Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 24، 2012، ص. 51-74 | النص الكامل


 

 

عبد القادر عبد العالي

 

 

إن العلاقة بين الدين والسياسة لدى الشباب الجامعي من المواضيع التي لها أهمية بحثية، نظرا لأهمية هذه الشريحة الاجتماعية من حيث المدلول والمركز الاجتماعي، مما سيسمح بالتعرف على توجهات العلمنة ومستقبل التوجهات الدينية، وهذا يستدعي من الناحية الاجرائية نوعا من الدراسات تتجه نحو قياس درجة الاهتمام الديني وتأثيره في تقييم العملية السياسية بالنسبة لهذه الفئة الاجتماعية، واستكشاف نظرة الشباب الجامعي إلى العلاقة بين الدين والسياسة وقياس مدى الارتباط بين هذين المتغيرين، وإدراك الأحداث والمواضيع السياسية التي يتعامل معها الشباب. ومنها الاهتمام بالسياسة الداخلية والحياة السياسية الحزبية وتقييمهم للعملية السياسية. لذا تسعى الدراسة إلى محاولة اختبار الفرضية المتعلقة بأهمية وتأثير الانتماء الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية ودرجة التدين في الميل نحو الإسلام السياسي والميل نحو الفصل بين الدين والسياسة.

الدراسات السابقة:

هناك العديد من الدراسات حول أهمية الدين في الحياة الاجتماعية والسياسية بشكل عام، سواء من حيث الدور المركزي للدين في تشكيل العديد من مظاهر الحياة الدينية، إذ تعد كتابات إيميل دوركايم الرائدة في مجال علم الاجتماع الديني[1]، أو دور القيم الدينية في توجيه الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهنا أيضا تعد أعمال ماكس فيبر رائدة أيضا في مجال دور القيم في تحديد السلوكات الاجتماعية، خصوصا كتابه الشهير "الأخلاق الرأسمالية وروح البروتستانتية[2]، أو دور الحركات الدينية في التأثير على الثقافة السياسية[3]، والعلاقة بين التدين والقيم السياسية والتوجه نحو الديمقراطية، وهو التوجه البحثي الذي اهتمت به دراسات مارك تيسلر، من خلال دراساته الميدانية في البلدان العربية، وكتابات غراهام فولر حول مستقبل الإسلام السياسي، كما اهتمت دراسات اخرى بتأثير القيم الاسلامية على التوجه نحو الديمقراطية على غرار دراسة ريتشارد روز[4]، كما اهتمت دراسات أخرى باختبار فرضية دور العامل الديني في توجيه العملية السياسية والانتخابية وفي تشكيل التصدعات الاجتماعية، وهو ما تكشف عنه دراسات بروك، ومانزا، من خلال دراسة تأثير القيم الدينية على التوجهات السياسية في المجتمع الأميركي[5].

كما أن هناك العديد من الدراسات الميدانية حاولت أن تربط بين التدين بالبيئة الاجتماعية الحديثة والتقليدية والأقل حداثة، أي كلما اتجه المجتمع وانخرط الفرد في مجتمع تحديثي قل الميل لديه نحو الالتزام بالدين والتدين، حيث ترى الباحثة بايبا نوريس أن هذه العلاقة لا تنطبق على كل المجتمعات، من خلال تنامي اليمين الديني ودور الكنيسة الكاثوليكية في مجتمعات أميركا اللاتينية[6]، كما أن هناك نمط من الدراسات ركزت على التحليل الفردي، بمحاولة معرفة تأثير التدين الفردي في تحديد الموقف السياسي والاجتماعي[7]، وحيث يرى بعض الباحثين أن القيم الدينية تعرف تغيرا معتبرا تحت تأثير العلمنة من حيث فصل الدين في تقييم العملية السياسية[8].

وهناك توجه بحثي حاول دراسة العلاقة بين الدين والسياسة على مستوى المؤسسات الحكومية والدساتير وهل هي مؤسسات علمانية أو أنها تقيم صلة لها مع الدين، ومدى تدخل الدين في المجال العام، وبداية اهتمام حقول معرفية أخرى بتناول الظاهرة الدينية والمؤسسات الدينية، مثل التوجه الجديد على مستوى علم الاجتماع السياسي وحقل السياسات المقارنة، في دراسة تأثير متغير الدين في العملية السياسية[9]. وصلة المؤسسات الدينية والأحزاب ذات التوجه الديني في تحديد وصنع السياسات العامة[10].

وفي الدراسات الميدانية والامبيريقية المختلفة، فقد حاز موضوع الصلة بين الدين والدولة ودراسة الحركات الأصولية الإسلامية على كم كبير ومعتبر من الدراسات والكتب والمقالات، من حيث محاولة إعطاء مقاربات حول العوامل الاجتماعية والسياسية لنشوء الأصولية، وذلك من خلال عدة اتجاهات، الأولى: ركزت على معالجة النقاش حول مسألة تطبيق الشريعة وعدم الاقتصار على تطبيق الشعيرة، أو الانتقال من التدين الفردي إلى محاولة صياغة نظام سياسي ذو طابع ديني، من خلال دراسة صلة ذلك بالخطاب الأصولي الجديد ومحاولة تفكيك هذا الخطاب من مختلف جوانبه من حيث صلته بالديمقراطية، وهو ما تناولته العديد من كتابات حيدر إبراهيم علي، خصوصا كتابه الذي تناول فيه حالة الجبهة القومية الاسلامية في السودان،1991، مكانة الديمقراطية في خطاب وممارسة التنظيمات الإسلام السياسي، وتناول هذا الموضوع أيضا سعد حسين، في كتابه الأصولية الإسلامية المعاصرة بين النص الثابت والواقع المتغير، وتناول فيه محاولات تكييف النص مع الواقع (2005)، تناول هشام جعفر عوض مفهوم الحاكمية كمفهوم مركزي في الفكر السياسي للعديد من الحركات الإسلامية وأثره على الموقف من الديقراطية الأنظمة القائمة (1995)،[11] كما يرى العديد من الباحثين مثل مسعود أسد اللهي، ان تأثير الأصولية وتزايد الوعي الديني والتدين انعكس على جملة من الوقائع والمعطيات في الميدان السياسي في الكثير من الدول العربية، مثل تأثير هذا التغير الاجتماعي والقيمي على الدفع بمجموعة من التغييرات الدستورية والسياسية للعديد من الدول العربية والإسلامية، حيث أصبح المزيد من هذه الدول ينص، وبشكل صريح، على الهوية الإسلامية للدولة، أي أن الإسلام هو دين الدولة كما في مصر والجزائر، أو اعتبار الشريعة الاسلامية مصدرا من مصادر التشريع أو هي المصدر الرئيسي له، كما تنص عليه العديد من دساتير دول الخليج، خصوصا المملكة العربية السعودية، والعديد من الدول الإسلامية مثل الباكستان وإيران، ويعزى هذا التغير إلى تنامي دور ونفوذ الحركات الأصولية الدينية اجتماعيا وسياسيا في العالم العربي بعد التغيرات السياسية الجديدة.[12]

