Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

 كرّاسات المركز، رقم 24، 2012، ص، 19-36 | النص الكامل


 

 

عبد الحفيظ غرس الله

 

 

كان الهدف الأساسي من هذا المحور هو رصد أشكال التدين التي ينتجها الطلبة ومحدداتها وأهم خصائصها، وكان التساؤل الذي انطلقنا منه في هذه الدراسة يتمحور حول الخصوصية الجيلية في التصورات والممارسات الدينية لدى الطلبة في هذه المرحلة التاريخية. فقد كانت الأجيال السابقة في العقود التي مضت تعيش أشكال من التدين مرتبطة بالمنطق الشفوي والقراءة المحلية للدين المتمثلة في المذهب المالكي والنزعة الصوفية الطرقية والاعتقاد الأشعري، وفي فترة السبعينيات والثمانينيات ظهر الإسلام السياسي[1] الذي كان الشكل السائد في البناء الديني لذلك الجيل. أما الآن ومع كل التغيرات العميقة التي نشهدها على كافة المستويات المحلية والعالمية و على مستوى الحقل الديني أيضا، فقد طرأت الكثير من التغيرات على مستوى الخطاب الديني حيث ظهر دعاة جدد على منابر الفضائيات يحاولون تقديم خطاب ديني جديد ينسجم مع العصر كما ظهرت مجموعات دينية جديدة كالسلفية. وفي ظل هذه المعطيات، أردنا معرفة الأشكال الدينية الجديدة السائدة لدى الطلبة والتغيرات التي طالت التدين عند هذه الفئة.

ولأجل تحقيق هذا الهدف العلمي اعتمدنا منهجيا على دراسة ميدانية كمية بغرض توصيف وقياس ومعرفة الحالة الدينية لدى الطلبة، استطعنا من خلالها تصنيف أولي للأشكال الدينية الظاهرة في نتائج الدراسة الكمية، ثم أضفنا إلى هذا الإقتراب الكيفي الكاشف بجلاء عن التصورات والممارسات الدينية المحددة لأشكال التدين المختلفة والأليات المحددة لكل شكل، وكان هذا من خلال مجموعة من المقابلات المعمقة مع الطلبة والطالبات وصل عددهم إلى 30 وبلغتمدة المقابلات 35 ساعة.

 بعد تفحص المعطيات المجمّعة ميدانيا انتهينا إلى الملاحظات والتحليلات السوسيولوجية التالية:

أولاً، الارتباط القوي بالمنظومة العقدية والقيمية وحتى الطقوسية، حيث يصير الدين المكّون الأساسي للحياة الاجتماعية للطالب الجامعي وهذا ما تؤكده مجمل الدراسات المحلية والعربية التي تناولت التدين في المجتمعات العربية والإسلامية[2]،ويمكن تفسير هذا الحضور القوي للمكون الديني في إنتاج مجال واسع من التصورات والممارسات الدينية في الحياة الاجتماعية ببقاء واستمرارية المؤسسات التقليدية في تأطير الحياة الاجتماعية وأداء مهام عمليات التنشئة الاجتماعية للأفراد، ومن أهم هذه المؤسسات العائلة أنظر الجدول رقم (1) التي لا تزال تقوم بشكل أساسي وجوهري وحيوي بعملية التنشئة الدينية، من خلال تلقين المبادئ الأساسية للمنظومة الدينية، اعتقادا وطقوسا.

وعليه يمكن تصنيف الشكل الأساسي والمهيمن في أشكال التدين في خانة التدين المعاش[3]la religiosité de vécue كما نجده في التصنيف الذي يقترحه علي كنز، الهرماسي و بورديو Bourdieu. يتحدّد هذا النوع من التدين أو شكل التدين المنتج تاريخيا والذي يستوعب الخطوط والأصول الأساسية الموجودة في الإسلام، من خلال التفاعل الكبير بين النص والواقع الاجتماعي المتغير.

لكن الطلبة، وفي هذا الإطار التصنيفي السائد في مختلف قطاعات الحياة الاجتماعية يصنعون أشكالا جديدة يبدعون فيها في بناء حياتهم الدينية من خلال حقل التصورات والممارسات التي تنتمي لجيلهم، هذا الجيل الذي يحمل الكثير من الخصائص والمميزات والذي ينخرط هو أيضا في الإطار العام المحدّد في الإسلام المعاش أنظر الجداول رقم 2-3-4-5-6-23-24-25-26-28-29-30.  نلاحظ من خلا النتائج أن الكثير من المواضيع التي ترتبط بالمعتقد والطقوس الدينية والقيم المتعلقة بالعمل والزواج والعائلة والآداب العامة تحمل نفس الصبغة التقليدية المهيمنة في المجتمع، وهذا يفيد أن عملية إعادة إنتاج القيم التقليدية قائمة باستمرار في المجتمع عبر قنوات التنشئة الاجتماعية.

