Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 21، 2012، ص. 15-26 | النص الكامل


 

 

جمال الدين بوقلي حسن

 

 

 

1. مقدمة

نتطرق في هذه المداخلة، أولا، للعلاقة بين الحافز وعملية التعلم، ثانيا ولمدى أهمية بناء الوضعيات المشكلة في سياق هذه العلاقة، والغرض من هذا ثالثا، لترويض المتعلمين على مواجهتها في الميـدان، بعد الوقوف على مبادئ تركيباتها وقواعد حلها.وننبه هنا، إلى أن ما سنورده في هذه المداخلة، هو عبارة عن مجرد معطيات بيداغوجية تقنية .

2. الحافز والتعلم

من أهم ما تُركّز عليه المقاربة بالكفاءات، التحفيز أو الترغيب الذي يُنشط إرادة المتعلم و يقوَّي عزيمته. وهو دافع جوهري وضروري لشحذ الفضول بغرض الاكتشاف والتكيف. وتحت الفضول، تنضوي جملة من الرغبات والميول .

إن التعلم صنفان، تعلم طبيعي وتعلم مستثار؛ الأول يصاحب الشخص بالفطرة في جميع مراحل حياته، داخل البيت أو خارجه ؛ والثاني تعليمي ديداكتيكي تنظمه قواعدُ بيداغوجية .ومهما كان هذا الاختلاف بينهما، فإن القاسِم المشترك الذي يجمعهما هو هذا الدافع المحرك الذي لا تعلُّمَ بدونه.

وعلم النفس في هذا السياق، يفيدنا بأن الإرادة هي التي تقف وراء التعلم والاكتشاف. بالرجوع إلى مركباتها، نلاحظ بأن أول مرحلة تنطلق منها هو إدراك مشروع ؛ وليس هذا المشروع في حقيقة أمره سوى الدافعِ المحفز.  وأنسب المشروع يحمِّس المتعلم المريد هو المشروع المشكل. ومن هنا، نفهم بأن بين الحافز والتعلم علاقةً ديناميكية .

3. الحافز أساس الوضعيات المشكلة

وفي سياق المقاربة بالكفاءات، يتجسد الحافز، في ما يسمى بالوضعية المشكلة .

1.3. دور الحافز في إقحام المتعلم

ليست الوضعيات المشكلة مجرد تمارينَ ولا مجرد أسئلةٍ، ولا حتى مجرد صعوبات عادية مبتذلة. الوضعيات ج وضعية، وهي الموقع الذي لا يواجهه المتعلم رأسا في ميدان التربية والتكوين فقط، بل هي وبوجه أخص، الحالة المأزِِق التي يوجد فيها، وفي أي مجال من مجالات الحياة، بلحمه وذاته، والتي تَقْلب له الموازين المعتادة، والقيم المألـوفة، وتهز فيه ما يحمله في ذهنه، من تصورات فكرية، فتقلقه على مستوى العقل والجوارح تارة، وتحرجه على مستوى النفس والضمير، تارة أخرى.وهنا، يتعين علينا، ألا نفصل المشكلة عن الوضعية، وإلا ارتفعت صفة المعضلة عن الوضعية من جهة، و تقزَّمت المشكلة لتنحصر في جزء من الإنسان. فالوضعية المشكلة تقحم الإنسان (implique) بكامله في أبعاده الاجتماعية والنفسية والفيزيولوجية، والأخلاقية والروحية والميتافيزيقية ...

والوضعية المشكلة تفترض حلا، والحل أو الموقف هو سلوك ناجح نسميه بالكفاءة، ولتحقيق الكفاءة وإنجازها، يجتهد الفاعل المتعلم في تسخير جملة من القدرات الذهنية المسؤولة عن حفظ المكتساب وانتقائها وتوجيهها وتركيبها وبنائها وهذه النشاطات الذهنية العليا والمتفتحة على المحيط، هي التي نسميها بالعمليات الإدماجية[1].

والحقيقة أن التلميذ في هذه الحالة، لم يعد متعلما بقدر ما يتحول إلى باحث عن حل. ومن هنا، يمكن القول بأنه كائن نشيط يسعى إلى إيجاد واكتشاف ما يمكّنه من السيطرة على الموقف.

