي الجريدة بكل من وهران وباريس.

مضمون الكتابة الجنائزية و العلاقة بين الكتابة الشاهدية والكتابة في الصّحف

من خلال ما سبق يمكن تعريف الكتابة الجنائزية بأنها وسيلة تعبير وتواصل، مندرجة في نسق مختلف من التعابير، وقد تكون الطقوس والممارسات الجنائزية وجهها الآخر، وباعتبار أنّ المتوفى عادة ما يتأسس في ذاكرة الأحياء طرفا حاضرا من خلال النّص الذي يحاول فيه المؤلف التعبير عن أحاسيسه ومشاعره وآلامه وأحزانه. وفي الوقت نفسه يعيد بذلك إنتاج وتصوير ملامح شخصية المتوفى وأخلاقه وظروف وفاته. وتحاول الكتابة في الجرائد أن تعطي معنى للفقدان، كما أنها في الوقت نفسه تُؤسس للذكرى حتى لا يُنسى الميت. وهذا يبين أن الإنسان تخطى فضاء الكتابة المنقوشة على شواهد القبور ونمطيتها ليتعداها إلى مجالات إعلامية حديثة، فكانت الجرائد أحد وسائل التعبير، ومن ثمّ نحن أمام استحداث جديد للقبر وشواهده مجازيا ورمزيا ؛حيث تم نقله من المستوى المادي والحجري إلى مستوى ورقي مطبوع.

ومن شأن المقارنة بين الكتابة الشاهدية والكتابة الجنائزية بالجرائد، أن تبيّن لنا فروقاً أساسية ؛ حيث تبدو أن الأولى تحيل إلى النمطية بعد أن تدوّن على شاهدي القبر.وما تتضمنه من معلومات حول هوية المتوفى وتاريخ ميلاده ووفاته أقل مما هو في صفحات الجرائد، فالكتابة الشاهدية مضبوطة بعدد من الأخلاقيات الرمزية والدينية واللغوية، ومجال المقبرة غير قابل رمزيا وأخلاقيا لذكر كل أسبابِ الوفاة، خصوصا الدنيوية منها ؛ لأنّ مجالها يُحيل مخياليا إلى الديني والأخروي. وتُحيل الجريدة إلى الدنيوي ومجالها أرحب ومفتوح للتعبير والكتابة، مثلما يتعدد مضمونها وشكلها وسياقاتها، لذلك عادة ما تدون عبارة :

"في مثل هذا اليوم من سنة كذا توفي، ودعنا، فقدنا...الأخ، الحبيب، الصديق،

...إلى مثواه الأخير، رحل إلى جوار ربه، استراح..."، وهي عبارة مثقلة بالأحاسيس والمشاعرالناعية والمعزية والمتذكرة للفقيد.

تحليل مضمون الكتابة الجنائزية ببعض الجرائد

عادة ما توضع الإعلانات الجنائزية في جريدة ،La Dépêche Oranaise
في جزء من الصفحة الثانية أو الثالثة الخاص بـ  Bloc- Notesبمسمى Nécrologie أما في جريدة  l’Echo de Tlemcenفجاءت في جزء من الصفحة الثانية أو الثالثة الخاص بـ Etat-Civil de Tlemcen بمسمى

Avis de Pensées, Décès Avis de Décès Nécrologie, Nécrologie Remerciements. Messe Anniversaire.

ومن الملاحظات المسجلة أن هذه الإعلانات الجنائزية كانت مدرجة في جزء خاص يجمع كل الإعلانات الخاصة بحياة المجتمع سواء ما تعلق منها بالزواج أو الخطوبة وعيد الميلاد، أو الوفاة والتعزية وغيرها، فلم يكن هناك فصل بينها ضمن صفحات هذه الجرائد.

وعادة ما كان نص التعزية والنعي والذكرى وإعلان الوفاةNécrologie)
 Pensée,)، وفي أحيان (Avis de Décès) متضمنا العديد من العناصر المشتركة والمتشابهة التالية :

عبارة معبرة عن مشاعر وأحاسيس مقدم التعزية أو المعلن عن الوفاة، من ذلك مثلا :"نتلقى بألم عميق وفاة..."، أو "بألم تلقينا البارحة وفاة..."

