Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 21، 2012، ص. 59-65 | النص الكامل


 

 

 

مليكة بن دودة-سقيني

 

 

 

لنبدأ بعبارة فيلسوف الأنوار إ.كانط في تعريفه للأنوار على أنها: "خروج الإنسان من حالة القُصور التي هو عليها بسبب انعدام القُدرة لديه على استخدام عقله، دون توجيه من الغير"[1] ثم يُضيف من خلال عبارته الشهيرة : "تشجع، تشجع على استخدام عقلك"[2] ومنذ أن طلب مناّ كانط التشجع على التفكير الحُر، لم يُعلمنا أحدهم السّر أو الطريقة لبلوغ  هذا الهدف، كل ما تركه لنا كانط وقبله ديكارت وأكده بعدهما باشلار هو الدليل، الدليل على تحقُق الفكر الحر، المُتمثل في تجاوز الأحكام المُسبقة أو بديهيات الحس المُشترك أو حتى المبادئ و الصيغ الجاهزة.

يُنهي كانط نصه حول الأنوار بهذه الجملة: "إن الأمر ليحتاج  إلى الكثير حتى يتمّكن الناس في مُجملهم، من الاعتماد على عقولهم في المسائل الدينية، بشكل صحيح ومن دون أي توجيه من الغير، ويتفاءل جدا في الأخير: "هناك ما يُوحي بأن العوائق المانعة من تحرر الإنسان من أسر القصور آيلة إلى الزوال"[3]. نخرج من هذا النص بنقطتين مُهمتين حول الهدف من التكوين الفلسفي و دليل حدوثه: الأولى هي أن التفكير الذاتي واستخدام العقل يتحقق خاصة من خلال تجاوز الأحكام المسبقة، والعكس صحيح حيث أن تجاوز المبادئ والصيغ الجاهزة لن يتحقق إلا بالنقد الذاتي الذي يتم من خلال استخدام العقل وهذا ما أثبته الواقع لصالح كانط وأثبته المنهج الفلسفي، أما النقطة الثانية التي لم يُنصف الزمن فيها كانط هو أن الأنوار تنتهي بأن تمس كلّ الناس" فقد تصوّر كانط بحسن نية أن زوال الأحكام المُسبقة والقُدرة على الحكم السليم سوف تتحقق مع الزمن. فاليوم وبعد مُرور أكثر من قرنين على كلام كانط يُمكننا أن نُجيبه عن هذه النقطة بالذات: "حتى الطالب المُتخصص في الفلسفة، لا يتمتع بعقل مستنير فما بالك بالناس في مُجملهم. "إذ أن حتى تدريس الفلسفة خلال أكثر من أربع سنوات لا يُحقق أهم أهدافها وهو العقل المُستنير، فما جدوى الفلسفة إذن[4]؟. إذا لم تُساهم في إعطائنا عُقولاً مُستنيرة. إن هذه النقطة فتحت المجال واسعاً للمُختصين في التعليمية للحديث عن"أزمة تدريس الفلسفة".

إن الكلام هكذا عن الفلسفة، يُثير مُباشرة خُصوصيتها وتميزها عن باقي المواد في كونها تهدف إلى تكوين شخص يتمتع بفكر حر" وهذا ما يُثير تردّد الفلاسفة أمام كل المناهج التعليمية التي تدّعي توفير آليات لتدريس جيّد للفلسفة" في حين أن حتى كلمة "تعلّم" لا توجد في أشهر معجم فلسفي فرنسي، "معجم لالاند".

إن المقاربة بالكفاءات، تطوّرت في الفلسفة من خلال عدّة براديغمات، فالبراديغم الفرنسي يختلف عن البراديغم البلجيكي الذي يختلف بدوره عن البراديغم الكندي. ما معنى أن نُفكر انطلاقاً من براديغم مُعين؟ معناه ببساطة شديدة أن هذا الأخير سوف يُجيب عن السُؤال المُتعلق بقيمة أو أهمية تدريس الفلسفة هنا أو هناك مثلا : ماذا نُريد من التلميذ أن يعرف وما الذي يُحسن عمله فلسفياً، عندما يكون في مُستوى البكالوريا؟ قد سمح مفهوم الكفاءة بتقنين نظرة الأستاذ لتلاميذه، ليُحدّد وبدقة، ما الذي ينتظره فعلا من أدائهم في القسم.

