Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات كراسك، رقم 5، 2002، ص. 13-33 | النص الكامل


 

 

 

عمر دراس

 

 

مقدمة

تميز الفضاء الجمعوي بانفجار منقطع النظير و فيض فريد لم تشهده الجزائر من قبل و ذلك بعد أحداث أكتوبر 1988 و تحديدا بعد صدور القانون "الليبرالي" /9030 المؤرخ في 04/12/1990 والمتضمن شروط تأسيس وتنظيم الجمعيات. غير أننا لاحظنا في السنوات الأخيرة نوعاً من البرودة والفتور قد أصاب عددا كبيرا من الجمعيات مما شل حياتها على العموم، ان لم نقل موتها البطيء، خاصة الحديثة النشأة منها.

و يمكن أن نقدم مؤشرين رئيسيين لتبيان هذه الظاهرة :

أولا : على المستوى الكمى : عندما نتابع ونتفحص التطور العددي للجمعيات خلال العشرية الأخيرة، يتضح لنا جليا أن هناك تناقصا لعدد الجمعيات المعتمدة الجديدة و بالتحديد ابتداء من سنة 1994 كما سنوضحه لاحقا.

ثانيا : أما على المستوى النوعي، و نقصد بذلك نوعية و كثافة نشاطات الجمعيات، فيمكن تلمسه من خلال الخمول و الفتور الذي انتاب عددا لا بأس من الجمعيات، أو اختفاء بعضها  فور نشأتها[1]، وفي هذا السياق يشير بعض مسئولي الولاية بمدينة وهران بأن جمود واختفاء الجمعيات قد يتراوح ما بين 70 و 80% من أصل 1500 جمعية معتمدة في ولاية وهران[2] .

إن هذا الطابع العرضي و العابر الذي طغى على الحياة الجمعوية عموما خلال السنوات الأخيرة دفعنا للاهتمام بحيثيات هذه الظاهرة كمحاولة منا لفهمها  وتفسيرها. ولإلقاء الضوء على ذلك اعتمدنا على دراسة و تحليل مسألة جوهرية ألا وهي المشاركة الجمعوية و مستوى و نوعية الالتزام الجمعوي للفاعلين المتواجدين داخل الفضاءات الجمعوية.

- و قد فضلنا اختيار جمعيات الشباب أو تلك التي تقوم بخدمة هؤلاء كموضوع ومجال دراستنا.

- ونعتقد أن هذا الاختيار لم يأت صدفة ما دام أن هذه الفئة الاجتماعية تمثل 70% من عدد السكان الاجمالي في الجزائر، و تعتبر بمثابة أرضية صراعات سياسية، و تحديات هامة لا يمكن للدولة أن يهملها أو يتجاهلها، لأن الحركات الاجتماعية و الهزات السياسية والسخط الاجتماعي في الجزائر مصدرها كان دوما من مبادرة فئة الشباب بالأساس.

- و للتطرق لموضوع المشاركة الجمعوية الشبانية اعتمدنا على نموذج تحليل يتضمن سلسلة من المعايير و المؤشرات التي نستطيع عن طريقها الاجابة على الفرضيات و التساؤلات الآتية :

- ما هي خصوصيات المشاركة الجمعوية لدى الشباب ؟ ثم ما هو وزنها على المستوى الفردي و المحيط الاجتماعي ؟

- ما هي تمثلات الشباب لهذه المشاركة الجمعوية، و ماذا ينتظرون من ورائها ؟ بمعنى آخر ما هو المغزى و ما هي الخلفيات التي تحملها هذه المشاركة إن وجدت؟ الى أي مدى تساهم المشاركة الجمعوية في هيكلة الهوية الشبانية ؟ ومن ثمة ما هو مجال ودرجة التأثير الاجتماعي و التغير الفردي و الجماعي المنبثقين من تلك المشاركة الجمعوية؟

- كيف يتصور الشباب المجال السياسي و فعاليته ؟ كيف يتعاملون مع المجال السياسي، موقفهم من الحياة السياسية وما هي خصوصيات ثقافتهم السياسية وميزاتها ؟

 1.المشاركة الجمعوية في الجزائر

- تعتبر المشاركة الجمعوية فعلا إراديا في بناء المواطنة، و التي تستند أساسا على العمل التطوعي. و نعني بذلك، القيام بأنشطة و أعمال تندرج في إطار منظم يطبعه الجانب المجاني غير المربح .

و تأخذ المشاركة الجمعوية عدة مستويات و أشكال متنوعة : من العضو العادي، الى المتعاطف فالمتطوع الظرفي الى المتطوع الملتزم و الدائم من أجل قضية أو هدف ما.A.Meister يعطينا خاصتين رئيسيتين للمساهمة الجمعوية ألا و هما : التأثـيـر الاجـتـمـاعـي ثـم إعـادة بـنـاء الأنسية الرسمية[3](Sociabilité).

- اقتصرت المشاركة الجمعوية إبان المرحلة الكولونيالية على المجال الاجتماعي والثقافي والخيري في بادىء الأمر. ثم برزت فيما بعد أشكالا جديدة أخرى للجمعيات المختلطة النخبوية (أوربي/ جزائري) كالمشاركة المطلبية و الاندماجية، لتتحول إلى مشاركة جزائرية ذات طابع إلتزامي نضالي و سياسي عند انفصال الجمعيات الجزائرية عن الأوربية لتدعيم وتقوية الحركة التحريرية الوطنية.

* بعد الاستقلال مباشرة، استطاعت عملية دولنة المجتمع Etatisation الشامل لمختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية و كل الفضاءات الأنسية Sociabilité إلى فرض احتكار كلي و مراقبة عن قرب لكل مجالات الحياة الاجتماعية المنظمة و منع أي مبادرة أو تجنيد يُقام خارج الإطار الرسمي للدولة و حزبها الوحيد آنذاك.

* هذا النموذج التسلطي و المهيمن للدولة و أجهزتها لتسيير المجتمع أنتج أشكالا من التجنيد و المشاركة الجماعية ذات طابع شبه اجباري ومزيف خال من القناعة، تغلب عليها النزعة النفعية الفردية و الانتهازية السياسية. لذا فإن كل المشاركات والمساهمات الجمعوية آنذاك تميزت بطابع ظرفي دون أن يكون لها تأثير و لا القدرة على التجذر العميق الإجتماعي لدى الفئات الإجتماعية.

