Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

 تقديم

يعتبر هذا الكتاب عن "الكتابات الجنائزية في الصّحف : المكونات والخصائص" تعميقا لمشروعي بحث سابقين أنجز أحدهما بمركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية ما بين 2009 و2013 بعنوان : "الكتابات الشاهدية بالغرب الجزائري بين النمطية والتجديد", و أنجز الثاني ضمن مشاريع البحث الوطنية (2011-2014) بعنوان : "الكتابات الشاهدية بمقبرة عين البيضاء بوهران ومقبرة امدوحة بتيزي وزو". حدّدنا في المشروع الأول الصيغ الكتابية المتداولة في مقبرة عين البيضاء بوهران (1956- 2013) معتمدين على المعاينة الميدانية. كما تتبعنا تطور الصيغ عبر مراحل زمنية طويلة، بالرجوع إلى "الفهرس الكرونولوجي للنقوش العربية"، و"المجلة الإفريقية" وأعمال فون ماكس برشايم. وبالنسبة لمشروع البحث الوطني، فتم التأصيل لمفهوم المحلي من خلال المقارنة بين مقبرتين اعتقدنا في البداية أنهما ستكونان متمايزتين. ولكن بدراسة المضامين الكتابية في كلاّ المشروعين وجدنا أن الصيغ فيهما تشترك في إظهار البعد الديني وتنحو إلى الرجاء (الدعاء وطلب الرحمة)، إلا أن ذلك يتم في مقبرة امدوحة بالتركيز على الكتابة الاستهلالية للشهادة والتكبير. ويتم فيها استعمال عناصر إضافية أكثر (الحجر الثالث/ "الكتاب") لإظهار مشاعر العائلة.

لم ترق الكتابة الشاهدية, أي  :تلك الكتابة الموجودة على شواهد القبور إلى مستوى الرثاء باعتباره مدحا للميت أو بكاء عليه وإظهار التفجّع لوفاته. ويقتصر المدح والإجلال على فئة الشهداء والمجاهدين والشخصيات المهمّة.
وفي هذه الحالة يكون المدح مضمرا بذكر لفظ شهيد أو مجاهد. وبالنسبة للشخصيات المرموقة، فترد ألفاظ من قبيل : الإمام، الفقيه، العلاّمة، الأستاذ...؛ حيث إنها تكون محمّلة بمعاني الفضيلة وعرفان المجتمع. ولا يحصل إظهار التفجع إلا في حالات استثنائية. ويتلخَّص مضمون "المرثية" الموجودة على شواهد قبور المسلمين ـــــــ في الماضي كما في الحاضر ـــــــ في كونه طلبا مُوجّها إلى الزّائر من أجل التّرحم على المتوفى، وذلك بقراءة الفاتحة على روحه والدُّعاء له. وهناك في تاريخ النّقوش العربية القديمة قبل الإسلامية والإسلامية تنوّع وثراء في المضامين قد يصل إلى حدِّ الطّرافة. وبيّنا في بحثنا هذا أن هناك عددا من العوامل تتحكم في الكتابة الشاهدية وفي نمط "المرثية" ونوعيتها بما في ذلك المعتقدات الإسلامية وما قبل الإسلامية، وأن هناك ثلاثة مستويات تتجلى من خلالها المرثية :

أولها, الكتابة على شواهد القبور، حيث يغلب البعد الديني (الصبر والرحمة) على البعد الإنساني (البكاء، النحيب وعدم تقبل الموت). وثانيها الكتابة على صفحات الجرائد اليومية، سواء تلك المكتوبة باللغة العربية أو الفرنسية ؛ حيث إن لجوء الفاعلين إليها في زيادة مستمرة اليوم. وفي هذا المجال يحصل نوع من التوازن بين الديني والاجتماعي، فتظهر بالتالي مكونات خمسة في النصوص وهي : هوية المتوفى، الإشادة، دعوة القارئ إلى الدعاء له بالرحمة، التعبير عن أحاسيس العائلة وأخيرا فنون التعبير الخطابي. وأما على المستوى الشّفهي فإن الندب والرثاء يتميزان بغلبة البكاء وعدم تقبل الفراق ؛ إذ يتم في هذا المستوى "إحراج" المعتقدات الدينية. وتتميز العدّادات أو الندّابات والبكّايات بالإفراط في البكاء، والنحيب والعويل ضمن سجل غنائي غير مراقب. ونلاحظ اليوم تراجعا كبيرا في الطلب عليهن بفعل تأثير خطاب سلفي، التأثير الذي يصل إلى حد إلحاق الضرر المادي بالشواهد. وتم استبدال الندابات بالفقيرات وهن نسوة متخصصات في الإنشاد والمديح الديني، يُنشطن الأفراح والمآتم معا. لقد صارت الكتابة على شواهد القبور تنحو تدريجيا إلى البساطة بذكر هوية المتوفى، وتاريخ ميلاده ووفاته والدعاء له بالرحمة والمغفرة بشكل مباشر أو بدعوة الزّائر إلى ذلك، وهي تفتقر إلى المضامين العاطفية لصالح مشاعر الصبر[1].

