Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 21، 2012، ص. 27-42 | النص الكامل


 

 

مصطفى مصطفى

 

 

 

التحاقي بالمركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية واحتكاكي بالمتخصصين في العلوم الإنسانية بصفة عامة و اندماجي في ميدان التعليمياتية بصفة خاصة قد فتح لي آفاقا غير المتعلقة بالعلوم المحضة. جعلتني هذه المعاشرة أدرك أنّ التعليم الحالي يفتقر للعامل الثقافي، و أظنه أساسي، و أنّه يسيء استخدام مفهوم الخطأ. أكثر من ذلك، لقد تيقنت من أنّ المؤسسة التعليمية شاركت بقوة في إضعاف الأداة الأساسية لغاية وجودها، اللغة. أريد في هذا الفصل أن أتطرق لمعالجة هذه المواضيع الجوهرية التي أعتقد أن افتقار التعليم لها أو إساءة اعتبارها يؤدي به إلى الانهيار.  

1. اللغة، ماهيتها أداة تعليمياتية

من أوائل ما يتعلم الإنسان و هو طفل أن يتكلم مع من حوله. إنّه حدث كوني مصيري و جوهري فيما يخص تحديد مكانة اللغة بالنسبة للتعلّم. فعلا، من هذا الترتيب الكوني نستخلص أنّ أهم شيء على الإنسان أن يكتسبه قصد التعلّم هو أن يستجوب و يجيب، أن يخاطِب و يخاطَب، أي أن يكتسب أداة اللغة. إذن، اللغة هي الأداة التعليمياتية الأولى. الآن، ماذا نقصد باكتساب اللغة؟ هل هو كاف أن نحسن الكتابة و القراءة؟

كلّ يعلم أن التمكن من القراءة و الكتابة غير كاف للاتصال بالآخر لأنّ الكلمات لها معنى، إن لم تُدرك فسد الاتصال. اللغة تتمثل في قراءة و كتابة كلمات تحمل معنى يختلف باختلافها و هو العنصر الضروري الكافي لاكتسابها: الكفيف لا يقرأ ولا يكتب (قبل البراي) مع ذلك يتحصل على اللغة، من معاني ألفاظ كلماتها. طبعا، اللفظ ملازم للقراءة و هو الأخر غير كاف لامتلاك اللغة. كلّ هذا يصب في أنّ الأهم في اللغة هو المعنى.

المسألة أكثر تعقيدا في ما يخص المدرسة الجزائرية لكونها تستخدم لغتين، لغة المستعمر و لغة وطنية.أضيف إلى ذلك اللهجات المتداولة في الشارع حسب المكان.

بعد الاستقلال مباشرة كانت الفرنسية هي لغة التعليم عن طريق متعاونين (فرنسيين و روسيين) و كانت اللغة العربية تدرس كأنها لغة أجنبية  من طرف معلمين أغلبيتهم من البلدان العربية الأخرى (مصر، سوريا، فلسطين). لكن هذا الوضع لم يَدُمْ إلا بضع سنين قبل أن يُشرع في عملية التعريب. الآن كيف تمّ هذا التعريب؟

أولا، تجدر الإشارة إلى أن علمية التعريب تلت عملية أخرى، جزأرة[1] إطارات التعليم. يعني ذلك أن التعليم، حين مباشرة التعريب، كان في أغلبيته يتم باللغة الفرنسية عن طريق جزائريين، يجهلون اللغة العربية، ومتعاونين أجانب.

يتضح إذن أنّ عملية التعريب في هذه الظروف كانت تحتاج إلى خطة مدروسة دقيقة. نظريا، العوامل الأساسية التي كان من المفروض أن تؤخذ بعين الاعتبار هي:

  • حالة الرصيد الوثائقي باللغة العربية
  • موقف المعلمين من التعريب و قابليتهم له

مع الأسف لقد بوشِر في عملية التعريب مع أنّ لا الوثائق اللازمة باللغة العربية كانت متوفرة و لا المعلّمين كانوا قد هُيِّئوا للعملية.

أعتقد أنّ أكبر مشكل واجهته عملية التعريب هو مشكل تعليمياتي. لقد اضطر المعلّم الذي كان يدرِّس مادته بالفرنسية إلى أن يدرِّسها باللغة العربية، بعد أن تمكن، إلى حدّ ما، من اكتساب المصطلحات الضرورية. الاعتقاد السائد آنذاك تمثل في أنّ امتلاك مصطلحات المادة يكفي للخوض في التدريس باللغة العربية. و هذا، في حقّ اللغة، خطأ خطير دال على المستوى المعرفي والفكري آنذاك. هذا خطأ أول في عملية التعريب، الخطأ الثاني كان نوعه تعليمياتي محض. المشكل في الانتقال، من الفرنسية إلى العربية، يكمن في نمط تفكير هذا المعلّم، بنيته المعرفية، تصوراته واعتقاداته التي تشكلت حين تعلّمه كان ضمن ثقافة ملازمة، الثقافة الفرنسية. أكان بإمكانه أن يحدث قطيعة ابستيمولوجية من دون تحضير، و لا تكوين، و لا تهيؤ جاد؟.    