ولا يخفى بعد هذا التحليل، أن الوضعيات المشكلة ليست من نمط واحد؛ إنها أصناف وأنـواع، وتنوُّعها يختلف بقدر اختلاف أحوال الناس وصروف الدهر. ومن هنا، نستطيع اختيار الوضعيات المشكلة التي تناسب تلامذتنا في مادة الفلسفة، ويتعين التمييز بين الوضعيات التعلمية من جهة، والوضعيات التقويمية، من جهة أخرى ؛ لا بل يهون علينا الحكم من ثمة، على النماذج الحية التي تدعو إليها مدرسة القرن الواحد والعشرين، والنماذج الميتة التي ما تزال الذهنيات الكلاسيكية البالية[2] تحملها وتقف في وجه الجديد[3].

2.3. تدريس الفلسفة يفترض الحافز

إن التعامل مع الوضعيات المشكلة لا يجب أن يطرح بالحدة الموجودة في المواد التعليمية الأخرى كالرياضيات مثلا، وغيرها من العلوم التجريدية السبب في ذلك، هو أن كل تفلسف ينطلق من سؤال سواء تعلق الأمر بالمقاربات القديمة أو الجديدة. والسؤال على وجه الدقة، يجب أن يثير في المتعلم الحيرة والاندهاش .

على أن هذا لا يعني أن السؤال الفلسفي التقليدي يطابق الوضعية المشكلة التي تفترضها المقاربة بالكفاءات.

3.3. الاندماج في الوضعية المشكلة

المقصود بـ " الوضعية المشكلة " هنا، التساؤلات المحرجة التي يثيرها الموضوع المقترح أو العقبات الفكرية والحسية التي يجب اجتيازها عن طريق التحليل والاندماج فيها .

والمقصود بـ "تحليل" الوضعية المشكلة، عرض الأطروحة المعطاة أو المفترضة بحيث يتم فيه الكشف عن الفكرة المحورية للأطروحة ومنطقها .

والمقصود بالاندماج فيها، هو الدخول في مضمون الأطروحة ومنطقها والتفاعل معها قصد تقويمها وتثمينها أو استثمارها وتجاوزها. ولاجتياز هاته العملية، يهتدي الممتحَنُ إلى استثمار مجمل كفاءاته التي تم تحـقيقها في حقل التعلم، وخاصة في مادة الفلسفة ـ وهي كفاءات قابلة للإدماج ـ والتي أصبحت في حوزته، منها : التفكير النقدي، والتفكير التركيبي، وتقدير المواقف وتثمينها، وروح التجاوز و الإبداع. وهي كفاءات تساعده على الخروج من الوضعية المشكلة .

 

4. الوضعيات المشكلة في ميدان التطبيق

هذا كله نعتبره تمهيدا عاما وضروريا للدخول في صميم موضوعنا، وهو الوضعيات المشكلة في تدريس الفلسفة. وإذا كان للخطاب التنظيري قيمته في التعرف على بعض خصائص المقاربة الجديدة، فإننا نعتقد أن الانتقال به إلى ميدان التطبيق العملي لا يقل أهمية عن ذلك. ولهذا، نفتح الآن مع أستاذ الفلسفة، باب التجربة الفعلية، وذلك بطرح ثلاثة تساؤلات وهي : ما مقاييس بناء الوضعيات المشكلة ؟ وما طبيعة الوضعيات المشكلة التي يواجهها الدارسون للفلسفة ؟ وهل من نماذج تجسد فلسفة التعليم بواسطة الكفاءات مع مقارنة بين القديم والجديد ؟

1.4. ما مقاييس بناء الوضعيات المشكلة ؟

لبناء الوضعيات المشكلة، يجب أن :

.1 يُستوحى موضوع الوضعية المشكلة، من الواقع الحي في حدود البرامج     المقررة ؛

.2 تحمل الوضعية مدلولا بالنسبة إلى المختبر، يدخل في دائرة انشغالاته اليومية؛

.3 تتوجه في صياغتها إليه على العموم، بصفته مخاطَبا ؛

.4 تنطلق من معطيات تمهيدية مسلم بها تؤسس عقدة السؤال ؛

.5 تكون كفيلة بإقحام المتعلم (أو المختَبر) في المأزِق و توريطِه في تشغيل ما يملك من طاقات عقلية ومهارات للخروج من المتاهة ؛

.6 تكون كفيلة بإشعاره بأنه الوحيد المعني بإيجاد طريقة المعالجة والحل؛

.7 تمثل قضية تستوجب حلا مستعجلا  وليست مجرد تمرين أو مجرد مسألة تطبيقية ؛

.8 تشكِّل مجالا لتعزيز ثوابت الأمة، و الإشادة. بالقيم السامية والعالمية؛

.9 تدعو إلى الاجتهاد والإبداع ؛

تفتح فرصة للإفصاح الصريح والأمين عن مظاهر شخصيته، وفلسفته في الحياة .