*- و نشير في هذا الصدد أن أهم مرحلة التي شذت عن القاعدة ارتبطت بالحركة التطوعية الطلابية في بداية السبعينات، و التي تزامنت مع  تطبيق برنامج الثورة الزراعية في الأرياف الجزائرية و أجهضت بعد وفاة الرئيس هواري بومدين.

- و هناك تجربة أخرى، و إن كانت أقل أهمية، تستحق الذكر ونعني بها، تلك النشاطات المنظمة التي أُقيمت من طرف جمعيات الأحياء، والتي شجعتها الدولة بعد أن عجزت عن التكفل بها في بداية الثمانينات. إذ تعلق الأمر حينذاك بحملات تطوعية داخل الأحياء قصد المحافظة على المحيط وصيانة العمارات التي تنازلت عنها الدولة للعمل على تحسين ظروف حياة السكان. و لم تدم هذه التجربة طويلا.

*- ان إلزامية المشاركة الجماعية  داخل منظمات الحزب الواحد، ورفض كل مبادرة مستقلة خارجة عن هذا الاطار جعل الحملات التطوعية التي بادرت بها المنظمات الجماهيرية الرسمية أو الإتحادات المهنية فقيرة وغير مرغوب فيها، مما حدَّ من امكانية خلق تقاليد و تطوير ثقافة العمل التطوعي و الجمعوي، خاصة عند تفشي الممارسات المنفعية و المصلحية والعمل الارتجالي و اللاديموقراطي، و هكذا أفرغت المنظمات الجماهيرية من اطاراتها و مناضليها النزهاء و جل الفئات الشبانية منها لأنها لم تجد أطرًا منظمة تطرح فيها طموحاتها ومشاكلها لتتمكن من الإندماج اجتماعي.

و لعل من النتائج المتوقعة و المعبرة عن ذلك الوضع المتردي يتمثل في حدوث الانفجار و السخط الشباني في 8 أكتوبر 1988 وما ترتب عنه من تغيرات سياسية أهمها التعددية الحزبية و النقابية و صدور قانون 4 ديسمبر 1990 المتعلق بشروط خلق و تنظيم الجمعيات.

- و بالفعل شهدت البلاد في بداية التسعينات انفجارا جمعويا لا مثيل له في الجزائر، إذ شمل عدة قطاعات و مجالات من نوع جديد ظهرت لأول مرة في الجزائر كجمعيات : حقوق الانسان، المرأة، الامازيغية، المهنية، المفقودين و ضحايا الإرهاب الخ….

1.1 خصوصيات المشاركة الجمعوية الشبانية. 

*-يمثل الشباب الجزائري حوالي 9.5 مليون، أي 32 % تقريبا من الشريحة العمرية (29-15 سنة) من عدد السكان الإجمالي[4]. و حظيت الشبيبة الجزائرية باهتمام بالغ في الخطابات السياسية الرسمية، وخصصت الدولة اتجاهها سلسلة من الإجراءات و هياكل ذات طابع اقتصادي لمساعدتها على الاندماج المهني والاجتماعي (كالتكوين المهني، قروض وتسهيلات لخلق مؤسسات صغيرة الخ.). أو خلق هياكل ذات طابع إيديولوجي و سياسي (كالمجلس الأعلى للشباب، جمعيات وطنية). ونظرا لاتسام هذه الإجراءات بالارتجالية و البيروقراطية و التمييزية لم تتوصل السلطات العمومية الى التخفيف من حدة السخط و الغليان اللذان عاشتها هذه الشريحة الاجتماعية الهامة. و نعتقد بدورنا أن الفضاء الجمعوي إن توفرت فيه الشروط اللازمة و النية الصادقة في دعمه و تطويره من طرف السلطات العمومية يمكن أن يصبح تدريجيا فضاءا مميزا و وسيلة مثلى لاندماجها مهنيا و اجتماعيا، إذ يتيح لها ذلك الفضاء مجالات التعاون وفرص التكوين و إكتساب ثقافة المواطنة و تقاليد العمل التطوعي والتخفيف من حدة معاناتها اليومية و بناء تدريجيا مستقبلها لكسب مكانة محترمة داخل المجتمع.   

- و في هذا السياق، تشير نتائج الدراسة الميدانية أن الشباب يفضلون ويتوجهون نحو ثلاثة قطاعات رئيسية من الجمعيات و بنسب متقاربة على العموم : 31 % منهم يتواجدون في الجمعيات الثقافية و الاندماج المهني الاجتماعي، ثم الجمعيات الرياضية بــ : 27% ، و أخيرا الجمعيات الثقافية الاجتماعية بـ : 22 .%

- تمدنا وزارة الشباب و الرياضة ببعض المعطيات حول تطور عدد الجمعيات الشبانية.إذ تشير المعطيات الرسمية إلى إنتقال عددها من 2275 جمعية سنة 1994 الى 3442 جمعية في سنة 1997 مما يمثل 7 % من عدد الجمعيات على المستوى الوطني .

- أما فيما يخص القطاعات البارزة، فقد تصدرتها الجمعيات الثقافية بــ: 1995 أي 40 %، ثم قطاع نشاطات الشباب 801 بــ : 23.2 % وأخيرا، قطاع الاندماج المهني الاجتماعي بــ : 179 جمعية أي 5.20 % .

- أما الفكرة الاساسية المراد استنتاجها في هذا المجال هو أن وزن ومكان الجمعيات الشبانية مازالت ضعيفة على الأقل من حيث العدد، ثم أن انضمام وتوجُّه الشباب نحو الجمعيات الرياضية و الثقافية و الاندماج المهني / الاجتماعي ما هو الا تعبير عن رغبة و تعطش الشباب لممارسة النشاطات الرياضية و الثقافية، وكذا محاولة ايجاد مخرج لمشاكلهم اليومية و على رأسها البطالة و التأهيل المهني.

