Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 33، 2018، ص. 11-18 | نص كامل


 

 

حبيبة العلوي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدّمة

أطلقت "مجموعة العمل حول السياسة الثقافيّة في الجزائر" (G.T.P.C.A) مشروع "الخريطة الثقافيّة للجزائر"؛ كتطوّر منطقي ومشروع لمشروعها الرامي لتغيير وتيرة وشكل تسيير القطاع الثقافي بالجزائر؛ ولدعم البنية الثقافيّة المستقلّة في الجزائر بالآليات المناسبة والميسّرة لتحرّكها، على الرغم من إكراهات السياسة الرسميّة التي تعمل منذ عقود على السيطرة التامّة على كامل مفاصل الحياة الثقافيّة بالجزائر؛ السياسة التي بدأت تترنّح مؤخرا نظرا لانهيارات سعر البترول التي ستضطر الدولة إلى مراجعة توجهاتها الاقتصادية الكبرى.

يأتي هذا المشروع إذن كداعم أساس للفاعلين الثقافيين بالجزائر ـ سواء الرسميين أو المستقلين؛ من حيث توفيره لقاعدة بيانات إلكترونية تمنح لهم إمكانيّة التعريف بمؤسساتهم ومشاريعهم وفعاليّاتهم الثقافيّة، كما تسمح لهم بالتشبيك مع حساسيّات وطنية مماثلة على امتداد التراب الوطني، هذه الأرضيّة الرقميّة المستندة إلى تكنولوجيا خرائطيّة محترفة؛ ستسهم حتما بحصر ورصد موارد الثراء الثقافي بالجزائر؛ التي لم تستثمر بإستراتيجية واعية لحدّ الآن، تمنح لها حقّ التعبير عن خصوصيّاتها  من جهة وتتيحها كمصدر ثراء اقتصادي وأمن مجتمعي من جهة  مغايرة.

إنّ الميزة الأساس لهذه الخريطة عدا تغطيتها لمجمل المؤسسات الثقافيّة في الجزائر، هي قابليّتها للتحيين المستمر الذي سيسمح بتجديد معطياتها بحسب التغيّرات المرصودة على الميدان، وبحسب أيضا تجاوب وتكاثف الحساسيّات الثقافيّة بالجزائر مع هذا  المشروع المجتمعي في الأصل.

كما أنّ هذه الخريطة ستمثّل أوّل واجهة ثقافيّة رقميّة جزائريّة تتيح للعالم فرصة التعرّف والتواصل والفاعلين الثقافيين في الجزائر، بشفافيّة وعمليّة لا تعوز لأي وساطات بيروقراطيّة معيقة.

عندما أطلقت "مجموعة العمل حول السياسة الثقافيّة في الجزائر" مشروعها الرامي إلى كتابة سياسة ثقافيّة للجزائر؛ لتعزيزها بسياسة ثقافيّة واضحة وشفّافة ومستندة بالأساس إلى مشورة موسّعة والمجتمع المدني الذي يفترض أنّه الممثّل والحامي الرئيس للثقافة الوطنيّة كمعطى مادّي ومعنوي؛ لم تكن تمتلك إلا رصيدها من الإرادة الواثقة بالتغيير؛ تغيير تفاصيل ومفاصل المشهد الثقافي الجزائري الذي طغت عليه المهرجاناتيّة ومظاهر سوء استثمار الرأسمال الإبداعي الجزائري.

غير أنّ هذا الرصيد من الإرادة الحقّة غير القابلة للتفاوض كان كافيا أن يجمع مجموعة من الفاعلين الثقافيين الجزائريين المستقلّين لأوّل مرّة خلف مشروع موحّد يعكس الهمّ الغالب على آفاقهم الثقافيّة.

من ذات ديسمبر 20112 وهذه المجموعة تشتغل إذن على فكرتين أساسيتين هما حشد أهمّ الطاقات الثقافيّة الجزائريّة المؤمنة بفكرة الثقافة المستقلّة حول مشروع السياسة الثقافيّة الذي طرحته للتداول الجماهيري سنة 2013، وتعزيز الجزائر بإطارات وآليّات ثقافيّة حديثة ووظيفيّة تيسّر من فرص الاستغلال والوصول إلى موارد الثقافة الجزائريّة دون اضطرار المرور على الطرق والمنافذ البيروقراطيّة المعرقلة.