والكتابات الجنائزية الموجودة في الصّحف والجرائد اليومية تخص الإعلانات المرتبطة بمناسبات خمس وهي : الإعلان عن الوفاة (النكرولوجيا)، تقديم التعازي، الشكر والعرفان، الأربعينية وأخيرا الذكرى السنوية. ويندرج لجوء الفاعلين إليها ضمن استراتيجية الالتفاف ومن أجل قول ما لا يمكن قوله في فضاءات أخرى. ويخضع هذا المجال لقواعد مؤسساتية، وتكون المستويات العلمية للعاملين فيه عالية مقارنة بغيرهم (الحرفيين، الندابات، الوعاظ...). وتتميز الصيغ الكتابية بالتنوّع، وتتناول الحدث في فترات زمانية متتابعة ومستمرة مع استمرار الاحتفال بـ"الذكرى السنوية". وأما من حيث المضمون فتتداخل مع الصيغ التقليدية وتتجاوزها في الوقت نفسه. ففي الفضاءات التي يشعر الفاعلون أنها أماكن مراقبة يلتزمون الحذر والخشوع والصبر. وفي الفضاءات التي يشعرون بأنها عمومية (الجرائد) يمنحون أنفسهم مزيدا من الحرية في إبداء مشاعرهم واختيار الصيغ التي تعبر عن شخصيتهم وتفردهم.

ونعتبر أن النكرولوجيا هي إلى حد ما امتداد للنقوش والكتابات الجنائزية الشاهدية. وعليه ارتأينا إضافة مقال آخر إلى سلسلة مقالات هذا الكتاب من أجل توسيع الرؤية بخصوص الممارسات الكتابية الجنائزية في الصّحف وشواهد القبور معا. وفي هذا الإطار، خصنا نيكولاس فتان بمقال حول الممارسات الكتابية وتطورها عند العثمانيين والأتراك، معتبرا أن بحثه ليس دراسة جديدة، بل إنه يعمل على تقديم حصيلة للمقابر العثمانية وللنصب الشاهدية التي تحويها (16م-19م). ويعتمد في بحثه على الإشارة إلى النصب نفسها في بعدها المادي، ويركز بعد ذلك على المرثيات وما يمكن أن تقدمه بوصفها مصدراً للتاريخ الاجتماعي.

تعتمد الصيغة الكتابية للمرثية العثمانية الكلاسيكية على الآتي : التوسل إلى الله، واعتبارات حول الموت، والمجموعة الاِسمية (الاسم، واللقب، والأصل الجغرافي، والقرابات...) للمتوفى والمسبوقة بالتّرحم، والدعوة الموجهة إلى المار وتاريخ الوفاة بالأرقام. والعناصر الموجودة بشكل دائم ومستمر هي : الدعاء الورِع، والمجموعة الإسمية، وطلب قراءة الفاتحة والتاريخ.

ويتبين في الأخير أن الكتابة الجنائزية عموما ليست طقسا جنائزيا بالمعنى التام للكلمة، وأن الفاعلين يركزون على الطقوس العملية (العزاء، و الإحسان، والصدقة، وقراءة القرآن، وزيارة المتوفى، وإحياء المناسبات كما هو حال ليلة الفراق أو الأربعينية). وفي جملة الطقوس هذه يعتبر الدفن في حد ذاته أفضل ما يمكن تقديمه إلى لمتوفى، لأن "إكرام الميت دفنه".

 محمد حيرش بغداد

الهوامش

 [1] من صيغ المواساة والتعازي نجد عبارة : "اللهم عوض المحبة بالصبر".