2.4. وما طبيعة الوضعيات المشكلة التعلمية التي يواجهها الدارسون للفلسفة ؟

.1 هناك ثلاثة أصناف من الموضوعات، وهي :

الموضوع الأول : السؤال المشكل، وهو سؤال نظري يطرح قضية فلسفية تثير اهتمام العقل السليم .

الموضوع الثاني : عبارة عن أطروحة تتضمن وضعية مشكلة حسية، تطرح وضعا محرجا، يقحَم فيها المتعلم إقحاما إلى درجة الشعور، بأنها وضعيته الشخصية، ويطلب منه حلها بأفكاره ومعتقداته، دون الوقوع في تنازع .

الموضوع الثالث : النص المشكل، وهو مقال فلسفي يجيب فيه المؤلف عن سؤال مشكل، فيضع أمامه أطروحة جاهزة، المطلوب هو فهمها، وضبط علاقتها بالمشكلة، وتقويمها، والخروج بموقف منها .

.2  نماذج من الوضعيات المشكلة التعلمية

من الوضعيات المشكلة التعلمية التي يمكن اقتراحها، ما يأتي :

الموضوع الأول : السؤال النظري

أ .مثلا، اكتب مقدمة واحدة لكل من السؤالين المشكلين التاليين :

  • السؤال الأول : إذا افترضنا أن مجموع زوايا المثلث يساوي قائمتين، هي قضيةٌ صحيحة، وتقرر لدينا، رفع هذه القضية، فما عسانا أن نصنع ؟[4]
  • السؤال الثاني : إذا افترضنا أن مجموع زوايا المثلث يساوي قائمتين، هي قضيةٌ فاسدة، وتقرر لدينا،الدفاع عن هذه القضية، فما عسانا أن نصنع؟

ب .نموج كلتا المقدمتين : ولتقدير الوضعية المشكلة المتمثلة في إنجاز مقدمتين في آن واحد، نعرض قبل كل شيء، مقدمة نموذجية لكل من السؤالين المقترحين :

  • مقدمة السؤال الأول :

من المعلوم أن مجموع زوايا المثلث، يساوي قائمتين ؛ وهي قضية صحتُها مثبتة؛ ولكن ماذا لو تقرر لدينا رفضها ؟ كيف نثبت بطلان لقولِ بأن مجموع هذه الزوايا لا يساوي °180 ؟

  • مقدمة السؤال الثاني :

من المعلوم أن مجموع زوايا المثلث، يساوي قائمتين ؛ فماذا لو كان هذا القول المعلوم غير صحيح، وتقرر لدينا الدفاع عنه ؟ كيف نثبت صدق الموقف القائل بأن مجموع هذه الزوايا يساوي فعلا °180، على الرغم من وجود نقيضه ؟

الموضوع الثاني: الوضعية المشكلة الحسية

عندما تقرأ الشاعر الجاهلي في وقوفه على الأطلال وهو يسترجع ماضيه، وعندما تلاحظ أن المغترب الذي يحل بمسقط رأسه[5] بعد العشرات من السنين، يجد صعوبات في استعادة ذكرياته وقد تغيرت الأحياء والشوارع التي ترعرع فيها في أسمائها وهندستها بسبب التنمية والكوارث أو الحروب، ماذا تستنتج ؟

هل هذه المعالم أو الأطر الاجتماعية تدل بالضرورة على أنها تختزن ذكرياتنا ؟ أليست هناك عوامل أخرى ؟ وفي كلمة، ما طبيعة الذكرى بالنظر إلى الإنسان ككل ؟

الموضوع الثالث : النص المشكـل (يُقدَّم عند الامتحان مشكولا شكلا تاما، مع شرح الكلمات الصعبة في أسفل الصفحة).