النتيجة، في الظاهر قد تم التعريب لكن في الواقع أغلبية المعلمين لا يزالون متعلقين باعتقاداتهم السابقة، بالنسبة للقدماء، و التي قد اكتسبها المعلمون الجدد بالاحتكاك مع هؤلاء القدماء. إنّ الوضع هذا خطير إلى حدّ بعيد لكونه معيق للتعلّم المثمر: يدرّس المعلّم 'المعرّب' باللغة العربية، بخلفيات واعتقادات غربية، علوما حديثة ً أسست ضمن الثقافة الغربية. أين الإنسان الجزائري من هذا كلّه؟

قلنا إذن اللغة هي الأداة التعليمية الأولى لكن كيف استخدمت في الواقع هذه الأداة، هذا شيء آخر. إذا تأملنا قليلا في مكانة اللغة في المنظومة التربوية من الاستقلال إلى الوقت الحالي توصلنا إلى نتيجة مؤلمة: رسميا، لم تحظ اللغة الرسمية إلا بمكانة متأخرة بالنسبة لمواد أخرى مثل الرياضيات، العلوم الطبيعية أو الفيزياء. يُؤكِد هذا التأخير الرسمي، في المستوى الثانوي مثلا، المعامل (2) المخصّص لها بينما، على سبيل المثال، معاملي الرياضيات والفيزياء كانا (4) و (5).

تصنيف المواد التعليمية هذا ترسخ في الأذهان إلى حدّ جعل المكلفين يتكلمون عن المواد الأساسية و غير الأساسية. ثم انتقلت الأفكار هذه من المدرسة إلى البيوت حيث استولى عليها الأولياء و استخدموها في قراءتهم لنتائج أبنائهم. أصبح ولي التلميذ لا يهتم إلا بعلامات المواد  المسماة أساسية بل أصبح الأولياء ينصحون أبنائهم بالتركيز على هذه المواد الضامنة للنجاح. فما هي النتيجة البيداغوجية العامة على المجتمع؟ النتيجة، عند العارفين، مؤلمة إلى حدّ لا يطاق.

نتطلع إلى هذه النتيجة داخل أقسام الجامعات حيث الطلبة يتفادون الحديث لأساتذتهم بل إذا تحدثت لخريجي جامعاتنا في تخصصاتهم تظنهم أصيبوا بالبكم. لا أقول إنهم ليسوا على دراية بتخصصاتهم بل أقول إنّهم عاجزون عن التعبير وإيصال أفكارهم إلى الآخر.

اللغة هي الأداة التعليمية الأولى، هي الحامل الناقل للأفكار مهما كان الموضوع ومهما كان التخصص. إذن إنّه غير معقول أن لا تحظى اللغة بالاهتمام الملائم. أيعقل أن ننتظر من التلميذ فهم و إدراك الدقة الملازمة للعلوم مثلا و هو غير متمكن من اللغة. إن لم يتمكن التلميذ من إدراك تفاصيل اللغة و أساليبها فإنّه لم ينل من العلوم إلا ظاهرها و يبقى فاقدا لباطنها.

الآن، ما هي أسباب هذا الوضع؟ أرى أن السبب الرئيسي يكمن في استيراد أفكار لا تليق بأوضاع مجتمعنا. أعتقد أنّي غير مخطئ إن قلت إن المنظومة التربوية تبنت منذ الاستقلال المقاربات التعليمية التي استخدمتها المنظومة الفرنسية رغم شساعة فارق النمو بين المنظومتين. يقتضي الأمر أن يكون إدراج مقاربة ما في التعليم نتيجة طلب اجتماعي لا غير. إن كان كذلك يكون احتمال النجاح كبيرا جدا. استيراد الأفكار، مهما كان الميدان، لم يفلح أبدا لكون الأفكار هذه لم تنشأ في المجتمع المستورِد و لم تتبلور وتنضج داخله. لذلك لن يتمكن هذا المجتمع من اجتناء ثمار هذه الأفكار والدليل أنظر إلى حالة النمو التكنولوجي سنين بعد ما سمي بالنقل التكنولوجي، لم  تُثمِر، على الأقل إلى الحدّ المنتظر.

إذن، نجاح أي نموذج تعليمي يتعلق تعلقا متينا بالمكانة التي تسند إلى اللغة الرسمية، كل تأخير لهذه المكانة يعيق بشدّة فعل التعليم و يسوق عملية التعليم نحو الفشل.