  • هوية المتوفىِ ؛
  • مكان الوفاة ؛
  • التعريف بحالته الاجتماعية وبأسرته (زوجة، أو أرملة، أو والد، أو والدة، أو صهر...) ؛
  • وظيفة المتوفى ؛
  • عمره، عمرها عند الوفاة ؛
  • التعبير من جديد عن ألم الفراق ؛
  • ذكر سبب الوفاة : المرض الطويل، أو المرض العضال...؛
  • توجيه التعزية لعائلة المتوفى ؛
  • التعبير من جديد عن مشاعر الحزن والأسى ؛

ولا تأتي هذه العناصر مرتبة بالضرورة كما أوردناها، ولكن على العموم بعد تحليلنا لمحتوى هذه النصوص، بدى أنها أتت في مجملها بهذا الشكل.

وبالنسبة لنص إعلان الوفاة (Avis de Décès) أو وفاة (Décès) وجدناه أيضا في الجريدتين وفي أغلب أعدادهما متضمنا العناصر التالية :

  • هوية مقدم التعزية وعائلته ؛
  • التعبير عن مشاعر الحزن ؛
  • تحديد هوية المتوفى (الاسم واللقب) ؛
  • تاريخ الوفاة (اليوم، والتاريخ، والشهر، وزمنه من النهار) ؛
  • توجيه الدعوة لحضور الجنازة ؛
  • تحديد تاريخ الدفن والجنازة بذكر الساعة واليوم والتاريخ والشهر ؛
  • تحديد مكان الدفن (المقبرة والشارع والحي والمدينة...) ؛
  • التعبير الرمزي عن الفقدان "شمسها غربت قبل نهاية اليوم".

وبالنسبة لنص إعلان التشكرات، (Avis de Remerciements) فقد تضمن العناصر التالية :

  • هوية مقدم الشكر ؛
  • هوية عائلته وأسماء بعض الأقارب ؛
  • تقديم الشكر من هؤلاء لمقدمي التعزية في الوفاة ؛
  • هوية المتوفى ؛
  • مكان الولادة ؛ذكر درجة قرب المتوفى من مقدمي الشكر، ومعه التعبير عن الحزن لفقدانه (الزوج، أو الزوجة، أو الأم، أو الأب، أو البنت، أو الابن، أو الأخت، أو الأخ، أو زوجة الابن، أو زوج البنت...) ؛
  • مكان الوفاة ؛
  • تاريخ الوفاة والعمر.

أما بالنسبة لنص قداس ذكرى الوفاة، (Messe Anniversaire) فقد تضمن العناصر التالية :

  • هوية المعزي وهوية بعض من عائلته (صاحب الإعلان) ؛
  • توجيه الدعوة لحضور قداس تذكاري ؛
  • تحديد مكانه (معبد، كنيسة) ؛
  • ذكر أسبابه ودوافعه "من أجل أن ترتاح روح..." ؛
  • هوية المتوفى ووضعيته الاجتماعية "السيدة، الآنسة" ؛

-تحديد درجة قرب المتوفى من المعزين ؛

  • مكان الوفاة وتاريخها.

حصيلة البحث

جاء استحداث ركن خاص بالكتابة الجنائزية ضمن صفحات الجرائد في الجزائر بعد الاستقلال في سياق التقليد الموجود في الجرائد الفرنسية خلال الفترة الاستعمارية. وحضوره بكثافة في متن هذه الجرائد يعود إلى السّياق التاريخي (ح ع1، ح ع 2، ثورة التحرير 1954-1962) الذي خلف عددا من القتلى العسكريين والمدنيين. وأمام لوعة الفراق كانت أسر الضحايا تلجأ إلى كتابة النكرولوجيا. ورغم تعدد النّصوص وتعدد عناوين الجرائد ؛ كل وخطها الافتتاحي، إلا أنّ المستخلص خلال فترة القرن العشرين أن الجرائد الفرنسية عرفت نوعا من النمطية في كتابة مضمون النصوص وأشكالها بمختلف أنواعها : إعلانات الوفاة أو التعزية أو الذكرى أو التشكرات.

