Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 21، 2012، ص. 5-13 | النص الكامل


 

 

 

حسين شلوف

 

 

1. مقدمة

إدراكا منهم لأهمية التربية في بناء الإنسان و تحقيق أهدافه وآماله، يجتهد خبراء التربية و الباحثون في جميع بلدان العالم سعيا إلى تيسير أسباب الاستيعاب لدى المتعلمين و بالتالي تبليغ المادة المعرفية عن طريق أساليب هادفة، مجدية، وتبعا لذلك، اتخذت التربية أشكالا مختلفة وعبرت عن نفسها بطرق متبانية ولكنها كانت دائما تصب في مجرى خدمة المتعلم.

و لما كانت الأشياء تعرف بالرجوع إلى أصولها، جدير بنا إلقاء الضوء على أشكال البيداغوجيات التي عرفتها بلدان العالم في المجال التربوي، وذلك تعميقا لفهم المقاربة بالكفاءات من حيث هي مقاربة بيداغوجية حديثة. و من أشكال هذه البيداغوجيات :

1.1 بيداغوجيا المحتويات

ينصب الاهتمام فيها على حجم المعرفة المبلغة. فهي التعليم المحض الذي يتجلى في جهود المدرس في الإلقاء و التلقين، بينما يقف المتعلم موقفا سلبيا يقتصر في الغالب على التلقي دون كبير اهتمام بالفهم و الاستيعاب، ويتم التركيز على الذاكرة قبل الذكاء.        

من خصائص بيداغوجيا المحتويات :

  • المعلم مالك المعرفة ينظمها و يقدمها للتلاميذ
  • التلميذ يكتسب المعرفة و يستهلك المقررات.
  • يرتبط المحتوى بكنوز المعرفة المخزونة في الكتب و المراجع والوثائق.
  • عقل التلميذ مستودع فارغ ينبغي ملؤه بكنوز المعرفة.
  • وسيلة التعليم تكاد تقتصر على الكتاب المدرسي.
  • التركيز على منطق التعليم.
  • التقييم يكاد ينحصر في امتحانات مبنية على قياس الحجم المعرفي المخزون في ذاكرة المتعلم بالنسبة إلى كل نشاط على حدة.
  • 2.1.  بيداغوجيا الأهداف

تحدد هذه البيداغوجيا – أساسا – على مستوى التصريح الواعي والمسبق بأهداف الفعل التربوي، لا على مستوى وجوده .

و من ثمة، فهي بيداغوجيا مبنية على الطموح إلى تنظيم العملية التعليمية – التعلمية بقصد الرفع من فاعليتها و بالتالي من مردوديتها وتجاوز نتيجة لذلك الممارسة التربوية القائمة على الحدس و التخمين، و من خصائصها :

  • تنظيم الفعل التعليمي-التعلمي
  • إضفاء اللذة العقلية على الفعل التعليمي – التعلمي
  • دعم فاعلية الممارسة البيداغوجية و تحسين مردوديتها
  • غرس أسس العقل النير في تفكير المتعلمين.
  • التحكم في المادة التعليمية و التأكد من مدى تحققها

3.1. بيداغوجيا الكفاءات

أظهرت دراسات قام بها مربون مختصون بأن ثمة تلاميذ اكتسبوا معارف في المدرسة و لكنهم ظلوا عاجزين عن تفعيل هذه المعارف في مواقف الحياة التي تصادفهم يوميا، الأمر الذي جعل خبراء التربية يفكرون في إعداد بناء الفعل البيداغوجي على مباديء تركز على ما هو أنفع و أفيد بالنسبة إلى المتعلم و أكثر اقتصادا لوقته.

- و من هنا ظهرت المقاربة بالكفاءات كرد فعل لبيداغوجيا المحتويات المثقلة بمعارف غير ضرورية للحياة و لا تسمح لحاملها أن يتدبر أمره في الحياة العلمية وكذا لبيداغوجيا الأهداف التي تقدم المادة التعلمية مجزأة، مركزة في ذلك على فاعلية المحتويات.

و إذن، جاءت المقاربة بالكفاءات لتقترح تعلما مدمجا غير مجزإ، يسهم في ترقية العملية التعلمية حيث إنه يقوم على : 

إعطاء دلالة للتعلمات : و ذلك بتحديد أبعادها عن طريق جعل المعارف النظرية روافد مادية تساعد المتعلم بفاعلية في حياته المدرسية و العائلية ومستقبلا في حياته بصفته راشدا و عا ملا و مواطنا.