والاتجاه الثاني في الدراسات الاجتماعية والسياسية اتجه إلى دراسة دور المجموعات الدينية في المجال السياسي ومدى تأثيرها في النواحي الاجتماعية والسياسية في بلدانها ودراستها من زاوية تاريخية، ودور بعض المؤسسات الأهلية ودور الأحزاب السياسية الدينية والمحافظة، وهل لها التأييد الذي تجده مرتبط بدرجة التدين. مثل دراسة سارة فايز،حول ما تسميه الاسلام الجزائري والتي تحاول أن تعطي له امتدادا تاريخيا على حركة الأمير عبد القادر، وكتاب جورج الراسي الذي حاول أن يدرس بالتفصيل أفكار وتوجهات ومسار تطور الحركة الإسلامية في بلدان المغرب العربي[13]، وتوجه ثالث اتجه إلى دراسة هيكلة الفضاء الديني، والسياسات العامة التي ترمي إلى تسيير المجال الديني، من حيث آليات ضبط المجال الديني، وبنية علاقات السلطة داخله. مثل ما يتحدث الاستاذ ظريف عن سياسة التوفيق بين الإسلام الرسمي : إسلام العلماء والفقهاء والإسلام الشعبي للطرق والزوايا في المغرب. أو طرق استعمال الدين والتعبئة الدينية في استثارة الناس ضد إيديولوجية سياسية معينة، مثل استعمال الدين في محاربة الشيوعية في امريكا اللاتينية وفي كثير من بلدان العالم الإسلامي ومحاربة الناصرية والبعثية بتوظيف الدين في العالم العربي، أو سياسات الضبط مثل تعيين والرقابة على ائمة المساجد ومراقبة أماكن النشاط الديني.

والتوجه الرابع في الدراسات ركز على العلاقة بين الدين والسياسة والموقف من ذلك على مستوى الأفراد والمجموعات، مع الاشارة إلى ضرورة التفريق بين مسألة ان هناك فرقا في العلاقة بين الدولة والدين والدولة والسياسية[14].

 وهناك توجه خامس، ركز على مسألة العلاقة بين الدين والعنف، فنتيجة لتصاعد العنف السياسي لاسيما من الحركات الأصولية التي تتبنى العنف، حاولت هذه الدراسات ان تدرس صلة التدين والحركات الدينية بالعنف والإرهاب، وهو توجه أخذ يزداد ومن بين الدراسات دراسات جون كيبل، وهناك فرضية أساسية تربط بين هؤلاء وهي اعتبار الدين بصيغته الأصولية أو أن طبيعة الثقافة الإسلامية لا تتلاءم مع الديمقراطية وتؤسس لنهج العنف مثل أطروحة صموئيل هنتنغتون حول صراع الحضارات. وللتغلب على العنف تطرح بدائل منها تشجيع الحركات الاسلامية والدينية المعتدلة، وتشجيع ما يسمى بالإسلام الليبرالي[15]، وتغيير مناهج التعليم مثل ما ورد في تقرير راند.

نتائج الدراسة الميدانية:

  انطلاقا من هذه الدراسات التي أهتمت بمسألة العلاقة بين الدين والسياسة، وأهمية الدين في المجال السياسي، فقد انطلقت الدراسة من محاولة استكشاف وتحليل مكانة الدين في الثقافة السياسية عند الشباب، وكيف يقيم الشباب المجال السياسي والقضايا السياسية على أساس خلفيتهم المعرفية والقيمية الدينية، ذلك أنه على ضوء فرضيات نظرية التحديث Theory of Modernization كما طرحت عند رواد علم الاجتماع الديني، تفترض تلاشي وضعف العامل الديني من الحياة العامة ومن المجال السياسي، كما تحاول الدراسة استكشاف وتحليل خصائص الثقافة السياسية لدى الشباب في ضوء وتأثير التصور الديني.

وتقوم هذه الدراسة في جانبها التطبيقي على نتائج الدراسة المسحية، تم خلالها توزيع استمارة مشكلة من مئة سؤال شملت عينة احتمالية طبقية حجمها 500 طالب من مختلف التخصصات الموجودة في جامعة السانيا وهران، في السنة 2007. وقد كانت الإجابة مرتفعة مع وجود نسبة من الامتناع لها لدى بعض الطلبة، وقد أفرز البحث المسحي المعطيات التالية الخاصة بعينة الدراسة والتي شملت الفئات شبانية من الأعمار الفتية: فمعدل الأعمار في العينة بين 22 إلى 23 سنة، ومن أجل عزل متغير الجنس كمتغير ضابط في الدراسة، فقد سحب عينات متساوية من الفئتين، إذ تم سحب 250 فرد من كل فئة من الجنسين ضمن العينة المدروسة، حتى يتم ضمان حيادية النتائج بالنسبة لهذا المتغير. وقد شملت التخصصات التي يدرس بها الطلبة كلا من: علم الاجتماع، العلوم السياسية، علوم الإعلام والاتصال، علم المكتبات، الأدب العربي، جيولوجيا، العلوم الاقتصادية، العلوم الطبية، العلوم الدقيقة والإعلام الآلي، وقد تم سحب عينة متساوية من كل تخصص.

معظم الاجابات المحصل عليها، حول التدين الشخصي، تعكس محاولة الشباب لإثبات تدينهم من خلال تقريراتهم حول ممارستهم الدينية الملتزمة، وهذا يعكس أهمية الدين في الحياة الاجتماعية عند الطلبة، وكمعيار من معايير الشخصية الاجتماعية، والتي يحاول من خلالها أن يظهر الفرد مدى التزامه بالتدين أمام المجتمع، بغض النظر عن السلوك الفعلي لهؤلاء الأفراد، وهو ما تعبر عنه مجموعة الأسئلة حول تقريرات المبحوثين عن تدينهم، ففي سؤال حول سلوك التدين أجابت الأغلبية الساحقة من الطلبة أي 92.2% بأنهم يؤدون الصلاة، وبينما أجاب 5% فقط بأنهم لا يؤدون الصلاة، وأجاب 2.8 فقط بالامتناع. وأن بداية الصلاة كانت في فترة الطفولة والمراهقة دون سن السادسة عشر. لكن تبرز العديد من إجابات الطلبة على حرصهم على التدين من خلال مراعاة الشعيرة الدينية الأساسية وهي الصلاة، ففي السؤال حول المحافظة على الصلاة أجاب ثلث الطلبة أي 28.6% أنهم يحافظون على أداء الصلاة دائما، وكانت معظم الإجابات حول أداءها أحيانا ب: 61.4%، و2.2% فقط أجابوا بأنهم لا يحافظون عليها، و2.8 بدون إجابة.