ومن خلال تحليل العديد من النصوص وجدنا استمرارية في كتابة النصوص الجنائزية الفرنسية، ما يعني -كما سلف الذكر ـــــــــ اتجاه هذا النوع من الكتابة إلى النمطية.

يخفي النّص الفرنسي عند قراءته أوجه الثقافة والقيم والدين، فعند الوقوف بتمعن وقراءة النّص، يمكن استحضار عناصر الإيمان والمعتقد، ومعه تحضر الكنيسة أو المعبد مكانا للعبور القدسي نحو الراحة الأبدية، ما يعكس بدوره تمثلا عن الموت والحياة الأخرى في الفكر الغربي (عند المسيحيين أو اليهود).

تركز مختلف النّصوص بالجرائد الفرنسية على عناصر الرحمة والإحساس والمشاعر اتجاه المتوفين، إضافة إلى أنّ العديد من النّصوص مثل : إعلانات الوفاة والقداس وغيرها تحدد المكان الذي في العادة يكون مقدسا (الكنيسة، أو المعبد) ولابد منه في عملية دمج الأموات في نسق المعتقدات الدينية.

يحمل فعل الكتابة في رمزيته نوعا من الاستحضار البليغ للميت، والتذكير بمناقبه، كما أن الكتابة بما تتضمنه من شحنة عاطفية تبيّن مدى الاعتزاز به. وتوفر الجريدة مساحة للتعبير البليغ عن الأسى والحزن (الإحساس) نتيجة الفراق، وإيصال رسالة إلى الآخر لجعله يدرك عمق العلاقة وحجما ومعناها بين كُتَّابٍ النصِ والمُتلقي (خصوصا من الأصدقاء والأقارب).

وفي الأخير، فإنّ الكتابة مجال للتواصل والتذكر والتعايش مع ألم الفراق (الحداد)، وهي بقدر ما تعطي معنى للفقدان وتساير مراحل الحداد، تعبر كذلك عن نوع من المقاومة التي يبديها الأحياء لاستحضار ذكرى الأموات وتركها قائمة ومتجدرة في أذهان الأحياء.

البيبليوغرافيا

أبو اللغد،ليلى (1994). المجالات النظرية في أنثروبولوجيا العالم العربي
.)ت.باقادر أبو بكر أحمد.( من مجلة منبر الحوار، مجلة فصلية لحوار الأفكار والثقافات، 32-33، بيروت : دار الكوثر، السنة التاسعة.

بن حتيرة صوفية، السحيري (2008). الجسد والمجتمع : دراسة أنثروبولوجية لبعض الاعتقادات والتصورات حول الجسد. (ط 1.).تونس : دار محمد علي للنشر.

بن قربة، صالح. أهمية الكتابات الأثرية الشاهدية في تاريخ المغرب الإسلامي وحضارته، جامعة الجزائر، (بدون تاريخ الطبعة).

بووشمة، الهادي (2012). الكتابة على الضريح والقبر بسيدي بلعباس : توسيع لآفاقها أو تضييق لها ؟ عمل منجز ضمن مشروع الكتابة على شواهد القبور بمنطقة الغرب الجزائري، بين النمطية والتجديد. وهران  :المركز الوطني للبحث
في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، .CRASC

الجوهري، محمد (2008). المفاهيم الأساسية في علم الأنثروبولوجيا. القاهرة: منشور غير مطبوع.

الحاج، موسى عوني) 2010 .(فن المنقوشات الكتابية في الغرب الإسلامي. مؤسسة الملك عبد العزيزـــــــــ الدار البيضاء: منشورات عكاظ.

حقي، محمد) 2005.( عمارة الموت في المغرب والأندلس: بناء القبور. من مجلة المناهل، عدد حول : العمارة في المغرب قديما. مجلة فصلية،73-74، تصدرها وزارة الثقافة المغربية، الرباط : مطبعة دار المناهل.