- يبقى أن نشير في هذا المجال أن الجمعيات الطلابية المتواجدة في الجامعات والأحياء الجامعية يغلب عليها الجانب شبه النقابي أكثر من الثقافي / العلمي، وتخضع في معظمها الى صراعات و نفوذ الأحزاب السياسية، بينما نجد الجمعيات الشبانية النسوية غائبة و مهمشة (5 جمعيات فقط من العينة) تهتم بالدرجة الأولى بالتكوين المهني كالخياطة والإعلام الآلي و السكرتارية الخ…):

- ان مقياس، و وزن كثافة المشاركة الجمعوية مرتبطة بمستوى تطور وتحضر المجتمع المدني ومدى حضوره و نفوذه في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية و السياسية. و يمكن ملاحظة ذلك جليا عندما نقارن هذا الموضوع بين الدول المتطورة و الدول المتخلقة. فعلى سبيل المثال بلغ عدد الجمعيات في فرنسا سنة 2001، 880.000 جمعية، و 735000 منها تعتمد في نشاطاتها على العمـل التطوعي، بمعني (11مليون شخص متطوع)، وتسجل سنويا 70.000 جمعية جديدة، و يساهم هذا القطاع في خلق 907.000 منصب شغل دائم، بمعنى آخر 4 فرنسيون من 10 ينشطون داخل الفضاء الجمعوي[5] .

- بينما نجد أن نسبة المشاركة الجمعوية في الجزائر ضعيفة جدا، إذ لا تتعدى 5 % و تتضاعف هذه النسبة في المغرب لتصل الى : 11%  [6]  و على سبيل المقارنة تتراوح نسبة المشاركة في فرنسا ما بين 39 % و 43 %، هذا مع العلم أن هذا البلد يعد من بين البلدان الأقل تطورا في هذا المجال مقارنة بالولايات المتحدة و إنجلترا و البلدان الاسكندنافية مثلا .

- ما سبب هذا التباين في مجال الالتزام و المشاركة الجمعوية بين بلدان الشمال والجنوب يا ترى ؟

أ. في البلدان المتطورة :

إذا استطاعت الدول المتطورة أن تؤسس و تطور مجتمعا مدنيا كطرف له مكانة ونفوذ  باعتباره المتعامل المميز للسلطات المركزية و العمومية، فإن ذلك لم يتحقق إلا من خلال سلسلة من النضالات و الصراعات و الحركات الاجتماعية كثيرا ما كانت عنيفة عانت منها مختلف المجموعات والطبقات الاجتماعية، خاصة الشعبية منها خلال قرنين من الزمن لتتوصل الدولة في آخر المطاف و تقتنع بضرورة و إلزامية وجود المجتمع المدني كطرف ضابط régulateur لميزان القوى بين السلطة و مختلف الفئات الاجتماعية، وكطرف كذلك أدرى بمشاكلها و احتياجاتها المختلفة والمتنوعة.

التحضر العمراني الهائل وما أنجر عنه من حراك جغرافي مهني واجتماعي، وكذا من تفكك الروابط الاجتماعية و بروز النزعة الفردية ؛ و ما سبب لجوء الناس للفضاء الجمعوي الا لتعويض هذا التفكك و اعادة هيكلته بطرق و صيغ اخرى.

ب. أما البلدان المتخلقة (الجنوب):

-فإن الظاهرة الجمعوية حديثة العهد في هذه البلدان، إذ اقتصرت في المجالات التقليدية كالمجال الاجتماعي/الديني و الخيري في اغلبها.

- عدم استعداد السلطة على تطوير مجتمع مدني مستقل، بل لا ينظر إلى الفضاء الجمعوي إلا كإمتداد للسلطة و درعها الخارجي و الواقي فقط لتلعب الدور المكمل والمدعم للسلطة لا غير.

- ضعف تقاليد و ثقافة جمعوية كشرط لتطوير قيم اجتماعية جديدة مثل التطوع و العمل الجماعي و التنظيم و التسيير المحكم للجمعيات و التغلب على الإنغلاق الفردي.

- و أخيرا عدم قدرة الجمعيات في إيجاد استراتيجية جديدة في التعامل مع السلطات العمومية و تقليص نزعة الاتكال دوما على مساعداتها حتى تضمن الجمعيات نوعا من الاستقلالية في نشاطها كي تضمن استقرارها وتوسعها وتطورها و ترقى إلى المهنية professionnalisation.

- بعد الاستقلال،عرفت الجزائر ثلاثة مراحل و أنواع من التشريعات المتعلقة بالجمعيات. في بداية الستينات واصلت شكليا في الحفاظ على القانون الفرنسي 1901 ليلغى و يعوض بقانون فبراير 1971 الذي قام بتصفية كل الجمعيات المستقلة عن طريق فرض الاعتماد المزدوج (رخصة من الوالي و أخرى من وزير الداخلية) مما أجبر الجمعيات إما أن تنظم في المنظمات و الاتحاديات المهنية الرسمية تحت رعاية الحزب الواحد آنذاك أو الموت.

ثم جاء قانون 4/12/1990 و الذي ألغى أغلبية القيود الهامة و على رأسها الاعتماد المزدوج (رخصة من الوزارة و من الوالي) و نظرا للتسهيلات التي جاء بها هذا القانون الأخير، فقد أدى ذلك إلى بروز عدد هائل من الجمعيات في بداية 1987 و خاصة بعد 1990.

- و في هذا السياق يمكن أن نلاحظ اتجاهين رئيسيين في مجال التطور العددي للجمعيات  :

الفترة الأولى التي تتراوح ما بين  1990/1994 التي عرفت عددا هائلا من الجمعيات الجديدة ( 06%  من   عينتنا )

أما الفترة الثانية التي تتراوح ما بين 1995/2001، و التي تتميز بتباطؤ ملحوظ من حيث نشوء الجمعيات الجديدة (16.3%) من نفس العينة.

 - ان نفس هذا الاتجاه لمسناه عندما قمنا بتعداد جميع الجمعيات المتواجدة على مستوى ولاية وهران، إذ نجد مثلا أن 252 جمعية نشأت في المرحلة الاولى 1990/1994 في حين نشأت 124 جمعية فقط  ما بين 1995/1999.