ما الذي نريد من التلميذ الجزائري أن يُحسنه في الفلسفة وبفضل الفلسفة عند مغادرته لمقاعد الثانوية؟

يُمكن أن نلخص الكفاءات النهائية في مادة الفلسفة في ثلاث كفاءات:

  • القُدرة على المفهمة.
  • القُدرة على المُحاججة.
  • القُدرة على الأشكلة.

تتحدد الكفاءات الثلاث من خلال ثلاث عمليات حقيقية يقوم بها التلميذ:

القراءة: قراءة نص فلسفي.

الكتابة: كتابة مقالة فلسفية.

الحوار: التواصل مع الآخرين.

لكن السؤال الذي يُمكن للأستاذ أن يطرحه حتى يفهم إلى أيّ حد قد بدأت هذه الكفاءات في الوُلوج إلى القُدرات الفكرية للتلميذ؟ أو نطرح السؤال بشكل آخر: ما هي المُؤشرات المُرتبطة بسُلوك التلميذ (التلاميذ)، في القسم  والتي تسمح للأستاذ بتقييم كفاءاته؟

بالنسبة لكفاءة الحوار:

  • يتمكن من تقديم الأمثلة/ الأمثلة المُضادة.
  • أن يُقدّم الحُجة/ الحُجة المُضادة.
  • القدرة على تبرير الأفكار.
  • القُبول أوعدم القبول بأفكار الفيلسوف والزملاء.
  • طرح الأسئلة/ طلب استفسارات.
  • امتلاك الاستنتاجات.
  • القُدرة على المقارنة بين رأيين مُختلفين أو متشابهين.
  • امتلاك القدرة على تقديم الفرضية.
  • القدرة على طرح فكرته ورأيه الخاص.

1. مُؤشرات مُتعلقة بالقدرات الفكرية

1.1. كفاءة التساؤل

تتمثل  من خلال القدرة على التشكيك ومراجعة ومُساءلة الأفكار الموروثة (الآراء، المُعتقدات، أفكار المجتمع) وطرح أسئلة مُرتبطة بالفلسفة (الأخلاق، المنطق، الاستيطيقا، ابستيمولوجيا).

2.1. كفاءة المفهمة

القُدرة على التمييز المفاهيمي: تقديم مُميزات، مفهوم مُعين لتوضيح المفاهيم.

3.1. كفاءة البحث

القُدرة على تحديد وإيجاد المُعطيات المُقدمة في النص السُؤال.

  • القدرة على معرفة العناصر التي يُمكن لها أن تُقدم البحث.
  • القدرة على التنازل أو خلق مسافة بينه وبين رأيه الخاص وتبني رأي جديد.
  • القُدرة على فهم وظيفة كل من السُؤال، المثال، الفكرة، الحُجة، الخ...

2. "لغة الصورة" لتجاوز عائق اللغة

فمثلاً بالنسبة لمشكل اللغة (الذي لا بد من أن يُحل على مستوى درس اللغة العربية) يمكن أن نتحايل على هذا المُشكل من خلال استخدام طريقة "لغة الصورة" photo-langage من خلال  اقتراح مجموعة من صور تُمثل موضوعا معينا، مثلا موضوع الحُرية، أو موضوع الفلسفة ونطلب من كل طالب أن يصعد إلى السبورة ويضع إشارة تحت الصورة التي تمثل أكثر مفهومه للحرية أو للفيلسوف، ثم نجمع اختيارات الطلبة في مجموعات وعلى كل طالب أن يُبرر اختياره للصورة أمام زملائه بحيث نسمح له بالحديث باللغة التي تريحه، ثم تتناقش المجوعات حول اختيارها وتُدافع عنه. بعد ذلك يُحرر الطالب في ورقة مفهومه للحرية أو للفلسفة، وعليه أن يُحدد ما الذي أضافه أو غيّره منذ تعريفه الشفهي حتى تعريفه الكتابي. وهذه مرحلة بداية الوعي بأن تمثلاته حول موضوع قد تتغير عندما نعرضها ونناقشها أمام الآخرين. يعتبر المختصون أن لغة الصورة تكسر حاجز التعبير لدى التلميذ كما أنها تتطلب عقلا عاطفيا أكثر من العقل التجريدي، لذا فهي صالحة للحظات الأولى من بداية التفلسف، للثلاثي الأول من السنة الأولى لكن لا ينصح باستخدامها في السنة الثانية، بحيث هناك طرق أخرى أنجع وأفيد مثل طريقة "انتقاء المفاهيم" Q-sort (quality-sort).