لكن المنحى المختلف في شكل التدين المرتبط بالطلبة يظهر جليا في بعض نتائج التحقيق الكمي وبشكل صارخ في مقاربتنا الكيفية، لكنه يندرج دائما في إطار الإسلام المعاش، هذا الشكل من التدين المنفتح على كافة المستجدات والتغيرات البنيوية والجيلية بالخصوص. نلاحظ في الحوصلة الميدانية الكمية حضور مميز لإرادة البناء الديني المستقلة عن إكراهات الجماعة والخيارات الملزمة إيديولوجيا (أنظر الجدول رقم08).

يجب الإشارة إلى أن المقاربة النوعية التي استغرقت أكثر من 30ساعة مع عدد يزيد عن 30 طالبا طوال السنة والملاحظات التي استغرقت سنوات إعداد هذا المشروع، بالإضافة إلى عدد معتبر من سير الحياة تفضل بعض الطلبة بتدوينها يستعرضون فيها علاقتهم بالديني وأيضا التواجد الدائم والمباشر في فضاء الجامعة من خلال تدريس مقياس علم اجتماع الدين، جعلت الاقتراب المنهجي يتحقق بكل عمق ميدانيا ومعرفيا وتقنيا على مستوى التأويل السوسيو-انثربولوجي المحيط والمتحكم في كشف ظاهرة الأشكال الدينية لدى الطلبة.

أعطت هذه الدراسة نفسا جديدا للمنظور الديني، وأفقا واسعا يسمح بإعادة فهم الديني في نطاق الوجود الطلابي الفاعل في الفضاء الجامعي، وفي الحياة الاجتماعية ككل. فقد قدمت هذه المنهجية الكيفية كشفا مبينا للدراسة الكمية التي انطلقنا منها، وفتقت الأرقام وحلت لغز تلك النسب المأوية التي ملأت خانات الجداول.

استطعنا تحديد أشكال الأبنية الدينية لدى الطلبة من خلال إطار نظري وجدنا صداه ينسجم بشكل كبير مع المعطيات المجمعة والتواجد الميداني الدائم، إنها نظرية الاختيار العقلاني الحر التي يمكن تبنيها في سياق تفسير حقل التصورات والممارسات الدينية لدى الجيل الجديد من الطلبة الذين يتواجدون في أوضاع مجتمعية محددة، ويعيشون التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع.

تتأسّس نظرية الاختيار العقلاني الحر[4] في مجال دراستنا للحقل الديني من على فكرة قدرة الفرد على بناء الحياة الدينية في ظل ما هو قائم من خيارات وإكراهات واستراتيجيات، ومن خلال منظومة القيم ونظام المعنى الذي يتلقفه الفاعل كمحور لحياته في وجوده الاجتماعي. تبدو هذه النظرية في واقع هذه الدراسة في الهامش القوي للبناء الفردي للتدين وليس للفردانية الدينية كما هو مطروح في أدبيات السوسيولوجية الدينية التي انطلقت من واقع عالم الحداثة إذ هناك هامش من الفردنة وليس هناك فردنة.

إن التجارب المختلفة لعدد معتبر من الطلبة والطالبات الذين اقتربنا منهم وطرحوا لنا عناصر التجربة الدينية في خضم حياتهم اليومية وامتداداتها في العالم الاجتماعي، أوضحت لنا جدلية بين الديني كنص وتأويلاته الفقهية وتعددية الخطاب الديني والواقع الاجتماعي المعقد.

هذه الجدلية في الواقع هي المؤسس لمختلف التجارب الدينية وعالم بناء الأشكال الدينية لدى الطلبة الذين يمثلون جيل متميز خضع لعمليات من التنشئة الاجتماعية في سياق العقود الأخيرة التي أعقبت مرحلة الاجتياح الإسلاموي.

بعدما أكدنا في البدء على التأطير الديني المستحكم في التصورات والممارسات الدينية لدى الطلبة والذي أرجعناه إلى استمرارية نفوذ وسلطة البنى التقليدية في إدارة المجتمع والتي تتمركز حول المقدس الديني، نأتي الآن إلى بيان خصائص البناء الديني لدى الطلبة وأشكال الاختيار الحر للسلوك الديني المناسب لهذا الجيل، حيث ذكرنا أن العالم الديني السائد والمهيمن دائما هو التدين المعاش في كل أطواره وعبر مختلف أجياله حيث يركز على أفاق التغير في كل لحظة من لحظات الوجود الاجتماعي.

ماهي خصائص أشكال التدين لدى الطلبة ؟

حاولنا في نهاية هذه الدراسة رصد خصائص أشكال التدين التي ينتجها الطلبة في وجودهم الاجتماعي معبرين بذلك عن الانتماء الجيلي الذي احتوى منطقا أسّس من خلاله خيارات لحياته الدينية. نجد أنّ أبرز تلك الخصائص هي:

