Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 24، 2012، ص. 5-18 | النص الكامل 


 

 

محمد مرزوق

 

 

غالبا ما  كان يتم الخلط في تسعينيات القرن الماضي، بين الهوية الدينية للشباب والالتزام الحزبي ونشاط الاحتجاج، وهو ما اتضح من خلال انضمامهم للجبهة الاسلامية للإنقاذ التي كانت آنذاك في تمرد ضد السلطة. ومنذ ذلك الحين، حدث تجديد في الأجيال وتطور ملحوظ في الوضعية السوسيوسياسية أدى إلى تراجع النشاط الإسلاموي. فهل يعني عدم الإنتساب إلى صيغ ومواضيع التعبئة الدينية المتشددة كسوفا وتراجعا لأي شكل من أشكال التدين الحركي في أوساط الشباب اليوم؟ وإذا كانت أشكال الهوية الدينية بين الشباب لم تعد ترتكز على النشاط الحزبي، فإلى أي نوع من عمليات التحديد تخضع الآن؟ إن فهم المنطق الذي يحكم السلوك الديني والهوية الدينية اليوم عند الشباب هو الهدف الذي تم على أساسه اقتراح هذه الدراسة التي أنجزت بين عامي2007 و 2009. ويتعلق الأمر بمقاربة ميدانية استهدفت على وجه التحديد الشباب الجامعي. تم هذا الخيار لسببين وجيهين. يتعلق الأول بالدور الرائد الذي قامت به مجموعات الطلاب في ظهور الأشكال الجديدة لتحديد الهوية الدينية. تمكنت الإسلاموية من تجنيد أتباعها الأوائل والذين كانوا من هذه الفئة من الشباب في الجزائر. ففي وهران، على سبيل المثال، ثبت أن الدعاة الإسلامويين الأوائل كانوا قد قدموا في الغالب من جامعة السانيا. و يعتبر الشباب شريحة من شرائح المجتمع الأكثر تقبلا للتغيرات الدينية، وبالتالي فإن طلبة الجامعة يمثلون وسط مفضل لدراسة الأشكال الجديدة من التدين التي تحاول أن تستثمر في المجال الاجتماعي في الجزائر. ويرجع السبب الثاني في اختيار هذه الفئة من المبحوثين الذين شملهم الاستطلاع، لكون الطلبة فئة خاصة من الشباب يمتلكون رأسمال ثقافي يفترض أن يجعل منهم نخبة في الوسط الشباني. ويقعون بذلك، في قلب الرهانات السياسية والإيديولوجية ولكونهم يمثلون مجموعة عمرية ذات أهمية استراتيجية من الناحية الاجتماعية. يتضح ذلك من الأهمية التي توليها التنظيمات الإسلاموية العاملة في الساحة الجامعية. فهم هدف مفضل بالنسبة لنشطاء التيار الاسلاموي، لذا فإن طلبة الجامعة يعتبرون بيئة ملاحظة وبحث مفضلين ضمن السياق الذي يتطور فيه التأثير الديني في الجزائر. ولأغراض التحقيق والبحث فقد تم استخدام ثلاثة تقنيات بحثية : الاستبيان، والمقابلة والملاحظة بالمشاركة. إن محاولة قياس التدين عند الطلبة هو الهدف من التحقيق الذي أجري عن طريق الاستبيان. وبغرض إيجاد عينة تمثيلية بالقدر الممكن، فقد تم اختيار العينيات وفق اعتبارين. يتعلق الأول بحجم العينة، إذ  تم انجاز التحقيق ضمن نطاق واسع في الوسط الطلابي بحسب الموارد المتاحة لتحقيق ذلك، حيث شملت العينة خمسمائة طالب تم إجراء مقابلات معهم. عملنا على أن تكون العينة المختارة  متنوعة بقدر الإمكان، وهذا ما يفسر اختيارنا لطريقة العينة العشوائية لتمرير أسئلة الاستبيان واختيارنا كذلك لمكان التحقيق : المكتبة البلدية في وهران، المكان الذي يستقطب الطلبة بكثافة من جميع التخصصات ومن جميع الكليات والأقسام في المدينة. وقد استكمل هذا المسح الكمي عن طريق مقاربة كيفية تستند إلى مجموعة من المقابلات مع عينة إضافية فرعية من ثلاثين طالبا. استخدمت شهادتهم التي استغرقت 35 ساعة من المقابلات بهدف تحليل مسار حياتهم الاجتماعية، ولكن على الخصوص لفهم المعنى والمضمون الذي له صلة بالدين بصفة فردية. خلصت التحقيقات الأولية إلى وجود قوي للتجمعات الإسلاموية على مستوى الأحياء الجامعية، وعلى هذا الأساس تم استخدام تقنية ثالثة في البحث وهي الملاحظة الامبريقية الكيفية. فقد ركزنا من خلال هذا العمل على تسجيل و رصد ممارسات التجنيد والتأطير الديني. قادتنا النتيجة المستخلصة من الاختيارات المنهجية إلي معاينة أولية هامة تتمثل في الاثباتات التالية: وجود ممارسة واسعة النطاق للدين من قبل الطلاب.