قبل أن أختم هذا الموضوع أريد أن أعود إلى نقطة الاكتفاء بالمصطلحات في استعمال اللغة، لأهميتها و ارتباطها بما يسمى اللغة العلمية. لست حتى الآن أفهم ماذا يقصد بهذا المصطلح، كأنّه هناك اللغة و اللغة العلمية. عندما يتكلم البعض عن تعلّم اللغة العلمية أتساءل أهي منفصلة عن اللغة الأمّ؟ أيمكن تعلّم هذه اللغة من دون تعلّم اللغة الأصل؟ و قد حدث هذا خلال عملية تعريب العلوم المحضة في الميدان حيث كثيرا ما كان يصرح: تعليم المصطلحات يكفي. أهو معقول أن يُعتقد أنّ تعلّم، من يجهل تفاصيل اللغة وأساليبها، المصطلحات هو كاف ليخوض في تعليم غيره العلوم؟ لا أظن ذلك، إنّه مستحيل. ما يسمى اللغة العلمية هو تعبيرات خاصة بالعلوم داخل اللغة الأم. إذن تعلّم هذه المصطلحات يجب أن يختص به من هو مدرك للغة الأصل. كلّ اعتبار غير هذا يساهم في إضعاف و تلاشي معنى المفاهيم.

2. التعليم و الثقافة

لا يقل موضوع الثقافة أهمية عن سابقه في علاقته مع التعليم حيث أعتقد أنّه إن لم تكن الثقافة أداة تعليمياتية مباشرة فإنّ لها دورين ذواتي أهمية بالغة: دور محدّد لمصير التعليم و غايته لكونه يجرى ضمن هذه الثقافة ودور محفّز تعلّمي. علينا الآن أن ندقق في الموضوع من أجل أن نطلع على تعلّق التعليم و التعلّم بالثقافة. على المستوى اللغوي هناك مصطلحان، الثقافة والثقافة العلمية، فنبدأ بالتعرّف عليهما.

1.2. ما هي  الثقافة؟

لغويا لنا عدّة تعريفات للثقافة، منها: الثقافة هي مجوعة المعارف التي تسمح للذهن أن ينمّي رأيه، حكمه، فهمه و ذوقه أو الثقافة هي التمكّن من العلم و الفنون و الآداب أو أيضا الثقافة هي معرفة واسعة و غنى فكريّ. لكن كلّ من هذه التعريفات ما هي إلا تعبير جامع و إجمال يشمل ميزات متنوعة. قد يقصد بالثقافة الحذاقة الناجمة عن حسّ انتقادي، حكم صحيح و ذوق أو عن بعض هذه المميّزات. و قد يقصد بها التربية التي أدت إلى اكتساب هذه الصفات. الاعتبارات هذه كلّها تلتقي في أنّ الثقافة تنتج من علم واسع أو من علوم شتى. لذلك يقول "رستان[2]": "العلم شرط ضروري في الثقافة، لكنه ليس كافيا، إنّما يطلق لفظ الثقافة على المزايا العقلية التي أكسبنا إياها العلم، حتى جعل  أحكامنا صادقة و عواطفنا مهذبة".

تتميّز الثقافة بطابع الشمول لكن إن اختصرت في علم معين لقبت به، الثقافة الموسيقية، الثقافة الرياضية أو الثقافة العلمية التي هي موضوع الفقرة التالية. لكن قبل ذلك نتناول موضوع تعلّق التعليم و التعلّم بالثقافة القبلية.

2.2. علاقة التعليم و التعلّم بالثقافة

مهما كان مستوى التعليم فقبل الخوض فيه قد يكون للمتعلّم رصيد من المعارف والآراء و الإدراكات و الأحكام، رصيد ثقافي، سيؤثر لا محالة على تعلّمه. إنّ التلميذ يتعلّم بثقافته مثل ما يتعلّم بحواسه، و آلية الفهم قد تفسّر هذا جيدا. يفهم الإنسان، التلميذ، ما يتلقى من معلومات جديدة برصيده المعرفي: إن ارتبطت و توافقت المعلومة الجديدة بمعلوماته السابقة يكون قد فهم و تحتضن الثقافة المعلومة، و إن تناقضت المعلومة مع معلوماته و لم ترتبط بها فلم يفهم و ترفض الثقافة المعلومة.

