Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 33، 2018، ص. 7-11 | نص كامل


 

 

بن عودة بن ناصر

 

 

لا تثير إشكالية التعليم/التعلُّم استجوابا إبستمولوجيا حول محتوى المعارف التي تٌدرَّس[1] فحسب بل في كيفية تنظيم تلك المعارف في برنامج كثيف في أغلب الأحيان. كما يقتضي الأمر التفكير في مسألة المنهجية المتبعة أو ممارسات المعلِّم، وما هي المقاربة البيداغوجية التي تسمح بتحقيق التعلُّم المستدام؟

بصفة عامة، يفتقر تدريس الرياضيات و العلوم المعتمد حاليا في المؤسسات التعليمية إلى الأبعاد الإبستمولوجية و الديداكتيكية. فالتدريس لدينا لا يطرح مسألة المفهوم واختيار منهج للبناء في القسم تسمح بتحقيق تعلُّم معيَّن، إذ تُختصر العلاقة معلِّم/متعلِّم في شكلها البسيط، أي تعليم ميكانيكي يخلِط فيه المعلِّم بين وقت التعليم ووقت التعلُّم.

هذا البعد الإبستيمولوجي هو البعد المتعلق بمراحل بناء المفاهيم التي ندرّسها بصفتها أدوات لحل المسائل وشرح و تفسير الظواهر[2] المختلفة. يمكن أن يقودنا هذا التفكير في المفاهيم العلمية إلى مستوى آخر يتعلق بالمقاربة البيداغوجية المناسبة التي تتجنب التعليم المباشر والقطعي، والسماح بمقاربة تعليمية يتم فيها استعمال معاني المفردات والمفاهيم[3]. لكن هذه المقاربة لا يمكن العمل بها إلا بتسليط الضوء على المسائل التي تحاول حلّها تلك المفاهيم، و هوما يسمّيه ر. بكوش "تثمين المسائل"[4].

يحاول هذا التركيب بين المنهجين الإبستمولوجي والديداكتيكي توضيح معنى المفاهيم و يجيب أيضا على السؤال المتكرّر للمتعلمين: "ما هي الفائدة من تعلّم مسألة ما؟"، ويسمح أيضا بتوقّع الصعوبات المستقبلية في تعلُّم المفاهيم، والتي تصطدم بما نسميه "العوائق الابستمولوجية" المتعلقة بتكوينها التاريخي[5]. يقول باشلار[6] في هذا السياق : "يمكن دراسة عبارة العائق الابستمولوجي من خلال التطور التاريخي للفكر العلمي و في ممارسات التربية".

لكنّ العوائق الابستمولوجية ليست الوحيدة التي يجب تجاوزها في التعليم، إذ أنّ هناك عاملا آخر يرتبط بمنهجية التدريس، دونما تجاهل للبعد المعرفي. ويتعلق هذا الجانب بكيفية التعلَّم، مع الأخذ بعين الاعتبار تمثّلات التلاميذ والطلبة حول المعرفة، أي ما يعرفونه من قبل، حتى ولو كانت معارفهم تلك خاطئة. و هذا ما يراه باشلار ما يسميه العائق البيداغوجي في عملية التعلّم، باعتبار أنّ التمثّل حول بعض المعارف يمكن أن يكون مصدر الأخطاء المتكررة[7] عند المتعلِّم و قد يمنعه من إنشاء و استيعاب وإتقان معرفة جديدة. يقول باشلار : "في التربية، لا نجد تعريفا لمفهوم العائق، و لطالما أدهشني أن أساتذة العلوم، أكثر من غيرهم، لا يفهمون أننا لا نفهم"[8].