يعتبر احترام الشعائر الدينية في الإسلام، بمثابة معيار للمؤمن المخلص وعلى هذا الأساس يمكن الاعتماد عليه كمؤشر ذو صلة بالتدين في علم اجتماع الإسلام، و من بين هذه الشعائر التي يوجبها الدين الإسلامي يبرز الالتزام الشخصي الديني بالصلاة. لمّا سئل الطلبة الذين شملهم الاستطلاع عن الأهمية التي يعلقونها على طقوس الصلاة : أجاب 94 ٪ منهم بأنهم يمارسون الصلاة بشكل منتظم. وإذا قبلنا افتراضا، بأن العلاقة بالدين علاقة تبنى اجتماعيا، فإن هذه النسبة تبدو معقولة تماما. انها تستمد مصداقيتها من السياق العام الديني الذي تطور منذ تسعينيات القرن الماضي ومع تنامي قوة الإسلامويين. يظهر أن  ديناميات الأسلمة التي انطلقت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تستنفذ رغم توقفها عن النشاط السياسي. يبدو أن الانبثاق الذي تسببت فيه الاسلاموية أثار سيرورة تنتقل من جيل إلى آخر، وساهم إلى حد كبير في تكثيف المعتقد الديني في المجتمع. وإذا حاولنا فهم ذلك من خلال الصيغة الفيبرية، فان هذه الفرضية تؤكد على أنه بعد أن كان الفيس حزبا كاريزميا، تحول في نهاية المطاف إلى عملية روتينية اجتماعيا (routinisation) من حيث أنه ترك ميراثا من التدين السطحي والمنتشر اجتماعيا، نجد جذوره العميقة في الذهنيات و الممارسات اليومية الأكثر شيوعا. وتتميز هذه السطحية في انتشار الرموز الدينية في كافة مجالات الحياة الخاصة والعامة على السواء. فمن الناذر حاليا أن لا نجد الشركات التجارية التي لا ترحب بزبائنها دون شرائط تسجيل أو إذاعة القرآن الكريم أو من دون الجداريات الدينية. وظهرت المساجد في كل مكان خارج أي منطق يتعلق بالتهيئة المكانية، وانتشر كذلك اللباس الإسلامي، حتى و إن برز ذلك بشكل كبير لدى النساء أكثر منه عند الرجال. فانتشار ممارسة الصلاة لدى الطلاب الذين شملهم الاستطلاع لا يفسر إلا من خلال هذا السياق، والمتميز بالحضور المتعدد للرموز الدينية، تذكر الجميع باعتقاده وإبلاغه بضرورة احترام الواجب بالطقوس المفروضة عليه. يشارك في هذا السياق الذي يحث على الالتزام الديني، كل من الإدارة السياسية للإسلام من قبل سلطة الدولة. وهذا المساق الذي يتمثل في إعادة إدخال الدين بشكل تسلطي في الحياة العامة هو أشبه بعملية مضادة للعلمنة. فتحت غطاء "المصالحة الوطنية"، لم تتوقف عن تقديمها لولائها للدين بالنسبة للإسلاميين المعارضين عن طريق إبراز علامات الولاء المؤسسي مثل الدعوة إلى الصلاة في وسائل الإعلام السمعية والبصرية أو من خلال تحدي المعارضين حول الرموز الدينية ببناء أكبر مسجد في إفريقيا بالجزائر العاصمة. و يعد إدراج التعليم الديني في المدارس عاملا آخر يعرض الشباب إلى الحساسية الدينية. وسوف يسهم في إنتاج نمط من التفكير عند المتمدرسين يؤدي بهم إلى تفسير الواقع على أساس نموذج واحد تم إعداده مسبقا: الإسلام. و من الواضح أنه منذ مرحلة الطفولة المبكرة إلى المدرسة، فإن شباب الجيل الجديد سيجدون الدين متضمنا في عاداتهم واستعداداتهم كنظام مهيمن في تمثلاتهم للعالم. وبتنشئتهم تحت راية الدين، فإنهم لن يدركوا معالمهم إلا في إطار الإسلام.