الآن في حالة الرفض، أي عدم ارتباط المعلومة بالرصيد المعرفي، أعتقد أنّه لا يتواجد شيئان إلا و أثر كلّ منهما على الآخر، طبقا لقانون التأثير المتبادل في الفيزياء. ينصّ هذا القانون على ما يلي: ما تواجد شيئان في تجاور إلا وتفاعلا، وهو قانون كوني. الشيئان هنا هما ثقافة التلميذ و ما يلقى عليه من معلومات. التفاعل قد يتمثل في حضن ثقافة التلميذ للمعلومات الجديدة أو في رفضها.لكن الرفض هذا لا يعني الإبعاد بل الإعاقة، أي أنّ التلميذ الذي يكون قد اطلع على المعلومة الجديدة لا يمكنه أن يتخلّص منها و يجد نفسه عارفا لمعلومة لا تتلاءم مع ثقافته، و عليه أن يتكيف مع هذا الوضع. الإعاقة هذه تؤثر على التعلّم في اتجاه معيّن يصعب تحديده.

لذلك، أرى أنّ التعلّم يتعلّق بدون شك بثقافة التلميذ لكونها عامل مؤثر لا ينبغي أن نتجاهلها. خطورة إهمال العمل بها، أي تكييف التعليم معها، تظهر في حالة التفاعل السلبي، التناقض بين الثقافة و معلومات مدرّسة، لأنّ تأثيرها حينئذ على التعلّم قد يسوقه في اتجاه مجهول.

دار الحديث إلى الآن حول تأثر التعلّم بالثقافة العامة للتلميذ الذي قد يمتلك شيئا منها، قلّت أو كثرت. فما هو الحال إن كان للتلميذ ثقافة في مجال تعلّمه، ثقافة علمية. كيف تؤثر هذه الثقافة على صيرورة التعلّم؟

3.2. الثقافة العلمية

تتمثل الثقافة العلمية في مجموعة معارف علمية قد تتسع من مجال واحد إلى مجالات مختلفة. لنا مثلا ثقافة علمية في الفيزياء بمعنى أنّها تتعدى التخصص إلى الفيزياء كلّها. لا يمكن الحديث عن الثقافة العلمية إلا بظهور طابع الشمول و هذا الطابع هو الذي يجعل منها العامل المؤثر الحافز للتعلّم. لكي نفهم كيفية التحفيز نتناول أولا موضوع تركيب العلم.

يتشكل العلم الواحد الجامع، الفيزياء مثلا، من مجموعات صغرى، تسمى التخصصات، متداخلة في بعضها البعض. تشترك التخصصات في عدد من القوانين والمفاهيم و المدلولات و النظريات و هو ما يمثل منطقة تداخل بينها و لذلك يستحيل فصل تخصص عن الآخرين فصلا تاما.

يكون المعلّم المتخصص ذو الثقافة العلمية الواسعة على دراية بكيفية تدخّل مفاهيم مجاله في مجالات أخرى و هو ما يسهلّ عليه شرح و تفسير الأشياء بتنويع الحالات و الأمثلة. و يكون المتعلّم ذو الثقافة على دراية بأشياء خارج مجال تعلّمه و هو ما يجعل مجال معارفه يتقاطع، نوعا ما، مع مجال الشرح. هذا التقاطع هو الذي يحفّز التعلّم.

تداخل الثقافتين : مسهّل التعليم و حافز التعلّم

هذه النمذجة، التمثيلية، تظهر ضرورة الثقافة العلمية في التعليم و يمكن القول إن الثقافة هي من عوامل التعلّم الدال (الفصل 4). إن تواجدت عند الشريكين كان التعليم متميّزا و التعلّم دالا. إن غابت عند المعلّم صعب الشرح و التفسير و التعليم، وإن غابت عند المتعلّم تأثر الاستيعاب و التعلّم. غياب الثقافة عند الاثنين يساهم في التعلّم الآلي (الفصل 4).     

3. في صميم العلم، الخطأ

أريد هنا أن أتناول موضوعا كثيرا ما يتغافل العلميون عن أهمية معناه الحقيقي وعن علاقته بنشأة العلم بصفة عامة، و الفيزياء بصفة خاصة، وهو موضوع مفهوم الخطأ. لا أقصد بتغافل العلميين عن هاتين النقطتين جهلهم بها بل أقصد قلّة الاستحضار و الانتباه و هم يُعَلِّمون. إذا أردتَ دليلا عن هذا التغافل أنظر إلى تركيبة المطلوب من التلاميذ، في الفيزياء، في أقسام الأعمال الموجهة و في الامتحانات حيث لا يُخَصّ السؤال المتعلق بحساب الخطأ إلا بتنقيط ضئيل جدا، و هذا إن طُلِب هذا الحساب. حتى في الأعمال التطبيقية يبقى تنقيط الخطأ أدنى من المستحق و لا يعبّر عن مكانته الحقيقية ضمن العلم.

1.3. الفيزياء بين العلوم

مفهوم الخطأ يتجلّى بصفة بارزة في العلوم الفيزيائية، لذلك سنتناول تفسيره ضمنها. كون أغلبية العلماء متفقون على أنّ الفيزياء هي العلم الأصل، أي المهيمن على كلّ الميادين بتواجد قوانينه و مفاهيمه فيها، يبرّر تعميم ما سيقال عن الخطأ في الفيزياء إلى كلّ العلوم، بل إلى العلم.