يقول أبو الوليد بن رشد  :

"يَجِبُ عَلَيْنَا – إٍِنْ أَلْفَيْنَا[6]، لِمَنْ تَقَدَّمَنَا مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَة، نَظَرًا فِي الْمَوْجُودَاتِ وَاعْتِبَارًا لَهَا بِحَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ شَرَائِطُ الْبُرْهَانِ- أنْ نَنْظُرَ فِي الَّذِي قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا أَُْثْبَتُوهُ فِي كُتُبِهِمْ: فَمَا كَانَ مِنْهَا مُوَافِقًا لِلْحَقِّ، قَبِلْنَاهُ مِنْهُمْ وَ سَرَرْنَا بِهِ، وَشَكَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ؛ وَ مَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مُوَافِقً للحقِّ نَبََّهَنَا عَلَيْهِ، وَ حَذَّرْنَا مِنْهُ وَعَذَرْنَاهُمْ.

فَقَد تَبَيَّن مِنْ هَذَا،أَنَّ النَّظَرَ فِي كُتُبِ الْقُدَمَاءِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ، إِذ كَانَ مَغْزَاهُمْ فِي كُتُبِهِمْ وَ فِي مَقْصِدِهِمْ الَّذِي حَثَّنَا الشَّرْعُ عَلَيْهِ، وَ أَنَّ مَنْ نَهَى عَنِ النَّظَرِِ فِيهَا مَنْ كَانَ أَهْلاً لِلنَّظَرِ فِيهَا مَنْ كَانَ أَهْلاًَ للنَّظَرِ فِيهَ- وَ هُوَ الذِّي جَمَعَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا ذَكَاءُ الْفِطْرَةِ، وَ الثَّاني الْعَدَالَةُ الشَّرْعِيَةُ وَ الْفَضِلَةُ الْخُلُقِيََّةُ – فَقَدْ صَدَّ النَّاسَ عَنِ الْبَابِ الَّذِي دَعَا الشَّرْعُ مِنْهُ النَّاسَ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ، وَ هُوَ بَابُ النَّظَرِ المُؤَدِِّي أِلَى مَعْرِفَتِهِ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ. وَ ذَلِكَ غَايَةُ الْجَهْلِ وَ الْبُعْدِ عَنِ اللهِ تَعَالَى.

[...] إِنَ طِبَاعَ النَّاسِ مُتَفَاظِِلَةٌ فِي التَّصْدِيقِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَدِِّقُ بِالْبُرْهَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَدِّقُ بِالْأَقَاوِيلِ الْجَدَلَّيِةِ[7] تَصْدِيقِ صَاحِبِ الْبُرْهَانِ بِالْبُرْهَانِ، إِذْ لَيْسَ فِي طِبَاعِِهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنِهُمْ مَنْ بِالْأَقَاوِيلِ الْخِطَابِيَّةِ[8] كَتَصْدِيقِ صَاحِبِ الْبُرْهَانِ بِالْأَقَاوِيلِ الْبُرْهَانِيَّةِ.

وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ شَرِيعَتُنَا – هَذِهِ، الْإِلَهِيَّةُ-  قَد دَعَتِ النَّاسَ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاَثَةِ، عَمَّ التَّصْدِيقُ بِهَا كُلَّ إِنْسَانٍ[9]، إِلاَّ مَنْ جَحدَهَا عِنَادًا[10] بِلِسَانِهِ، أَوْ لَمْ تَتَقَرَّرْ عِنْدَهُ طُرُقُ الدُّعَاءِ إلى اللهِ تَعَالَى لِإغْفَالِهِ ذَلَكَ مِنْ نَفْسِهِ. وَلِذَلِكَ، خُصَّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالْبَعْثِ إِلَى "الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ"[11]، أَعْنِى لِتَضَمُّنِ شَرِيعَتِهِ طُرُقَ الدُّعَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى. وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : (اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[12].

وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ حَقًّا وَدَاعِيَّةً إِلَى النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقَّ، فَإِنَّا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، نَعْلَمُ عَلَى الْقَطْعِ أَنَّهُ لاَ يُؤَدِّي النَّظَرُ الْبُرْهَانِيُّ إِلَى مُخَالَفَةِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ لاَ يُضَادُّ الْحَقَّ، بَلْ يُوَافِقُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ".

أبو الوليد بن رشد، فصل المقال

أُكتب مقالة فلسفية تعالج فيها مضمون النص .