واعترف الطلاب الذين شملهم الاستطلاع بمسؤولية الوالدين في بداية ممارساتهم الدينية والتي بدأت في وقت مبكر، بالمتوسط في سن العاشرة (10سنوات). لكن العلاقة مع الآباء والأمهات ستضعف نتيجة طول فترة الدراسة، فمن خارج إطار المرجعية الأسرية سيحاول الطلبة البحث عن العناصر التي تمكنهم من بناء هويتهم الدينية. وهذا التغيير يعمل على تسهيله انضمامهم واندماجهم في فضاء أوسع من المرجعيات، على إثر تطور سوق جديدة للخدمات الدينية. فقد تعدد العرض الديني وتضاعف مع ظهور تكنولوجيات الاتصال الجديدة (الأقمار الصناعية والإنترنت والأشرطة السمعية والفيديو). وهكذا، ولتلبية حاجتهم إلى معرفة الإسلام أجاب 71.80٪ من الطلاب الذين شملهم الاستطلاع بأنهم تابعوا البرامج الدينية التي تبثها القنوات الفضائية، مع عدم استبعاد استخدام وسائل الإعلام الأخرى في الوقت ذاته:فلقد اجاب 69.80٪ منهم بأنهم يقرأون الكتب و18.60٪ يستخدمون مواقع الانترنت الإسلامية. وهو ما نشاهده من خلال عولمة شبكات الاتصالات، فالطلاب يميلون الى القيام بعملية التنشئة الاجتماعية الدينية ذاتيا، هذه الأخيرة لا تتم إذن من خلال القنوات العائلية أو المؤسسية، بل من خلال وسائل الإعلام الحديثة والمعلوماتية.

إن الاندماج الديني القوي لطلبة الجامعات حسب هذا البحث يكشف مجموعة من الحقائق، أكثر أهمية : استبدال شباب الجيل الجديد للمالكية بالحنبلية كمرجعية مذهبية. هذا التحول العقائدي يدل على هيمنة الخطاب الإسلاموي اليوم على أجيال المستقبل. فاختزال أهمية الإسلام في الاحتجاج السياسي، يميل إلى حجب هدفه الأساسي المتمثل في الطهورية الدينية. ندرج هذا ضمن التقليد الحنبلي، الذي تهدف خطته الكبرى في إعادة الإسلام إلى نقائه الأصلي، حيث يقوم بحملات ضد كل أشكال العبادة التي يعتبرها هرطقة، فلم يتوقف عن إدانة عبادة الأولياء والطقوس الصوفية، وجميع الممارسات المرتبطة بالمالكية كمذهب مهيمن تاريخيا في الجزائر، لينتهي بتأقلمه حاليا. وإذا اعتمدنا على بيانات المسح الذي تم إجراؤه، فإزاحة المذهب المالكي الذي استمر، منذ قرون، كشكل معتاد لتحديد الهوية الدينية في الجزائر، لم يكن دون تأثير. فقد أجاب91 ٪ من الطلبة الذي شملهم الاستطلاع بأنهم ينبذون ظاهرة المرابطية، وأجاب68.8 ٪ بأنهم ينبذون الطرقية على اعتبار أنها بدع دينية مذمومة.