سبب أول للتواجد القوي للفيزياء في مختلف العلوم يوجد في تعريفها الجامع، "الفيزياء هي علم الطبيعة"[3]، النابع من اللفظ الإغريقي 'فوزيس'[4] الذي يعني الطبيعة. كان الإغريق يستعملون هذا التعريف في محتوى كلمة 'فيزيكوس'[5] و تأتي هنا كلمة علم بمعناها الشامل. يستخلص من هذا أنّ جميع الخواص و الظواهر الكونية الطبيعية لها حتما تفسيرا في الفيزياء. سبب ثان، لهذا التواجد، كثيرا ما نغفل عنه هو الأصل الفلسفي للمفاهيم العلمية (الفيزيائية)، المفاهيم الأساسية، مثل السببية و الغائية و النسبية والتفاعل و غيرها، مستنبطة من التحليل الفلسفي، والفلسفة من أصول العلم.

لإثبات شمولية الفيزياء و اقتحامها لشتى العلوم أشير للمثال التوضيحي التالي. تحدث في المجتمع تحولات شتى منها البطيء و منها المتسارع وحتى المفاجئ. يبدو في الظاهر أنّ لا علاقة لها بالفيزياء، لكن إذا قمنا بتحليلها وجدنا أنّ لها مُثُل في الفيزياء. التحوّل الاجتماعي (الجوهري أو العرضي) من حالة إلى أخرى يتم ببطء من دون إلغاء الحالة الأولى. هذا التغيّر يحفظ العوامل المحدّدة للمجتمع، هويته، تماسكه، وحدته، لغته وثوابت أخرى. يحدث أن يتم التحوّل بتسارع فائق حيث تلغى الحالة الأولى و يشرع في استبدالها بحالة ثانية لا يُمكنها أن تتعايش مع الأولى، وهذا التحول يسمى الثورة. حالتا التحول متواجدتان في الفيزياء بتسمية انتقال الطور نوع أول وانتقال الطور نوع ثان على الترتيب. و هكذا يمكننا أن نجد مثيلا لكلّ من مفاهيم العطالة، العماء، النظام، الارتخاء و غيرها في علوم شتى مع احتفاظها بمميّزاتها.

قبل ختم هذه الفقرة لنا ملاحظة هامة. العلماء يختارون أسماء لمفاهيم اختصاصهم من التعبير اللغوي العام و يعطون الكلمات معنى تطبيقيا خاصا بالمجال مع حفظ صلب المعنى. لذلك قد نجد المفهوم الواحد متداولا في علوم مختلفة.

2.3. مفهوم الخطأ

الخطأ على العموم هو خلاف الصواب، و هو ما لم يتعمد فعله بخلاف الخِطْء الذي يكون متعمدا. اصطلاحا الخطأ معناه مخالفة القواعد، أو أصول علم  أو فنّ ونحو ذلك.

يأخذ الخطأ في الفيزياء معنى خاصا و دقيقا إذ يقصد به خلاف الحقيقة. يتمثل الفعل العلمي في البحث عن حقيقة خافية. فمثلا، المسافة التي يقطعها متحرك هي حقيقة يُعبَّر عنها بالكم عددا معيّن. فقياس هذه المسافة هو فعل علمي يهدف إلى الوصول إلى هذا العدد، إلى هذه الحقيقة، بوسائل قياس محدّدة و قد تمكّن وسائل القياس هذه من الحصول على قيمة تنسب لهذه المسافة. لكن، يظهر مع عملية القياس إشكال جوهري، يتمثل في استحالة تطابق القيمة المُقاسة  و القيمة الحقيقية للمسافة و يعبّر الخطأ عن الفرق بين القيمتين. عدم التطابق بين القيمتين يرجع إلى ضبط الجهاز ومهارة القائس، و نرى من فعل القياس أنّ الوصول إلى التطابق هو المقصود والمتعمد و ليس الوقوع في الخطأ.

قلنا إنّ الإشكال متمثل في استحالة التطابق بين القيمتين لسبب ذكرناه ولسبب أعمق منه نعالجه الآن. يعني القيام بقياس المسافة أنّها مجهولة فعند الحصول بالقياس على قيمة كيف نتيقن من تطابق هذه القيمة مع القيمة الحقيقية لكون هذه الأخيرة مجهولة؟ إنّنا نبحث عنها، لو نعرفها فلماذا نبحث عنها؟ إذن القياس هو بحث عن مجهول، فكيف نتحقق من أنّ ما وجدناه هو ما كنّا نبحث عنه؟ مع استحالة الجواب يستحيل التطابق لكون الحقيقة تبقى مجهولة إلى أبد الآبدين.