يصل التلميذ أوالطالب إلى القسم محمَّلا بمعارف مسبقة حول العلوم، إنّه يملك تاريخا معرفيا شخصيا، وهو ما عبّر عنه باشلار بقوله : "يعتقد مدرّسو العلوم أن العقل يتكوّن مثل الدرس، ويمكن دائما إعادة ثقافة ما بإعادة السنة، كما يمكننا جعل البرهان مفهوما بإعادته نقطة بنقطة. لكنّهم لم يفكروا في أنّ المراهق يأتي إلى قسم الفيزياء محمَّلا بمعارف تجريبية مكوَّنة سابقا، والمطلوب هنا ليس اكتساب ثقافة تجريبية و إنما تغيير الثقافة التجريبية المسبقة، و قلب العقبات المكدّسة سابقا من الحياة اليومية"[9]. وما يقوله باشلار عن قسم الفيزياء يوافق أيضا بقية الأقسام.

إذا لم يشكّل البديل التاريخي الحل البيداغوجي الإعجازي بالنسبة للمعلّم، فهو بذلك قادر على تسليط الضوء على إشكالية المفاهيم و التعقيدات الكامنة في المعرفة العلمية، ويمكنه أن يدفع المتعلّم إلى التساؤل حول العوائق الابستمولوجية و البيداغوجية الممكنة، والتفكير في استغلال هذا الجانب التاريخي من أجل ممارسة منهجية قابلة لتحقيق تعلُّم علمي مستدام.

المساهمات :

تعدّ مساهمة الأستاذ أ. جبار بانوراما واسعة وغنية حول الرياضيات العربية في الفترة ما بين القرنين التاسع والخامس عشر، والتي عدّها استمرارا للتقاليد الرياضية الهندية و بلاد الرافدين وخاصة الرياضيات اليونانية. كما تحوي هذه الورقة بعدا حول ابستمولوجيا الرياضيات العربية و الذي لا يشمل دراسة مختلف أنواع المنطق وحسب مثل منطق التحليل و التركيب  لابن الهيثم (ت. 901) ولكنه يشمل أيضا نظرة عن وضعية مختلف أنواع التبريرات الهندسية. ومنه يقف الباحث، على وجه الخصوص، عند طريقة طريقة القص والتجميع لثابت ابن قرة وأبي الوفاء في حل مسائل الإنشاء و المسائل المتعلقة بإمكانية إنشاء النقاط والأشكال الهندسية في المستوي.

ويمكن، على سبيل المثال، إنشاء ممارسة بيداغوجية لتعليم القطوع المخروطية في المستوي، و بالأخص لرسم القطع المكافئ الذي يعتمد على خصائص هذا القطع ؟ من خلال توضيح إشكالية هذا المخروط واقتراح منهج بيداغوجي لرسم القطع المكافئ، وقد ساهم كل من أبي الوفاء (ت. 997) و ابن سنان (ت. 942) بطريقة علمية في تعلُّم هذا المنحنى. وبالإعتماد على أعمال هذين الرياضيين العربيين، يقترح الأستاذان ب. بن ناصر وع. معمري رسومات للقطع المكافئ مرفقة بمبررات هندسية.

وإذا كان تعليم الرياضيات يهتمّ حقا بالتعلُّم العلمي، فلا يمكنه الاستغناء عن تكوين إشكاليات للمفاهيم كشرط لتقديمها، ذلك أنّ تعليم القطوع المخروطية لم يكن أبدا سهلا. وفي هذا السياق، تقدّم الأستاذة ف. رمعون-جابر مثالا يمكن أن يكون مادة مفيدة لتعلُّم القطوع المخروطية، وذلك باقتراح إشكالية تاريخية لها. وتسمح مسألة مضاعفة المكعب بفهم أصل المنحنيات من الدرجة الثانية، والتي تمثّل القطوع المخروطية.

يشكّل تاريخ العلوم أداة لتعلّم العلوم كما يمكن أن يستحدث طريقة لتعليم المفاهيم والنظريات العلمية في مرحلتي المتوسط والثانوي. وبناء عليه، تقترح الأستاذة س. عياد أمثلة من الرياضيات يمكن استغلالها في الأقسام من طرف الأساتذة بحيث تسمح لهم بتشكيل علاقة بين بناء المسائل في الهندسة والتفسير التاريخي لمفاهيم البصريات، مما يسمح للتلميذ بالاندماج في وضعية التعلُّم لاكتساب المعرفة المراد تعلمها.