وبالإضافة إلى الأثر الذي تتركه الحنبلية، فإن الجيل الحالي للطلبة يميل إلى تبني موقف متراجع فيما يتعلق بالنشاط الديني الحركي. وهكذا أعرب83 ٪ من الطلاب الذين شملهم الاستطلاع بأنه لا تربطهم صلة بأي منظمة سياسية أو نقابية. وبدلا من الانخراط النضالي، فإن معظم الطلبة يميلون إلى تفضيل نوع من الممارسة الدينية قائم على الفردية. و يتم التعبير عن هذه العلاقة الشخصية بالإيمان والعقيدة ضمن اتجاهين. بالنسبة لبعض الطلاب لا يعدو التدين أكثر من طقوس التزام rituel، منه كاعتقاد بمضمون من الإيمان. فالامتثال لقواعد الإسلام يبدو بأنه هو النتيجة وذلك راجع إلى الضغوط الاجتماعية أكثر منه كالتزام واع ومقصود بعقيدة دينية. وبعيدا عن أي ادعاءات لاهوتية، فإن المعرفة الدينية عندهم، تأخذ صفة غير ممنهجة، يتلقى بعض السور والأحاديث والحكايات الوعظية والتي يحفظها في عدة ظروف ومناسبات (مناقشة مع الأقران، استماع إلى خطبة يوم الجمعة في مسجد، أو إلى البرامج الدينية المعروضة في الراديو أو التلفزيون)، وكون المرء مسلما يعني عندهم، قبل كل شيء الامتثال للرموز الطقوسية. أما بالنسبة للبقية، فالإيمان يظل مسألة ترتيبات شخصية مع المعايير الدينية. وباختصار، يتعلق الأمر بمجموعة من الطلبة يرون بأن احترام الشعائر الدينية لا يقل أهمية عن الحرص على تحقيق الذات في شبابهم. و بالمقابل، لا يمنعون أنفسهم من الانخراط في ثقافة عالمية للشباب، لا يرفضون استخدام الماركات الأجنبية وتقليد لباس الشباب الأوروبي ومشاركة أذواقهم الموسيقية. فشكل التدين الذي يعلنون عنه يبدو غير متشدد إن لم يكن نوعا من التدين المتراخي. وكمثال لهذه العلاقة المتسيبة جدا مع الإيمان قصة ذلك الطالب الذي يؤكد على إسلامه الحقيقي، لكنه يكرس وقت فراغه في استماع موسيقى الراي ويبحث عن علاقات الحب حسبما اتفق، رغم الموقف غير المتسامح للدين بشأن هذه المسائل، ومع ذلك فاعتقاده لا يزال قويا بأن سلوكه لا يشكل انتهاكا لمدونة قواعد السلوك الديني، مقتنعا بان العبادة التي يقدمها لله، تكمن في الوفاء بالصلاة اليومية و تمثل شهادة كافية لالتزامه تجاه العقيدة. وعند طلبة آخرين، فالممارسة الفردية للدين مرغوب فيها، وفي المقابل، تبدو هذه الممارسة أكثر احتراما للقواعد الدينية المنصوص عليها رسميا، ومهمة كذلك إزاء مشروعية السلوك الديني الفردي، لذا فهي تتخذ مرجعيتها من الوجوه الجديدة للسلطة الدينية مثل عمرو خالد، عمر عبد الكافي، طارق السويدان. فخطبهم على شاشة التلفزيون، تحظى بمتابعة واسعة في الجزائر، كما أن كتاباتهم، تتجنب الخطاب النضالي وتؤكد على الاحترام الفردي للمعايير الدينية. وباستشهادهم بالعديد من الاقتباسات القرآنية والحديث وبأمثلة مستخلصة وملهمة من سير الأولياء والصالحين المسلمين، ولكن خطابهم يسجل قطيعة مع أساليب الإدانة بالذنب والذي نجده كخطاب معتاد عند الدعاة الاسلامويين، كما أن خطاباتهم التي تتعامل مع الموضوعات اللاهوتية فضلا عن الموضوعات الدنيوية، و العديد من القضايا اليومية والتي تهم الحياة الزوجية، وكيفية التخلص من التعاسة، وكيف يصبح المؤمن سعيدا ويؤمن بحظه من الحياة، فهناك كثير من المواضيع التي تجعل من المسؤولية الفردية ذات دلالة في التدين. فهل يعني الانتقال إلى أشكال من الحياة الدينية الشخصية على النحو المبين في هذه الدراسة الاستقصائية، ظهورا للفردوية الدينية في الجزائر، كما تميل إلى ذلك بعض الكتابات التي تقترح ذلك؟ وللإجابة على ذلك فانه يتطلب التذكير بأن الفردوية الدينية l’individualisme religieux  لا معنى لها إذا كانت تساهم في سياق حيث يفقد الدين فيه احتكاره لإنتاج المعنى، وتقود كل فرد لأن يعطي لنفسه معنى لما يفعله ولما هي عليه حياته العامة. وهذه الخطوة غائبة تماما عند الطلبة الذين شملهم الاستطلاع فتمسكهم بالدين لا يبدو على الإطلاق على أنه تأكيد على الذاتية الفردية عندهم، وبعبارة أخرى، بوصفه نتاجا لحرية الاختيار والتفكير، فتدينهم تم تحديده سلفا لأنه نتيجة لاستيعاب قواعد المجتمع باعتبارها قواعد ملزمة. فمن خلال المقابلات مع عينة من الطلبة، هناك تغيير وحيد تدل عليه: هو تحرر الشباب في التقاليد الدينية الموروثة من الأجيال السابقة. فعلى عكس هذه الأجيال، أصبحت الأجيال الجديدة من الطلبة تستمد مرجعيتها من تيارات عقائدية أخرى ومذاهب في التفسير الديني بخلاف المذهب المالكي. ومع ذلك، فإنها لا تخرج عن النظام العام للمعتقد. بل على العكس، فانفتاحها على مذاهب أخرى هو ما يسمح لهم بالعودة إلى عقائد الإيمان. ويمكن الحديث عن وجود نوع من التخلي عن التقاليد "بمعنى أن الشباب لم يعد يعترف بالنماذج الدينية التي نقلتها الأجيال السابقة. ومع ذلك، فإنها لا تشكل قطيعة مع الاعتقاد الأساسي الذي يستمد منه النموذج الجديد معناه. كما أثبت الدراسة المسحية حقيقة أخرى :فعلى الرغم من أن النضالية الدينية أصبحت أقل انتشارا بين الطلبة بالمقارنة مع التسعينيات، مع ذلك فهي مستمرة في نشاطاتها، ولكن على هامش الجامعة، في الاقامات الجامعية التي تحولت إلى فضاء فعلي للتنشئة الإسلاموية. تحتوي مدينة وهران على خمسة عشر إقامة جامعية.يتنافس فيها تنظيمان للإسلاموية على الزعامة الدينية. أحدهما، وهو التنظيم الغالب، هو المتعلق بالتنظيم التابع لحمس (حركة مجتمع السلم)، الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين : وهو تنظيم تمتد قبضته الايديولوجية إلى القسم الأعظم من الأحياء الجامعية. وهناك حيان جامعيان يخرجان عن نطاق سيطرته، حيث تمكن السلفيون في وقت قريب، من الاستيلاء عليهما. ولفترة طويلة، تم منع السلفيين من النشاط بسبب دعمهم "للجهاديين" ولكن منذ أن كف النظام السعودي الوهابي، الذي يقتربون منه إيديولوجيا، عن تدعيم الحركات الإسلامية الراديكالية، فإنهم امتنعوا عن أي انتقاد للسلطة، ولا ينشطون إلا في الإطار الديني. فإقصاؤهم للأنشطة الدينية من مجالات عملهم، جعلهم يستفيدون من التأييد الضمني للسلطات العامة.

