Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 24، 2012، ص. 37-49 | النص الكامل


 

 

 

عبد الهادي بووشمة

 

 

 

 إن التحول الذي تعرفه جزائر الاستقلال منذ أكثر من 40 سنة على مستوى ساحة الحقل الديني، انعكس بوضوح من خلال الممارسات الدينية الآنية اليوم التي ولدت وتولدت عنها أشكال متعددة للتدين وطقوسه، خصوصا وسط فئاته الشابة باعتبارها الفئة الفاعلة والأكثر نشاطا، إذ في خضم حركة المد والجزر التي أعقبت الاستقلال بين السلطة والجمعيات ذات الطابع الديني في محاولة صناعة معالم السياسة الدينية في الجزائر  وفق رؤية دستورية و مواثقية شعارها "عربية إسلامية الهوية"، و"ديمقراطية شعبية" في بعدها السياسي الوضعي الذي يحكم علاقة الشعب بالسلطة.

ولعل من المعالم البارزة زمن ما بعد الإسقلال إلى حدود نهاية الثمانينات، التسيير ذي الحزبي السياسي الواحد الذي أحكم قبضته إلى حدود التاريخ سالف  الذكر، ويبقى ما يميز المرحلة هذه توجه السلطة إلى تجميد حركة الإصلاح ومن بعدها حضر حركة القيم، بالمقابل عرفت المؤسسات الطرقية التذبذب في معالمها وميدان تواجدها وتأثيرها.

ومع التعددية الحزبية ذات الإيديولوجيات المتعددة التي تولدت بعد مخاض عرفته المرحلة السابقة حيث حبلت بأحداث متعددة أهمها ما تعلق بحركات الإسلام السياسي، التي تولدت في بعض مظاهرها أحداث عنف نتيجة الصراع بين الإسلاميين (جماعة بوعلي) والسلطة، بعدها توج النضال المجتمعي والسياسي بميلاد حركات إسلام سياسي من أهمها جبهة الإنقاذ، التي هي في الحقيقة امتداد فكري وإيديولوجي لما سبقها من العمل الحركي السياسي الإخواني خصوصا.

ولما كان هذا التعدد مفضيا في بعض جوانبه لميلاد وتغذية علاقة صدام بين حركاته الدينية (الفيس) خصوصا والسلطة في الجزائر، التي طبعت الساحة إلى اليوم، فإن حضر جميع الرموز الدينية المرتبطة به كان آلية أساسية لجأت إليها الدولة أنداك، غير أن بوادر الوئام والمصالحة الوطنية، أعادت إلغاء بعض المحضور وبالمقابل حاولت تهذيب الممارسات الدينية، وفق نهج يقطع الطريق، على الفكر التكفيري المناقض لتوجهات وسياسة السلطة، ومن ذلك بدأ يظهر للعيان ويتأصل توجهان كبيران ميزا معالم الخريطة الدينية، يتعلق الأول بالإسلام التقليدي- الشعبي – الطرقي عبر مؤسسات الزوايا والطرق الصوفية التي رسخت الإسلام في المجتمع الأمازيغي المغربي، وإسلام سني سلفي – نصي – وهابي (علمي) وافد من السعودية، ويتخذ النص مطية لأي جدال كان، ويرفض العمل المسلح وينبذ السياسة، وينعت السلفيين التكفيريين بالخوارج.