وفي موضوع الصيام أجاب 82.4% من المستجوبين بأنهم يصومون التطوع، وأبدى 73.4% من المستجوبين عن رغبتهم في أداء الحج، وكانت معظم الإجابات مرتفعة بخصوص قراءة القرآن، وأن 93.6% يحفظون أجزاء ومقاطع من القرآن الكريم، مع وجود 1% فقط من الذين يحفظونه كله،و78.8% يحفظون شيئا من الأحاديث، و87.8% يحفظون بعض الأدعية.

كما تعكس الإجابات أهمية المحيط الأسري في التدين الشخصي، وأن أغلب المبحوثين أجابوا بأنهم ينتمون إلى أسر متدينة، يؤدي فيها كلا من الأبوين شعيرة الصلاة، فمن خلال نتائج الاجابة المتقاربة بين أداء الصلاة وأداء أفراد العائلة لها تتعزز فرضية دور الانتماء الأسري في التأثير على سلوك التدين، ففي سؤال حول أداء أفراد العائلة للصلاة أجاب 97.8% بنعم. وهي ترتفع لدى الآباء والأمهات بالتساوي، وتقل بصفة طفيفة لدى الإخوة. وتعزز هذه الفرضية مجموعة الاجابات الخاصة بسؤال حول مصدر التنشئة الدينية (من أين تعلموا الصلاة)، فقد عكست الإجابات أهمية العامل الأسري في المرتبة الأولى في التنشئة الدينية، تليها المدرسة في المرتبة الثانية، فقد أجاب 65.6% أنهم تعلموا الصلاة في البيت لدى العائلة فقط، وأجاب خمس المستجوبين أي 20% أنهم تعلموا الصلاة في المدرسة بالإضافة إلى العائلة، وأجاب 16% أنهم تعلموها في المدرسة، وفي سؤال حول سن أول صيام فقد كانت 93% من الإجابات من 13 سنة فأقل، وأجاب 93.2% بأنهم يرون بأن للعبادات التي يقومون (الصيام، الصلاة، الأذكار) أثر في حياتهم اليومية.

وفي دور الانتماء إلى المجموعة و التدين الجماعي، تعكس الإجابات أهمية الجماعة في الحفاظ على التدين، رغم أن مؤشرات التدين تنخفض تدريجيا حين يتم سؤال المبحوثين عن المزيد من التفاصيل حول التدين الجماعي، فبخصوص مكان الصلاة، تنخفض الاجابات تدريجيا، فقد أجاب نصف الطلبة أي 50% من الذين يؤدون الصلاة بأنهم يؤدونها في المسجد، و42% بأنهم لا يؤدونها في المسجد، وتنخفض الاجابات في مسالة الالتزام بأوقات الصلاة: أجاب 14% أنهم يؤدون صلاة الصبح، و13.4 يؤدون صلاة الظهر، و16% في صلاة العصر، وترتفع النسبة في صلاة المغرب والعشاء على الترتيب لأنه وقت خارج أوقات الجامعة إلى 31%و 29.6%. وتتقارب هذه الاجابات مع مجموعة من الأسئلة الأخرى حول أهمية الجماعة وأهمية الأصدقاء في الحفاظ على تدينهم، فقد كانت الإجابات أن 60% يرون للجماعة دورا في التدين الشخصي، و80.8% يرون بان لهم رفاق متدينين معظمهم من الجامعة.

وهذا التدين الذي يعتنقه الشباب، ضعيف الصلة بالتدين الشعبي التقليدي الموروث من الناحية التاريخية في المجتمع الجزائري، فمعظم المستجوبين لا يعرفون الكثير عن الطرق الصوفية، وقلة قليلة منهم تنتسب إلى طريقة صوفية، ففي سؤال حول علاقة الشباب بالتدين الطرقي، أجاب 68.8% أنهم لا يعرفون الطرق الصوفية، و91.9% لا ينتسبون إليها، وينتسب إليها 1.6% من الأفراد المستجوبين، وهذه الإجابات تعكس الدور الهامشي لدور الإسلام الطرقي الشعبي والتقليدي في الساحة الجامعية. هذا إذا ربطنا هذه الاجابات بتحديد مناطق سكنهم: ففي سؤال حول مكان الميلاد أجاب 75.2% أنهم ولدوا في المدينة، و22%أنهم ولدوا في قرى وبلدات صغيرة، و2.8% بدون إجابات. وفي محل السكن أجاب 61.6% أنهم من سكان المدن، و35% انهم من سكان القرى والبلدات الصغيرة. و3.4% بدون إجابة.

وفي مسألة مصادر تلقي الثقافة الدينية، تكشف الإجابات أن تشكيل الثقافة الدينية عندهم أخذت تبتعد عن الأطر التقليدية للتنشئة الدينية مثل الأسرة والمسجد، وأن الثقافة الدينية أصبحت تتأثر بوسائل الإعلام والاتصال الحديثة خصوصا القنوات الإذاعية، فقد أجاب 69.8% أنهم يقرؤون الكتب الدينية، و71.8% يتابعون القنوات الفضائية الدينية، أما الانترنت فهناك نسبة منخفضة ب 18.6% من الذين يدخلون إلى المواقع الإسلامية. وانخفاض نسبة الذين يأخذون ثقافتهم الدينية من المساجد.