  • استراتيجية التفاوض بين الممنوع والقهر الاجتماعي: يتجلى الحضور الديني عند الطلبة خارج ومع الممنوعات، إذ ولو يخرق الطالب سياج الممنوعات لقهر اجتماعيا ما لا يرى نفسه خارج عنوان التدين، فهو  موجود في دائرة normal بتعبير جلّ الطلبة لما يعبرون عن انتمائهم للهوية الدينية. يصرح نور الدين21سنة، السنة الثانية علم الاجتماع:(الله غالب normal شوي لربي وشوي لقلبي... صعب باش تحكم دينك في هذا الزمان). انطلاقا المرجعية الشفوية والسمعية البصرية في المعرفة الدينية، تبدو التصورات الدينية للطلبة غير مستمدة من مرجعية دينية نصية واضحة، فجلّ الطلبة لا يؤسسون بناءهم الديني على البحث والتوثيق والمقروئية للأدبيات الدينية الفقهية والشرعية، وإنما يعتمدون على الحس المشترك الشفوي أو ما يطرح عبر الفضائيات الدينية من خطابات متنوعة. أضحت المعارف الدينية ومرجعية التدين فضائية. وتقلصت المقروئية الدينية في حدود الثقافة الإستعمالية والجاهزة والمروج لها إعلاميا حيث يظل كتيب حصن المسلم وكتاب لا تحزن من أهم الكتب المستهلكة والجاهزة في محتواها ومعناها تصرح الطالبة سهيلة 22سنة علم النفس (تعلمت ديني من les chaines تع الدين سيرتو قناة الناس، تجيني ثقيلة باش نقرا الكتب تع الدين).

إنّ النزوع الروحي في الحياة الدينية والذي يتمثل في المعطى الانفعالي المركز الذي يضفيه الطلبة لمفهوم الديني مثل : المحبة والخوف الرجاء والسكينة...الخ يجعل من البناء الديني لدى الطلبة بناء انفعاليا بالدرجة الأولى. يعود هذا إلى طبيعة المرحلة العمرية التي يستغرق فيها الطلاب، وأيضا إلى التشنجات الاجتماعية الضاغطة خاصة في سياق الأزمات والغموض ووضعيات لا معنى لها، يتحوّل الديني فيها إلى صمام أمان. تصرح أنيسة 20سنة صحافة (كنكون مع ربّي غاية كاع المشاكل ينتحلو ونحس روحي غاية).

  • الشخصيات الدينية والكاريزما الدينية غير الثابتة، فمن الملاحظ في التجارب الدينية لمدة استغراقنا في هذا البحث التغير السريع في سلم الشخصيات الدينية التي عليها طلب فمن عمرو خالد والجندي مرورا بالدعاة السلفيين في قناة الناس إلى راتب النابلسي.
  • ضغط المجموعات الدينية السلفية على مخيال الطلبة الديني والاجتماعي سواء الرافض لهذه المجموعة أو المآزر لها، وتأثير الخطاب السلفي الذي استطاع أن يفرض نفسه كنموذج تديني على الساحة وانعكاساته في بناء الكثير من التصورات والممارسات الدينية. تصرح فوزية 23 سنة علوم تجارية: (نتمنى في المستقبل نتزوج مع سلفي يعلمني الدين ونلتزم ونلبس الحجاب الشرعي وربما حتى ندير النقاب، أنا عندي خويا سلفي بصح مشي متعصب مدين غاية، باش نشد في الدين ألق لي واحد كما خويا يكون سلفي أنعيش معه حياتي).
  • تجاوز الإسلام السياسي، وليس القطيعة مع المجموعة الدينية المؤدلجة أو حتى مع هذه الأيديولوجية بشكل ضمني، ذلك أن شكل التدين عموما لدى الطلبة لا يزالا يحمل المبادئ التي يرتكز عليها الإسلام السياسي، من أهمها تطبيق الشريعة الإسلامية، وضرورة أن تخضع الممارسات السياسية للديني. إنه تدين بدون إيديولوجية. يصرح عز الدين 23 سنة علوم التربية :(لكان نطبقو الدين ما خصنا والو الدولة راهي بعيدة على الدين، لكان الدولة تطبق الدين نولو غاية ونخرجو من الظلم) وتضيف فتيحة 25 سنة أدب عربي ما يلي :(الدين هو الحل لكل المشاكل لرانا نتخبط فيها)
  • القطيعة مع الإسلام الشعبي، وهذا من خلال الرفض لكل الممارسات والطقوس الدينية الجارية في نطاق التدين الشعبي، وتأكيد مسألة التمايز معها، والحكم عليها بالانحراف والبدعة. يدلي عبد المالك 20 سنة هندسة ميكانكية :(رانا في 2010 يبان لي هذا الصوالح كملنا معهم، ما هم في الدين ولا في العلم).

وفي الأخير نقدم عرضا لبعض السير الحياتية لمجموعة من الطلبة الذين قبلوا بكل ترحيب كتابة أشكال الحياة الدينية لديهم وعلاقتها بوجودهم الاجتماعي. (انظر الملحق)

المدخل التاريخي التأسيسي

حاولنا تأسيس قراءة جديدة لمنشأ الإسلام السياسي في الجزائر من منظور المقاربات القائمة في حقول العلوم الاجتماعية وبالأخص من وجهة أناسية تكشف اللثام على الجزئي في علاقته مع الكلي وترصد بالبحث الوحدات الاجتماعية التي تغيب عن الأنظار ولا يلقى لها بال من الوهلة الأولى، تلك هي قصة ميلاد وتكوّن الإسلام السياسي بين جدران وأروقة الجامعة وفضاءات أحيائها حيث كانت معابر المعرفة تنقل الكثير من التصورات حول منابع الهوية ومشاريع التغيير والإصلاح المنتمية لمختلف الخلفيات الإيديولوجية التي بدأت تتشكل حينئذ، كانت المحاولة تكمن في العمل على الذاكرة والحفر في طبقاتها.