الآن بما أنّ الخطأ هو الفرق بين القيمة المُقاسة و القيمة الحقيقة، أي بين قيمة معروفة و قيمة مجهولة، نصل إلى أنّ  الخطأ في ذاته يبقى دائما مجهولا. إنّه لإشكال عميق، لا الحقيقة تُعرف و لا الخطأ يُعرف. عدم التمكن من حلّ هذا الإشكال يشكلّ عائقا جدّيا يرهن الفعل العلمي و العلم ذاته، إذ يبقى العلم لا يُمثّل إلا تقريبا للحقائق. لذلك يمكن القول إن العلم كلّه بنيّ على أسس تتضمن أخطاءا، غير صحيحة و تقريبية. و من وجهة النظر هذه تكون الفيزياء علمَ تقريب و ليس علما دقيقا كما تسمّى عادة. بقي أن نتناول كيف عالج و تعامل العلماء مع الإشكال القائم.

الإشكال، في الحقيقة، لم يحلّ، و أعتقد أنّه لن يحلّ، لكن تمكن العلماء من احتوائه و تجاوزه، أي اعتمدوا التخلّي عن الوصول إلى التطابق التام بين القيمتين والتركيز على تقليص الخطأ. لكن كيف ذلك و الخطأ هو الآخر مجهول؟ تمّ تقليص الخطأ  بطريقة غير مباشرة. بدلا أن يركز على تقييم الخطأ ركّز العلماء على القيمة المُقاسة و الخطة ذكية جدا. كلّ قيمة يُحصّل عليها من القياس تُمثل احتمالا القيمة الحقيقية، إذًن، من  تكرار القياس عدّة مرات نحصّل على عدة قيمات مختلفة ومتقاربة،  كلّ منها قد تكون احتمالا هي القيمة الحقيقية. لذلك يطلب المعلمون من التلاميذ القيام بالقياس عدّة مرات. و كلّما كبر عدد قيمات القياس يكبر احتمال العثور على القيمة الحقيقية بينها: يمكن أن تكون إحداها هي القيمة الحقيقية لكن يستحيل معرفة ما هي.

التخلّي عن محاولة معرفة القيمة الحقيقية ثم الخطأ لاستحالتها ساق العلماء نحو تحديد المجال الذي توجد فيه  القيمات المُقاسة و هو المجال الذي يحتمل أن توجد فيه القيمة الحقيقية، باحتمال أنّ إحدى القيمات هي الحقيقية. سمحت معرفة هذا المجال بتحديد ما يسمي بالارتياب و هو نصف المجال المذكور. و أصبحت معرفة القيمة الحقيقة تقاس و تحقق بصغر الارتياب. تقترب القيمة المقاسة من القيمة الحقيقية مع تقلّص الارتياب و هو ما يتم عن طريق ضبط جيّد لأجهزة القياس وتحسين مهارة القائس.

نرى من هذه الاعتبارات أن العلم كلّه مبني على الخطأ، أي أنّه لم يتمكن من التخلص من الخطأ أو العلم غير الحقيقة. يدعم هذه الأفكار مبدأ الارتياب الذي أدخله "أيزنبارق[6]" في فيزياء الكم (مستوى الظواهر المجهرية) و الذي ينص على استحالة معرفة الزمن و المكان الخاصين بجسيم ما.  يسوقنا هذا الكلام إلى التفرقة بين العلم المطلق المتعلق بالكون، الحقيقة، و علم البشر أو ما يعلمه البشر عن هذه الحقيقة. لذلك نقول إنّ هناك حقيقة، مطلقة، وحقيقة نسبية التي هي الحقيقة التي يتمكن منها الإنسان، مع ارتكاب أخطاء غير مقصودة. الخطأ متعلق بمن يبحث عن الحقيقة و يرافقه في كل أفعاله، الخطأ إذن فطري ماهياتي.   

3.3. وضع الخطأ في التعليم

لقد تحدثنا عن الخطأ عند معالجتنا لنماذج التعليم و رأينا أنّ للخطأ وضعًا يختلف باختلاف النموذج المعتمد. يُعتبر في النموذج الإلقائي الاستقرائي أنّ مسؤولية الخطأ تقع على عاتق المتعلّم. أمّا في النموذج السلوكياتي، الذي لم يعتمد رسميا ولكنّ آثاره حاضرة في التعليم، فمسؤولية الخطأ تنسب إلى مؤسس خطة النشاط التعليمي أي المعلّم.