وفي القسم الخاص بالمواقف السياسية، وما هو ملاحظ في هذا الجزء من الاستمارة هو ميل الطلبة إلى التحفظ وعدم إعطاء إجابات دقيقة وصريحة أو الامتناع عن الإجابة، وهذا يعكس عدم اهتمامهم بالشؤون السياسية، وعدم اهتمامهم بالمشاركة في النشاطات السياسية، وقد وردت في هذا الجزء من الدراسة مجموعة من الأسئلة والتي تحاول قياس واستكشاف درجة الربط بين الديني والسياسي حسب تصورات الطلبة ومواقفهم ومدركاتهم، ومدى تقييم السياسي على أساس الاعتبارات والمعتقدات والقيم الدينية، من خلال عدة أبعاد: شملت: العلاقة بين الدين والسياسة، تدخل الدين في السياسية وتدخل الدولة في الشؤون الدينية، ونمط الحكم المفضل، الموقف من الانتماء السياسي، والموقف من وجود الأحزاب الدينية، والموقف من الأحزاب الحالية بصفة عامة، والمعيار الذي على أساسه يتم اختيار المرشح المفضل في الانتخابات، من حيث حضور وغياب المعيار الديني في الحكم والتقييم على هذه الاجابات، حيث كانت هذه الاجابات كالتالي:

في مسألة العلاقة بين الدين والسياسة فقد أجاب 51% من المستجوبين بأنهم يوافقون على وجود الأحزاب الإسلامية، و24.2 لا يوافقون على وجود الأحزاب الإسلامية، ونفس النسبة تقريبا بدون إجابة، وهي تعكس موقف تردد حيال هذه القضية. فقد سئل المستجوبون عن علاقة الدين بالعنف، فأجاب 9.4% بأنه له علاقة، ورأت النسبة الغالية أن سببه سياسي 37%، أو اقتصادي 22% أو كليهما معا 10% أي بنسبة مجموعها 69.8%، ونسبة الممتنعين كانت 12%.

وفي سؤال عن الأصلح بالنسبة للبلاد، حيث تم تخييرهم بين الإسلام والديمقراطية والعلمانية كمفردات تهدف إلى اختبار توجهاتهم السياسية، كانت الأغلبية تميل إلى ترجيح الإسلام على كل ما عداه من حلول حسب نظرهم، فقد أجاب المستجوبون بأنه الإسلام بـ 56%، و19% بأنها الديمقراطية. و4% لصالح العلمانية، وكانت نسبة الممتنعين 8%، وهي نسبة أعلى من تلك التي أجابت لصالح العلمانية، وهي إجابة تعكس عدم المبالاة او التردد بالنسبة لتقييم الأوضاع السياسية، وهو ما زاد وضوحا في بقية الاجابات للأسئلة التفصيلية حول القضايا السياسية.

وفي الربط بين الديني والسياسي في تقييم وتفسير الأوضاع السياسية، هناك اتجاه سائد عند الطلبة في تفسير الصراعات الدولية والاقليمية على أساس ديني، فقد أجاب 58% بأن العامل الديني في الصراع هو الأساس، كما أجاب 58% بأن ما يحدث في فلسطين والعراق هو صراع ديني، و17 أنه صراع ديني وصراع مصالح في نفس الوقت، و33.6% أنه صراع مصالح. وفي سؤال عن مدى تفسيره للأوضاع الحالية في العالم العربي، كشفت الإجابات عن الميل إلى أن هناك مؤامرة ضد الاسلام، وهو اتجاه يحاول تبرير الأوضاع السياسية للعالم العربي والإسلامي على أساس وجود عوامل خارجية، فقد رأى 87% من المستجوبين الطلبة أن هناك مؤامرة على الإسلام في العالم، مقابل 5% فقط أنكروا وجود المؤامرة و8% بدون إجابة.

وفي مسالة نظام الحكم الذي يفضلونه، فقد كانت الإجابات الممتنعة مرتفعة إلى 44%، وهي مسألة يجب التوقف عندها، إذ تعكس الثقة المحدودة في البدائل الإيديولوجية المطروحة أو التحفظ الشديد تجاه الأسئلة الإيديولوجية، أو عدم الاهتمام بهذه المسائل عند الطلبة، ورغم ذلك فهناك ميل عند الطلية المتبقين لتأييد الحكم الاسلامي وتفضيله على ما عداه من أنظمة حكم أخرى بما فيها الحكم الديمقراطي، فقد أجاب 36% أنهم يؤيدون الحكم الإسلامي، بينما أجاب 15.4% أنهم يؤيدون الحكم الديمقراطي.

كما تكشف نتائج المسح عن وجود ميل محدود جدا عند الطلبة للعمل الجمعوي والمشاركة على مستوى المنظمات الطلابية، ففي سؤال حول مدى مشاركتهم في نشاط المنظمات الطلابية، كانت النسبة الغالبة والساحقة أنها لا تشارك في أي نشاط من نشاط الأنظمة الطلابية وأنه لا علاقة لهم بها، وكانت النسبة مرتفعة 83.8%، مقابل 13% التي ترى أن لها صلة ما بالمنظمات الطلابية، وفق المستويات التالية: 5% أجابوا أنهم أعضاء، 2.6% أجابوا أنهم منخرطون فقط، 4.4% أجابوا أنهم متعاطفون فقط، و 1.6% أجابوا بأنهم يحضرون بعض أنشطتها، وكانت الإجابات الممتنعة 2.8% فقط في هذا السؤال إذا قارناه بالسؤال السابق حول نمط نظام الحكم المفضل لديهم، وهو يبين مدى ابتعاد الطلبة عن الاهتمام بالقضايا السياسية التي هي بعيدة عن مجال الدراسة لديهم أو هي بعيدة عن اهتماماتهم اليومية.

ونفس الموقف وجدناه متقاربا، في مسألة الانتماء الحزبي، فأجاب أغلب الطلبة بعدم الميل إلى النشاط الحزبي والتعاطف معه، إذ أجاب 60.4% بأنهم لا يميلون إلى أي حزب، أما الذين أجابوا عن انتماءاتهم الحزبية فهي لا تعكس وزنها الانتخابي الاجتماعي، وربما يعود هذا إلى عدم جدية الطلبة في الاجابات، أو أن الوسط الجامعي له خصوصيات متعلقة بالانتماءات الحزبية، إذ تصدرت جبهة التحرير الصدارة ب 8.8%، يليها الارسيدي ب 8%، ثم حمس 6%، ثم النهضة والإصلاح 4.4%، ثم حزب العمال 2.4% وأخيرا الأرندي 1.4% فقط، وكانت نسبة الممتنعين 14.8%، وهي النسبة الغالبة من الطلبة الذين أجابوا بالامتناع عن انتمائهم للمنظمات الطلابية.

وفي سؤال عن الأحزاب التي تعتبر دينية من وجهة نظر الطلاب، أجاب 51% انه لا توجد أحزاب دينية، وهي تمثل الأغلبية العظمى من الطلبة الذين أجابوا بأنهم لا ينتمون أو لا يتعاطفون مع أي حزب، في مقابل 14% امتنعوا عن الإجابة. وهذه الإجابات تعكس محدودية الثقة في الأحزاب السياسية بما فيها ذات الخلفية الدينية، إذ أجاب حوالي 22% فقط بأنها إما حمس 8% أو الإصلاح والنهضة 14% وجبهة التحرير بنسبة 1.2%.