1.2. التطور العددي للمنخرطين و مواظبتهم

يعتبر التطور العددي للمنخرطين و مستوى مواظبتهم كمؤشرين يمكن أن يساعدنا على إبراز أهمية و نوعية المشاركة الجمعوية.

و لكن بعدما لاحظنا مبالغة في تضخيم عدد المنخرطين من طرف المسئولين وصعوبة حصر جانب المواظبة لانعدام وجود التسجيلات و التقارير التي تمدنا بتفاصيل النشاطات الجمعوية من طرف الدائمين و النشيطين والمتعاطفين الخ… تمكنا، رغم ذلك، من ابراز بعض الملاحظات من خلال معاينتنا الميدانية أهمها :

- تتميز جلّ الجمعيات بصغر حجمها و انغلاقها على نفسها لا تهتم بمجالات الانفتاح و لا بالشراكة بصفة عامة.

- تعتمد أغلب الجمعيات على جماعة صغيرة من المتطوعين الدائمين، ولكن نظرا لتراكم المشاكل واستحالة ايجاد الحلول المناسبة لها، فإن هذه المجهودات التي في جملتها لا تكلل بنتائج إيجابية تجعلها عرضة للاستسلام و الارهاق والخمول وإلى استقالة نشطائها على المدى المتوسط في نهاية الأمر.

- هناك نوع آخر من الجمعيات (أقلية)، و التي استطاعت أن تخلق جوا حماسيا مميزا لدى الأعضاء، تتواجد في الجمعيات ذات الاندماج المهني أو الجمعيات ذات الحساسية السياسية و المطلبية، أو التي تحمل هدفا إيديولوجيا أو احتجاجيا، أو خدمة مصلحة فردية. هذه الجمعيات ما زالت تعيش انضباطا وحضورا نسبيا لمناضليها. هذه الظاهرة لاحظناها في المنظمة العامة للطلبة الأحرارUGEL الشيء الذي تفتقده الجمعيات الطلابية الأخرى، إذ تعرف ركودا وجمودا في أنشطتها المختلفة داخل الجامعات أو الأحياء الجامعية.

و لكن على العموم، فإن وضعية الحياة الجمعوية تؤول نحو الركود والخمول لافتقار جلّ الجمعيات للشروط الأساسية لوجودها مثل استقلالية التمويل، التنظيم والتسيير المحكمين للمؤطرين، تطبيق استراتيجية فعالة في مجال التكوين والاتصال، و ابتكار طرق جديدة خاصة في مجال التمويل الذاتي إن ارادت أن لا تعرف الموت البطىء مثلما عرفته الكثير من الجمعيات.

1.3. المشاركة و التجربة الجمعوية 

- إن تطرقنا للتجربة و السوابق داخل الجمعيات أو الإرث الجمعوي يظهر لنا جليا ضعف، إن لم نقل انعدام، الخبرة و التقاليد و الثقافة الجمعوية لدى الشباب. و بالفعل، 70% منهم تعرّفوا على الفضاء الجمعوي لأول مرة أما الباقي فإنهم نشطوا بداخل الجمعيات و لكن لمدة قصيرة جدا.

كذلك تعدد الانتماء الجمعوي منعدم تماما من طرف الشباب و حتى اكتساب الثقافة التطوعية أو الجمعوية من طرف الوسط العائلي فإنه مفقود نظرا لعدم وجود عضو من العائلة له سوابق نضالية في هذا المجال.

1.4 التوزيع الجغرافي و استيطان الجمعيات الشبانية

- إن التطور العمراني كثيرا ما انجر عنه التضاؤل الجزئي أو الكلي التدريجي للأطر التقليدية غير الرسمية للفضاءات الأنسيةEspaces de sociabilité؛ لذا فإن هناك ارتباطا عضويا بين التأثيرات السلبية للتوسع العمراني المفرط و المساهمة الجمعوية. وفي هذا المجال لاحظنا أن الجمعيات الأكثر نشاطا وحيوية تتمركز في الأحياء المحيطة بالمدينة أو المدن الصغيرة شبه الحضرية لمدينة وهران .

إن التقارب بين الناس و المجاورة، و المحافظة النسبية للمجموعات البدائية والفراغ الواضح الذي يسود عموما في هذه الإحياء (كثرة البطالة، قلة النشاطات الثقافية و الرياضية) كل هذا يمكن أن يفسر نسبيا الفوارق في مجال المشاركة والالتزام بين الجمعيات المتواجدة في مراكز المدن الكبرى كوهران و بين الاحياء والقرى المجاورة لها.

1.5 المشاركة الجمعوية و المكانات الاجتماعية

- إن التأكيد على جدوى العلاقة الوطيدة و المترابطة بين مستوى المشاركة الاجتماعية / الاقتصادية والرأسمال الثقافي في الفضاء الجمعوي، قد أظهرته وبرهنت عليه عدة دراسات « إذ كلما كانت المكانة الاجتماعية و  الرأسمال الثقافي من الطراز العالي كلما كانت المشاركة والالتزام الجمعوي مهما و قويا». هذه الفرضية جرى تبيانها في دراستنا. وبالفعل ، فإن تزايد و توسيع الفئات الوسطى المتعلمة والمتحضرة في الجزائر خاصة في فترة السبعينات و بداية الثمانينات و التي ارتبطت بالاستثمارات الضخمة التي عرفتها البلاد من خلال المخططات الإنمائية                      و”ديموقراطية التعليم“، هذه الشرائح تعيش حاليا عملية تدهور و تفقير لظروفها و أوضاعها المعيشية، و تأثرت بالدرجة الأولى بالهزات الاقتصادية بداية من التسعينات، أي بعد تطبيق شروط التصحيح الهيكلي في الجزائر .

و يمكن تفسير توافد هؤلاء بكثرة في تأطير الجمعيات على وجه الخصوص كمحاولة منهم في إعادة تموضعهم و الالتحاق بمكانتهم أو مراكزهم الاجتماعية السابقة قصد استعادة على الأقل ظروف الحياة السابقة  المفقودة. و تمثل هذه الفئات (الإطارات المتوسطة، الأساتذة، التجار الصغار والبطالين الجامعين) نسبة 54 % في حين بلغت نسبة الإطارات العليا من العينية المدروسة 16.5 %.