بادرنا التحقيقات، التي لم تكن هيّنة، مع الكوادر القديمة للمجموعات الدينية "الإخوانية" التي باشرت العمل في بدايته مع مطلع الثمانينات. وكانت النواة الأساسية لكل ما يتجلى اليوم من أشكال وهياكل التواجد لهذه المجموعة، حيث كانت هذه الأخيرة ترى قداسة العمل الجماعي وفعالية الجماعة الدينية المتسترة من خلال الحلق السرية التي كانت تقام لتلقي وتلقين البيان الإيديولوجي الذي يحمل هموم الأمة التي أخرجت للناس وقواعد الالتزام والضبط التي يجب الاحتكام إليها في السلوك والعلاقة مع الواقع والعالم كله. كان نظام الأسر الحاضن للأحلام المتعالية والسبيل الوحيد للتنصل من المجتمع ومؤسساته التقليدية والحديثة منها التي تتعارض مع الوجهة الإيديولوجية الجديدة المبنية على الالتزام والتصور الجديد والانقلابي للإسلام فحواه الإسلام عقيدة وسلوك ونظام حياة خير من غيره من أنظمة أرضية وجاهلية على حد تعبير مناضلي الإسلام السياسي.

 ينبغي الإشارة إلى أن مسار المقابلات الصعبة لم ينته بعد لاستكمال الصورة التأسيسية لمنشأ المجموعة الدينية "الإخوانية" التي صدّرت لإيديولوجية الإسلام السياسي.

المدخل التنظيمي والإيديولوجي

تتواجد داخل الحي جماعات مختلفة تتمايز فيما بينها في أمور مختلفة كالسلوك وطريقة الحجاب والتعامل و من بين هذه الجماعات الجماعة الدينية. فالسكنفي مكان واحد و الالتقاء يوميا في هذه المرافق كالمطعم أكثر من مرة في اليوم و المكتبة و المصلى هذا الاحتكاك يسمح للطلبة بتشكيل علاقات قوية كالعائلة الواحدة.

إن إرتباط الطلبة بالمكان و الزمان نفسه يولد التفاعل بينهم سواء في المجال الدراسي أو الديني و الاجتماعي، حيث يتجمع طلبة المنطقة نفسها ليتعاونوا فيما بينهم بالمساعدات و المساندات التي يقدمونها لبعضهم البعض سواء ماديا أو معنويا هذا الذى يفرضه انتماؤهم إلى نفس المنطقة و إن كان يدل هذا على شيء إنما يدل على التفكير القبلي الذى يعبر على الأصل التقليدي للطلبة.

ومن أهم أشكال التنشئة الاجتماعية داخل فضاء الحي الجامعي التنشئة الدينية التي تقوم بها المجموعة الدينية داخل الغرف، وهو نظام الأسر. يعتبر هذا النظام من أهم المناهج العملية في الجماعة الذى اتبعه الإخوان المسلمون في مصر وحتى حركة الإخوان في الجزائر التي تبنتها حركة مجتمع السلم. وأهمّ ما يشغل الأسرة واجتماعاتها حل مشاكل أفرادها ومدارسة كتب نافعة و تحقيق معنى الأخوة. تتكوّن الأسرة من عدد لا يتجاوز 7 أفراد ولكل أسرة نقيب يجمعها يسمّى المربى. وللأسرة برامجها المتدرجة في صعوبتها وشمولها وتأخذ بنظم التربية البدنية والعقلية والروحية ولها اجتماعاتها الأسبوعية والشهرية، إذ تعتبر الأسرة مدرسة يتعلم فيها الطلبة ويتربون تربية إسلامية، كما تعدّ سياجا يحفظ عليهم إيمانهم ويجنبهم أقران السوء  و مفاسد المجتمع كما رصد لنا الطلبة المنتمون لهذا النظام.

لكن الدخول إلى هذا النظام له شروط، حسب تصريح طالبة في الماجستير، تخصص رياضيات، فالاستقطاب نحو الأسر يتوجه أساسا نحو الطالبات اللواتي يبدين بعض التدين كالالتزام في اللباس والمواظبة على الصلاة أي أن تكون لديهنّ قابلية للدخول في هذا التنظيم.

بعد الدخول في الجماعة وبتفاعل مع الطلبة كالتعاون فيما بينهم والصلاة جماعة يكوّن الطلبة أسرة بديلة عن الأسرة الأصلية لأن هذا النظام يبنى على الجانب الانفعالي، فما يجمعهم ليس الدم وإنما هو العقيدة والإيديولوجيا. يوجد داخل الأسرة كل معاني السلطة حيث يخضع أعضاء الجماعة لمربي الأسرة بالطاعة و الالتزام بواجبها نحو الجماعة. من خلال الايديولوجيا داخل نظام الأسر يصبح الطلبة أكثر تحفظا ويعيشون نوعا من الأسطورة والوهم كأنهم النخبة وخيرة الشباب المسلم. ويبقى الطلبة تحت الرقابة حتى يتم التأكّد من حسن أخلاقهم وسيرتهم.