إن الصراع على النفوذ داخل الأحياء الجامعية بين حمس والسلفين يحتدم. ففي عام 2003، شهد الحي الجامعي زدور ابراهيم مواجهة كبيرة بين الطرفين المتصارعين. وكان موضوع الصراع يدور حول السيطرة على قاعة الصلاة الموجودة في الحي الجامعي. وقد افتتحت هذه الإقامة حديثا، و قد سعى كل من "حمس"، والسلفيون لاحتلال الصدارة في مكان العبادة. وقد كان رهان العملية يتخذ أبعادا رمزية بالنسبة للجماعة الإسلامية الأولى والثانية على حد سواء، فالأمر لا يتعلق فقط بالسيطرة على مكان يعتبر مقدسا، لكن التموقع في موضع قوة في التعامل مع السلطة الإدارية للحي الجامعي. و بالنسبة لحمس "كما بالنسبة للسلفيين، يمثل الاستيلاء على قاعة الصلاة استعراضا للقوة يهدف أساسا إلى إظهار تأثير التنظيم على طلبة الحي الجامعي الجديد. هذا النمط من العمل والمتمثل في السيطرة على قاعات الصلاة يهدف لإظهار قوة التعبئة لدى التنظيم، أنتشر مفعوله في كل الأحياء الجامعية. فقد سمح هذا "لحمس"، كما للسلفية بان يفرضوا أنفسهم كشركاء فعليين في إدارة هذه الأحياء الجامعية. حيث من المفترض تحديدا أن ينصب اهتمامهم على التنشيط العلمي والثقافي، لذا فقد تمكنوا من تحويل الأحياء الجامعية إلى معاقل مكرسة للدين على وجه الحصر. فكل الأنشطة التي يقومون بها تدور حول موضوع واحد : الاسلام، و كذلك الكتب التي تحتويها مكتبات الحي، والمؤتمرات التي تعقد هناك، والملصقات التي تلصق على الجدران على نطاق واسع، كلها تدور حول الموضوع ذاته.