جيلبير، دوران (2003). الأنثروبولوجيا : رموزها، أساطيرها، أنساقها.
(ت. الصمد مصباح) .(ط 3.) .بيروت : المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.

شلحت، يوسف (2003). نحو نظرية جديدة في علم الاجتماع الديني (الطوطمية ــــــــ اليهودية ـــــــــ  النصرانية ــــــــــ الاسلام). تحقيق وتقديم خليل أحمد خليل، بيروت: دار الفارابي.

شلحت، يوسف (2013). الأضاحي عند العرب. (ت. خليل أحمد خليل).
بيروت : دار الطليعة للطباعة والنشر.

صديقي، محمد الناصر (2014). ميثولوجيا أديان الشرق الأدنى قبل الاسلام. بيروت : جداول للنشر والترجمة والتوزيع.

عميري، إبراهيم.، سوزان، روبه (2012). المدافن والطقوس الجنائزية في ريف دمشق. دمشق : منشورات المديرية العامة للآثار والمتاحف، وزارة الثقافة.

خزعل،الماجدي (1999). الدين المصري. عمان ـــــــــ الأردن : دار الشروق للنشر والتوزيع.

حيرش بغداد، محمد (2011.( المرثيات: الممارسات الاجتماعية والأدبية. مجلة إضافات، خريف 16، بيروت : نشر مركز دراسات الوحدة العربية.

إلياد، مرسيا (2009). المقدس والعادي. )ت. العوا عادل(. بيروت : دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع.

معزوز، عبد الحق (2011). شواهد القبور في المغرب الأوسط بين القرنين
(13 و19م). الجزائر : منشورات وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية، ص ص. 15-16.

منديب، عبد الغني (2006). الدين والمجتمع : دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب. الدار البيضاء : أفريقيا الشرق.

المنيعي، حسن وآخرون (1998). الكتابة والموت : دراسات في "حديث الجثة". مكناس : سندي للطباعة والنشر.

يشوتي، محمد (2011). تواصل الواقع والمتخيل من خلال علاقة الدنيوي بالأخروي. بحث غير منشور، كلية الآداب، جامعة وجدة.

Ageron, C.-R. (2005). Les Algériens musulmans et la france (1871-1919). Algerie : Bouchène.

Geertz, C. (2002). Savoir local, savoir global : les lieux du savoir. (D. Paulme, Trad.). (3eéd.). Paris : PUF.

Goffman, E. (1973). La mise en scène de la vie quotidienne.
Paris : de Minuit.

Histoire de la presse en Algérie : L'Echo d'Oran. Centre de
documentation historique sur l'Algérie
.

En ligne :http://gallica.bnf.fr/ark:/12148/cb327611803/date

En ligne : http://www.cdha.fr/histoire-de-la-presse-en-algerie-lecho-doran

Kraemer, G. (1995). Trois siècles de presse francophone dans le monde : hors de France, de Belgique, de Suisse et du Québec.
Paris : L'Harmattan, (ISBN 2738439691OCLC 231676036).

Lemieux, R) .1985(. L’écriture du cimetière.Montréal : Les
éditions Bellarmin.

Louis, V.- T. (1975). Anthropologie de la mort. France : Payot.

Louis, V.-T. (1979). Civilisation et divagations. Mort, fantasmes. Science-fiction. France : édition Payot.

Raymond, L. (1982). Pratique de la mort et production sociale. Une collection développée en collaboration avec la Bibliothèque, Paul-Émile-Boulet de l'Université du Québec à Chicoutimi,
En ligne : Site web: http://bibliotheque.uqac.ca

Van Gennep, A. (1981). Les rites de passage: étude systématique. Paris: édition. Nourry; rééd.

 الهوامش

(1) Université de Tamanrasset, Faculté des sciences sociales, 11000, Tamanrasset, Algérie.

(2) Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle, 31000, Oran, Algérie.

[2] http://gallica.bnf.fr/ark:/12148/cb327611803/date.