- إن الأغلبية الساحقة من هؤلاء يؤطرون و يترأسون الجمعيات، نظرا لتوفرهم على مستوى تعليمي معتبر، إذ نجد أن 50 % منهـم لديـهـم مسـتـوى جـامـعي، و30% مستوى ثانوي.

-تتكون الجمعيات الشبانية من الشرائح العمرية الوسيطة أي (ما بـين 30/35 سنة) 30 %، و 27 %  من الشريحة (الأقل من 25 سنة) من العدد الإجمالي. ولكن هناك نسبة لا بأس بها تتعدى 30 سنة و تتواجد في مكاتب الجمعيات، بينما نجد العنصر النسوى مهمشا تقريبا، إذ يقدر بـ: 7 % فقط و معدل سنه 30 سنة.

1.6. ظروف انخراط الشباب داخل الجمعيات

- يمكن حصر انماط و ظروف انخراط الشباب في الجمعيات في شكلين أو نمطين رئيسيين :

أولاهما : يتحقق نمط الانخراط الأول عن طريق الانتماءات الأولية والمحيط القريب، و يمثل النـوع السائد و الهام إذ يحتوى على نصف العـينة : و تتمحور ظروف الانخراط بواسطة الجيران أو أصدقاء الحي أو الوسط المدرسي و العائــلي، 12 % انضموا للجمعية عن طريق الوسط المدرسي والعائلي، 18  %من الوسط المدرسي و 21%  عن طريق أصدقاء الحي.

ثانيهما : النمط الثاني يتم بقرار و خيار فردي عند الانخراط الى جمعية ما. ويمثل هذا النوع 32 %من العينة.

و يمكن أن نشير إلى أن هذا النوع يتكون في غالبيته من الفئات الوسطى التي عرفت حراكا اجتماعيا تنازليا، و نعتقد أن هذه الفئة الاجتماعية هي الاكثر التزاما ونشاطا و تحفيزا داخل الجمعيات يحذوها في ذلك منطق المصلحة الخاصة و الرغبة في ضمان إعادة اكتساب المكانة الاجتماعية المفقودة أو تمهيد المجال للحصول على مسار أو تموضع سياسي.

.1.7 أسباب و دوافع المشاركة الجمعوية

للالمام جديا بموضوع المشاركة الجمعوية ارتأينا من الأفيد أن نتعرف على موضوع دوافع جذب و نفور أو الابتعاد عن الجمعيات، ثم الاسباب السيكواجتماعية التي تقود الشباب الى اتخاذ قرار اختيار أو الانضمام الى جمعية ما و مبرراته

*-الدوافع السيكواجتماعية

هناك ثلاثة دوافع رئيسية يمكن ادراجها في هذا المجال :

1. جانب من المساهمة الجمعوية الشبانية تعبر أساسا على النزعة النفعية والمصلحية، إذ يختفي وراء الانخراط الجمعوي الجانب كبير من الشبان يتوافدون ويتواجدون في الجمعيات إلاّ لأغراض نفعية تخدم مصالحهم الخاصة بالدرجة الأولى.

- جانب آخر من الشبان، و لكن بأعداد أقل، تحذوهم الرغبة في خدمة الآخرين و إعطاء الانطباع بأنهم أناس نافعون في المجتمع. وقد يترجم هذا الموقف سعيهم للبحث عن مغزى و معنى لحياتهم و مقاومة العزلة والتهميش، و كذلك ايجاد نوع من التضامن مع أعضاء نفس الجيل.

2. البحث عن الهوية و عن الذات و المصير و تحقيق الحلم أو الدفاع عن فكرة والرغبة في الحرية و تفادي الضغوطات المؤسساتية : كلها دوافع تفسر تواجد هؤلاء الشباب داخل الجمعيات.

3. و أخيرا، الشعور بأن هناك رغبة و عزيمة كبيرتين في مجال التنشئة الاجتماعية و الاندماج المهني و الاجتماعى لدى الشباب كتعويض عجز مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية التي تعيشها حاليا ؛ و ما حقيقة هذا الجانب من الدوافع إلاّ الرغبة في محاولة إعادة بناء الترابط الاجتماعي الذي يعرف حاليا تفككا متزايدا و مخيفا و توسعا أو تفشي النزعة الفردية في المجتمع.

 1.8رأي المبحوثين حول بقاء أو استقالة المنخرطين أو ابتعاد الشباب عن الجمعيات

يختلف الشباب حول هذا الموضوع، إذ يعتقد الشطر الاول، أن الشباب يقبلون بكثرة على الجمعيات و البقاء فيها، و السبب في ذلك، حسب رأيهم يعود إلى البحث عن الاندماج الاجتماعي قصد سد حاجات مختلفة، مثل التعارف و إقامة علاقات اجتماعية جديدة، خاصة في إطار يخلو من البيروقراطية و التسلسل الإداري، بينما يفسر الشطر الثاني ان سبب استقالة الشباب من الجمعيات راجع للنزعة الفردية و الأنانية و قلة  الامكانيات المادية و المالية، خاصة إذا علمنا أن الايديولوجيا الشعبوية مازالت قائمة ومجسدة في الممارسات الإتكالية و النزعة المطلبية المفرطة والتي ما زالت متواجدة و راسخة في البنية الفكرية لدى أفراد المجتمع.

1.9. دوافع النفور أو الهروب من الجمعيات  

يعتقد المبحثون أن أسباب رفض الشباب الانضمام الى الجمعيات يعود الى ثلاثة مجموعات من العوامل:

-فقدان الأمل في الحياة و غموض آفاق المستقبل و الإحساس بالتهميش   والنسيان، وأن السلطات العمومية غير مهتمة بهم تماما. ويمــثـل هــؤلاء 43 % تقريبا من المبحوثين.