هذا يعني أن القبضة الإيديولوجية التي يمارسها السلفيون وحماس على الأحياء الجامعية ليست راجعة إلى فعالية خطابهم بقدر ما هي راجعة إلى نشاطهم التعبوي الذي يحظى بحضور كلي. لا يفلت من سيطرتهم أي شيء، وخصوصا حياة مجموعة الطلاب والتي أصبحت مكانا متميزا للتعبير. فالتنشئة الاجتماعية الطلابية، في الواقع، لها من الخصوصية بحيث ليست دعامة للمحيط الجامعي أين ينشأ الطلبة كمجرد مستهلكين للدراسة. فالحياة الطلابية لا تنتشر في المدينة لأن أنشطة الترفيه والتسلية والثقافة الخاصة بفئتهم العمرية غائبة تقريبا. لذا فالحياة الطلابية تؤكد على نفسها في الأحياء الجامعية. فهي أماكن للتجمع المنظم والموسع للطلبة، كما تشجع الأحياء الجامعية على حياة المجموعة والأنشطة الجماعية. فمن خلال طرق هذه التنشئة الطلابية، استطاعت المجموعات الإسلاموية من تحقيق جذب قسم هام من الطلبة من خلال تطويرها لاستراتيجية حقيقية للتجنيد.

لوحظ خلال هذه الدراسة، بأن هدف المجموعات الاسلاموية المفضل يبقى الطلبة الجدد الذين يلتحقون بالجامعة للمرة الأولى نظرا لكونهم محرومين من المتابعة الأسرية ومواجهة بيئة جديدة، حيث سيختبرون ظروفا من العزلة وعدم الأهمية. وحالما يتم التعرف عليهم، من قبل الطلاب الاسلامويين يقتربون منهم، ويعرضون عليهم المساعدة. فاستنادا إلى هذا النوع من الاقتراب الودي، فإن هذا الدعم يمكن أن يكون دعما ماديا أو معنويا. وإذا كان الدعم يمكن أن يزيل عنهم العزلة العاطفية والاجتماعية، فإن هذه المساعدة الممنوحة لها مقابل: إنه الانخراط في حياة مجموعة على أساس الالتزام بالقضية. وتتم عملية التجنيد هذه بشكل منهجي ومنظم في الأحياء الجامعية من قبل حماس والسلفية على حد سواء. و ينبغي هنا التوقف عند مسألة تشابه العملية عند الطرفين، لان الطرفين يختلفان حول مسألة أساسية تكمن في الحاجة إلى التزام سياسي لصالح المشروع الإسلاموي. فبينما تلتزم حماس بواجب يمليه مبدأ "من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"،  فإن السلفيون لهم وجهة نظر معاكسة: "من حسن السياسة اليوم التخلي عن السياسة"، وهذا يعني عندهم، إن الدفاع عن القضية الإسلامية يقتصر على الوعظ وحده. ولذلك فبخلاف السلفيين الذين يقدمون أنفسهم على أنهم مجموعة تبشيرية دعوية، فإن حركة حماس، تدعو إلى العمل السياسي باعتباره واجبا دينيا، عن طريق نشر نشاطات متعددة الأوجه، حزبية، نقابية وجمعوية. وهي حريصة على بسط نفوذها على جميع الأوساط، ضمن مسلك براغماتي، بتجنبها الخوض في المسائل الاعتقادية. ولذا فإن ارتداء زي ديني مميز ليس واجبا دينيا عندهم. وهو السبب الذي يجعل الطلاب الذين ينتمون إليها يتجنبون التميز في اللباس على العكس نظرائهم السلفيين، الذين يظهرون هويتهم الاسلاموية إلى العلن عن طريق اللباس والمظهر بعرض الرموز الدينية المميزة في اللباس والجسد، حيث يمكن التعرف عليهم بسهولة من خلال لحاهم الطويلة والسترات والسراويل القصيرة. إن الانتماء الحزبي للطلبة الإسلامويين لا يحدد الملابس التي يرتدونها فقط، بل أيضا مضمون التزامهم الديني. يطغى عند الطلبة السلفيين، البحث عن تدين نقي يشير إلى انتماء عقائدي كلي للدين. ويسود عند نظرائهم من حماس نمط من الالتزام الديني يبدو منه الانتماء إلى مسار من النفعية وهو ما تشير إليه العديد من المؤشرات. فمنظمة UGEL (الاتحاد العام الطلابي الحر) بمثابة حزام لربط حركة حمس في الأحياء الجامعية. وعندما يتمعن المرء، عن كثب في المكون الاجتماعي للتجنيد عند هذا التنظيم الطلابي، فهناك تفاصيل لا تخلو من مفاجأة: و تتمثل في الأصل الجغرافي المشترك للطلبة الذين ينشطون تحت لوائه. فهم في الغالب من ولاية ادرار. فبالإضافة إلى انتمائهم للمنطقة نفسها، هم كذلك ينتمون إلى نفس الشريحة السكانية في منطقة أدرار (الحراطين)، وهم سكان من الجنوب الجزائري يعتبرون من الشرائح الدنيا. فهناك الكثير من البيانات التي تدعم الفرضية حول وجود صلة بين هذه المجموعة وانجذابها نحو حماس. ففي جميع الاحتمالات، هناك رفض للهوية السلبية التي ورثوها جماعيا، وقد وجدوا أنه من المفيد الاندماج في هذا التنظيم لأن ذلك سيكسبهم سحر ومكانة هوياتية. ومثل أي حزب سياسي، تكافئ حماس المناضلين الأكثر نشاطا برفعهم إلى مناصب في المسؤولية. وبحضورهم القوي في الميدان، فإن الطلبة من ادرار وكما هو ملاحظ تم ترقيتهم على مستوى قيادة