جعل أشكال التعلم أكثر فاعلية بتثمين المعارف المدرسية و جعلها صالحة للاستعمال في مختلف مواقف الحياة. فتكون المكتسبات أكثر ارتباطا فيما بينها، وأكثر وضوحا، و يكون الاهتمام منصبا على الأهم دون الهام، ولعل هذا ما جعل أحد المربين يطلق على بيداغوجيا الكفاءات تسمية بيداغوجيا الأهم و ترك الهام.

بناء التعلمات الداخلية : إن جعل مختلف مكتسبات التلاميذ في وضعية تناسق تدريجي و توظيف متصل و في وضعيات ذات دلالة، فكل هذا يجعل هذه المكتسبات تتجاوز إطار القسم البيداغوجي أو العام الدراسي، حيث يبنى داخليا لدى المتعلم نظام أكثر شمولية و ثراء.

فمن سنة إلى أخرى، و من طور تعلمي إلى آخر، يعاد استغلال المكتسبات المتراكمة تدريجيا و توضع هذه المكتسبات في خدمة كفاءات أكثر تعقيدا.

و بهذا، تسهم بيداغوجيا الكفاءات في بناء التعلمات الداخلية وتأسيسها، وبالتالي في صنع المتعلم الكفء.

4.1. خصائص المقاربة بالكفاءات

  • إنها بيداغوجيا تفريد العملية التعلمية إذ أثبتت خصائص المقاربة الدراسات البيداغوجية الحديثة أن الفعل التربوي بالكفاءات يكون ذا فاعلية متى أسهم المتعلم في بناء أحكامه بنفسه إسهاما فعالا. والرسول (ص) ينادي صراحة بهذا المبدأ حيث يقول – في حديث رواه البخاري - :"وإنما العلم بالتعلم".
  • إنها بيداغوجيا الاستقلالية و المبادرة : و تظهر هذه الخاصة في نشاط المتعلم أثناء إنجازه للمشروع البيداغوجي بصورة خاصة .
  • إنها بيداغوجيا الإنتاج حيث إن كفاءة المتعلم لا تظهر إلا من خلال ما ينجزه من أعمال .
  • إنها بيداغوجيا نفعية حيث تتجه مادتها التعلمية إلى ما ينفع المتعلم في شتى مجالات نشاطاته.و هذا الاتجاه إلى النفعية في المجال البيداغوجي يفسره الانفجار المعرفي الذي أصبح العالم يعيشه اليوم. كما أنه اتجاه يوافق فطرة الإنسان و طبيعته.و في ثقــافـة الديـن الإسلامــي مـا يـدعــو إلــى النفعيــة والبراغماتية.فقد جاء عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه : " كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن و العمل بهن ".

و قد جاء في الذكر الحكيم :" و عد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ". (النور 55)   

و هناك العديد من الأحاديث النبوية الشريفة تشيد بالعلم النافع : "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له".

و بالمقابل تنعى و تندد بالذين لم ينتفعوا بعلمهم "أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه".

و كان ابن عبد ربه (328 هـ) يقول : "العلم علمان: علم حمل و علم استعمل. ما حمل منه ضر و ما  استعمل نفع".

و ها هو الجاحظ (255 هـ) يدعو إلى تعليم النحو بقدر انتفاع المتعلم منه دون زيادة إلى ما لا فائدة منه حيث يقول : و أما النحو فلا تشغل قلبه (أي الصبي) به إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن ".

  • إنها بيداغوجيا الإبداع و إذكاء فكر المتعلم، و ذلك بعدم تقديم له المادة التعلمية جاهزة لتستقر في ذاكرته و لكن بدفعه إلى بنائها عن طريق نشاطات متنوعة و ثرية و انطلاقا من أن ما يتعلمه عن طريق التلقين قد ينساه، و لكنه لا ينسى أبدا ما اكتشفه بنفسه.

و كان سقراط قد نحا هذا المنحى و طريقته في الجدل و التي أطلق عليها اسم"التوليد" أي توليد الأفكار من الذاكرة أشهر من أن أذكرها هنا .

علما بأن عملية البناء هذه تتم عن طريق الأساليب التي يراها المدرس مناسبة.

