Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

 كرّاسات كراسك، رقم 5، 2002، ص 5-12 | النص الكامل 


 

 

 

عمر دراس

 

 

يعتبر تاريخ الحركة الجمعوية في بلدان المغرب العربي حديث العهد نسبيا (مقارنة بالبلدان المتطورة) و لم يدرس بوفرة. و يمكن ملاحظة الكثير من أوجه التشابه فيما بينها (المغرب / الجزائر و تونس). خاصة في مجال تطور أشكال الجمعيات من خلال معرفة طبيعتها، أنماط التجنيد و المطالبة الاجتماعية والاستراتيجيات المتبعة من طرف منشطيها سواء تعلق الأمر بموقف المعارض أو المحايد للدولة أو الوسيط أو العميل و المسترد.

و يمكن إبراز ثلاثة مراحل رئيسية ميزت تطور الحركة الجمعوية بالمغرب العربي نوجزها على النحو التالي :

1. إبان المرحلة الكلونيالية : برزت عدة جمعيات تقليدية من نوع كموني، إثني عرقي و ديني. و قد اقتصر مجال تدخلها عموما، في الميدان الاخلاقي و الاجتماعي و الخيري، وقد عمدت الرأسمالية الكلونيالية على تهميشها أو تفكيكها أو تسخيرها واستعمالها لتخدم لمصالحها.

تلتها بعد ذلك في بداية القرن العشرين أشكالا من الجمعيات الجديدة : مختلطة و نخبوية في البداية ثم جزائرية مسلمة شبه مستقلة مضادة للتواجد الاستعماري لتتحول إلى السند السياسي و الإيديولوجي و العسكري لحركة التحرر الوطنية.

2. مرحلة ما بعد الاستقلال إلى نهاية الثمانينات : تميزت هذه الفترة بسيطرة الدولة، وتأطير و مراقبة عن قرب لجميع فضاءات التنشئة الاجتماعية و الجماعوية و دولنة (Etatisation) المجتمع و تأميمه بشكل عام.

3. أما منذ بداية التسعينات إلى يومنا هذا، فقد انفردت هذه المرحلة بمحاولات التحرر للمجموعات المختلفة من هيمنة الدولة من خلال ظهور عدد هائل من الجمعيات العصرية التي توجهت مجالات تدخلها، واهتماماتها نحو قطاعات جديدة مثل حقوق الإنسان، حقوق المرأة، الدفاع عن المحيط والبيئة، اللغة الامازيغية، جمعيات مهنية الخ. و يمكن تفسير هذا الانفجار الجمعوي حسب رأينا بسببين رئسيسين هما :

أ. سبب اقتصادي : الذي تزامن مع أزمة الدولة السخية Etat providence والتي ترجمت بتراجع و تخلي الدولة عن  بعض القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

ب. سبب سياسي : الذي يعبر عن الطلب الهائل و القوى للتحرر الاجتماعي الذي أجهض من طرف أجهزة الدولة مما أنتج ردود أفعال من طرف المجموعات الاجتماعية خاصة الفئات الوسطى التي عانت من الأزمة الاقتصادية و كذا من العجز الكبير للفضاءات الديموقراطية هذا من جهة، والتغيرات الهامة التي طرأت على المستوى العالمي (انهيار المعسكر الاشتراكي) و الضغوطات الدولية اتجاه الدول المتخلفة كي تعيد النظر  في نمط تسيير المجتمع و التخفيف من حدة هيمنتها من جهة ثانية.

و بناءا على النتائج المؤقتة التي توصل إليها الباحثون و اهتمامات كلتا الفرقتين (فرقة CRASC و فرقة معهد مغرب / أوربا) و كذا درجة تقدمهم المعرفي في هذا الميدان أردنا من خلال هذا الملتقى أن نوسع مجال تفكيرنا إلى البلدان المجاورة (المغرب و تونس).

و في هذا السياق يمكن أن ندرج بعض الخصائص المشتركة التي تطبع الفضاء الجمعوي للبلدان المغاربية.