منظمة الاتحاد الطلابي الحر. وهي إشارة على اعتراف إيجابي، وهذا يساهم بكل تأكيد في رفع مكانتهم من حيث تقييمهم الذاتي لها. لكن حماس من خلال الاتحاد العام الطلابي الحر والتي فوضت له الأمر على مستوى الجامعة، لا تهدف من ورائه فقط إلى التأطير الديني والسياسي للطلبة. بل يتمثل دوره أيضا في تحضير الكوادر البشرية التي يحتاجها الحزب لضمان بقاءه في الميدان، عبر مختلف الهيئات العامة التي تتعاون معه. ولأن حماس تؤيد مبدأ الدخول في السلطة، فهي تتعاون في إدارة الدولة عن طريق مشاركتها في تسيير مختلف الهيئات الرسمية بما فيها الدوائر الحكومية. ولتوفير الإشراف عليها، فهي تفضل دعوة مناضليها الذين سيرون في ذلك فرصة لتحقيق التقدم الاجتماعي. ولهذا السبب، وعلى أية حال، يميل الطلبة من ادرار إلى الانخراط في صفوف حماس. فبرفضهم للوضعية الحرمان التي تستحضرها أصولهم الحرطانية، فقد قرروا احتلال مكانة اجتماعية جديدة، إنهم يشعرون بملاءمة مع حماس، لأن نظام ترقيتها الداخلي والخارجي يعزز طموحاتهم الاجتماعية. وإذا كان من المناسب استحضار تصنيف ماكس فيبر لأنماط الفعل، فإن الالتزام الديني للطلبة في حماس للعمل يندرج ضمن الفعل العقلاني الغائي، بينما يندرج نمط الفعل عند نظرائهم السلفيين ضمن الفعل العقلاني القيمي، ذلك أن انتماءهم إلى تيار يدعو إلى التقوى كطريق وحيد للخلاص، ويستبعد من حيث المبدأ أي انخراط في المؤسسات الرسمية، ويفضل التوجه نحو المهن الحرة المستقلة مثل الواعظين المستقلين أو التجار. فلا يزال نفوذهم في الأحياء الجامعية محدودا، وقد يتبنوا استراتيجية تعويض تتمثل في التركيز بقوة على معهد الشريعة الإسلامية. ومن خلال دعوتهم المتشددة عقائديا، فلم يكفوا عن الاعتراض باستمرار على أساتذتهم المنتمين في أغلبيتهم إلى حمس، وينتقدون لباسهم الذي يرون أنه يتعارض مع الزي الإسلامي وينتقدون عدم رفض أساتذتهم تعليم الفلسفة، وهي مادة تدعو حسب نظرهم إلى الهرطقة. ونتيجة لرفضهم للبرنامج الرسمي فقد أنشأوا داخل الأحياء الجامعية نظاما تعليميا موازيا، يعمل على إعادة إنتاج النموذج السعودي. يتوج هذا التكوين بشهادة انضباط تسمح بمواصلة الدراسة، بالنسبة للمستفيد منها في المملكة العربية السعودية أو في ماليزيا أو اندونيسيا. إن الدراسة المسحية تظهر نتيجة هامة : وهي البحث عن الدين كنقطة مرجعية بالنسبة لجميع الطلبة الذين أجريت معهم المقابلات. والسؤال المطروح : لماذا ينكفئ الطلبة نحو الدين، بينما من المفترض أن يتكونوا في الجامعة لكونها مكانا لممارسة الفكر النقدي. إن الشهادات التي تم تلقيها تشير إلى نوعين من التفسير: التفسير الأول، يرتبط بشدة بنظام التوجيه الجامعي. فالطلبة الذين شملهم الاستطلاع، رأوا فيه أنه نظام توجيه غير عادل في أغلبيتهم، وقلة قليلة منهم يتابعون الدراسة الجامعية وفق الاختيار الذي قرروه. فالاختيار الشخصي الذي تم تجاهله، جعلهم محاصرين في تخصصات لا تتناسب مع تطلعاتهم الشخصي، علما أن التطلعات لمستقبل مهني هي من العناصر المكونة لعملية بناء الذات، وبالتالي هي عنصر من عناصر مشروعهم في البناء الهوياتي، الذي تعرض للإحباط، مما يعني أن مشروعهم الحياتي أصبح خاليا من المعنى. ويتفاقم هذا الوضع المضاف إلى خيبة الأمل من عدم شعورهم بالارتياح أمام المستقبل المجهول. فبالتطلع إلى المستقبل، يدركون بأن فرصتهم في الاندماج الاجتماعي ضئيلة جدا، فالشهادة الجامعية التي تمنح لهم لا تضمن لهم بالضرورة منصب عمل، والإحساس بالحرمان يزداد حدة عندهم بالنظر إلى الدراسات الجامعية التي يتلقونها والتي تزيد من قوة التوقعات الاجتماعية لديهم. يعني هذا بأن الطلبة الجامعيين يواجهون مشكلة في الهوية ضمن منحى خاصا لأن بناء الهوية هو أيضا عملية بناء للمعنى، إنهم يعايشون خيبة الأمل على أساس قلق وجودي مما يترجم عند بعضهم بمحاولة بحث حثيثة عن المطلق. وهناك حالة جد هامة في هذا الصدد، وهي حالة لطالب، أوشك على إنهاء دراسته في الكيمياء، فقرر فجأة التخلي عن دراسته والالتحاق بمعهد الشريعة الإسلامية لاعتقاده بأن "الإسلام او الدين الاسلامي هو العلم الحقيقي الوحيد". وهذه الشهادة تعتبر نموذجية : أظهرت بنحو خاص بان جميع الطلبة يبحثون عن أمن وجودي، والانكفاء نحو الدين بمثابة ملاذ تعويضي : فنظرا لتوفر الدين على يقينيات دوغمائية، فإن هذا يخفف من القلق عندهم ويعطي معنى لحياتهم.