- قسم لا بأس به (20 %) يرجع هذا النفور إلى عدم دراية الشباب لما يحيط بهم و اللامبالات مما يفسر أن جانبا هاما من الشباب تائه و تتجاوزه الأحداث وغير قادر على تحديد و فهم التطورات التي تحدث حوله، و كذا غموض موقفه من الأمور التي تحيط به. بل و يلجأ أحيانا إلى التقوقع على نفسه، في إنتظار غد أفضل.

- و أخيرا، يفسر نوع آخر من الشباب (23 %) ذلك إلى ضعف الوعي السياسي لدى الشباب و عدم اكتمال نضجهم.

2. الالتزام و المشاركة الجمعوية و علاقة الشباب بالسياسة

يترعرع الفضاء الجمعوي فى قلب الفضاء العمومي، ويحتوي الفعل الالتزامي أو الإسهامي حول قضية أو هدف ما في طياته على فعل و موقف سياسي. و في هذا الصدد كيف يتمثل جيل الشباب هذا الفضاء أي الفضاء السياسي؟ ماهي مواقفهم وما هي طبيعة تمثلاتهم إزاء السـياسي والسياسة ؟ و كيف يتعاملون مع النضال الجمعـوي الـملـتزم؟ ما رأيهـم فـي السـيـاسة ؟ تلك هي بعض المواضيع التي سنحاول  التطرق إليها  :

 *- أهم فكرة يمكن إبرازها في هذا المجال تتعلق بالمعارضة الواضحة لدى الشباب للتفويض الحزبي  و الرفض القاطع لأي شكل من الأشكال التقليدية للوساطة السياسية و الحزبية. و الدليل على ذلك النسبة الضـيئلة (15% فقط) التي أظهرت استعدادا واضحا لضرورة النضال و الالتزام السياسي. إن التبارير المقدمة تتفرع إلى اتجاهين :

1- أسباب ذات طابع ظرفي، مرتبطة بالاوضاع السياسية الغامضة والأمنية الخطيرة التي تمر بها البلاد.

2- أسباب من النوع الاستراتيجي مثل : "إن تواجدنا الجمعوي واستمراره لم يكن ممكنا لولا دعم السلطات العمومية و الأحزاب السياسية، لذا نعتبر أنفسنا امتدادا لمهام الدولة و سندها و درعها الواقي."

من جهة أخرى نشير أن نسبة هامة (الشطــر الثـانـي من العـيـنة أي 50%) تقدم لنا تبريرات من نوع آخر مثلا ؟

3- افتقار الشباب لثقافة سياسية و ضعف التقاليد النضالية، العمل والنضال السياسي يستلزمان الاقتناع و الحماس، و هذان العنصران قلّما نجدهما عند الشباب.

ان المواقف و الأراء التي يقدمها الشباب كأسباب لهروبهم من الفضاء السياسي تعكس بكل وضوح ضعف الوعي السياسي و المسؤولية و عدم وجود بوادر لروح المواطنة لديهم. و أحسن مخرج لذلك (كي يريحوا ضمائرهم) هو (الابتعاد عن عالم السياسة).

- "نفضل اتخاذ موقف الحياد و يستحسن ترك السياسة يجب تركها للآخرين من ذوي الاختصاص".

- او "أن المجال السياسي مصدر مشاكل كثيرة، لذا يجب تفاديه. إن رجال السياسة غير أكفاء و غير نزهاء، لذا فإننا لا نثق فيهم لقد خيبوا آمالنا في كل مرة." إنهم يهرولون وراء مصالحهم و حل مشاكلهم فقط.

- او مثلا "النضال السياسي معقد جدا، و مخيف. و حتى لا نقع في مشاكل جديدة من الافضل تجنبه".

- هذا النوع من الاتجاهات أظهرته دراستان : الاولى دراسة مركز الابحاث في الاقتصاد التطبيقي في الجزائر سنة 1992 التي توصلت إلى الخلاصة التالية:"لايولي الشباب اهتماما للسياسة، و ان كان الخطاب "مسيسا بحدة و مضخم من خلال الظروف الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية"[7].

- و الدراسة الثانية في فرنسا، قدمها ل.بوثي، اذ يشير في هذا الصدد أن هناك أقلية من الشباب تتجه اهتماماتها  نحو النزعة الفردية، و مع ذلك فإنها لا تقلل من أهمية الاشكال السياسية المؤسساتية، و لكن الأغلبية الساحقة من الشباب تطغى عليهم النزعة الفردية، إذ تصاحبها عموما الامبالات السياسية و الحذر الشديد من رجال السياسة أو التشكيك في مصداقية الجماعات السياسية الوسيطية"[8].

2.1. الممارسة السياسة و تفضيل الإنتماء الحزبي.

- يؤكد أغلبية الشباب على أن الأشكال السياسية المؤسساتية غير ضرورية و غير نافعة (67.2 % تؤمن بهذه الفكرة). و تتأرجح مبرراتها بين مثلا "أترك السياسية لأهلها، إن الأمر لا يعنيني"، أو التستر وراء الموقف القانوني و الشرعي مثل : "إن القانون الجمعوي يمنع ذلك، لهذا فإن جمعيتنا جمعية  لا سياسية".

إن الخلفيات البارزة من وراء هذا الابتعاد عن السياسة يظهر عند تأكيدهم بأن النشاط السياسي مخيف ويوقعهم بين أحضان الاحزاب السياسية و يحرمهم من الحرية و الاستقلالية، لذا فإنهم يمتنعون أن يتحولوا إلى أداة أو وسيلة لترقية رجال السياسة و لعبة بين أيدي الأحزاب.

-أما الأقلية التي تؤمن بضرورة و فعالية النشاط السياسي و إنتماء أو تبعية جمعية ما لحزب سياسي ما، فإن غايتها من وراء ذلك هو تطوير شبكة المعارف و الاحتكاك بالمسئولين الكبار قصد توطيد علاقات مميزة أو ضمان مسار سياسي مزدهر أو على الأقل حل المشاكل الشخصية و الحصول على بعض الامتيازات.

%20 يصرحون علانية انـتـمـاءهـم الـحـزبـي نوردهم حسب الترتيب والتفضيل الخاص بهم :1FLN-، 2RND-، HAMAS-3، 4RCD-،1- حـزب جبهـة التحـريـر الـوطـني، 2-الحـزب الوطـني الديمـوقـراطي،3- حـمـاس، 4- التجمع من أجل الثقافة و الديموقراطية.