تعتبر أغلب الجمعيات العصرية حديثة العهد، ضعيفة التجذر الاجتماعي و ذات قاعدة اجتماعية هشة، قليلة الوسائل المالية و البشرية مما يجعلها إما عرضة للتبعية الحزبية أو السلطات العمومية و إما للموت البطئ ما عدا بعض الجمعيات المدعمة من طرف الدولة أو المنظمات الغير الحكومية الغربية أو الهيئات الدولية (خاصة في تونس و المغرب).

تؤطر الجمعيات عموما نخبة حضرية متعلمة نابعة من التطور السريع والحديث العهد للفئات الاجتماعية الوسطى التي عانت من عملية إفقار مؤخرا و التي تبحث حاليا من خلال المشاركة الجمعوية أن تتموضع و تترقى اجتماعيا من جديد لتستعيد مكانتها في المجتمع.

يعتمد "المجتمع المدني" في المغرب العربي في مرحلته الحديثة استراتيجيات متعددة في تعامله مع الدولة، وفقا لوضعية ميزان قوى كل طرف، لذا يمكن أن تأخذ تلك العلاقة علاقة خضوع و مبايعة أو علاقة تناحرية و مطلبية و احتجاجية أو علاقة شراكة ايجابية حول مشاريع تعنيهما (هذا الشكل الأخير نادرا جدا).

إذن إن الهدف من هذا الملتقى هو استعراض نتائج مختلف أعمالنا وفق درجة التقدم و التراكم المعرفي لكلتا الفرقتين.

و في هذا الصدد، لقد انصبت مواضيع الملتقى نحو المحاور الرئيسية أو التساؤلات التالية :

* التساؤل الأول يتعلق بمسألة أساسية و جوهرية عند التطرق و معالجة موضوع الحركة الجمعوية ألا و هي علاقة الدولة و الأحزاب السياسية بالمجتمع أو "المجتمع المدني". أهي علاقة هيمنة و تبعية أم استقلالية للفضاء الجمعوي ؟ هل هناك قطيعة فعلية و بداية عهد جديد إنجر عنه تجاوز فعلي للتصور الأحادي والشمولي للدول القومية و من  ثمة فتح المجال لدمقرطة المؤسسات العمومية والفضاءات الاجتماعويةEspaces sociabilités  أما لا ؟

من جهة أخرى هناك نقاش نظري معقد و هام ما زال مطروحا اليوم عندما يتعلق الأمر بعلاقة الدولة مع المجتمع و طبيعتها في الدول المستعمرة سابقا نظرا لما تكتنفه هذه العلاقة من غموض و تعقيد. هذه الصعوبة تتمثل بالأساس كون أن المفاهيم المتداولة نشأت و وظفت في إطار تاريخي مفهوماتي خاص يجد إجرائيته في الدول الغربية مصدر إنتاجها و لا يمكن إلصاقه أتوماتيكيا في مجتمعاتنا ما دام أننا ورثنا تشريعات وهياكل ومؤسسات ذات عقلانية مغايرة، و كثيرا ما تتصادم مع الهياكل المحلية مما يؤدي إلى الخلط بين مثلا المجال العام و الخاص اللذان مازالا مبهمان و كذا بين البعد الفردي و البعد الجماعي في البنية الذهنية لمجتمعاتنا (مدار 1996) لبراطون يقول في هذا المجال : "إن علاقة الدولة بالمجتمع في إفريقيا مثلا مشحونة بالغموض و التناقض إذ تتشابك فيها علاقة الحب و الكراهية للدولة وكذلك فترات الجذب والاغراء تارة و النفور و الابتعاد تارة أخرى من كلا الطرفين (الدولة والمجتمع).

2- المحور الثاني يهتم بموضوع لا يقل أهمية عن السابق ألا و هو موضوع ترتيب أنماط الجمعيات و ماهي  المقاييس و المناهج الموضوعية و العملياتية التي يستعملها الباحثون قصد إبراز تبلوجيا للجمعيات. إنه من الضروري متابعة تطور أشكال الجمعيات و التغيرات و المسارات التي تأخذها و القيم التي ترتكز عليها لفهم اتجاهات و أشكال تهيكل الفضاء الجمعوي.