فغالبا ما تكون هذه الجماعة الدينية مرتبطة بالمصلى والاتحاد الطلابي حيث تواظب هذه الجماعة على حضور الحلقات في المصلى و على مواعيد الصلاة خاصة صلاة المغرب و العشاء و الفجر لديها برنامج يومي داخل المصلى:

السبت: بعد صلاة المغرب حلقة ذكر جماعة

الأحد: السيرة النبوية

الاثنين: حلقة أحكام تجويد

الثلاثاء: حفظ القران الكريم

الأربعاء: حلقة تفسير القرآن

وفي عطلة نهاية الأسبوع يذهب فيها الطلبة إلى منازلهم باستثناء الطلبة الذين يسكنون في مناطق بعيدة كولاية تيسمسيلت، البيض، أدرار فيبقون في الحي الجامعي.

أما خارج المصلى فتقوم هذه الجماعة الدينية بنشطات أخرى كاستضافة المشايخ و الفرق الإنشادية و إقامة المعارض داخل الحي، و تكثف هذه النشطات فترة المواسم الدينية كالاحتفال بمحرم و المولد النبوي الشريف.

يعد تجمع الأفراد حاجة بشرية لأن الإنسان لا يمكنه العيش خارج النسق الاجتماعي فهو يشكّل مجموعة من الروابط ولكن ما نلاحظه على الجماعة الدينية داخل الحي الجامعي، النظام العقائدي و الفكري له تأثير مهم وهذا ما ذهب إليه ماكس فيبر على العمل الجماعي أنه حصيلة الالتزام بنظام عقائدي خاص بجماعة دينية.

تتجلى قوة العلاقة بين الطلبة في اعتبار الأسرة التي تكوّنها هي بمثابة الأسرة الأصلية وهذا ما صرحت به إحدى الطالبات –سنة ثانية علم مكتبات- من ولاية بلعباس عندما سئلت إن كانت تذهب إلى منزلها في عطلة الأسبوع، فأجابت "أخواتى في الله هن أسرتي".

يقول الطلبة أن الجماعة انعكست عليهم إيجابيا حيث تحدّث أكثر من طالب وطالبة عن تجربتهم داخل الجماعة و مدى تأثيرها الإيجابي عليهم كالتزام باللباس الشرعي بالنسبة للفتيات بعد أن كنّ متبرجات و يسمعن الغناء. انعكس ذلك التأثير أيضا بالنسبة إليهم على التحصيل الدراسي، واستفادوا من الناحية النفسية والاجتماعية. تقول إحدى الحالات أنها كانت خجولة جدا لدرجة المرض لكن بدخولها الجماعة تخطت هذا المشكل أصبحت اجتماعية تتكلم مع الآخرين وأقامت علاقات مبنية على "المحبة في الله" فتخلصت من الوحدة والانطواء الذى كانت فيه واقتنعت بوجوب اجتماعية الفرد ليؤثر ويتفاعل في الوسط الذى يعيش فيه.

إن دراسة أي جماعة مهما كانت طبيعتها سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تجعلنا نتطرق إلى مفهوم السلطة فهي تحتوى على قائد يقوم بتوجيه الأفراد المندمجين داخلها. ويعتبر قائد الجماعة بمثابة مترجم البنية الاجتماعية، فالجماعة الدينية تجمع أفرادها على أساس شعوري و عاطفي قائم على المعتقد الديني. إنّ المجموعة الدينية داخل الحي الجامعي لها قائد وتسير وفق تنظيم كنظام الأسر الذى يقام داخل الغرف بكل سرية، يلتقي الطلبة أسبوعيا في نفس المكان مع رب الأسرة.

إذا تأملنا في دلالة كلمة "أسرة" لوجدناها في العمق تحاول أن تضع للطلبة مكانة داخل هذه الأسرة كفرد من أفرادها عوض الأسرة الأصلية، و هذا يخلق لدى الطلبة الشعور بالانتماء و الولاء لهذه الأسرة و هكذا تتم عملية الإدماج داخل الجماعة حيث يقوم رب الأسرة باحتواء أعضاءها من كل النواحي عاطفيا و ماديا بالاهتمام بمشاكلهم و الحرص دائما على مساعدتهم، خاصة وأنّ العاطفة التي تجمعهم دينية تتولد من خلال الممارسة الطقوسية جماعياً كالصيام الجماعي و قيام الليل. تخلق الجماعة نوعا من الانفعالية التي تكلم عنها فيبر في علم اجتماعه الديني حيث يقول-أن التجمع الديني غير منفصل في عملية مزدوجة للتنظيم و التمأسس. يعنى التنظيم التميز البارز للجماعة، و يستند التمأسس إلى مشروعية الطقوس والمعتقدات التي تجعل من المؤمنين أعضاء عائلة واحدة. وبهذا يكون الحي الجامعي مكانا تقام فيه عمليات التنشئة الاجتماعية.