وفي السؤال المقابل حول ما هي الأحزاب التي تعتبرها غير دينية كانت إجابة الأغلبية ب54% أجابوا بأنه لا توجد أحزاب غير دينية، في مقابل 6% رأوا بأن حزب العمال غير ديني، وأجاب 5% بأنها كل الأحزاب ماعدا النهضة وحمس، و4% للأرندي و5% لجبهة التحرير. و16% امتنعوا عن الإجابة. وهذا القسم من الأسئلة يعكس كذلك عدم اهتمام الطلبة بالأحزاب السياسة، ومن خلال فحص الاجابات تبين أن نسبة الخطأ في الاجابات من خلال المقارنة بين سؤال ماهي الأحزاب التي تعتبر دينية وتلك التي تعتبر غير دينية، كانت نسبة الخطأ محدودة جدا. وفي سؤال حول الميل نحو وجود الأحزاب الدينية والاعتراف بها في العمل السياسي، أجاب 53% أنهم يوافقون على وجود الأحزاب الدينية، في مقابل 26% أجابوا بعدم الموافقة، ونسبة 20% إجابات ممتنعة، وهذا الامتناع يعزى إلى عدم الاهتمام بالشؤون السياسية. وفي سؤال حول موافقتهم على ضرورة تدخل الدين في السياسة، أجاب حوالي 64% بضرورة إقحام الدين في السياسة و أنه أمر مفيد، في مقابل 21% أجابوا بأنه أمر غير مفيد، بينما كان هناك 14% امتنعوا عن الإجابة. وفي السؤال الموالي حول الموقف من إقحام الدين في السياسة وهو يتقارب مع السؤال السابق كانت الإجابة بالموافقة بأنه مفيد متقاربة من الإجابة السابقة بنسبة 65%، في مقابل 15% غير موافقين، و19% بدون إجابة.

كانت الإجابة مرتفعة في مسألة سن قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية إذ كانت الإجابة بالموافقة ب 78%، في مقابل 2.8 % لا فقط أجابوا بالرفض، 19.2 بدون إجابة. وازدادت نسبة التأييد في الإجابة على سؤال الموقف من تطبيق الشريعة الإسلامية إذ أجاب 86% بالإيجاب، مقابل 3.4 أجابوا بالرفض، ونسبة الممتنعين في هذا السؤال كانت أقل 10%. وفي سؤالهم حول نطاق تطبيق الشريعة أجاب 44.6% بأن تطبق الشريعة في كل المجالات، و21% رأوا ضرورة تكييفها مع ضرورات العصر، و5.4 أجابوا بأن تقتصر على الأحوال الشخصية، وفي المجمل كانت النسبة حوالي 79% بتطبيقها في كل المجالات. هذه النسب هي نفسها في السؤال حول دور الدين في حل أزمة البلد، إذ أجاب 71% أن الرجوع إلى الدين هو الحل، مقابل 14% بالرفض، و13% امتنعوا عن الاجابة. وأجاب 68% أن مراقبة الدولة للنشاط الديني أمر مفيد، و أجاب 78% على الموافقة على سن القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية، وعارض ذلك 2.8% فقط. مع وجود 18% بدون إجابة. وأجاب 86% أنهم مع تطبيق الشريعة مقابل 3.4% الذين عارضوا ذلك، و10.6% بدون إجابة.

في مسالة الانتخابات أجاب 52% من المستجوبين بأنهم يضعون تدين المترشح للانتخابات ضمن أولوياتهم، و29.6% لا يرون ضرورة لذلك، و18.4 بدون إجابة. ويرى 71% من المستجوبين أن الرجوع إلى الدين كحل للأزمة التي تعيشها البلاد، بينما أجاب 14.8 عن ذلك بلا، و13.% بدون إجابة.

ما يلاحظ في هذا القسم من الإجابات هو نسبة الامتناع في الاجابة، وهذا يرجع إما إلى في مسألة الدين والسياسة، إذ مثلت الإجابات الممتنعة القسم الغالب من هذا القسم إذا قارناه بالأسئلة السابقة له، أو يرجع إلى محدودية الخبرة في هذه المجال، مما يعكس عدم اهتمام شريحة واسعة من الشباب بالمشاركة السياسية الحزبية.

وبناءا على الإجابات السابقة حول تقريراتهم بشأن السلوك الديني، حيث أقر أغلبية الطلبة أنهم يمارسون التدين، فهذه الإجابات تميل إلى الربط بين السياسي والديني على المستوى العاطفي وتقييم السياسي في ضوء الديني. فهناك ربط وحضور قوي لتقييم العملية السياسية على أساس المعيار الديني أو الحضور الطاغي للقيم الدينية في تقييم ما هو سياسي (الانتخابات، الحكم، الأحزاب)، وتتخذ هذه العلاقة شكلا معقدا، فهناك عاطفة قوية تجاه الدين في مسألة المؤامرة ونبذ العنف عن الدين، وينخفض التأييد بخصوص الإجابات حين يكون محتوى السؤال أكثر تفصيلا وصلة بالواقع مثل مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية.

وفي المقابل هناك تقييم سلبي لأداء الأحزاب الدينية، وتقييم سلبي وعدم الاهتمام بالسياسي، وهذا يعكس الإحباط والنظرة السلبية تجاه الأحزاب الدينية بنفي الصفة الإسلامية عنها. كما تكشف هذه الإجابات عن محدودية "التدين المناضل" كشكل من  التدين لدى الشباب. وفي المقابل هناك ثقافة سياسية سلبية تجاه العمل الحزبي في الوسط الجامعي والانتماء السياسي، واتجاه يميل إلى التدين في العلاقة بين الدين والسياسة وتدخل الدين في السياسة، في مقابل ميول علمانية محدودة في مجال العلاقة بين الدين والسياسة. ومرجع ذلك هو المنظور السلبي للسياسة والنشاط الحزبي في الثقافة السياسية. ينفر من العملية السياسية.