3- من وجهة نظر سيو-تاريخية أيمكن الاعتقاد بأن الحركة الجمعوية في المغرب العربي ماهي إلا استجابة لأزمة الحركة الاجتماعية ؟ ماهو البعد الحركي أو المحاولات المتعددة لتبلور الحركة على مستوى بروزها و انقسامها و تدهورها و كيفية معالجة مواضيعها و أهدافها المفضلة من الفعل الاجتماعي / الثقافي و مطلب المواطنة و الحقوق من طرف الجماعات إزاء الدولة التي يعبر عنها داخل بعض الجمعيات ؟ (ر.قاليسو).

إن تحليل الفعل الجمعوي و أسسه الاجتماعية و درجة تأثيراته و مؤطريه ومناضليه و كذا الدوافع المتعددة الرمزية، و السيكولوجية و الأيدلوجية تلك هي اهم التساؤلات التي كانت محط اهتمام منظمو هذا الملتقى.

يراد من هذا الملتقى أن يكون حصيلة أربعة سنوات من الشراكة بين فرقة الباحثين CRASC بوهران و زملائهم بمعهد مغرب / أوربا بجامعة باريسVIIIIحول موضوع "الحركة الجمعوية في الجزائر و المهجر".

و قد تمحورت مختلف التدخلات العلمية و النقاشات خلال اليومين 5، 6 فبراير 2000 و تهيكلت حول أربعة مجالات أساسية:

1. الحركة الجمعوية و الفضاء العمومي : محاولة تنظير ر. قاليسو، ج. بريقو، ب. كبارطفو و ف.فدلاقو.

2. الحركة الجمعوية إبان المرحلة الكلونيالية: ح. بلعيد و ص. بن قادة

3. حركات الحقوق و دراسة حالات : حالة المغرب : م. رولند و م. قدور بن عباد حول النساء في الجزائر

4. جميعات الأحياء و السكان : أ. جبوري

5. المشاركة الجمعوية و الشباب : ع. دراس

و يفتتح ر. قاليسو الملتقى بمداخلة يطرح فيها مسألة الحركة الجمعوية على أنها حركة الحقوق عن طريق تحليل التفاعل القائم في إطار العلاقة بين الدولة والمجتمع.

و يعتمد في ذلك بمقاربة سيو-تاريخية بتقديم براهين حول تجارب عرفتها بلدان المغرب العربي و التي تفتقر لتحرر و استقلالية المجموعات عن وصية الدولة و تعيش ندرة ممارسة الحقوق حتى وإن نلمس أن الحركات الجمعوية تحاول أن تبتعد وتنفصل عن النموذج السائد للسلطة.

من جهة أخرى يحذرنا من عدم الخلط بين الحركة الجمعوية و الممارسات الاجتماعية و المؤسسات الجمعوية لأن مصطلح الحركة يعد عنصرا مركزيا وأساسيا.

ب.كبارطفو يطرح إشكالية الديموقراطية و يقدم لنا شكلين : الديمقراطية التمثيلية (النموذج البريطاني) و الديمقراطية الاسهامية التي يعتقد أنها عبارة عن مجموعات إن عبرت عن مواقفها و حاجياتها فهي "كثلة من الحقوق" ثم يستعرض بعد ذلك أشكال الوظائف التي تؤديها الجمعيات "كجمعيات حججية أو التأطير، إندماجية / استرجاعية أو خلف للدولة مخوصصة في الأنظمة الديمقراطية الوهمية "المغلقة".

ج. بريقو يفرق بين نمـطـين مـن الجـمـعـيات : الجـمـعـيات الـنـظامية (Systémique) الموالية للنظام (التي تستجيب لرغبات و طلبات الدولة) والجمعيات المضادة للنظام والتي تنشط من أجل تحقيق مشروع اجتماع مغاير.

إذن، الأشكال المطروحة تتوقف على طبيعة العلاقة السائدة إزاء الدولة.

من جهة أخرى، فإن النقاش السائد حاليا يتمحور حول مصطلحين أساسيين هما: استقلالية الجمعيات / أو استعمالها و استرجاعها و تسخيرها لخدمة الدولة. وأخيرا يعرض فرضية مفادها أن كنه الإرادة التي تدفع الناس للتجمع يمكن تشبيهها بالهروب. الهروب من نظام قهري مثل انفراد المعتوه أو المكتئب.