الإيديـولوجـيا

تحمل الايديولوجيا مدلولات واسعة بالنسبة للأنثروبولوجيا إذ تحيل إلى  كل مظاهر النشاط والإنتاج الفكري والروحي في المجتمع. و تعني في  علم الاجتماع السياسي جملة الآراء والأفكار والتمثلات المرتبطة بسلطة سياسية1.

فالإيديولوجيا هنا هي تزويد المجتمع و الأفراد بهويتهم الجماعية المميزة، فهي تقدم للمجتمع صورة عن نفسه. يشهد الإسلام، كما هو معروف عملية أدلجة قوية، و يتمثل ذلك في أن يكون الإسلام دينا ودولة وهو التصور الذي يشكل المبدأ الأساسي للأيديولوجيا تتم التركيز فيها علي الجوانب الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية المتضمنة لنصوص دينية.

تأطرت الحركات الإسلامية في الجزائر و تكوّنت داخل الحي الجامعي   و بالضبط داخل نظام الأسر، الذي اعتبر مجالا أساسيا لترسيخ العقيدة كأيديولوجيا حيث تتمّ التعبئة بهيكل تنظيمي للحركة يضم قادة  ومنسقين و أعضاء مكاتب سنوضحها في التنظيم.

من خلال ما أسلفنا ذكره في فضاء الحي الجامعي حول النشاطات الدينية و الممارسة الطقوسية، يتضح لدينا بأن الإيديولوجيا قد انتقلت إلي الطلبة عن طريق انتشار وجداني أكثر منها عن طريق الاقتناع العقلي، حيث يرتبط الطلبة بالجماعة عن طريق العاطفة الدينية فنظام الأسرة حسب إفادة المبحوثين يبني علي عاطفة قوية جدا بين رب الأسرة و الأعضاء المنتمين، وتتم أدلجتهم وفق تنظيم و برنامج مسطر حيث تتم تدريجيا بعد استقطاب الطلبة و انتقائهم يتم إدخالهم في نظام الأسر. تكون المرحلة الأولى عبارة عن تهيئة و تربية روحية و يكون برنامج عادي يحوي الفقه، السيرة والتفسير. أما في المرحلة الثانية فيتعرّض الطلبة للفكر الإخواني ويعتمدون مثلا على  (مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن ألبنا، الطريق إلى القلوب لعباس السيسي، كتاب "دعاة لاقضاة" للهضيبي، بالإضافة إلى كتب الشيخ الغزالي و القرضاوي الذى تتميز بخطاب شمولية الدين)، حيث يرى كلّ هؤلاء أن الإسلام عام وشامل ينظم شؤون الحياة كلها. يقول حسن البنا: "الإسلام دين و دولة، عبادة وقيادة، مصحف و سيف، لاينفك أحدهما عن الآخر، الدين شيء والسياسة غيره دعوى نحاربها بكل سلاح".

 فالعقيدة هنا هي الايديولوجيا التي ترسخها الحركة فى الوسط الطلابي عن طريق استضافة مشايخ الحركة لإلقاء محاضرات داخل الحي الجامعي أو ينتقل الطلبة إلي بيت الشيخ ثم يساهموا في نشاطات الحركة.

التنظيم

هو جماعة منظمة من الناس لتحقيق هدف مشترك ليغيروا بعض أوجه أوضاعهم و قيل أنها تمثل شكلا متميزا للحركات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية و هذه الحركات تعمل بأربع أشكال[5]:

ـ الهدف

ـ القاعدة الاجتماعية

ـ وسائل التعبئة

ـ وسائل التنظيم

 يعود مفهوم التنظيم الاجتماعي إلى خاصية التمايز الداخلي في المجتمعات البشرية حيث يتم تنظيم المجموعة بمعزل عن اعتباره مجرد نفر بسيط من الأفراد و بشكل يسمح بتميّز الوحدات الاجتماعية الدائمة والمؤسّساتية التي تقوم فيما بينها علاقات خاضعة لتنظيم بنيوى و وظيفي على حد سواء.

تتميز الحركة الإسلامية في الجزائر بتنظيمها حيث لم يكن تنظيما جديدا في الأصل بل هو امتداد لتنظيم الإخوان في مصر، و في إطار الأممية الإسلامية و له تنظيم هيكلي محكم و له قادته. و من التنظيمات التي يعتمدها نظام الأسرة الذي يُقام في الأحياء الجامعية داخل الغرف حيث تعرض الطلبة داخل الحي إلي تنشئة اجتماعية و سياسية و دينية. تتمّ التنشئة وتسيّر من طرف هياكل وفق تنظيم يتم داخل الحي يتمثل أساسا فيما يسمى بالاتحاد الطلابي التابع لحزب سياسي هو حركة مجتمع السلم. يمثّل الاتحاد القناة التي من خلالها تتم تنشئة الطلبة عقائديا و سياسيا باعتبارهم شريحة معتبرة و متعلّمة تمثّل المستقبل. وتتكوّن الأسرة من 5 إلى 7 أفراد أعضاء ترأسها "أخت" أو "أخ" يطلق عليهما تسمية المربية أو المربي. تكون لقاءات الأسرة سرية وأسبوعية حيث يتم التأكيد على أعضاء الأسرة بالتحفّظ وعدم التكلّم عن هذا النظام أمام الطلبة. صرح أحد قادة الحركة الإخوانية أن "ما يميز تنظيم الحركة بالجزائر أنها سرية التنظيم و جهرية الدعوة".