هذا التوجه الأخير الذي بتعبير مريديه يعتبر النهج الديني الصحيح الذي يحاول تغيير الممارسات البدعية الخاطئة في المجال الديني، ومحو الفكر التكفيري من عقول الشباب الناقم عن السلطة، في نفس الاتجاه يعتبر هؤلاء الحضور الآني الكثيف وتطورإن التحول الذي تعرفه جزائر الاستقلال منذ أكثر من 40 سنة على مستوى ساحة الحقل الديني، انعكس بوضوح من خلال الممارسات الدينية الآنية اليوم التي ولدت وتولدت عنها أشكال متعددة للتدين وطقوسه، خصوصا وسط فئاته الشابة باعتبارها الفئة الفاعلة والأكثر نشاطا، إذ في خضم حركة المد والجزر التي أعقبت الاستقلال بين السلطة والجمعيات ذات الطابع الديني في محاولة صناعة معالم السياسة الدينية في الجزائر وفق رؤية دستورية و مواثقية شعارها "عربية إسلامية الهوية"، و"ديمقراطية شعبية" في بعدها السياسي الوضعي الذي يحكم علاقة الشعب بالسلطة. ولعل من المعالم البارزة زمن ما بعد الإسقلال إلى حدود نهاية الثمانينات، التسيير ذي الحزبي السياسي الواحد الذي أحكم قبضته إلى حدود التاريخ سالف الذكر، ويبقى ما يميز المرحلة هذه توجه السلطة إلى تجميد حركة الإصلاح ومن بعدها حضر حركة القيم، بالمقابل عرفت المؤسسات الطرقية التذبذب في معالمها وميدان تواجدها وتأثيرها. ومع التعددية الحزبية ذات الإيديولوجيات المتعددة التي تولدت بعد مخاض عرفته المرحلة السابقة حيث حبلت بأحداث متعددة أهمها ما تعلق بحركات الإسلام السياسي، التي تولدت في بعض مظاهرها أحداث عنف نتيجة الصراع بين الإسلاميين (جماعة بوعلي) والسلطة، بعدها توج النضال المجتمعي والسياسي بميلاد حركات إسلام سياسي من أهمها جبهة الإنقاذ، التي هي في الحقيقة امتداد فكري وإيديولوجي لما سبقها من العمل الحركي السياسي الإخواني خصوصا. ولما كان هذا التعدد مفضيا في بعض جوانبه لميلاد وتغذية علاقة صدام بين حركاته الدينية (الفيس) خصوصا والسلطة في الجزائر، التي طبعت الساحة إلى اليوم، فإن حضر جميع الرموز الدينية المرتبطة به كان آلية أساسية لجأت إليها الدولة أنداك، غير أن بوادر الوئام والمصالحة الوطنية، أعادت إلغاء بعض المحضور وبالمقابل حاولت تهذيب الممارسات الدينية، وفق نهج يقطع الطريق، على الفكر التكفيري المناقض لتوجهات وسياسة السلطة، ومن ذلك بدأ يظهر للعيان ويتأصل توجهان كبيران ميزا معالم الخريطة الدينية، يتعلق الأول بالإسلام التقليدي- الشعبي – الطرقي عبر مؤسسات الزوايا والطرق الصوفية التي رسخت الإسلام في المجتمع الأمازيغي المغربي، وإسلام سني سلفي – نصي – وهابي (علمي) وافد من السعودية، ويتخذ النص مطية لأي جدال كان، ويرفض العمل المسلح وينبذ السياسة، وينعت السلفيين التكفيريين بالخوارج. هذا التوجه الأخير الذي بتعبير مريديه يعتبر النهج الديني الصحيح الذي يحاول تغيير الممارسات البدعية الخاطئة في المجال الديني، ومحو الفكر التكفيري من عقول الشباب الناقم عن السلطة، في نفس الاتجاه يعتبر هؤلاء الحضور الآني الكثيف وتطور تواجد النهج السلفي بالجزائر جزء من صحوة الأمة من جهة، ودعم السلطة غير المعلن بعد إقتناعها بالنموذج السلفي السعودي المناقض لفكر الخوارج، من جهة ثانية ونتيجة أيضا للسياسة الممنهجة من ذات السلطة التي ترى في النهج السلفي العلمي حليفا ميدانيا يغنيها عن الكثير من المشاكل ويخلق لها عددا من الحلول من خلال استقطابه لكثير من الشرائح المتأزمة اقتصاديا ونفسيا واجتماعيا معوضا النهج السلفي إياها بنوع من الحميمية الوازعة بين أفراده، والتي نتيجة لإيديولوجيته الدينية الأستاتيكية المبنية على النص،لا تصبح للملذات الدنيوية قيمة، وبالتالي تصبح معالجة الحرمان كما يقول الباحث المغربي أبو اللوز عبد الحكيم "على المستوى النفسي للمريدين عوض استغلاله في الاحتجاج الاجتماعي"[1]. إن تأصيل هذا الفكر (السلفي) هو في الحقيقة تعبير ومحصلة لسيرورة التحولات السوسيولوجية التي تعرفها - مثلما ذكرنا سابقا- الساحة السوسيودينية والإقتصادية والسياسية والفكرية والإعلامية لجزائر الاستقلال، يضاف إلى ذلك تقهقر المؤسسات التقليدية (الطرق الصوفية والزوايا) عن دورها الريادي في الاستقطاب والتموقع، رغم رجوعها في السنوات الأخيرة، كل هذا أسهم بشكل أو بآخر في تغذية النمو المتنامي للنهج السلفي بالجزائر. ولما كان الشباب صانع التغيير ومشكل الجزء المهم في أي مجتمع وفي ديناميته المتعددة الأبعاد، فإن دراسة نهج مثل النهج السلفي يتطلب منا التركيز بالدراسة لهذه الشريحة، غير أن ارتباط نواة التغير في المجتمع بمؤسسة الجامعة جعل منا نخص بالدراسة الشباب السلفي، ولكن من خلال القاعدة الخلفية والخدمية الملحقة بالجامعة، يتعلق الأمر بالحي الجامعي السكني، نظرا لما يشكله كمؤسسة استقطاب وحقل للممارسة الدينية وطقوسها التعبدية والتوعوية التعبوية لمريدين جدد للنهج السلفي. ميدانيا فإن عينة بحثنا المتعلقة بأشكال التدين خصت الطلبة السلفيين بالإقامة الجامعية إيطو (2000 سرير) بجامعة وهران، أما عن دواعي وأسباب هذا الاختيار، فإنه بعد ملاحظاتنا بالمعايشة التي امتدت لزمن طويل، تبين لنا أهمية الحي كقلعة حصينة للفكر السلفي الناشئ بوهران، والذي يرمي للانتشار والتموقع على أكبر مساحة ممكنة، ومعها استقطاب المزيد من المريدين، وتصدير وتوطيد دعائم فكره وممارساته في الوسط الطلابي، خصوصا عبر أحيائه ومساجده ومصلياته. إن نزولنا الميداني الذي امتد من20/10 إلى20/11/2008م، كان في الحقيقة امتدادا لنزول ميداني سابق في فترة ما بين 12 و27 أفريل 2008م، كلل هذا الأخير بحصر نقاط عديدة تتعلق بمعيش الطالب السلفي ممارساته الدينية واليومية (غير الدينية)، ماذا يقرأ؟، فيما يفكر؟، كيف يفكر؟، ما مرجعيات تفكيره وممارساته؟، ما هي تمثلاته؟، كيف ينتظم في النهج السلفي، أشكال اجتماعاتهم، طرق وطقوس تدينه دراسته بالجامعة تخصصاته.....إلخ[2]. فيما كان النزول الثاني السالف الذكر هدفا للوقوف على بعض النقاط المبهمة إلى حدود ما، والتي تحتاج أكثر تفسيرا من خلال شكل التنظيم الجماعي لأفراده: كيف يتم؟، هل هناك لجنة تنظيمية وضعية أو نمط للقيادة داخل المجموعة؟، وما طبيعة ذلك في حالة وجوده؟ ومن هم الشيوخ والنخب الفاعلين الذين يستلهمون منهم فكرهم؟، كيف تكونت جمعية المسجد؟، لماذا نشأت؟، كم عدد أعضائها؟، ما هي نشاطاتها داخل وخارج الحي؟، كيف تتم عمليات الاتصال بين أفراد المجموعة وباقي الأفراد والشيوخ ذي التوجه السلفي؟ وما هي استراتيجية المجموعة من خلال لجنة المسجد في أهدافها الآنية والبعدية؟؟. كل هذا في الحقيقة يلخص العمل القاعدي الذي يقوم به أفراد هذا النهج الديني في سبيل توطيد دعامات هذا التيار الناشئ بالجزائر، خصوصا عبر نافذة الحي الجامعي، لما له من أهمية خاصة سواء بين الوسط الطلابي، أو على مستوى المحيط من خلال نشر الوعي والفكر السلفيين، بشكل يمهد لهدف شرعنة وجوده عبر جميع الآليات المتاحة، التي بواسطتها تتقوى عمليات استقطابه وانتشاره وسياساته التعبوية بين صفوف الطلبة من جهة، ومحاولة ترسيخ مبادئه وممارساته وطقوسه التعبدية والدعوية بين هؤلاء انطلاقا من محموله الإيديولوجي المناقض صراحة لبقية التوجهات الدينية، التي ينعتها بالبدعية والضالة عن سيرة السلف وقداسة النص ومحتوى السيرة النبوية. إن هذا العمل لن يتم لولا وجود حس تنظيمي تلاحمي يجمع المجموعة داخل الحي وخارجه فكريا وروحيا وعقائديا، وحتى من حيث المادة المطبوعة، خصوصا ما تعلق بالكتب والمقصوصات الدعوية الصادرة عن هيئات سلفية بالسعودية وغيرها، وحتى عبر مواقع الواب. إذ يتغذى فكر الطلبة بهذا الحي بانتظام ويطلعون على كل جديد خاص بالفتاوى، خاصة ما تعلق بجانب المعاملات والحياة اليومية، ولعل عبر إطلالة بسيطة لجميع الوثائق التي جمعناها، يعكس تأكيد هؤلاء في سبيل توطيد معالم تدينهم بعيدا عن البدعية الحالية كما يقولون، التي تشوه طرقنا في التدين والعبادة، ومنه وباعتبار أن لجنة المسجد هي النافذة الأساسية التي تضطلع بمهام كهذه إضافة إلى مهام أخرى، حاولنا وضع القارئ والباحث في صورة واضحة لكل ما يتعلق بهذه اللجنة. لجنة المسجد كشكل تنظيمي: تتشكل هذه اللجنة كما سبق الذكر من 14 عضوا يختارون بالإجماع وشوريا كل سنة، يشملون عددا قليل من التخصصات – الجزء الأكبر من الطلبة ممن يدرسون في معهد الحضارة الإسلامية- غالبا ما يتراوح مستواهم العلمي بين الثالثة والرابعة جامعي، كما لابد من توفر بعض الشروط الأساسية في بعضهم خصوصا ممن يقومون بالقراءة والصلاة بالجماعة وإقامة الحلقات والدروس، ومن هذه الشروط مثلا حفظ العدد الأكبر من سور القرآن. أما في ما يخص في ضم بعض الطلبة السلفيين إلى لجنة المسجد من غير طلبة الحضارة، فراجع إلى استراتيجية المجموعة في التضليل عن إدارة الحي، وتسهيلا في عطلة الصيف للمجموعة لولوج طلبتها الحي وحراسة المسجد من الطلبة الإخوانين نتيجة الصراع الأبدي بن طلبة التيارين. هذه اللجنة إذا تشمل عددا من الأبعادا تتعلق بما يلي: أ. اللجنة في بعدها التنظيمي: هذا البعد يتضح من خلال برنامج النشطات المسطرة سواء منها اليومية أو الأسبوعية أو حتى على مدار كل السنة، وحتى بالنسبة لكل طالب ومستواه، في ما يخص النشاطات العلمية، أو في الصلوات وفروضها ونوافلها وأدعيتها، كما يتضح أيضا من خلال الزيارات المنتظمة لشيوخ السلفية للحي، ومن خلال الحلقات والدروس ومختلف مهام أعضاء اللجنة القائمة على المسجد ومستلزماته وعمل مكتبته، وتنظيم المسابقات العلمية....(1). ب. اللجنة في بعدها القيادي: النهج السلفي في الحقيقة ينبذ النمط القيادي الذي يقر بزعيم أو قائد، غير أنه ولدواعي تنظيمية، فإن اللجنة تشكل صوريا نوع ونمط من القيادة للمجموعة من خلال الإشراف على كل نشاطات المجموعة، كما يشكل الشيوخ سلطة روحية لهؤلاء، باعتبار أن التقسيم السلفي لطبقاته يقر بوجود سلفية خاصة يتزعمها العلماء وعامة تضم ما تبقى من المجتمع. ج. اللجنة في بعدها الرقابي- الضبطي: هذه العملية تعتبر من الأساسيات التي تضطلع بها لجنة المسجد بحي إيطو من إشرافها على عمل توعوي يضبط تصرفات، سلوكات ومعاملات الطلبة وممارساتهم التعبدية وفق النهج السلفي والاسقطابي أيضا، ويتضح هذا بشكل أكبر من خلال المنشورات والملصقات التي جمعناها والتي تشمل محورين أساسين هما باختصار كما يلي: أ- المحبب- المباح والمندوب المحضور- الممنوع أو المحرم * مطبوع معلق حول كيفية الدعاء * مراسلة المرأة * أحاديث مشهورة * فتاوي عيد الحب * أحكام فقهية * لبس الذهب * أذكار النوم * مصافحة المرأة الأجنبية * أذكار آداب الطعام * أخطاء في الصلاة * أدعية الكرب * الجوال، وضوابطه * المسح على الجوارب * السحر * تذكار الموت * الغش في الامتحان (1)- لمزيد من التفصيل أنظر ملحق الوثائق، الصادرة عن جمعية المسجد. * قطع صلة الرحم * إعفاء اللحية * النياحة على الميت * الأمن *ضوابط الفرح * المروءة * التوسل * ثمرات وسنن الصلاة.........