في العلاقة الارتباطية بين متغيرات التدين (أداء الصلاة، التربية الدينية في العائلة، الاهتمام بالدين) ومتغيرات الانتماء السياسي ذو الطابع الديني يلاحظ الضعف النسبي في العلاقات الارتباطية بين الفئتين من المتغيرات، ولكنها ذات ارتباط ذو مدلولات معينة، فمن خلال أخذ أداء الصلاة مؤشرا على التدين وأسئلة ذات صلة بمتغيرات حضور التقييم الديني للأوضاع () تطبيق الشريعة، مخالفة الوسط الجامعي للآداب العامة، والميل نحو الأحزاب السياسية. فهناك ارتباط ذو مدلول، رغم أنه ضعيف نسبيا بين التدين الشخصي والميل لتأييد تطبيق الشريعة الإسلامية، أي أن الاتجاه نحو تأييد الشريعة الاسلامية يزداد كلما زاد مؤشر التدين عند المستجوبين، وهذه العلاقة أضعف بين التدين (الالتزام بالصلاة) والارتباط الحزبي، أي أن التدين الشخصي ليست له علاقة بالانتماء السياسي، أو لم يعد له دور في تحديد الانتماء السياسي.(انظر الجدول رقم 1)

كما يظهر ضعف الارتباط بين أحد مؤشرات التدين الفردي أي أداء الصلاة مع كل من متغيرات الانتماء السياسي، والموقف من العديد من القضايا السياسية مثل الموقف من وجود الأحزاب الدينية معامل الارتباط. 035 فقط، والموقف من تطبيق الشريعة الإسلامية. 097(*).(انظر الجدول رقم)

مناقشة النتائج:

هذه النتائج يمكن إعطاء تفسيرات أولية لها: هذا يعكس محدودية الثقافة السياسية كبعد معرفي، فمن خلال الإجابات يتضح عدم الإهتمام بالمجال السياسي الحزبي وعدم الميل نحو المشاركة السياسية المباشرة والانتماء السياسي للأحزاب السياسية، وكذلك من خلال الأخطاء عن الإجابات حول ما هي الأحزاب الدينية وغير الدينية.

 كما أن هناك تراجع لما يسمى بالتدين النضالي أو تدين الإسلام السياسي، مقابل نوع من التدين ذو نزعة غير مسيسة، وهذه النتائج تبث فرضية ما بعد الإسلاموية، أي نشوء نوع من التدين في الأجيال الحديثة والتالية لجيل الحركة الإسلاموية، يتميز بالميل نحو التدين ذو الطابع الاجتماعي والفردي،  والنفور من الأحزاب الدينية وعدم التعاطف معها، ويقتصر سلوكه تجاه الموضوع الديني فقط على الميل إلى التعاطف مع الدين والرموز العامة له، أي إدراك الدين والتدين كأسلوب حياة اجتماعي وفردي لا صلة له بالنضال السياسي أو يهدف إلى إنشاء مجتمع جديد، كما يتسم هذا النوع من التدين بالنزعة إلى الشك والتذمر من الأوضاع السياسية القائمة على المستوى الدولي والداخلي، وعدم الرضى عن الأوضاع الراهنة قائم على أساس وجهة دينية، ومن جهة أخرى تكشف عن طبيعة ومكانة الدين عند الطلبة وتحول التدين إلى جزء أساسي من الشخصية الاجتماعية للطالب، والذي يحاول أن يظهر بمظهر المتدين والمحافظ على واجباته الدينية، وهو كذلك يكشف عن التدين الجديد القائم على التجربة الفردية والتنشئة الدينية العائلية والارتباط بالرفقاء والتلقي والتعاطي مع الرموز الإعلامية الدينية للدعاة الجدد، وتحوله كمعيار للاندماج الاجتماعي وصياغة الشخصية الاجتماعية والمكانة الاجتماعية للطالب.

تفسر هذه النتائج كذلك جانبا من جوانب توجهات ومكانة الإسلام السياسي في الساحة الطلابية أو الأجيال الحديثة من الطلبة، فهناك حضور ضعيف لآثار التنشئة الاجتماعية والسياسية والذي كانت تقوم به المنظمات والأحزاب الإسلاموية، ويتبين ذلك من خلال أسلوب الإجابات: فهناك  تدرج في الميل نحو الوضوح أو الغموض والامتناع في الإجابات، حيث يزداد التردد والتحفظ كلما كان السؤال حول الأوضاع السياسية الميدانية والموقف الشخصي، وهذا يمكن تفسيره كذلك على أنه: -يعكس نفور من الوضع السياسي والحزبي العام، تقييم سلبي لنشاط الأحزاب السياسية بما في ذلك الأحزاب الإسلاموية والتي لا يهتم الطلبة بالتعرف على شعاراتها وأنشطتها، بدليل إجابة نصف الطلبة بأنه لا توجد أحزاب دينية، رغم حضور التقييم الديني في المسائل السياسية عند الطلبة. - نفور وعدم الميل نحو الانتماء إلى الأحزاب السياسية والمنظمات الطلابية، بل وحتى النشاط الحزبي والسياسي برمته، وهو نتيجة للأوضاع السياسية والقائمة، والتجربة المريرة والسمعة السيئة التي خلفها الإسلام السياسي في مجال العنف السياسي.-غياب البعد الإيديولوجي والسياسي في تدين الطلبة: وهو يكشف عن ضمور الإسلاموية السياسية رغم الحضور القوي للأصولية كقيم ومدركات عند الطلبة.  

كما تكشف النتائج وفي قسم آخر عن واقع يشهد نفورا وامتعاضا من أداء الأحزاب السياسية الدينية في الوسط الجزائري وسلوكات المناورات اللامبدئية التي تصدر منها، وتحول الممارسة الدينية إلى روتين يومي، أخذ يفقد بريقه وكارزميته خصوصا في المجال السياسي. كما أن النفور من العمل الحزبي والانتماء السياسي يمكن إرجاعه كذلك إلى شيوع ثقافة سياسية لا تشجع على نشاط الأحزاب السياسية، وهنا نستعيد مفاهيم غابريال ألموند حول الثقافة الرعائية أو الجزئية وغير المشاركة، والتي تهتم بالشأن السياسي في المجال المتصل بحياتها اليومية القريبة منها، ولا تهتم بالشأن السياسي من حيث سعة البعد المعرفي والإدراكي والسلوكي، مما يعزز الفرضيات حول ضعف مؤشرات ثقافة ديمقراطية تمثيل إلى المشاركة السياسية، كما تعكس الاجابات محدودية الثقافة السياسية المشاركة والديمقراطية أمام ثقافة سياسية تتسم بالتحفظ والعلمنة المحدودة.