-إن عدم اهتمامهم بالفضاء السياسي يجعلهم يترددون كثيرا في تفضيل حزب سياسي على آخر أو الاقتناع ببرنامجه أو اتجاهاته، و يجدون مخرجا لهذا الاتجاه الغامض و المتردد عن طريق إعادة إنتاج  فكرة واردة كموضة في الخطابات السياسية الرسمية مفادها :"ان الجزائر هي حزبنا السياسي الوحيد و المفضل"

2.2. الثقافة السياسية و المواطنة :

-موقف الشباب من الانتخابات : يندرج الفعل الانتخابى ضمن ممارسة المواطنة. ويحبذ  الشباب، عندما يتوجهون نحو صناديق الاقتراع، أن يتوج فعلهم الانتخابي  بمشاريع تهدف إلى تغيير الواقع و تجديده بما يخدم مصالحهم بالدرجة الأولى .

و كثيرا ما ينتخبون للتعبير عن رفضهم و سخطهم للأوضاع المزرية التي يعيشونها يوميا، بالانتخاب الأبيض و غير الملتزم. لذا فإن هذا الموقف يضعف من عملية احتجاجهم و مطالبهم، بل يكتفون بأشكال المطالبة الهادئة و المسالمة والمكوث في وضعية الانتظار و الشكاوى أو التطرف و القيام بأعمال العنف و الشغب. حتى داخل الجمعيات، فإننا لاحظنا انعدام الانتخاب داخل جمعياتهم، على الرغم من ضرورته لإكتساب الشباب ثقافة و ممارسة الديمقراطية و التعلم و التدرب على المواطنة.

- إذا كانت الثقافة السياسية تساهم في إنماء الوعي السياسي و تطويره، فإن ذلك يمكن أن ينعكس و يؤثر على مستوى المشاركة الجمعوية و النضال السياسي فيما بعد.

- و الشيء الاكيد هنا هو أن رغم تعطش الشباب للمطالعة و القراءة، إلا أن اهتماماتهم تنحصر في قراءة المواضيع الرياضية ثم الاجتماعية و اخيرا الثقافة العامة، و هنا مرة أخرى، لا يولون اهتماما بالمواضيع  السياسية.

- تحتل التلفزة مكانة مرموقة في الحياة اليومية للشباب، و لا ينحصر دور التلفزة إلا في مجال الترفيه فقط بل يمكن أن تكون وسيلة توعية وتنمية الثقافة السياسية وصقل الوعي السياسي و الايديولوجي. و هنا نجد الشباب يفضلون مشاهدة القنوات الأجنبية حسب الأفضلية (القنوات الفرنسية، القناة الرياضية الأوربية تليها القنوات العربية تتزعمها M.B.C والجزيرة).

أما البرامج المفضلة مرة أخرى، فإنها تنحصر في البرامج الرياضية، الافلام الترفيهية و الاجتماعية ما عدا الافلام و البرامج السياسية.

2.3. تصور و اقتراحات الشباب لتدعيم المشاركة الجمعوية.

إن الاقتراحات المقدمة من طرف الشباب لتفعيل و تنشيط الجمعيات والرفع من المشاركة الجمعوية تتوزع على النحو التالي :

  .3.2.1المستوى الأول : مستوى المكانة القانونية للتأطير :

- يتفق جل الشباب المبحوثين على أن الحياة الجمعوية تمر بخمول ممل وتقوقع مقلق و تفكك و ضياع يحتاج إلى نفس جديد و إجراءات محددة عاجلة لإعطاء ديناميكية جديدة بواسطةً تنظيم و تسيير و تأطير الجمعيات.

وفي هذا المجال يقترح % 44 من الشباب بضرورة توفير شروط استقرار المؤطرين وترسيمهم حتى يصبحوا مهنيين، مدعمين طبعا بالمتطوعين. و يبرر هؤلاء ذلك بعدم جدوى العمل التطوعي و للقضاء على سياسة الاتكال أو المساعدات الأجنبية التي تخضع لإجراءات بيروقراطية و جمركية معقدة.    % 26 فقط من العينة تقترح تسيير الجمعيات من طرف المتطوعين في حين أن  2.1 %  منها  تؤكد على مساعدات الجمعيات الأجنبية.

- وبفضل التشغيل الدائم لأكبر عدد من المتطوعين و توظيفهم يمكن أن يحسّن تسيير الجمعيات و تطويرها خاصة على شكل تجمعات و فدراليات لتقويتها وتلاحمها و تفتحها على تجارب الجمعيات الأخرى.

  .3.2.2المستوى الثاني : نمط التسيير الجمعوى : 

- هناك أقل من % 35 يعتقد بأن أحسن وسيلة لتنشيط الجمعيات تتوقف على التأطير الذاتي، أي الاعتماد فقط على المنخرطين المتطوعين الشباب، بينما يفضل قسم لا بأس به (25 % منهم) أن تؤطر و تسير الجمعيات من طرف الكبار، أي من جيل الآباء. أما الحل الوسطي فقد اتفقت عليه نسبة قليلة (11 % فقط)  التي ترى أن من الافيد أن تؤطر الجمعيات من طرف شراكة بين الشباب و الكبار. ونستنتج  مما سبق  أن  فكرة  الاتكال و الاعتماد على الكبار مازالت راسخة في أذهان الشباب، أما النزعة الاستقلالية و الاعتماد على النفس فلم تكن ناضجة وغير واردة بقوة في تصوراتهم، إلا أن الشيء المؤكد و الواضح بالنسبة لهم هو الرفض شبه المطلق لإطارات و مسؤولي وزارة الشباب والرياضة بسبب انعدام الثقة فيهم تماما. و لا يوجد إلا نسبة 7 % من يقبل أن يسيّر من طرف هؤلاء. 