ثالثا : وهل من نماذج (تقويمية)، تجسد فلسفة المقاربة بواسطة الكفاءات مع مقارنةٍ بين القديم والجديد ؟

  1. النماذج القديمة

أ .الحرية = ما معنى الحرية ؟

ب .الجبر والحرية  = هل الجبر ينفي الحرية ؟

ج .مقارنة بين الحرية والحتمية = هل بين الحرية والحتمية قـواسم مشتركة ؟

2. النماذج الجديدة

أ. في الحرية (وضعية إشكالية للمخاطَب)

إن الله تعالى يحدد في الأزل مصير كلِّ واحد من عباده، والعبد لا حول له ولا قوة في تغيير قضاء الله وقدره ؛

وعندما يصدر من الإنسان فعل من الأفعال، فإنه أخلاقيا وقانونيا، يوبخ عليه أو يمدح، يعاقب عليه أو يجازى، لأنه مسؤول ؛

أمامك أطروحتان : الأولى ذات طابع ميتافيزيقي وديني ؛ والثانية ذات طابع واقعي واجتماعي ؛ وبين كلتيهما تناقض، ولا يمكن في المنطق الثنائي، دمج الأطروحتين في آن واحد بحيث نقول : العبد مقيد، وهو في نفس الوقت،  حر مسؤول .

حاول أن تخرج برأي طريف ومؤسس بحيث تصون إيمانك بالمكتوب الرباني دون أن تناقض واقعك الاجتماعي الذي يعتبر المسؤولية خاصة إنسانية .

ب. في الذكرى

قرأتَ كتابا يُعالج فيه صاحبُه موضوعَ الذكريات. و بَعْدَ الانتهاء منه، خَلُصتَ  إلى أنها ظاهرةٌ فيزيولوجية  يُنظّمها الدماغُ.

وحضرتَ بعد ذلك، محاضرةً حوْلَ نَفْسِ الموضوع حيث يُرجِعُ صاحبُها الذكريات إلى الحياة الذهنية، وبوجه الخصوص إلى اللاَّشعور و استَنْتجتَ أن هذه الذكريات، طبيعتُها نفسيةٌ.

وعند خروجِكَ من قاعة المحاضرة، اسْتوَْلتْ عليك حُزمةٌ منْ ذكريات الصِّـبا لِمُجرَّد الالتقاء بأحد مُعلِّميكَ.

فهل هذا يعني أن طبيعة الذكريات ليست فيزيولوجيةً، ولا نفسيةً، وإنما هي مَخْزُونةٌ في الأشياء، وفي الناس، وفي المحيط ؟[13]

ج .وضعية مشكلة في اللغة والتواصل

تسند إليك مهمة التكفل بتربية طفل يبلغ من العمر سنة واحدة لفترة عودة أهله، وتتعهد بتربيته والاعتناء بنموه. وعند ملاحظتك إياه، تفاجأ باكتشاف عاهات عليه كالعمى والصمم والبكم وشلل اليد اليمنى .وتملي عليك المسؤولية تنظيم عملية التكفل بهذه العاهات حسب الأولوية المستعجلة التي تفرضها المهمة .فأي عاهة تأخذ عندك الصدارة في إنقاذ الطفل ولماذا، مع العلم بأن كل عاهة لها تأثيرها في مصيره ؟ ومع العلم بأن الأولوية تقدر حسب قوة تأثيرها في نقل الطفل من كائن معتل إلى كائن يفكر.

د .وضعية في فلسفة العلوم

عندما ترمي قطعة من الطباشير إلى الهواء، فإنها تسقط ؛ وعندما ترمي طَيْرًا إلى الهواء، فإنه يطير ويرتفع إلى السماء. وعندما تَقُوم  بعمليتي التحليل والتركيب التجريبيتيْن على كِلَيْهِما، تستخلص أن القطعة تنحل إلى فُتات مـن الطباشير ـ وهو خليط ـ يتحول عند التركيب إلى قطعة من الطباشير بعد عجنه بالماء، وأن الطَّيْر يَفقِدُ طبيعتَه وحياته وفردانيَّتَه إذا أنت حللته وقسمته إلى دقائقَ جزئية، ولا يُرتَجَى بعد ذلك أن يكون طائرا حيا يتمتع بقدرته على الطيران .