وفي المقابل فالإجابات تعكس جانب براغماتي لدى الطلبة رغم ضعف جانب العلمنة في تقييمهم للعمل السياسي وما هو سياسي، وميل إلى تكييف القناعات الدينية مع الواقع الاجتماعي والسياسي، إذ تزداد نسبة التردد أو عدم الموافقة وتتناقص نسب التأييد حين سؤالهم حول مظاهر عملية لتطبيق الشريعة الإسلامية، والمقارنة بين نظام حكم إسلامي وآخر ديمقراطي، ومع ذلك فهذه النتائج تعيد النظر في فرضيات التحديث وتأثير العلمنة في توجهات الأجيال المعاصرة والمتكونة في أجواء المؤسسات الحديثة، من حيث قوة النزعة العلمانية، والتقييم العقلاني لما هو سياسي، وبدلا من ذلك نكشف النتائج المتحصل عليها، شدة الارتباط والحضور القوي للقيم الدينية في تقييم المواضيع الاجتماعية من خلال تقريرات الطلبة عن تدينهم الشخصي، ومن خلال تقييمهم للمواضيع السياسية بناءا على معتقداتهم وآرائهم الدينية، بدل الحكم عليها من خلال المنطق السياسي، أو الفصل بين الديني والسياسي. لأن النتائج كشفت عن أن الصلة الموجودة بين التدين الشخصي والتقييم الديني للمواضيع السياسية يختلف بشأن الموضوعات ذات الصلة: فهناك ميل لتقييم العملية السياسية والموضوعات السياسية في إطار التصور الديني، ويزداد الارتباط بين متغير التدين ومتغيرات أخرى، إذا كانت هذه الأسئلة تعبر عن مواضيع عامة، وتفقد هذه الصلة الارتباطية صلتها مع الموضوعات ذات الصلة بالحياة اليومية أو بالمواضيع السياسية المحددة، فهناك ضعف ارتباط أشد بين التدين والموقف من تعدد الزوجات، وفي المجال السياسي هناك ارتباط أقوى حين يكون بين التدين وتأييد الشريعة كسؤال مفتوح، وحين يكون سؤالا أكثر تفصيلا حول مسألة القوانين الدينية وتأييد الأحزاب الدينية، يقل التأييد ومعدل الإجابة ونسبة الارتباط، وهذا يمكن تفسيره من جهة أخرى بعدم الاهتمام السياسي، والتوجه نحو تدين غير متحزب وغير مهتم بالشأن السياسي، ويؤيد ذلك الإجابات الخاطئة والعشوائية التي أجاب بها العديد من المستجوبين حين طلب منهم تصنيف الأحزاب السياسية إلى أحزاب الدينية والأحزاب غير ذلك ، كما أنها إجابات تقييمية حين تنفي نسبة معتبرة منها الطابع الإسلامي أو الديني للعديد من الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي.

خلاصة:

تكشف هذه الدراسة الميدانية، أن مؤشرات التدين المختلفة مرتفعة نسبيا في الوسط الطلابي، إذ ان معظم المستجوبين أبدوا نزعة دينية سلوكية ومعرفية وتقييمية معتبرة، وهذا يشير إلى أهمية معتبرة للتدين في الحياة الجامعية كمظهر من مظاهر الصورة الاجتماعية النمطية في الوسط الجامعي، وفي الوقت نفسه هناك ضعف في الارتباط بالتدين التقليدي الشعبي خصوصا التدين الطرقي، من خلال ارتباط الشباب بوسائل الاعلام الحديثة في تجديد وتنمية ثقافتهم الدينية، وضعف التدين النضالي والمرتبط بالجماعات الدينية المسيسة، كما تخلص الدراسة إلى أهمية حضور القيم الدينية في تقييم ما هو سياسي واجتماعي من خلال الارتباط الموجود بين مؤشرات التدين ومؤشرات تقييم الأوضاع العامة الاجتماعية والسياسية، مع وجود نزعة براغماتية انتقائية في تقييم وتقبل أو عدم تقبل بعض الموضوعات ذات الصلة بالدين ، وفي المقابل فهناك نظرة سلبية وعدم مبالاة وتأييد محدود للمظاهر التي تعبر عن الإسلام السياسي أوعن الإسلاموية، أو ما هو سياسي والعمل السياسي بصفة عامة، أي أن الساحة الجامعية تشهد تحولا نحو الأصولية الاجتماعية وابتعادا عن الإسلاموية السياسية ذات الطابع الحزبي، مع البقاء في إطار نوع من التدين غير مسيس ويميل إلى إشباع الحاجة الفردية وأكثر ارتباطا بوسائل الاعلام الحديثة.

مراجع :

أسد اللهي، مسعود، "الإسلاميون في مجتمع تعددي: حزب الله في لبنان نموذجا"، ترجمة: دلال عباس، بيروت، الدار العربية للعلوم،. 2004

إسـماعيل، محمود، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي: محاولة تنظير، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1988.

إسماعيل، سيف الدين عبد الفتاح، النظرية السياسية من منظور حضاري إسلامي: منهجية التجديد السياسي وخبرة الواقع العربي المعاصر، الأردن، المركز العلمي للدراسات السياسية، 2002.

الأفندي، عبد الوهاب، الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي، أبوطبي، مركز الإمارات للدراسات و البحوث الاستراتيجية، 2002..

الأنصاري، فريد، البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي: نحو بيان قرآني للدعوة الإسلامية، المنصورة-مصر، دار الكلمة، 2004.

البرغوتي، إياد، قضايا فكرية: الإسلام السياسي، الأسس الفكرية والأهداف العملية، القاهرة، دار الثقافة الجديدة، 1989.

بيرك، إدموند ولابيدوس إيرا، الإسلام والسياسة والحركات الاجتماعية، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2000.

بيرنبوم بيار، هرميه غي ؛ بادي بيرتراند، س برو فيليب، معجم علم السياسة والمؤسسات السياسية، ترجمة: هيثم اللمع، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر والتوزيع، 2005.

جعفر، هشام جعفر عوض، الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية، فيرجينيا، معهد الفكر الإسلامي، 1995.

دكمجيان، ريتشارد هرير، الأصولية في العالم العربي، تر: عبد الوراث سعيد، النصورة ـ مصر، دار الوفاء للطباعة و النشر، 1985: 1992.

الراسي، جورج، الإسلام الجزائري من الأمير عبد القادر إلى أمراء الجماعات، بيروت، دار الجديد، 1997.

سارة، فايز، الحركة الإسلامية في المغرب العربي: نشأتها، تطورها، برامجها، بيروت، منشورات مركز الدراسات الاستراتيجية و البحوث والتوثيق، 1995.

سعد، حسين، الأصولية الإسلامية العربية المعاصرة: بين النص الثابت والواقع المتغير، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2005.