استراتيجية الانخراط

1. الاستقطاب

يكون الاستقطاب إلى نظام الأسر اتجاه طلبة السنة الأولى ممن له قابلية للدخول في الجماعة. أما التركيز على الطلبة الجدد لأنهم يكونون حديثي التنقل الى المدينة خاصة اللذين يأتون من مناطق ريفية حيث يدخل الطلبة داخل الجماعة الدينية و تعتبر هذه المرحلة مرحلة اختبار سلوكهم وانضباطهم و بناءا عليه يتم إدخالهم في نظام الأسر كما أن هناك طلبة تكون في الوسط العائلي لأنهم أبناء وبنات قيادات في الحركة يدخلون مباشرة في نظام الأسر.

2. المرحلة الأولى

يحاول مسؤول الأسرة الاقتراب من أعضاء الأسرة حيث يتعرّف على كل شيء ويحاول ملء فراغ الدفء العائلي. يتناول الطلبة في هذه المرحلة برنامجا عاديا يضم دروس تزكية و فقه و سيرة،ثم يقوم المربي بوضع شعار لأسرتها مثلا الطلبة المبحوثون الذين كانوا في نظام الأسر كان شعار أسرتهم ـ باسمك نحيا ـ

وأهم التغيرات التي تطرأ علي الطالبة مثلا الحجاب الشرعي، والذي يتكون من قطعتين – جلابة بكل شروطها إضافة إلى خمار طويل – . تتسم المرحلة الأولى بأنها عبارة عن ضبط و توجيه تربويين لتنتقل الطالبة إلي المرحلة الثانية حسب خضوعها التام و انضباطها داخل الحي كالمواظبة على أداء الصلاة في المصلى مثلا إضافة إلى فعاليتها في النشاطات وحسن سلوكها و أخلاقها.

3. المرحلة الثانية

تعاد كتابة القوائم لأعضاء هذه المرحلة و فيها يدرس الطلبة عن فكر الإخوان المسلمين حيث يعتمدون على كتب مبرمجة من طرف الحركة أي حركة المجتمع والسلم التي تصل إلي الطلبة عن طريق تنظيم في المركز الولائي للحركة. يوجد داخل الهيكلة التنظيمية لأمانة الطلبة مسؤول للتربية. يتغير هذا الأخير إذا ما تخرّج من الجامعة  و هو يتحكم في جميع "إقليم وهران"، ويكون الاتصال بهذا الشخص عن طريق أخ كبير في الحي الجامعي تتجاوز مرتبته التنظيمية المربين فهو صلة وصل بين الأمين العام للطلبة والطلبة اللذين يترأسون الأسر. وفي هذه المرحلة يصبح الطالب ناشطا في الأطر الرسمية للحركة كالجمعيات والنوادي الثقافية فمثلا عند قدوم رئيس الحركة بوهران يأخذ الطلبة ليحضُروا من أجل تحسيسهم بأنها مهمة بحيث يشعر الطالب بانتمائه للحركة. كما تتم استضافة المشايخ من الحركة ومن خلال كل هذا يعي الطالب أن الأمور تسير وفق تنظيم تابع للحركة حتى آخر هذه المرحلة حيث يقوم المربي بإخبار أعضاء أسرته بأنهم تنظيم موالي لحركة مجتمع السلم "الإخوانية العقيدة".

هناك من يرفض ذلك الانتماء خوفا من أهله كالطالب الذي يشتغل والده في أجهزة الأمن و الشرطة، وهناك من يتقبل الأمر. تقول طالبة كانت مربية أسرة في المرحلة الثانية: "كنت عضو مكتب وكانوا يُحضِرونني لأصبح رئيسة لجنة المصلى، فكانوا يولونني اهتماما كبيرا ويُشعِرونني بأنني مميزة من أجل أن أعمل أكثر فأكثر. بعدما وصلت إلى المرحلة الثانية ترقَّيت في السلم فأصبحت أنا بدوري ربة أسرة".

وهكذا نستخلص أن نظام الأسر هو مموّل بشري لهذه الهياكل و هذه الأطر حيث يمكن أن نستنتج أهدافه التالية:

  • تكريس و إعادة إنتاج إيديولوجيا من أجل أن يكون لها حاملون.
  • إيجاد مناضلين مثقفين كفاعلين سياسيين و إيديولوجيين مدنيين.
  • إنتاج الكوادر داخل الحركة السياسية أي حزب مجتمع السلم أو في أجنحته المدنية كجمعية الإرشاد والإصلاح و النوادي المختلفة.