ففي عملية التجريب يبقى الطباشيرُ طباشيرَ، ولكن الطيرَ يتحول فيها إلى أجسام فيزيائية كيميائية هادئة. ومن هذا، تستنتج أن طريقة التجريب التي تُستخدم في دراسة الظاهرة الفيزيائية الجامدة، لا تناسب بالضرورة الظاهرة البيولوجية. ومع ذلك، فإن الدراسات الفيزيائية والكيميائية، وكذا الدراسات البيولوجية تدخل كُّلها ضمن زُمرة العلوم التجريبية .

فما السر في ذلك ؟

5. خاتمة

إن الوضعيات المشكلة، نسبتها إلى الكفاءة كنسبة الدافـع المحرك للإبداع؛ وأكثر من ذلك، فهي في مادة الفلسفة، تُفْضُل السـؤالَ الفلسفي (المشكل) من حيث إنها لا تكتفي بـ "تفخيخ[14]" عقل المتعلم فقط، بل إنها تنصب له كمينا يزعـزع كـل كيانه. وهنا، تجد كلمة برغسون سياقها المناسب عندما كان يقول :" لا يبدع الفرد وهو في حالة برودة الدم". وعليه، فالمقاربة بالكفاءات هي في نهاية الأمر، مقاربة بالتعلم لا بالتعليم وبالإبداع لا بالانصياع، وبالوضعيات المشكلة لا بالمنعكسات الشرطية .

 


الهوامش

[1] إن تحرير فقرة واحدة من المقالة تحتم علينا الرجوع إلى رصيدنا المعرفي من نحو وصرف ومنهجية وقيم... وإلى ما اكتسبناه من مهارات في الكتابة والقراءة والمراجعة والتثبت من معنى الكلمات في المعاجم... وعملية الإدماج تتم عن طريق تنظيم هذه القدرات تنظيما يخدم النجاح وهو تحرير فقرة، وليست عبارة عن تجميع هذه الطاقات الكامنة تجميعا هندسيا بحيث يضاف بعضها إلى بعض. ومن القيم التي تزكي الحل الناجع للوضعيات المشكلة، تثمين قيم ومثل المجتمع والإنسانية، مثل الحقيقة والعدل والخير والجمال والحب والديمقراطية ونبذ الحقد والعنف والحروب.

[2] يقول المثل الصيني : بدلا من أن تكرمني دائما بالسمك، دعني أتعلم كيف أصطادها.

[3] ومن باب السخرية، إن الصراع الذي نشاهده في الرسوم المتحركة بين القط والفأر، لمجال واسع للعبرة.

[4] Si nous admettons que « la somme des triangles est égale à deux angles droits » est une proposition juste (acceptable), Et que nous décidons de la réfuter, comment procéderions- nous ?

[5] أي ببلده الأصلي

[6] ألفينا : وجدنا

[7] الأقاويل الجدلية هي الدلائل المشهورة.

[8] الأقاويل الخطابية هي الدلائل الظنية

[9] إن القرآن الكريم يخاطب جميع فئات الناس، كلٌّ حسْب مستواه المسخَّر له .

[10] جحدها عنادا أي تعمد إنكارها، فلم يعترف بها.

[11] الأحمر والأسود : المقصود بهما هنا، الناس حسب الأجناس و الألوان وعلى اختلاف درجة أفهامهم

[12] النحل، .125 ومن لطائف هذه الآية، الدعوةُ إلى فئات ثلاث : إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وهذه أشرف الدرجات وأعلى المقامات ؛ وإن كانت بالدلائل الظنية، فهي الموعظة الحسنة، وأهلها ذوو فطرة أصلية وسلامة خلقية ؛ وإن كانت بغرض الإلزام والإفحام، فهي لأهل المخاصمة والمشاغبة

[13] Vous avez lu un livre où l’auteur traite le problème des souvenirs. Une fois la lecture terminée, vous concluez qu’ils sont un phénomène physiologique, régi par le cerveau.

Ensuite, vous assistez à une conférence sur le même thème où, le conférencier renvoie les souvenirs à la vie psychique notamment, à l’inconscient ; et là, vous en déduisez que la nature de ces souvenirs, est d’ordre psychologique.

Et, au moment où vous sortez de la salle de conférence, un ensemble de souvenirs d’enfance vous envahit, aussitôt que vous rencontrez l’un de vos maîtres d’école.

Faut- il comprendre par là, que les souvenirs – dans leur nature – ne sont ni physiologiques, ni psychologiques, mais plutôt conservés dans les choses, les hommes et l’environnement ?

[14] Piéger