السيد، رضوان، سياسيات الإسلام المعاصر: مراجعات و متابعات، بيروت ـ لبنان، دار الكتاب العربي، 1997.

الشيباني، رضوان أحمد شمسان، الحركات الأصولية الإسلامية في العالم العربي، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2005.

ضريف، محمد، "مسارات مقاربة الظاهرة الدينية بالمغرب"، محاضرة ألقيت بمركز الدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية، وجدة-المغرب، 24 أكتوبر2005.

علي، حيدر إبراهيم، أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجا، القاهرة، دار النيل للنشر، 1991.

علي، حيدر إبراهيم، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1996.

الموصللي، احمد، موسوعة الحركات الإسلامية في الوطن العربي وإيران و تركيا، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2004.

هويدي، فهمي، "الاسلام و الديمقراطية"، المستقبل العربي، السنة 15، العدد 166، كانون الأول/ ديسمبر 1992.

يوسف، احمد، دليل الحركات الإسلامية في العالم، العدد الأول، القاهرة، مؤسسة الأهرام، مركز دراسات السياسية والاستراتيجية، 2006.

يوسف، احمد، (إعداد)، مستقبل الإسلام السياسي: وجهات نظر أميركية، الدار البيضاء – المغرب، المركز الثقافي العربي،2001.

Almond Gabriel, A. and Sidney, Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations, Princeton, N.J, Princeton University Press, 1963.

Barro, Robert J. and Rachel, M. McCleary, Religion and economic growth, Unpublished paper, 2003. http://post.economics.harvard.edu/faculty/barro/papers/

Brooks, C. and Jeff, Manza, Social cleavages and political alignments US presidential elections, 1960 to 1992.’ American Sociological Review 62 (6), 1997, pp.937-946.

Brooks, C. and Jeff, Manza, The religious factor in US presidential elections, 1960-1992, American Journal Of Sociology 103 (1), 1997, pp. 38-81.

Campbell, Robert A. and James, E. Curtis, “Religious involvement across societies : Analysis for alternative measures in national surveys”, Journal for the Scientific Study of Religion. 33(3), 1994, pp.215-229.

Castles, Francis G., “On religion and public policy: Does Catholicism make a difference ?”, European Journal of Political Research 25(1), 1994, pp.19-40, p.1004.

Cipriani, R., “Religiosity, religious secularism and secular religions”, International Social Science Journal, 46(2), 1994, pp.277-284.

Deeb, M. J., “Militant Islam and the politics of redemption.” Annals of The American Academy of Political and Social Science, 524, 1992, pp.52-65.

Durkheim, Émile, The Division of Labor in Society, New York, The Free Press, [1893] 1984.

Durkheim, Émile, The elementary forms of religious life, New York: Free Press, 1995.

Esmer, Yilmaz, Is there an Islamic civilization? in Ed. Ronald Inglehart, Culture and Social Change: Findings from the Values Surveys. Leiden, Brill Academic Publishers, 2003.

Esposito, John L. and John, O. Voll., Democracy and Islam, New York, Oxford University Press, 1996.

Esposito, John. Ed., Political Islam: Revolution, Radicalism or Reform? Boulder, CO: Lynne Reinner, 1997.

Flere, S., ‘The impact of religiosity upon political stands: Survey findings from seven central European countries’, East European Quarterly 35 (2), 2001, pp.183-199.

Fox, Jonathan, Religion and State Failure: An Examination of the Extent and Magnitude of Religious Conflict from 1950 to 1996. International Political Science Review, Vol 25, No. 1, 2004, pp.55–76.

 


 الهوامش

[1] Durkheim, Émile, The Division of Labor in Society, New York, The Free Press, [1893] 1984

[2] Weber, Max, The Protestant Ethic and the Spirit of Capitalism Translated by T Parsons, New York, Scribner’s, [1904] 1930.

[3] Gabriel, A. Almond, and Verba, Sidney, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Princeton, N.J: Princeton University Press,1963.

[4] Fuller, Graham E. 2002. The future of political Islam, Foreign Affairs 81(2): 48-60: Richard Rose. 2002. ‘How Muslims view democracy: Evidence from Central Asia.’ Journal of Democracy 14(4): 102-111: Mark. Tessler, ‘Do Islamic orientations influence attitudes toward democracy in the Arab world? Evidence from Egypt, Jordan, Morocco and Algeria.’ International Journal of Comparative Sociology: 43 (3-5): 229-249,2003.

[5] Brooks, C. and Manza, Jeff, The religious factor in US presidential elections, 1960-1992’,American Journal Of Sociology 103 (1): 38-81,1997.

[6] Norris, Pippa, Sacrsed and Secular, Cambridge, Cambridge University Press, 2004.

[7] Flere, S., The impact of religiosity upon political stands: Survey findings from seven central European countries.’ East European Quarterly 35 (2), 2001, pp.183-199.

[8] Ian. McAllister, Religious Change And Secularization: The Transmission Of Religious Values In Australia.’ Sociological Analysis 49 (3),1988, pp.249-263.

[9] Cipriani R., Religiosity, religious secularism and secular religions. International Social Science Journal. 46(2): 277-284: Gill, Anthony. 2001. Religion and comparative politics, Annual Review of Political Science, 4, 1994, pp.117-138.

[10] Castles, Francis G., On religion and public policy: Does Catholicism make a difference ? European Journal of Political Research 25(1), 1994, pp.19-40.

[11] حيدر إبراهيم علي، (1991)، أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجا، القاهرة: دار النيل للنشر.، وكذلك كتابه: (1996)، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. وكذلك: سعد، حسين، (2005)، الأصولية الإسلامية العربية المعاصرة: بين النص الثابت والواقع المتغير، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.، جعفر، هشام جعفر عوض، (1995)، الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية، فيرجينيا: معهد الفكر الإسلامي.

[12] أسد اللهي، مسعود، الإسلاميون في مجتمع تعددي: حزب الله في لبنان نموذجا، ترجمة: دلال عباس، بيروت، الدار العربية للعلوم، 2004.

[13] الراسي، جورج، الإسلام الجزائري من الأمير عبد القادر إلى أمراء الجماعات، بيروت، دار الجديد، 1997. وكذلك: سارة، فايز، الحركة الإسلامية في المغرب العربي: نشأتها، تطورها، برامجها، بيروت، منشورات مركز الدراسات الاستراتيجية و البحوث و التوثيق، 1995.

[14] ظريف، محمد، "مسارات مقاربة الظاهرة الدينية بالمغرب"، محاضرة ألقيت بمركز الدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية، وجدة-المغرب، 24 أكتوبر 2005.

[15] المرجع نفسه.