إلخ لجنة المسجد ودورها في التنشئة: إن كانت الأطر التقليدية التي تصنع منشأنا الاجتماعي والشخصي تتعلق بالأسرة والمدرسة خصوصا، فإنه بالمقابل اليوم قد استحدث الحراك الاجتماعي والتعليمي -الإنتقال للدراسة والإقامة بغير منطقة سكن الوالدين مثلا- أطرا مستحدثة وجدت في الحي الجامعي سبيل لتوطيدها، ولعل ما يزكي هذا الطرح صدق فرضية الحي كمصدر وقاعدة لصناعة العديد من نخب وإطارات الأحزاب السياسية والدينية سواء بالجزائر أو بغيرها، وبالتالي بقدر ما كان الحي مصدرا لتنشئة سياسية للفرد الجامعي، فإنه أيضا كان مصدرا لهندسة شخصه وجماعيته وإيديولوجيته وتوجهاته الدينية بالخصوص، هذه الأخيرة التي نخصها بأكثر تفصيل من خلال تنظم الطلبة السلفيين تحت إمرة جمعية وضعية تشرف على مسار تدينهم وتنشئتهم وعلاقاتهم....، ولعل من الآليات التي تعتمدها في ذلك نذكر بشكل مختصر ما يلي: أ. سياسة دعوية، تعبوية- إنتشارية: تهدف لاستقطاب الطلبة الجدد وشرح معالم التدين السلفي وطقوسياته بمقابل الأنماط والأشكال الأخرى، وتحاول قطع الطريق عن النهج الإخواني الذي يصارع بدوره النهج السلفي في كسب مريديه من الطلبة الجدد، ولعل ما يميز سياسة المجموعة خصوصا في السنتين الأخيرتين انتقال عملها من الانكماش والتقوقع و الانزواء و التموقع داخل حي واحد بكامل جامعة وهران، إلى الانتشار وبسط النفوذ ميدانيا وفكريا في عدد من الأحياء، والإشراف على مصلياتها ومساجدها، وكل هذا يعكس توجهات المجموعة وإستراتيجياتها الجديدة من دور المدافع إلى المهاجم في الوقت الراهن. ب. سياسة تعليمية – توجيهية: هدفها تهيئة وصناعة الفرد السلفي النموذجي في طقوسه وممارساته وفي زيه ومعاملاته = هوية خاصة ومتفاضلة، إنطلاقا من البرنامج الدراسي الموازي المشروح في ملحق التقرير الأول لشهر جوان، وأيضا إنطلاقا من الحلقات العلمية والدروس ومحاضرات الشيوخ المنعقدة بشكل دوري سواء يوميا مع كل صلاة أو أسبوعيا، أو من خلال المجلة الحائطية، والملصقات وحتى من خلال محتوى المكتبة من المطبوع السلفي التوجه وحتى السمعي (CD). ج. سياسة تعبدية: تحاول تكوين الشخصية الدينية للطالب السلفي، من خلال الصلوات الجماعية وداخل المسجد "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، وأيضا من خلال التطبيق الحرفي لطقوس السلفية في ذلك، من خلال الالتزام الفردي والجماعي بكل الضوابط الدينية والعقيدية في الصلوات والمعاملات. الخطاب السلفي من خلال أرشيف ووثائق لجنة المسجد: من أهم المميزات التي بدت لنا بعد قراءة أغلب الوثائق وتحليل محتواها النقاط التالية: تتوضح إيديولوجية المجموعة السلفية بشكل أوضح من خلال هذه الوثائق، إذ يتوضح الخطاب السلفي في أبعاده كخطاب مبني على النص (القرآن + السنة النبوية + سيرة الصحابة). الخطاب السلفي من خلال أجوبة الطلبة خطاب حذر يؤكد على نهجه الديني غير السياسي، ويعتمد مبادئ التوعية والإستقطاب، والإنتشار، وترسيخ عقائده. الخطاب السلفي خطاب هجومي – راديكالي ضد أنماط التدين الشائعة أو ما ينعتها بالبدعية والضالة عن سيرة أهل السنة والجماعة. الخطاب السلفي خطاب ماضوي أستاتيكي ينهج العودة لأصول الدين الأولى من غير تجديد أو تبديع كما ينشد الحياة الأولية البدئية للرسول وصحابته. النمط العلاقاتي والمعيشي داخل الحي: أ. الحيز الديني- العقيدي: بعد معايشتنا الطويلة لهؤلاء الطلبة، ومحاورتهم في العديد من أمورهم الحياتية، الدينية واليومية عموما، بدى لنا عددا من الملاحظات نختصرها في جملة من النقاط: العديد من الطلبة بالإقامة كانوا محضرين مسبقا للنهج السلفي، سواء بتبنيه ممارساتيا أو فكريا، فمن هؤلاء، من كان تخصصه علوم شرعية في المرحلة الثانوية، غير أن هذا لا ينفي، التخصصات العلمية لطلبة آخرين كانوا تلاميذ في علوم الطبيعة والحياة وغيرها، لكن يبقى المهم في كل هذا التهيؤ الأولي في التخصص في علوم الحضارة وانتهاج النهج السلفي. شريحة أخرى تنهج النهج السلفي اليوم بالحي، لم يكن لها علاقة به، تخصصت بعد المرحلة الثانوية في تخصصات علمية بالجامعة كالطب، والكيمياء...، لكن سكنها وقربها واحتكاكها بالطلبة السلفيين، أثر في سلوكاتها، وتصوراتها، وأستقطبت ضمن النهج، وحتى هناك حالات، انسحبت من تخصصاتها العلمية وانتقلت لدراسة الشريعة الإسلامية، وتفسير ذلك في الحقيقة مرده للتعليمات والفتاوي التي تدعو صراحة لنهج السلفية والتخصص في العلم الشرعي. باختصار هناك شريحتين، الأولى اعتنقت السلفية منهجا في مرحلة سابقة لمجيئها للحي وتخصصت بعد ذلك في الجامعة في العلم الشرعي، أما الشريحة الثانية لم تكن سلفية المنهاج، ولم تكن تخصصت في العلم الشرعي، غير أن عملية الاستقطاب بسكنها الحي هذا أدخلت هؤلاء في النهج السلفي، بل حتى اختيار التخصص عرف إعادة النظر والإنتقال لطلب العلم الشرعي. من هذه الحالات نذكر عددا منها: - المبحوث رقم (1): طالب من سعيدة يدرس سنة الرابعة تخصص فقه وأصول، كان يدرس سابقا تخصص كمياء سنة ثانية بالجامعة، من عائلة (الأب والأم) ذي توجه سلفي، تخلى عن دراسته هذه، وجاء للحي بعد اقتناعه بالتعليمات والفتاوي السلفية لدراسة العلم الشرعي بقسم الحضارة الإسلامية، وهو يأمل في الانتقال إلى دراسة الشريعة في مرحلة الماجستير بكلية الشريعة بمكة أو المدينة المنورة. -***المبحوث رقم (2): طالب من تلمسان، سنة ثالثة فقه وأصول، كان يدرس تخصص علوم الطبيعة والحياة بالمرحلة الثانوية، عوض الانتقال لمتابعة تخصص علمي بالجامعة، توجه لدراسة العلم الشرعي، نظرا لقناعته السلفية السابقة لدخوله الجامعة، من أسرة غير سلفية المنهاج، بدوره يأمل في متابعة دراسته بجامعات المملكة السعودية، بعد أداء العمرة. -المبحوث رقم (3): طالب من معسكر، كان يدرس تخصص بصريات (طب) بجامعة وهران، وبعد إقتناعه بالنهج السلفي وفتاويه، تخلى عنه وسجل بقسم الحضارة الإسلامية، أما من حيث أسرته فهي غير سلفية، يأمل بدره متابعة مشواره الدراسي بالسعودية. - المبحوث الرابع، طالب من تلمسان، تخصص في العلوم الشرعية في المرحلة الثانوية، بعدها أصبح طالب في تخصصات إنسانية بالجامعة (علم النفس- علوم سياسية- لغة ألمانية)، لم يكن سلفي في مراحله الأولى، غير أنه في مراحل متأخرة أصبح ضمن هذا النهج، غير أن أماله وأحلامه تختلف إختلافا كبيرا عن بقية الطلبة. تفسير هذا الإقبال على دراسة تخصص الشريعة الإسلامية عزاه الطلبة السلفيين بإجابتهم الصريحة المعبرة عن إقتناع مطلق بالنهج وفتاويه بقولهم " المجتمع يحتاج فقهاء وشيوخ في الدين والشريعة (العلم الشرعي الإلهي)، أكثر من حاجته لبقية العلم الدوني (الوضعي)، بمعنى أن العلم الشرعي علم شامل جامع مانع لكل شؤون حياة المسلم" ب. الحيز النفسي والإجتماعي: ضمن هذا الحيز هناك خمس حالات لمبحوثين سلفيين بالحي الجامعي سنحاول تلخيص شؤونهم النفسية والعائلية والإجتماعية بمساعدة من المحقق: - المبحوث رقم (1): طالب سلفي من أسرة غير متدينة، أحد الإخوة مغني، هو بدوره له ماضي على علاقة بالإنحراف، بعد المرحلة الثانوية إعتنق النهج السلفي في حياته الدينية، نظرا لظروفه السابقة الذكر (يسميها توبة بالمنظور الديني)، مثلما يمكن أن نفسرها كسوسيولوجين بملجئ روحي هرب إليه، بعد الفراغ الذي كان يعيشه (تأزم شخصي وعائلي)، ولعل هذه المشاكل لم تبدو لنا لولا قرب المحقق منه ومعيشه معه في نفس منطقة الإقامة، هذا من جهة، كما يتضح لنا هذا من زياراتنا المتكررة له بالحي الدائم الحضور به عبر كل فصول السنة، وزياراته النادرة لأسرته، كما يشغل عضو في لجنة المسجد. - المبحوث رقم (2): طالب سلفي من أسرة سلفية المنهاج، أموره الأسرية والنفسية جيدة، نظرا لقناعاته وقناعة أسرته ذات التوجه نفسه، رغم مكوثه الكبير بالحي، غير أنه في العديد من المرات خصوصا في مرحلة العطلة يعود لأسرته، حالته المادية بالحي جيدة، كما أن غرفته ممتلئة بلوازم اللباس، والكتب وحتى مستلزمات الطبخ، وفي ذلك دلالات كثيرة. - المبحوث رقم (3): طالب سلفي من أسرة مفككة ومتأزمة إقتصاديا، وجد في الحي بديل لمنزله وفي حميمية أصدقائه وفي النهج السلفي عموما تعويضا للحرمان والفراغ الذي كان يعيشه، قليل العودة للبيت، ظروفه المادية متدنية. - المبحوث رقم (4): طالب سلفي من أسرة متدينة تدين تقليدي (شعبي)، له الكثير من الخلافات مع الأب والإخوة، خصوصا حول مستلزمات البيت (التلفاز)، ولباس الأخوات غير المحتشم، وفي بعض المعاملات، هذه الحالة إلتقينا بأبوه الذي أقر بصراعه مع إبنه وإخوته، غير أن ذلك ليس بالشئ الكبير بتعبير أبيه الذي يقول،" وقفته عند حده، وقلت له القط يعلم أبوه النط... وقلت له لك دينك ولنا دينيا..... يواصل القول.... سلفي = تلفي". - المبحوث رقم (5): طالب سلفي عاش مدة طويلة بالحي، نظرا لظروفه الأسرية المزرية، أب متوفي مشاكل إجتماعية مع الإخوة، ومع الأم، قليل العودة للبيت (نادرا) حتى في العطل، وجد في حميمية الصدقاء وفي النهج السلفي بديلا له عن الحرمان العاطفي والإجتماعي والمادي الذي يعيشه. النمط العلاقاتي والمعيشي خارج الحي: أ. مع العامة: تتسم العلاقة بالمحيط الخارجي خصوصا ما تعلق بالأصدقاء والمجتمع بعمومه سواء الذين يقطنون في محيطه السكني العائلي أو بالمدينة، بمحاولة لإبراز المعاملات الدينية المثالية، غاية ووسيلة لكسب واستقطاب مريدين جدد ولمحاربة بقية التيارات الدينية سواء التقليدية أو الإخوانية، وغالبا ما يمتهن السلفي التجارة في الكسب، أو تعليم العلم الشرعي، وغالبا أيضا ما يحبذ هؤلاء الزواج في سن مبكرة طبقا لتعاليم القرآن والسنة تحصينا للفرج والفتنة بتعبير هؤلاء. ب. مع الخاصة: تضطلع جمعية المسجد طوال السنة بإقامة علاقات بشيوخ النهج داخل وخارج الوطن والعديد منهم بالمدينة وبمدن جزائرية زاروا الحي وألقوا به العديد من المحاضرات، وعادة ما يتم الإتصال بهم عبر الجمعية بواسطة دعوات كتابية تؤشرها إدارة الحي[3]. أما من ناحية الإتصال الخارجي، فإن محتوى الوثائق وتأشيرات شيوخها يعكس طابع العلاقة بين هؤلاء الطلبة والقاعدة السلفية بالسعودية التي تمدهم بأغلب الفتاوي والمنشورات سواء بواسطة البريد العادي، أو حتى بواسطة الأنترنت، أو الهاتف والفاكس، فأغلب الطلبة عندهم هواتف وفاكسات أشهر شيوخ السلفية الحاليين. لهوامش [1] أبو اللوز، عبد الحكيم، الحركات السلفية في المغرب (1971-2004)، أطروحة دكتوراه في علم السياسة، إشراف الدكتور طوزي محمد، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية، الدار البيضاء، 2007-2008. [2] لمزيد من المعلومات عد للتقرير الأول بتاريخ جوان 2008. [3] أنظر ملحق الوثائق. تواجد النهج السلفي بالجزائر جزء من صحوة الأمة من جهة، ودعم السلطة غير المعلن بعد إقتناعها بالنموذج السلفي السعودي المناقض لفكر الخوارج، من جهة ثانية ونتيجة أيضا للسياسة الممنهجة من ذات السلطة التي ترى في النهج السلفي العلمي حليفا ميدانيا يغنيها عن الكثير من المشاكل ويخلق لها عددا من الحلول من خلال استقطابه لكثير من الشرائح المتأزمة اقتصاديا ونفسيا واجتماعيا معوضا النهج السلفي إياها بنوع من الحميمية الوازعة بين أفراده، والتي نتيجة لإيديولوجيته الدينية الأستاتيكية المبنية على النص،لا تصبح للملذات الدنيوية قيمة، وبالتالي تصبح معالجة الحرمان كما يقول الباحث المغربي أبو اللوز عبد الحكيم "على المستوى النفسي للمريدين عوض استغلاله في الاحتجاج الاجتماعي"[1].