ولقد تبنّت لدعم طروحاتها هذه استراتيجيّات متباينة كان أوّلها الحوار والتشارك المباشر وجمهور المهتمين والمواطنين عبر تنظيم لقاءات وطنيّة، ثمّ تدريب وتكوين الفاعلين الشباب في دورات متخصّصة للإدارة الثقافيّة لخلق جيل من الإطارات الثقافيّة المتفتّحة والمتحكّمة في منهجيّات جديدة للتسيير الثقافي غير المستندة أساسا على الإشراف المباشر والحصري للدولة، وأخيرا إطلاق مشاريع ثقافيّة نوعيّة تسهم في تعزيز البنية الناشئة للقطاع الثقافي المستقل في الجزائر، ويأتي مشروع الخريطة الثقافيّة للجزائر كنموذج عن هاته المشاريع.

إنّ فكرة إطلاق الخريطة الثقافيّة للجزائر جاءت كتطوّر منطقي إذن لمسار عمل المجموعة ؛ الذي انطلق من المشاورة المدنيّة، إلى طرح وثيقة السياسية الثقافيّة إعلاميّا كمحصّلة لحركيّة التشاور، إلى التدريب والتكوين مع الحشد الإعلامي المتواصل عبر وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعيّة، انتهاء إلى طرح نماذج مشاريع ثقافيّة جديدة وثوريّة.

الإتاحة

إنّ المبدأ الأساس الذي يقوم عليه إنشاء أو إطلاق أيّ خريطة ثقافيّة رقميّة هو مبدأ الإتاحة؛ إتاحة أكبر قدر من المعطيات والمعلومات الثقافيّة عن بلد أو حيّز جغرافي معيّن من حيث الموارد المتاحة، الفاعلون، المؤسّسات الرسميّة أو الخاصّة، الجمعيات، الكيانات الثقافيّة النظاميّة أو غير النظاميّة، التراث المادي، إتاحتها لكلّ المهتمين، وهذا هو الرهان الذي تركّز على تحقيقه الخريطة الثقافيّة للجزائر؛ إتاحة المعلومة الثقافيّة لطالبيها من فاعلين ومواطنين ومستثمرين ورسميين وخواص وسائحين وباحثين الخ؛ بآليّة رقميّة وإذن يسيرة وشفاّفة وديمقراطيّة، وهذه الإتاحة في الواقع لم تكن لتكون لولا فضل الفاعلين المباشرين في الميدان المتفاعلين بإيجابيّة مع الاستبيان الذي طرحته المجموعة3 المستقصي للبيانات المرجعيّة للكيانات الثقافيّة الجزائريّة المحليّة والوطنيّة، هته البيانات التي ستمنح لكلّ كيان على الخريطة وصفًا دقيقًا وعنوانا عاديا وإلكترونيا ورابطا رقميّا ورقم هاتف الخ من المعطيات التي تيسّر طريق التواصل المباشر معها .

الإحاطة

الرهان الثاني هو الإحاطة، الإحاطة المعلوماتيّة بكامل ما يعرف بالجهات، وجزائريا بالولايات بشكل عادل، يشتغل على إزالة الغبن عن المناطق المهمّشة من حيث التغطية والإضاءة الإعلاميّة، وكشف الغطاء عن واقع البنية التحتيّة الثقافيّة لكل جهة، ومواردها الثقافيّة بشكل ييسّر إتّخاد تدابير في السياسات الثقافيّة المستقبلية سواء المحليّة أو الوطنيّة لتدارك النقائص التي تبرز بعد عمليّة الجرد والرصد التي تعلن نتائجها الخريطة، بشكل شفّاف.

إنّ الخريطة الثقافيّة بهذه الحال ستكون أداة فعّالة في يد المسئولين على القطاع لرصد الأولويّات التي عليهم أن يتبنوها في توزيعهم للموارد على الجهات حسب حاجات كل منقطة، كما أنّ الخريطة بشفافيّتها ستمثّل من جهة أخرى وسيلة ضغط بين يدي المجتمع المدني تفضح اللاتوازنات في التمويلات المرصودة لكلّ جهة إن حصلت.