يتميز طلبة المجموعة الدينية "الإخوانية" داخل الحي الجامعي عن باقي الطلبة المقيمين في السلوك المتميّز وطريقة لبس الحجاب بالنسبة للطالبات. فالطالبات يرتدين تقريبا نفس شكل الحجاب الذي يتكوّن من خمار طويل وجلابة حيث تعتبر طالبات المجموعة الدينية أن هذا اللباس شرعي ويرفضن أي نوع آخر من الحجاب كالجلابات التي تتكون من قطعة واحدة من الرأس إلي الأسفل حيث تقول إحدى الطالبات أنه "حجاب فيه زيادة".

عندما سألنا المبحوثين عن مرجعيتهم الدينية كانت إجاباتهم كلها عن أسماء عدد المشايخ كعمر عبد الكافي، طارق السويدان وعمرو خالد. يتّضح ذلك أيضا من خلال ما تحتويه المكتبة الخاصة بالمصلي، حيث نجد سلسلة لكل هؤلاء المشايخ كسلسلة "الوعد الحق" لعمر عبد الكافي و سلسلة "باسمك نحيا" لعمرو خالد.

يرجع ذلك إلى دور القنوات الإعلامية وتأثيرها علي توجّهات الناس نظرا لاقتران الصورة بالصورة و قدرة الشيخ الداعية علي إيصال رسالة لجميع المجتمع، فما يميز هؤلاء الدعاة بساطة الأسلوب في إيصال المعلومة.

يتضح من خلال مقابلاتنا مع الطلبة أنّ المرجعية الدينية التي يعتمدونها لا تتأسّس على القراءة بقدر ما تعتمد على المتابعة التلفزيونية لمحاضرات مخصصة لهؤلاء المشايخ إذ يري الطلبة أنّ هؤلاء "دعاة معقولون" فيتابعون كل ما يقولون في أمور عديدة كالحجاب إضافة إلى الموقف من تعليم المرأة   وعملها.

كان الحي الجامعي تاريخيا الفضاء الخصب الذي نشأت فيه إيديولوجيا الإسلام السياسي، وتكوّنت فيه كوادر الحركة الإسلامية في الجزائر بالخصوص، وتهيكل تنظيمها ونظام أسرها وأساليب الاستقطاب والتجنيد والتنشئة الدينية والبناء الإيديولوجي لديها. كان البدء مع نظام المجموعة السرية أو الجماعة الدينية في نهاية السبعينات، وتحوّل مع الانفتاح السياسي بعد سنة 1988 إلى أطر تنظيمية، سياسية، رسمية، علنية ومدنية تمثلت في حزب حركة مجتمع السلم وجمعية الإرشاد والإصلاح الوطنية وغيرها من الجمعيات المنضوية تحتها، ثمّ كانت التنظيمات الطلابية القوية ممثّلة في الاتحاد الطلابي الحر الموجود في كل الجامعات وأحيائها.

كل هذه الأطر والصيغ الحديثة لعمل الإسلام السياسي في وضعها الحالي ترتكز دائما على نظام التنشئة لدى الجماعة ونظام الأسر المؤسّس له. يعدّ هذا النظام العصب والمنتج للأتباع والكوادر والإيديولوجيا كما يعيد إنتاج كل هذه الأشكال.

في المدة الأخيرة ومن خلال متابعتنا لواقع هذه المجموعة الدينية في الأحياء الجامعية، ونظرا لما يعيشه الإطار السياسي لها الممثل في حركة مجتمع السلم من تصدع وانقسامات وصراع أجنحة، انعكس هذا على نظام الأسر للجماعة وشهد هو نفسه انقساما. لقد ظهرت نظم للأسر مختلفة، كل نظام موالي لجناح سياسي من الأجنحة المتصدعة. عندما يتجاوز الواقع التنظيمات الإيديولوجية تنتقل هذه التنظيمات إلى التفتيت.

قائمة المراجع

الكنز، علي، حول الأزمة : خمس دراسات حول الجزائر والعالم العربي، الجزائر : دار يوشان، 1989.

الهرماسي، محمد،مقاربة في إشكالية الهوية المغرب العربي، بيروت: دار الفكر المعاصر.

Bourdieu, P., Sociologie de l’Algérie, Paris, Puf.

Boudon, R., Bonne raison, Paris, Puf, 2003.

Boudon, R. (dir.), Dictionnaire de la pensée sociologique, Paris.


الهامش

[1] Colonna, Fanny, Les versets de l’invincibilité, permanence et changement religieux dans l’Algérie contemporaine, Paris, presses de sciences po, 1995, p.19.

[2] الدين في المجتمع العربي، عمل جماعي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية ط1، 1990، ص.32.

[3] علي كنز حول الأزمة 5دراسات حول الجزائر والعالم العربي، الجزائر، دار يوشان،1989، ص.62 و أيضا الهرماسي محمد، مقاربة في إشكالية الهوية المغرب العربي، دار الفكر المعاصر، ط1،2001 ص.48 و Bourdieu, Pierre, Sociologie de l’Algérie, Paris, Puf, p.97. 

[4] Boudon, Raymond, Bonne raison, Paris, Puf, 2003, p.19

[5] Dictionnaire de la pensée sociologique, Boudon, Raymond (dir), Paris, 2005, p.517