إن تأصيل هذا الفكر (السلفي) هو في الحقيقة تعبير ومحصلة لسيرورة التحولات السوسيولوجية التي تعرفها - مثلما ذكرنا سابقا- الساحة السوسيودينية والإقتصادية والسياسية والفكرية والإعلامية لجزائر الاستقلال، يضاف إلى ذلك تقهقر المؤسسات التقليدية (الطرق الصوفية والزوايا) عن دورها الريادي في الاستقطاب والتموقع، رغم رجوعها في السنوات الأخيرة، كل هذا أسهم بشكل أو بآخر في تغذية النمو المتنامي للنهج السلفي بالجزائر.

ولما كان الشباب صانع التغيير ومشكل الجزء المهم في أي مجتمع وفي ديناميته المتعددة الأبعاد، فإن دراسة نهج مثل النهج السلفي يتطلب منا التركيز بالدراسة لهذه الشريحة، غير أن ارتباط نواة التغير في المجتمع بمؤسسة الجامعة جعل منا نخص بالدراسة الشباب السلفي، ولكن من خلال القاعدة الخلفية والخدمية الملحقة بالجامعة، يتعلق الأمر بالحي الجامعي السكني، نظرا لما يشكله كمؤسسة استقطاب وحقل للممارسة الدينية وطقوسها التعبدية والتوعوية التعبوية لمريدين جدد للنهج السلفي.