التشبيك

أمّا أهمّ ما تتيحه الخريطة من إمكانات للفاعلين الثقافيين على الميدان فيتمثّل في فرص التشبيك التي ستتضاعف بفضل إتاحة بيانات الفاعلين الثقافيين المحليين رقميّا، الأمر الذي لم يكن يأتي إلا باللقاءات الميدانيّة المحدودة أصلا، أو التواصل الإلكتروني الذي يعوز دوما إلى وسائط عمليّة، والخريطة الثقافيّة توفّر وسيطا يحيط بكل الإمكانات الثقافيّة المعبّر عنها لمنطقة محدّدة من العالم، وإذن رصيدها من إمكانات العمل المشترك والتعاون سواء الوطني أو الدولي.

المنافسيّة

أمّا أهمّ ما ستستحثه هذه الخريطة فهو روح المنافسة بين الفاعلين الثقافيين في الجهات للسعي إلى سدّ النقائص التي تشتكي منها البنية التحتيّة الثقافيّة والمشهد الثقافي عموما بجهاتهم، سواء بالضغط على السلطات المعنيّة أو التدخّل المباشر لطرح بدائل مدنيّة ممكنة.

إنّ إتاحة المعطيات الثقافيّة الدقيقة عن كلّ منطقة لن يحرج السلطات المخوّلة بالشأن الثقافي فقط، وإنمّا سيحرج فاعلي ومواطني المنطقة عموما الذين سيحرصون على أن تتمتّع منطقتهم بحظوظها الثقافيّة كاملة، سواء من حيث المخصّصات الماليّة، أو التغطيات الإعلاميّة، أو المشاريع التنمويّة الميسرّة للنشاط الثقافي، أو التنظيمات المدنيّة المناضلة لأجل ترسيخ كلّ ذلك.

التنمية المستدامة

ويمكننا أن نقول بذلك أنّ هذه الخريطة الرقميّة، ستشكّل منبرا مرجعيّا ينطلق منه التخطيط لطرح مشاريع تنموية مستدامة تمسّ الجهات، مستندة إلى ثرواتها ومواردها الثقافيّة قصد استثمارها وطنيّا في أكثر من مجال تنموي على رأسها المجال السياحي، كأقرب مثال متاح لا على التعيين.

التحيين

أمّا أهمّ معطى تعوّل عليه هذه الخريطة، فهو معطي التحيين الذي سيسمح لها أن تصير إلى قاعدة بيانات حيّة تُثرى بصفة مستمرّة ومواكبة للتطورّات والإنجازات الثقافيّة المحقّقة على الأرض وهذا لا يكون إلاّ بالتفات الفاعلين الثقافيين حولها باعتبارها آلية عمليّة بين أيديهم، تيسّر نشاطهم بشكل أساس.

وكذلك بتعاون السلطات بتزويد هذه الخريطة بالبيانات الضروريّة والشفّافة التي بحوزتها، وهنا عادة يكمن الاستعصاء في الجزائر، وفي كامل البلدان التي لم تترسخ :فيها بعد تقاليد الشفافيّة في تسيير الشأن العام.

وعلى العموم تبقى مثل هذه المشاريع المحرِجة في الواقع، السبيل الوحيد الذي يُلزم المؤسسة الرسميّة في الجزائر على تبنّي أنساق التسيير الحديث للشأن الثقافي القائمة على مبادئ الشفافيّة والوضوح والمشاورة والمتابعة والتقييم. وهي بذلك في النهاية خطوة أساس في مسار طويل وحتمي على المجتمع المدني في الجزائر أن ينهض به في انتظار استفاقة السلطات الحتميّة.

خريطة 1

 

خريطة 2

 


الهوامش

1 ينظر موقع "مجموعة العمل حول السياسة الثقافيّة بالجزائر" على الرابط أدناه : http://gtpca.org.

2 طرح هذا الاستبيان عبر صفحة "مجموعة العمل حول السياسة الثقافية في الجزائر" على شبكة الفايس بوك : ينظر الرابط : https://www.facebook.com/gtpca .