  .3.2.3المستوى الثالث : علاقة الجمعيات بالسلطات العمومية أو الأحزاب السياسية

*- إن المطالب المتأتية لدعم و مساعدة الجمعيات من طرف السلطات العمومية دون إقامة استراتيجية هجومية لترسيخ قواعد و حظوظ استقلالية المؤسسات تجعل جل الجمعيات عرضة للتبعية شبه المطلقة و الخضوع لأغراض سياسية للسلطات العمومية أو الأحزاب السياسية (60 % يطالبون هذا النوع من الدعم). بينما  % 9فقط يدافع عن فكرة الاستقلالية والاعتماد على الإمكانية الخاصة للجمعية.

و لكن يقع جل الشباب في تناقض واضح عندما يطالبون بعدم تدخل السلطات العمومية أو الأحزاب السياسية في شؤونهم و يرفضون تماما أن يكونوا لعبة و أداة تستعمل لإرضاء رغبات و أهداف المسؤولين المحليين أو الأحزاب السياسية من جهة و يتمادون في الاعتماد كلية على المساعدات المالية لأجهزة الدولة من جهة أخرى. إن هذا الموقف يعبر فعلا على هشاشة الحياة الجمعوية و مكوثها في مرحلتها الجنينية الانيمية. إن النزعة الفردانية (Individuation) الناضجة لدى الشباب في الدول المتطورة الديمقراطية ما زالت مجهولة و غير واردة في الأوساط الجمعوية في الجزائر[9].

الخلاصة

*- لقد توصلنا من خلال هذه الدراسة أن نستعرض و نبرز فكرتين رئيسيتين هما:

1) إن المشاركة الجمعوية مازالت ضعيفة و تشكو من العجز الكبير في الأوساط الشبانية على وجه الخصوص. و قد يعكس ذلك فشل المسؤولين ومؤسسات الدولة في إدماج اجتماعيا هذه الفئة الهامة في تنمية البلاد.

2) إن الفضاء و الممارسة السياسية لا تعدان من أولويات و اهتمامات الشباب، وقد ظهر ذلك جليا في نفورهم ورفضهم القاطع للتحزب أو الالتزام السياسي و عدم ثقتهم  برجال السياسة و درايتهم بالعمل السياسي.  

إن  الممارسات و المواقف الصادرة من الشباب لترجمة واضحة عن العجز الكبير في مجال ثقافة المواطنة و تقهقر الحس المدني في المجتمع (إذ لابد من تطويرها وترويجها خاصة في مؤسسات التنشئة الاجتماعية و على رأسها الأسرة و المدرسة) إن الفشل المتتالي للسياسات الرسمية إزاء الشباب، والإرادة الضمنية للسلطات العمومية في التمادي على نفس نمط الممارسات السابقة في الإرغام و التجنيد الإجباري للفضاءات الجمعوية و استعمالها لأغراض سياسية ثم العرقلة غير المعلنة لأي محاولة تحرر واستقلالية الجمعيات خارج الإطار الرسمي و الدور الذي تريده الدولة أن توليه للجمعيات وتفرضه عليها ؛ فإن ذلك كله قد لا ينبئ بقطيعة واضحة مع رواسب ثقافة وممارسات الحزب الواحد. إن التمادي في نفس هذه الإستراتيجية من طرف السلطات العمومية لا تتيح مستقبلا ببروز و تطوير مجتمع مدني حقيقي وفعال قادر على فرض وجوده كي يصبح ليس كإمتداد للدولة و إنما كشريك ضروري وكقوة اقتراح و "سلطة مضادة" قادرة على ضبط ميزان القوى واتزانها على المستوى المحلي خدمة للدولة والمجتمع على حد سواء.


الهوامش

*  باحث في مركز البحث في  الأنثروبولوجية الاجتماعية و الثقافية

[1] أنظر حول هذا الموضوع دراس عمر : الظاهرة الجمعوية في وهران . مجلة إنسانيات رقم 8 (ص .ص 95 / 17).

[2] و يمكن ملاحظة  التناقص العددي للجمعيات الجديدة عند تفحصنا للصحافة الوطنية إذ تلزم الجمعيات المعتمدة بالاعلان عن نفسها في إحدى الصحف .

أما فيما يتعلق بنسبة وفيات الجمعيات فإننا نجد صعوبة كبيرة لتحديدها لأن الجمعيات لا تعلن و لا تخبر رسميا الهياكل المعنية بذلك : فعلى سبيل المقارنة تقدر نسبة الوفيات الجمعوية بـحــوالــي 20 % فقط في فرنسا أنظر :

Barthelemy : association, nouvel âge, p. 61.مــقـــدمةociologie des associations.

[4]  تطرح مصداقية الإحصائيات التي نعتمد عليها كل مرة، لذا يجب أخذ خذه الأرقام بكل حذر نظرا لتضارب و تناقض مصدرها. إذ تقدم بعض المصادر نسبة 70 %  من فئة الشباب الجزائري الأقل من 30 سنة مثلا.

Said Musette Mouvements des jeunes : enjeux et perspectives in  le mouvement associatif en Algérie : réalité et perspectives : CREAD N°53

[5]- F. Levrine : Le journal Figaro Lundi 25 juin 2001, p.12

[6]  دراسة ميدانية حول 1000 عائلة في البلدان المغاربية ( الجزائر/المغرب/تونس) أجريت من طرف مجموعة باحثين مغاربة بالاشتراك مع مركز الأبحاث الأمريكي في تونس سنة 1998.

M.Barthlemy, p.65 et 13.

[7]- Les assises nationales de la jeunesse : Communication du CNEA, Club des pins10 Nov 1993   p.228.

[8]- L. Baugnet : Participation associative et rapport au politique : in des jeunes et des associations Harmattan, 96, p. 50.

[9] يعرف بـ يؤدي النزعة الفردانية "individuation" كعملية يتوصل الفرد عن طريقها  لستقلالية معتبرة ، تمكنه من تسيير هويته و كسب الاعتراف بواسطة هذه الهوية و ما يصاحبها من أفعال يقوم بها. ولا تتعارض النزعة الفردانية  بالأنانية و التضامن و المشاركة مع الجماعة لذا فإن الفرد هنا يتحول من فاعل يتحكم في تطوره و في نفس الوقت في التطورات الجماعية "ذكر المصدر، 14p  Boudet B..