ميدانيا فإن عينة بحثنا المتعلقة بأشكال التدين خصت الطلبة السلفيين بالإقامة الجامعية إيطو (2000 سرير) بجامعة وهران، أما عن دواعي وأسباب هذا الاختيار، فإنه بعد ملاحظاتنا بالمعايشة التي امتدت لزمن طويل، تبين لنا أهمية الحي كقلعة حصينة للفكر السلفي الناشئ بوهران، والذي يرمي للانتشار والتموقع على أكبر مساحة ممكنة، ومعها استقطاب المزيد من المريدين، وتصدير وتوطيد دعائم فكره وممارساته في الوسط الطلابي، خصوصا عبر أحيائه ومساجده ومصلياته.

إن نزولنا الميداني الذي امتد من20/10 إلى20/11/2008م، كان في الحقيقة امتدادا لنزول ميداني سابق في فترة ما بين 12 و27 أفريل 2008م، كلل هذا الأخير بحصر نقاط عديدة تتعلق بمعيش الطالب السلفي ممارساته الدينية واليومية (غير الدينية)، ماذا يقرأ؟، فيما يفكر؟، كيف يفكر؟، ما مرجعيات تفكيره وممارساته؟، ما هي تمثلاته؟، كيف ينتظم في النهج السلفي، أشكال اجتماعاتهم، طرق وطقوس تدينه دراسته بالجامعة تخصصاته.....إلخ[2].