كل هذا ينحصر على هذه الازدواجية بين الهروب و المحافظة.

ف. فدلاكو يقترح علينا في مداخلته تحليل التجربة الجمعوية في فرنسا من خلال اعطاء لمحة موجزة لتطور الحركة الجمعوية و تبولوجية الجمعيات خاصة بعد قانون 1901. و يسترسل في تحليل مختلف العلاقات التي تحاك بين الجمعيات و النظام السياسي و مختلف أشكال تطوراتها ليختتم ورقته باستعمال مصطلح جديد يطبع العلاقات الجديدة بين العالم الجمعوي والنظام السياسي ألا و هو مصطلح الحكامة كإطار تعامل جديد و مجدي.

ج.بلعيد يقدم لنا صورة مفصلة حول وضعية الجمعيات إبان المرحلة الكلونيالية في تونس. إن التحرر لا يمكن تصوره فرديا و إنما جماعيا كما يتصوره القوميون باعتباره مسألة أساسية ألا و هي الهوية. و في هذا المجال تجد الجمعيات نفسها كامتداد طبيعي للأحزاب الوطنية. ثم يحدد بعد ذلك تاريخ الجمعيات التونسية العصرية وفق ثلاث مراحل هامة.

ص. بن قادة يطرح استفاقة الوعي لدى الجزائريين حول قضية الحريات العمومية و حقوق الإنسان إبان المرحلة الكلونيالية (و منها حرية خلق الجمعيات) ويحدد بعد ذلك أول نص لهذا المطلب الأساسي (الحريات العمومية) في سنة 1919 بزعامة الأمير خالد. ثم يسترسل بعرض التطورات والأشكال التي عرفتها هذه القضية الجوهرية خلال التواجد الاستعماري.

م. رولاند اهتمت بجمعيات حقوق الإنسان في المغرب، مستعرضة المراحل والأشواط الهامة التي قطعتها هذه الجمعيات. إذ نلاحظ أن في بداية السبعينات كان تواجد هذه الجمعيات كرد فعل للتجاوزات الصارخة لحقوق المساجين السياسيين ثم توسع مجالات نضالاتها و أنشطتها بعد الثمانينات خاصة بعد الانفتاح السياسي وكذا الضغوطات الدولية التي عرفها المغرب.

م. قدور تقدم قراءة للجمعيات النسوية في الجزائر و التوجهات التي ميزتها في ظروف صعبة (مشحونة بالعنف). و قد تمحورت نضالات ونشاطات هذه الجمعيات حول مسألتين رئيستين : علاقة مع الدين و النزعة النسوية و بعد تشعب المواقف واختلاف مجالات تدخلها فإن جمعيات حقوق المرأة تفرعت إما إلى المجال الاجتماعي و تحرر المرأة أو التنديد بخطورة التطرف الديني و مقاومته.

أ. جبوري يؤكد أن سياسة المجمعات العمرانية الحضرية أفرزت فضاءات عمرانية محيطة بالمدن غير ملائمة و منسجمة مع الهياكل الموروثة لذا فهو يحث بإنجاز إجراءات عاجلة من بينها خلق هياكل لتعويض العجز البارز في مجالات الحياة اليومية للسكان كجمعيات الأحياء و غيرها للقيام بوظيفة الوساطة بين السكان و السلطات العمومة.

ع. دراس يحاول أن يعالج مسألة أساسية ألا و هي المشاركة الجمعوية لدى الشباب و علاقتهم بالمجال السياسي. و يقترح في هذا الصدد مستويين لتحليل هذه المسالة : مكانة و خصوصية المشاركة الجمعوية و أشكالها عند الشباب المتواجدين داخل الجمعيات و تأثيراتها على تكوين هويتهم والتأثيرات الاجتماعية على مستوى الفضاء السياسي.

مستوى آخر يحاول فهم الالتزام السياسي لدى الشباب و علاقتهم ومواقفهم من العالم السياسي و السياسيين لإبراز خصوصيات ثقافتهم في هذا المجال.

 

 

 

CRASC