و بهذا المبدأ في التدريس تسهم بيداغوجيا الكفاءات في تنمية فكر المتعلم ودفعه إلى الإبداع.  

  • إنها بيداغوجيا الإدماج و الإدماج – في السياق العام – عملية نجعل بوساطتها مختلف العناصر المتفككة عناصر مترابطة، و ذلك من أجل توظيفها بشكل واضح و منسجم لتحقيق مسعى معين .

أما في السياق البيداغوجي، يمكن القول بأن الإدماج يندرج ضمن عملية توظيف المتعلم – بشكل متصل – مختلف المكتسبات في وضعية ذات دلالة.

و عندما يصل المتعلم إلى إدماج مكتسباته في علاج الوضعيات التي تقترح عليه، يكون بذلك قد برهن على انتقاله من دائرة المعارف إلى دائرة المعارف الفعلية.

  • إنها بيداغوجيا أكثر إجرائية مبنية على المعرفة و المعرفة الفعلية والمعرفة السلوكية. و هذا المبدأ يجعلنا نتذكر التعريف الوارد عن الكفاءة في المجال البيداغوجي حيث "إن الكفاءة مجموعة من المعارف والمعارف الفعلية و المعارف السلوكية التي تسمح بأداء دور أو وظيفة أو نشاط بشكل مناسب و فعال.

و المعارف و المعارف الفعلية و المعارف السلوكية عناصر أساسية في شخصية الإنسان و الفعل التربوي – في ظل المقاربة بالكفاءات – يتوجه إلى تنميتها وتطويرها.  

2. وضعية التقييم في ظل المقاربة بالكفاءات

عندما يتعلق الأمر بتقييم الكفاءات فالاهتمام لا ينصب على صوغ أسئلة تتمحور حول المعارف و لكن يجب أن ينصب الاهتمام على وضع المتعلمين في وضعية معقدة بحيث يدعو حلها إلى تسخير الموارد و المكتسبات التي يتوافر عليها هؤلاء المتعلمون و وضعية التقييم – في ظل المقاربة بالكفاءات-تسمح بالوقوف على مكتسبات المتعلمين بدلالة الكفاءات حيث إن المتعلم الكفء يفعل مجموعة معلومة من الموارد من أجل حل إشكالية مطروحة في سياق معلوم، على نحو ما هو معروف في إنجاز الوضعية – المشكلة ذات طابع تقييمي و الوضعيات المستهدفة.

خصائص وضعية التقييم

  • تحديد الكفاءة موضوع التقييم
  • تخضع وضعية التقييم إلى منتوج
  • تخاطب الوضعية كل تلميذ على حدة
  • تبنى وضعية التقييم بشكل ييسر إدماج المعارف و المعارف الفعلية والمعارف السلوكية و القدرات.
    • التلميذ فاعل و مشارك
    • وضوح المقروئة و دقة التعليمات
  • وضعية التقييم تكون جديدة على المتعلم.
    • مراعاة مستوى المتعلمين المستهدفين
    • تكون ذات دلالة بالنسبة إلى المتعلم

 

 

3. المراجع

زياد، فكري حسن، تخطيط المناهج الدراسية،القاهرة، مكتبة الفلاح، 2003.

محمد رجب، فضل الله، الاتجاهات التربوية المعاصرة في تدريس اللغة العربية، مصر، مطبعة أمون،2001.

رشدي، طعيمة، الأسس العامة لمناهج تعلم اللغة العربية (إعدادها – تطويرها – تقويمها)، بيروت – لبنان، دار الفكر،1997.

درسنا اليوم، إعداد جماعة من الباحثين، الدار البيضاء، دار خطابي للطباعة و النشر، 2001.

أبو حطب، فؤاد، القدرات العقلية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1995.

 

Roegiers, X.,  Une pédagogie de l’intégration, compétences et intégration des acquis dans l’enseignement, éd. de Boeck, université Bruxelles, 2000.

Perrenoud, P., Construire des compétences dés l’école, Paris,  éd. Armand Colin, 2003.

Schoer Lowell, A., L’évaluation des élèves dans la pratique de la classe, Paris, PUF, 1975.

Légendre, R., Dictionnaire actuel de l’éducation, Paris,  Larousse, 2000.

Tardif, J., Savoir et savoir faire une dynamique pédagogiquement ignorée, Paris, Nathan, 1997.