فيما كان النزول الثاني السالف الذكر هدفا للوقوف على بعض النقاط المبهمة إلى حدود ما، والتي تحتاج أكثر تفسيرا من خلال شكل التنظيم الجماعي لأفراده: كيف يتم؟، هل هناك لجنة تنظيمية وضعية أو نمط للقيادة داخل المجموعة؟، وما طبيعة ذلك في حالة وجوده؟ ومن هم الشيوخ والنخب الفاعلين الذين يستلهمون منهم فكرهم؟، كيف تكونت جمعية المسجد؟، لماذا نشأت؟، كم عدد أعضائها؟، ما هي نشاطاتها داخل وخارج الحي؟، كيف تتم عمليات الاتصال بين أفراد المجموعة وباقي الأفراد والشيوخ ذي التوجه السلفي؟ وما هي استراتيجية المجموعة من خلال لجنة المسجد في أهدافها الآنية والبعدية؟؟.

كل هذا في الحقيقة يلخص العمل القاعدي الذي يقوم به أفراد هذا النهج الديني في سبيل توطيد دعامات هذا التيار الناشئ بالجزائر، خصوصا عبر نافذة الحي الجامعي، لما له من أهمية خاصة سواء بين الوسط الطلابي، أو على مستوى المحيط من خلال نشر الوعي والفكر السلفيين، بشكل يمهد لهدف شرعنة وجوده عبر جميع الآليات المتاحة، التي بواسطتها تتقوى عمليات استقطابه وانتشاره وسياساته التعبوية بين صفوف الطلبة من جهة، ومحاولة ترسيخ مبادئه وممارساته وطقوسه التعبدية والدعوية بين هؤلاء انطلاقا من محموله الإيديولوجي المناقض صراحة لبقية التوجهات الدينية، التي ينعتها بالبدعية والضالة عن سيرة السلف وقداسة النص ومحتوى السيرة النبوية.

إن هذا العمل لن يتم لولا وجود حس تنظيمي تلاحمي يجمع المجموعة داخل الحي وخارجه فكريا وروحيا وعقائديا، وحتى من حيث المادة المطبوعة، خصوصا ما تعلق بالكتب والمقصوصات الدعوية الصادرة عن هيئات سلفية بالسعودية وغيرها، وحتى عبر مواقع الواب.

إذ يتغذى فكر الطلبة بهذا الحي بانتظام ويطلعون على كل جديد خاص بالفتاوى، خاصة ما تعلق بجانب المعاملات والحياة اليومية، ولعل عبر إطلالة بسيطة لجميع الوثائق التي جمعناها، يعكس تأكيد هؤلاء في سبيل توطيد معالم تدينهم بعيدا عن البدعية الحالية كما يقولون، التي تشوه طرقنا في التدين والعبادة، ومنه وباعتبار أن لجنة المسجد هي النافذة الأساسية التي تضطلع بمهام كهذه إضافة إلى مهام أخرى، حاولنا وضع القارئ والباحث في صورة واضحة لكل ما يتعلق بهذه اللجنة.

1.لجنة المسجد كشكل تنظيمي:

تتشكل هذه اللجنة كما سبق الذكر من 14 عضوا يختارون بالإجماع وشوريا كل سنة، يشملون عددا قليل من التخصصات – الجزء الأكبر من الطلبة ممن يدرسون في معهد الحضارة الإسلامية- غالبا ما يتراوح مستواهم العلمي بين الثالثة والرابعة جامعي، كما لابد من توفر بعض الشروط الأساسية في بعضهم خصوصا ممن يقومون بالقراءة والصلاة بالجماعة وإقامة الحلقات والدروس، ومن هذه الشروط مثلا حفظ العدد الأكبر من سور القرآن.

أما في ما يخص في ضم بعض الطلبة السلفيين إلى لجنة المسجد من غير طلبة الحضارة، فراجع إلى استراتيجية المجموعة في التضليل عن إدارة الحي، وتسهيلا في عطلة الصيف للمجموعة لولوج طلبتها الحي وحراسة المسجد من الطلبة الإخوانين نتيجة الصراع الأبدي بن طلبة التيارين.

هذه اللجنة إذا تشمل عددا من الأبعادا تتعلق بما يلي:

أ. اللجنة في بعدها التنظيمي:

هذا البعد يتضح من خلال برنامج النشطات المسطرة سواء منها اليومية أو الأسبوعية أو حتى على مدار كل السنة، وحتى بالنسبة لكل طالب ومستواه، في ما يخص النشاطات العلمية، أو في الصلوات وفروضها ونوافلها وأدعيتها، كما يتضح أيضا من خلال الزيارات المنتظمة لشيوخ السلفية للحي، ومن خلال الحلقات والدروس ومختلف مهام أعضاء اللجنة القائمة على المسجد ومستلزماته وعمل مكتبته، وتنظيم المسابقات العلمية....(1).

ب. اللجنة في بعدها القيادي:

النهج السلفي في الحقيقة ينبذ النمط القيادي الذي يقر بزعيم أو قائد، غير أنه ولدواعي تنظيمية، فإن اللجنة تشكل صوريا نوع ونمط من القيادة للمجموعة من خلال الإشراف على كل نشاطات المجموعة، كما يشكل الشيوخ سلطة روحية لهؤلاء، باعتبار أن التقسيم السلفي لطبقاته يقر بوجود سلفية خاصة يتزعمها العلماء وعامة تضم ما تبقى من المجتمع.

 ج. اللجنة في بعدها الرقابي- الضبطي:

 هذه العملية تعتبر من الأساسيات التي تضطلع بها لجنة المسجد بحي إيطو من إشرافها على عمل توعوي يضبط تصرفات، سلوكات ومعاملات الطلبة وممارساتهم التعبدية وفق النهج السلفي والاسقطابي أيضا، ويتضح هذا بشكل أكبر من خلال المنشورات والملصقات التي جمعناها والتي تشمل محورين أساسين هما باختصار كما يلي

 

أ- المحبب- المباح والمندوب        

المحضور- الممنوع أو المحرم

* مطبوع معلق حول كيفية الدعاء

* مراسلة المرأة

* أحاديث مشهورة

* فتاوي عيد الحب

* أحكام فقهية

* لبس الذهب

* أذكار النوم

* مصافحة المرأة الأجنبية

* أذكار آداب الطعام

* أخطاء في الصلاة

* أدعية الكرب

* الجوال، وضوابطه

* المسح على الجوارب

* السحر

* تذكار الموت

* الغش في الامتحان

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)- لمزيد من التفصيل أنظر ملحق الوثائق، الصادرة عن جمعية المسجد

* قطع صلة الرحم

* إعفاء اللحية              

* النياحة على الميت

* الأمن               

*ضوابط الفرح

* المروءة            

* التوسل

 * ثمرات وسنن الصلاة.........إلخ         

 

 

 

 

 

 

 2.لجنة المسجد ودورها في التنشئة:

إن كانت الأطر التقليدية التي تصنع منشأنا الاجتماعي والشخصي تتعلق بالأسرة والمدرسة خصوصا، فإنه بالمقابل اليوم قد استحدث الحراك الاجتماعي والتعليمي -الإنتقال للدراسة والإقامة بغير منطقة سكن الوالدين مثلا- أطرا مستحدثة وجدت في الحي الجامعي سبيل لتوطيدها، ولعل ما يزكي هذا الطرح صدق فرضية الحي كمصدر وقاعدة لصناعة العديد من نخب وإطارات الأحزاب السياسية والدينية سواء بالجزائر أو بغيرها، وبالتالي بقدر ما كان الحي مصدرا لتنشئة سياسية للفرد الجامعي، فإنه أيضا كان مصدرا لهندسة شخصه وجماعيته وإيديولوجيته وتوجهاته الدينية بالخصوص، هذه الأخيرة التي نخصها بأكثر تفصيل من خلال تنظم الطلبة السلفيين تحت إمرة جمعية وضعية تشرف على مسار تدينهم وتنشئتهم وعلاقاتهم....، ولعل من الآليات التي تعتمدها في ذلك نذكر بشكل مختصر ما يلي:

أ. سياسة دعوية، تعبوية- إنتشارية:

تهدف لاستقطاب الطلبة الجدد وشرح معالم التدين السلفي وطقوسياته بمقابل الأنماط والأشكال الأخرى، وتحاول قطع الطريق عن النهج الإخواني الذي يصارع بدوره النهج السلفي في كسب مريديه من الطلبة الجدد، ولعل ما يميز سياسة المجموعة خصوصا في السنتين الأخيرتين انتقال عملها من الانكماش والتقوقع و الانزواء و التموقع داخل حي واحد بكامل جامعة وهران، إلى الانتشار وبسط النفوذ ميدانيا وفكريا في عدد من الأحياء، والإشراف على مصلياتها ومساجدها، وكل هذا يعكس توجهات المجموعة وإستراتيجياتها الجديدة من دور المدافع إلى المهاجم في الوقت الراهن.

ب. سياسة تعليمية – توجيهية:

هدفها تهيئة وصناعة الفرد السلفي النموذجي في طقوسه وممارساته وفي زيه ومعاملاته = هوية خاصة ومتفاضلة، إنطلاقا من البرنامج الدراسي الموازي المشروح في ملحق التقرير الأول لشهر جوان، وأيضا إنطلاقا من الحلقات العلمية والدروس ومحاضرات الشيوخ المنعقدة بشكل دوري سواء يوميا مع كل صلاة أو أسبوعيا، أو من خلال المجلة الحائطية، والملصقات وحتى من خلال محتوى المكتبة من المطبوع السلفي التوجه وحتى السمعي (CD).

  ج. سياسة تعبدية:

 تحاول تكوين الشخصية الدينية للطالب السلفي، من خلال الصلوات الجماعية وداخل المسجد "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، وأيضا من خلال التطبيق الحرفي لطقوس السلفية في ذلك، من خلال الالتزام الفردي والجماعي بكل الضوابط الدينية والعقيدية في الصلوات والمعاملات.

  1. الخطاب السلفي من خلال أرشيف ووثائق لجنة المسجد:

من أهم المميزات التي بدت لنا بعد قراءة أغلب الوثائق وتحليل محتواها النقاط التالية:

  • تتوضح إيديولوجية المجموعة السلفية بشكل أوضح من خلال هذه الوثائق، إذ يتوضح الخطاب السلفي في أبعاده كخطاب مبني على النص (القرآن + السنة النبوية + سيرة
    الصحابة).
  • الخطاب السلفي من خلال أجوبة الطلبة خطاب حذر يؤكد على نهجه الديني غير السياسي، ويعتمد مبادئ التوعية والإستقطاب، والإنتشار، وترسيخ عقائده.
  • الخطاب السلفي خطاب هجومي – راديكالي ضد أنماط التدين الشائعة أو ما ينعتها بالبدعية والضالة عن سيرة أهل السنة والجماعة.
  • الخطاب السلفي خطاب ماضوي أستاتيكي ينهج العودة لأصول الدين الأولى من غير تجديد أو تبديع كما ينشد الحياة الأولية البدئية للرسول وصحابته.
  1. النمط العلاقاتي والمعيشي داخل الحي:

أ. الحيز الديني- العقيديا

 بعد معايشتنا الطويلة لهؤلاء الطلبة، ومحاورتهم في العديد من أمورهم الحياتية، الدينية واليومية عموما، بدى لنا عددا من الملاحظات نختصرها في جملة من النقاط:

  • العديد من الطلبة بالإقامة كانوا محضرين مسبقا للنهج السلفي، سواء بتبنيه ممارساتيا أو فكريا، فمن هؤلاء، من كان تخصصه علوم شرعية في المرحلة الثانوية، غير أن هذا لا ينفي، التخصصات العلمية لطلبة آخرين كانوا تلاميذ في علوم الطبيعة والحياة وغيرها، لكن يبقى المهم في كل هذا التهيؤ الأولي في التخصص في علوم الحضارة وانتهاج النهج السلفي.
  • شريحة أخرى تنهج النهج السلفي اليوم بالحي، لم يكن لها علاقة به، تخصصت بعد المرحلة الثانوية في تخصصات علمية بالجامعة كالطب، والكيمياء...، لكن سكنها وقربها واحتكاكها بالطلبة السلفيين، أثر في سلوكاتها، وتصوراتها، وأستقطبت ضمن النهج، وحتى هناك حالات، انسحبت من تخصصاتها العلمية وانتقلت لدراسة الشريعة الإسلامية، وتفسير ذلك في الحقيقة مرده للتعليمات والفتاوي التي تدعو صراحة لنهج السلفية والتخصص في العلم الشرعي.
  • باختصار هناك شريحتين، الأولى اعتنقت السلفية منهجا في مرحلة سابقة لمجيئها للحي وتخصصت بعد ذلك في الجامعة في العلم الشرعي، أما الشريحة الثانية لم تكن سلفية المنهاج، ولم تكن تخصصت في العلم الشرعي، غير أن عملية الاستقطاب بسكنها الحي هذا أدخلت هؤلاء في النهج السلفي، بل حتى اختيار التخصص عرف إعادة النظر والإنتقال لطلب العلم الشرعي.

من هذه الحالات نذكر عددا منها:

- المبحوث رقم (1): طالب من سعيدة يدرس سنة الرابعة تخصص فقه وأصول، كان يدرس سابقا تخصص كمياء سنة ثانية بالجامعة، من عائلة (الأب والأم) ذي توجه سلفي، تخلى عن دراسته هذه، وجاء للحي بعد اقتناعه بالتعليمات والفتاوي السلفية لدراسة العلم الشرعي بقسم الحضارة الإسلامية، وهو يأمل في الانتقال إلى دراسة الشريعة في مرحلة الماجستير بكلية الشريعة بمكة أو المدينة المنورة.