يحدد في الفيزياء الخطأ بالنسبة لقيمة مطلقة، للحقيقة. ثم، سبب استحالة معرفة الحقيقة و عدم التمكّن من معرفة الخطأ، يُعوَّض هذا الأخير بالارتياب الذي يمثل القيمة العظمى للخطأ أو أعظم خطأ مرتكب. يحسب الخطأ عن طريق قواعد الحساب المعروفة ثم يستبدل بالارتياب الملائم المأخوذ زيادة. المبالغة شيئا ما أو الزيادة في قيمة الارتياب تجعله، إن صحّ التعبير، يحتضن الخطأ و في الاحتضان تأمين و تيقّن أن القيمة الحقيقية توجد باحتمال كبير في مجال الارتياب. 

الآن، هناك وظيفة أخرى للارتياب متداولة في ميدان التكنولوجية. يطلب المشرف على ورشة صناعة من مساعديه انجاز قطع، كلّ بأبعاد معينة و قد تُصنع كلّ قطعة تقريبا بالأبعاد التي حُدِّدت لها. لكن، لكون التقريب قد يكون مفرطا، متى تُقبل القطع المنجزة ؟ يُحدَّد الارتياب في أبعاد القطع مسبقا قبل إنجازها و لا تُقبل إلا القطع المنجزة التي لها أبعاد داخل مجال الارتياب المُحدَّد. يسمّى الارتياب في هذه الحالة الارتياب المسوح به، الاحتمال أو التسامح. يشير التسامح إلى أنّ القطع المنجزة فيها عبء محكم غير مُعطِّل لوظيفتها، إذن كلّ القطع المتواجدة في السوق قد تؤدي بلا شك وظائفها.

الانشغال، في التعليم، بتحديد مسؤولية الخطأ و التركيز عليها يشير إلى الرغبة في إقامة نظام تعليمي يستخدم المكافأة و العقاب، إن لم يكن العقاب فقط. فعلا، هذا ما حدث مع استخدام النموذج الإلقائي، و لا يزال يحدث كآثار له، حيث يلقب التلميذ المخطئ بألقاب مهينة و يعتبر متأخرا عن الآخرين. أكبر دليل على سلبية الخطأ يوجد في كيفية إبراز الخطأ و التي يمثلها الترتيب الثلاثي، تعليم - أسئلة - إجابة، و الإجابة قد تكون صحيحة أو خاطئة. هذا الترتيب لا يسمح بتجلية الخطأ إلا في نهاية التعلّم أي بعد أن تكيّف التلميذ مع تصوره الخاطئ، لأنّ الخطأ ما هو إلا نتيجة تصوره للمسألة. إذن ترك التلميذ يتصور أشياءا غير صحيحة، خاطئة، ثمّ لومه عليها، و حتى توبيخه، هو في حدّ ذاته مسعى تقديري خاطئ لا يليق بالتعليم.

الترتيب هذا هو الذي يعطي الخطأ وضعا سلبيا، له تأثير على تصرف التلميذ في القسم. التخوّف من ارتكاب الخطأ هو الذي يُشلّ 'حركة' التلاميذ و يجعلهم لا يشاركون في مجرى الأحداث في القسم. التخوف يشلّ الحركة، تصرف طبيعي لا ينبغي أن يلام عليه.

يبدو، إذن، أنّ المسلك الصحيح يتبناه النموذج الاستكشافي و المقاربات الملازمة، حيث يعتمد الترتيب الثلاثي، أخطاء- تصحيح- تعلّم. يُرقّي هذا الترتيب الخطأ إلى وضع إيجابي و يجعل منه أداة تعلّم، يستفيد التلميذ من تجليته لأخطائه فيتعلّم منها. حاليا المقاربة التي تستند بقوّة إلى هذه الفكرة هي المقاربة بالكفاءات بصفة عامة و مقاربة الوضعية الإشكالية بصفة خاصة.   

4.3. تقدير الخطأ في المجتمع

لا أريد أن يفوتني أن أتحدث عن انعكاس الوضع الذي يعطى للخطأ في التعليم على المجتمع. أقول مباشرة إنّ مفهوم الخطأ يُنقل من التعليم والتعلّم إلى المعاملات بين الأشخاص في المجتمع، و ينعكس اعتبارُ الخطأ و وضعه عند التعلّم، السلبي أو الإيجابي، على هذه التعاملات.

لقد رأينا آنفا أنّ الخطأ ملازم للعلم بل بُنِيّ عليه. التعليم المثمر هو الذي يستحضر باستمرار هذه الخاصية و يستخدمها في صالح تعلّم التلميذ. يبدو أنّ إدراك ملازمة الخطأ للعلم و المعارف هو الذي يؤدي إلى ترقيته إلى مكانة أداة تعلّم و إن لم يكن كذلك كان للخطأ الوضع السلبي العادي الذي نعرفه. إن أدرك و استحضر كلّ متعلّم أن الخطأ لا يمكنه تفاديه و هو ذاته دائما مخطئ شيئا ما في أي عمل يقوم به و أي حديث يُحدِّث به، كانت له مواقف تقبُّليَّة من أعمال، أفعال و أقوال الآخرين. كيف هو الحال في المقابل؟