واستكمالا لهذا المسعى التوضيحي لمنهجية تعلّم العلوم من خلال الرؤية التاريخية، تقترح الأستاذة ع. بن عمر مقاربة لمفهومي الهضم و التنظيم البيولوجي محاولة، في الآن نفسه، فهم الصعوبات التي تعترض التلاميذ في تكوينهم للمعرفة العلمية. ويمكن اعتبار عملها بمثابة توجيهات مناسبة لدراسة تجمع بين الديداكتيك وتاريخ العلوم.

واقتناعا منها بأن تاريخ العلوم طريق يؤدي إلى جودة التعليم، تقترح الأستاذة و. بن  عبورة منهجية من أجل الاستخدام التعليمي للمواد التاريخية حول البيولوجيا من طرف المكوّنين، وتقف عند إسهامات أبي القاسم الزهراوي في مجال جراحة الألم.

وفي الأخير، اتجهت مساهمة الأستاذة ف. بولفضاوي نحو تثمين تاريخ الصيدنة العربية في القرن الثاني عشر بالإعتماد على الإسهامات الغنية لابن البيطار (1196-1248)، وهو أحد أعمدة العلم في هذا المجال.

 


الهوامش

[1] من الجدير التذكير أنه من مسؤولية المعلم التربوية إضافة مفاهيم ومعطيات غير موجودة في البرنامج و ضرورية لفهم محتوى درس ما، مع حذف ما يمكن أن يدرَّس في بقية المسار الدراسي أو الجامعي. وهذا ما يؤكد الحاجة لتكوين فريق تربوي، الأمر الذي  أثير مرارا وتكرارا في المقاربة التربوية المسماة "المقاربة بالكفاءات" و في نظام LMD و لكن دون نتائج ملموسة .

[2] قد يتعلق الأمر بالعديد من الظواهر الطبيعية (مفهوم الأنواع الجديدة و الإنتقاء الطبيعي لفهم آليات تطور الأنواع)، والظواهر الفيزيائية (مفهوم العطالة، الضوء، الاهتزازات، ...) وكذلك الظواهر الاقتصادية و الاجتماعية، ...

[3] إن التعليم الذي لا يقدم إلا الأجوبة على الأسئلة التي نطرحها هو تعليم لا يهتم بالمعاني، أي لا يبحث في معنى المفاهيم المدرَّسة. هذه الاخيرة تعرض على التلاميذ و الطلبة على أنها أخرجت بطرق تعجيزية من أدمغة علماء عباقرة، بعيدا عن كل السياق التاريخي و الإشكالي الذي أنتجها.

[4] Bkouche, R. (1992),  La formation des maîtres : professionnalisation ou formation professionnelle, IREM de Lille, p. 26.

[5] إذا كانت فيزياء أرسطو إيجابية في بعض الجوانب فهذا لا يمنع من أنها شكّلت عائقا في الفكر والنشاط العلميين عند الفيزيائيين اليونان والورثة العرب و الأوروبيين من بعدهم،  لأنها أسست  لفكر علمي اعتمد على المعارف العامية وأعاق بروز معرفة علمية خالصة.

[6] Bachelard, G. (1938),  La formation de l’esprit scientifique, Librairie Philosophique J. Vrin, Chap. I, p. 19.

[7] لنأخذ مثالا كلاسيكيا نتلقاه بكثرة في المتوسط: عدد غير معدوم دائما يكون أصغر من ضعفه، هذا صحيح إذا كان العدد موجبا و خطأ إذا كان سالبا.

نجد مثالا آخر عن تمثلات التلاميذ: الكسر هو عددان بدون علاقة بينهما (نسمّيهما البسط والمقام) و يفرّق بينهما بخط، للجمع بينهما : (1 / 2) + (3 / 5)، يكفي أن نجمع بين الأعداد المرافقة : (1 / 2) + (3 / 5) = (1 + 3) / (2 + 5) = (4 / 7). كما نلاحظ أن التمثل يكون صحيحا في حالة الضرب أيضا.

[8] Bachelard, G. (1938), op.cit

[9] المرجع السابق.