-***المبحوث رقم (2): طالب من تلمسان، سنة ثالثة فقه وأصول، كان يدرس تخصص علوم الطبيعة والحياة بالمرحلة الثانوية، عوض الانتقال لمتابعة تخصص علمي بالجامعة، توجه لدراسة العلم الشرعي، نظرا لقناعته السلفية السابقة لدخوله الجامعة، من أسرة غير سلفية المنهاج، بدوره يأمل في متابعة دراسته بجامعات المملكة السعودية، بعد أداء العمرة.

-المبحوث رقم (3): طالب من معسكر، كان يدرس تخصص بصريات (طب) بجامعة وهران، وبعد إقتناعه بالنهج السلفي وفتاويه، تخلى عنه وسجل بقسم الحضارة الإسلامية، أما من حيث أسرته فهي غير سلفية، يأمل بدره متابعة مشواره الدراسي بالسعودية.

- المبحوث الرابع، طالب من تلمسان، تخصص في العلوم الشرعية في المرحلة الثانوية، بعدها أصبح طالب في تخصصات إنسانية بالجامعة (علم النفس- علوم سياسية- لغة ألمانية)، لم يكن سلفي في مراحله الأولى، غير أنه في مراحل متأخرة أصبح ضمن هذا النهج، غير أن أماله وأحلامه تختلف إختلافا كبيرا عن بقية الطلبة.

تفسير هذا الإقبال على دراسة تخصص الشريعة الإسلامية عزاه الطلبة السلفيين بإجابتهم الصريحة المعبرة عن إقتناع مطلق بالنهج وفتاويه بقولهم " المجتمع يحتاج فقهاء وشيوخ في الدين والشريعة (العلم الشرعي الإلهي)، أكثر من حاجته لبقية العلم الدوني (الوضعي)، بمعنى أن العلم الشرعي علم شامل جامع مانع لكل شؤون حياة المسلم"

ب. الحيز النفسي والإجتماعي:

ضمن هذا الحيز هناك خمس حالات لمبحوثين سلفيين بالحي الجامعي سنحاول تلخيص شؤونهم النفسية والعائلية والإجتماعية بمساعدة من المحقق

- المبحوث رقم (1): طالب سلفي من أسرة غير متدينة، أحد الإخوة مغني، هو بدوره له ماضي على علاقة بالإنحراف، بعد المرحلة الثانوية إعتنق النهج السلفي في حياته الدينية، نظرا لظروفه السابقة الذكر (يسميها توبة بالمنظور الديني)، مثلما يمكن أن نفسرها كسوسيولوجين بملجئ روحي هرب إليه، بعد الفراغ الذي كان يعيشه (تأزم شخصي وعائلي)، ولعل هذه المشاكل لم تبدو لنا لولا قرب المحقق منه ومعيشه معه في نفس منطقة الإقامة، هذا من جهة، كما يتضح لنا هذا من زياراتنا المتكررة له بالحي الدائم الحضور به عبر كل فصول السنة، وزياراته النادرة لأسرته، كما يشغل عضو في لجنة المسجد.

- المبحوث رقم (2): طالب سلفي من أسرة سلفية المنهاج، أموره الأسرية والنفسية جيدة، نظرا لقناعاته وقناعة أسرته ذات التوجه نفسه، رغم مكوثه الكبير بالحي، غير أنه في العديد من المرات خصوصا في مرحلة العطلة يعود لأسرته، حالته المادية بالحي جيدة، كما أن غرفته ممتلئة بلوازم اللباس، والكتب وحتى مستلزمات الطبخ، وفي ذلك دلالات كثيرة.

- المبحوث رقم (3): طالب سلفي من أسرة مفككة ومتأزمة إقتصاديا، وجد في الحي بديل لمنزله وفي حميمية أصدقائه وفي النهج السلفي عموما تعويضا للحرمان والفراغ الذي كان يعيشه، قليل العودة للبيت، ظروفه المادية متدنية.

- المبحوث رقم (4): طالب سلفي من أسرة متدينة تدين تقليدي (شعبي)، له الكثير من الخلافات مع الأب والإخوة، خصوصا حول مستلزمات البيت (التلفاز)، ولباس الأخوات غير المحتشم، وفي بعض المعاملات، هذه الحالة إلتقينا بأبوه الذي أقر بصراعه مع إبنه وإخوته، غير أن ذلك ليس بالشئ الكبير بتعبير أبيه الذي يقول،" وقفته عند حده، وقلت له القط يعلم أبوه النط... وقلت له لك دينك ولنا دينيا..... يواصل القول.... سلفي = تلفي".

- المبحوث رقم (5): طالب سلفي عاش مدة طويلة بالحي، نظرا لظروفه الأسرية المزرية، أب متوفي مشاكل إجتماعية مع الإخوة، ومع الأم، قليل العودة للبيت (نادرا) حتى في العطل، وجد في حميمية الصدقاء وفي النهج السلفي بديلا له عن الحرمان العاطفي والإجتماعي والمادي الذي يعيشه.

  1.  النمط العلاقاتي والمعيشي خارج الحي:

أ. مع العامة:

 تتسم العلاقة بالمحيط الخارجي خصوصا ما تعلق بالأصدقاء والمجتمع بعمومه سواء الذين يقطنون في محيطه السكني العائلي أو بالمدينة، بمحاولة لإبراز المعاملات الدينية المثالية، غاية ووسيلة لكسب واستقطاب مريدين جدد ولمحاربة بقية التيارات الدينية سواء التقليدية أو الإخوانية، وغالبا ما يمتهن السلفي التجارة في الكسب، أو تعليم العلم الشرعي، وغالبا أيضا ما يحبذ هؤلاء الزواج في سن مبكرة طبقا لتعاليم القرآن والسنة تحصينا للفرج والفتنة بتعبير هؤلاء.

ب. مع الخاصة:

تضطلع جمعية المسجد طوال السنة بإقامة علاقات بشيوخ النهج داخل وخارج الوطن والعديد منهم بالمدينة وبمدن جزائرية زاروا الحي وألقوا به العديد من المحاضرات، وعادة ما يتم الإتصال بهم عبر الجمعية بواسطة دعوات كتابية تؤشرها إدارة الحي[3].

أما من ناحية الإتصال الخارجي، فإن محتوى الوثائق وتأشيرات شيوخها يعكس طابع العلاقة بين هؤلاء الطلبة والقاعدة السلفية بالسعودية التي تمدهم بأغلب الفتاوي والمنشورات سواء بواسطة البريد العادي، أو حتى بواسطة الأنترنت، أو الهاتف والفاكس، فأغلب الطلبة عندهم هواتف وفاكسات أشهر شيوخ السلفية الحاليين.



لهوامش

[1] أبو اللوز، عبد الحكيم، الحركات السلفية في المغرب (1971-2004)، أطروحة دكتوراه في علم السياسة، إشراف الدكتور طوزي محمد، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية، الدار البيضاء، 2007-2008.

[2] لمزيد من المعلومات عد للتقرير الأول بتاريخ جوان 2008.

[3] أنظر ملحق الوثائق.