إن تعلّم التلميذ في إطار الوضع السلبي للخطأ تغافل عن حقيقة الخطأ، وكان له فهم مُشوَّه و تصرّف مستقبلي، بعد التخرّج، غير ملائم لحقيقة الخطأ. الخطأ شيء طبيعي على كلّ منّا أنّ يتقبّله و خاصة أن يعمل به. وضع سلبي يعني أنّ من خلال صيرورة التعلّم تشكّل في ذهن التلميذ تصور سلبي، مضِّر، عن الخطأ. يتمثل هذا التصور في ما يلي. يُصرِّح المعلّم مرارا في تعليمه أنّه على التلميذ أن لا يُخطئ، أنّ الخطأ لا يُقبل، و حتى في العلوم الفيزيائية يطلب منه تقليص مجال الخطأ. ثمّ، عند تصحيحه للفروض أو الامتحانات يُظهر المعلّم أسفه و حسرته على الأخطاء المرتكبة، و حتى غضبه.قد يستنتج التلميذ من تصريحات و مواقف المعلّم أنّ الخطأ شيء مرفوض، سلبي لا يقبل و أنّه يثير الغضب. أليس هذا بتصور ممكن قد يرافق التلميذ في حياته؟ إنّه ممكن باق عند بعض التلاميذ. هذا من جهة.يعتقد كلّ متعلّم ، من جهة أخرى، أنّ ما تعلّمه صحيح و تفكيره سليم.أيخطر ببال كلّ منّا في كلّ آن أنّ تفكيره غير سليم و حتى معارفه تكــون غير صحيحــة؟ لا و الله عند البعض وهم كثرة. يعتبر هؤلاء أنّهم دائما على صواب، تفكيرهــم و معارفهم هي المرجع، يُرجِعون أفكار ومعارف الآخرين إلى هذا المرجع. إن لم تتوافق هذه الأفكار والمعارف مع المرجع، أي مع وجهة نظرهم، يتأسفون، يتحسرون و يغضبون. البعض من هؤلاء قد يتجاوز الغضب نحو العنف بكل أنوعه لأنّه تعلّم أنّه عليه أن يتصرف من أجل تقليص الأخطاء. إذن، الوضع السلبي للخطأ في التعليم والتصورات التي تنجم عنه تُمثل أحد العوامل التي تؤدي بالبعض إلى تصرفات عنيفة في معاملاتهم الاجتماعية.

لماذا يوصف اعتياديا المتخصصون في العلوم الفيزيائية و الرياضيات بالتعنّت والعناد و حتى العنف؟ يُلاحظ أنّ هذه التخصصات هي الوحيدة التي تتناول كثيرا موضوع الخطأ و يبدو أنّ معالجتها له تتم في اتجاه غير سليم. الإدراك الصحيح للخطأ يعني تقبّله و هو ما يجعل من الفرد العلمي الحقيقي فردا متسامحا.

الآن، الفرد في المجتمع، بصفة عامة، ما هو إلا حاصل مسار تكويني: ابتدائي، متوسط، ثانوي، جامعي و دكتوراه. إنّه، إذن، مُنتَج لتعليم يكون من المُؤكد قد أخطأ شيئا ما. لكن هذا لا يعني أنّ المُنتج، الفرد، مرفوض لأنّ الخطأ هذا يحدّد وظيفته في المجتمع فقط، من دون رفضه.

كانت هذه لمحة سريعة عن العوامل التي أعتقد أنها تحدّد مصير التعليم. إن صحت و استُحضِرت صحّ فعل التعليم و كان التعلّم دالا، و هو التعليم المثمر. في المقابل، من دون صِحتها و استحضارها لا يكون التعليم إلا عقيما غير مثمر و يكون التعلّم آليا.

المراجع

Roustan, D., La culture au cours de la vie  من المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا، دار الكتاب العالمي ، بيروت، 1994

Mostéfa, M., Les Sciences physiques, vecteur de Culture Scientifique, de  Culture »,  Revue Insaniyat Crasc,   n° 8,  1999.

Mostéfa, M., La Culture Scientifique dans l’enseignement des Sciences Physiques : Quel rôle ?, Séminaire National sur les Problématiques de l’Enseignement des Sciences Fondamentales à l’université, Rapport Savoir – Culture scientifique, 06-07 Nov. 2001, Oran.

Encyclopaedia Universalis, 1995.

 


الهوامش

[1]  Algérianisation

[2]  Roustan, D., La culture au cours de la vie :من المعجم الفلسفي للدكتور جميل صليبا، دار الكتاب العالمي، بيروت، 1994  

[3] Encyclopaedia Universalis 1995

[4] Phusis  

[5] Physikos

[6]  Principe d’incertitude d’Heisenberg.