قائمة المراجع

Ababou, M., Changement et socialisation de l’identité islamique, Fès, Imp. INFO-PRINT, 2001.

Bourqia, R. ; El Ayadi, M. ; El Harras, M. et Rachik, H., Les jeunes et les valeurs religieuses, Casablanca, EDDIF-CODESRIA, 2000.

Burgat, F., L’islamisme en face, Paris, La Découverte, 1995.

Burgat, F., L’islamisme au Maghreb, Paris, La Découverte, 1995.

Chérif, H. et Monchaux, P., Adolescence : quels projets de vie, Alger, CREA, 2007.

Cherqui, A., Hamman, P., Productions et revendications d’identités. Eléments d’analyse sociologique, Paris, L’Harmattan, 2009.

Dubar, C., La crise des identités. L’interprétation d’une mutation, Paris, PUF, 2000.

Galland, O., Les étudiants, Paris, La Découverte, 1996.

Galland, O., Sociologie de la jeunesse, Paris, Armand Collin, 2004.

Haenni P., L’Islam de marché. L’autre révolution conservatrice, Paris, Seuil, 2005.

Hervieu-Leger, D, La religion pour mémoire, Paris, Les Editions du Cerf, 1993.

Hervieu-Leger, D ; Willaime, J-P., Sociologies et religion. Approches classiques, Paris, Presses Universitaires de France, 2001.

Kepel, G., Richard, Y., Intellectuels et militants de l’Islam contemporain, Paris, Seuil, 1990.

Lamchichi, A., Pour comprendre l’islamisme, Paris, L’Harmattan, 2001.

Merzouk, M., Quand les jeunes redoublent de férocité : l’islamisme comme phénomène de génération, Archives de Sciences Sociales des Religions, janvier-mars 1997, n° 97

Roy, O., L’échec de l’Islam politique, Paris, Seuil, 1992

Roy ,O., Généalogie de l’islamisme, Paris, Hachette, 1995.

Roy, O., L’Islam mondialisé, Paris, Seuil, 2002.

Weber, M., Sociologie des religions, Paris, Gallimard, 1996

Willaime, J-P., Sociologie des religions, Que sais-je ?, Paris, Presses Universitaires de France, 1995.