3. طريقة انتقاء الصفات

مصطلح يعني بالانجليزية (انتقاء الصفات)، من خلال عرض مجموعة من التعريفات لمُصطلح مُعين (مثلا مفهوم الفلسفة)، يُمكن تقديم تعريفات إيديولوجية، ثم يُطلب من التلميذ اختيار ثلاثة أو أربعة تعاريف تمثل مفهومه الخاص، ثم نطلب منه أن يُقارن ما اختاره هو مع اختيار بقية الزُملاء:

التفلسف هو:

  • تقديم تساؤُل، إشكالية
  • التفكير في المشاكل التي لا يُمكن أن تكون لها حلول علمية/تقنية.
  • محاولة حل مشاكل الإنسان الأساسية.
  • الشك في كل البديهيات.
  • معرفة شيء واحد، هو أننا لا نعرف.
  • البحث عن الحقائق الأولى.
  • تأسيس فكر عقلاني، تجاوز الأحكام الأولى.
  • القُدرة على الاستماع للآخر، ليتحاور.
  • مُحاولة معرفة الذات.
  • تأسيس نسق شامل لتفسير العالم.
  • تغيير العالم وليس فقط فهمه.
  • تغيير الذات دون العالم.
  • أن تُصبح الإنسان الأعلى.
  • التصرف في حدود الواجب.
  • البحث عن السعادة من خلال ملذات معقولة.
  • تجاوز الروح للجسد.
  • تعلم الموت.
  • التحكم في الذات، تجاوز الملذات بالعقل.

العمل الجماعي

بعد تكوين لمجموعات لا تتجاوز خمسة تلاميذ، يُحاول التلاميذ النقاش فيما بينهم حول اختياراتهم.

-يُقدم الأستاذ، بعدما يجمع كل اختيارات التلاميذ، حوصلة لأهم تعريف اتفق عليه التلاميذ (تكرر في اختيارات التلاميذ)، ثم يربط اختيارات التلاميذ بالإشكاليات والفلاسفة، من خلال:

  • الفلاسفة ومذاهبهم.
  • التعريفات الأكثر غُموضاً، مثلا التعريف 13، للفيلسوف الألماني نيتشه.
  • الربط بين التعريفات المُتشابهة، والتشابه المذهبي للفلاسفة. يُمكن للأستاذ أن يعود مرة ثانية ليستعين بهذه النتائج لشرح الدرس المُتعلق بالمذاهب الفلسفية خلال السنة الدراسية.

الرواية  كوضعية إدماجية

من خلال تجربتنا المتواضعة في تدريس الفلسفة لتلاميذ الثانوي وجامعة التكوين المتواصل، حاولنا تقديم بعض الدروس الصعبة من خلال نص روائي، يثير المُشكلة التي يدور حولها الدرس، وتُساعد التلاميذ على الاندماج في المُشكل من خلال مشهد تراجيدي أو حتى كوميدي، فبالنسبة لدرس الهيجان، كنا قد اخترنا مقطعا من رواية "مُذكرات طبيبة" لنوال السعداوي، ينتهي النص بتقديم بطلة الرواية صفعة للبطل الذي يُحاول تقبيلها. وبالنسبة لدرس "الأهواء و العواطف"، كان الحوار بين خالد بن الوليد وزوجته برمكة، موضوع الحوار يدور حول تدّخل المرأة في أُمور الرجال، وينتهي بتقبيل خالد بن الوليد لزوجته بين عينيها. أما بالنسبة لدرس الحُرية، فقد اخترنا نص مُقتطف من رواية "زوربا اليوناني" لكزنزاكي، وهكذا حيث أننا هنا نختار المواضيع التي تشُد وتثير اهتمام الشباب في سن المُراهقة، الذين يبحثون عن مواضيع يُعبرون من خلالها عن ميولاتهم أفكارهم وشخصيتهم. ومن الواضح، - من خلال تجاوب التلاميذ، خاصة غير الـمُُهتمين منهم، عادة،- أن الرواية تُقرب الإشكال من الواقع الحقيقي للتلميذ/ المُراهق، وترفع من نسبة اهتمامه بالموضوع الفلسفي بشكل مُلفت للنظر. 

 


الهوامش

[1] كانط، إمانويل،" ما الأنوار"، ترجمة :نعيمة حاج عبدالرحمن، مجلة أيس الفلسفية، العدد 1، جوان 2005، الجزائر،ص.22.

[2] المرجع نفسه

[3] المرجع نفسه

[4] أنظر بحثنا المنشور في "مجلة تميمي للبحث العلمي والمعلومات حول الديني وحرية التفكير لطالب الفلسفة" بجامعة وهران،تونس،2009.