Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 17، تراث رقم 7، 2009، ص. 31-45 | النص الكامل


 

 

 

محمد سرير

 

 

 

مقدمة

يضمّ تراثنا الشعبي فعاليات و تصوّرات اجتماعية، اجتاحت النفس وعملت على توعية الفرد، واكتسابه للوعي الاجتماعي، الّذي يؤسس له كيانا حسّيا و معنويا، يحمله على تحقيق ذاته، وتسخيرها في خدمة غيره، فيكون بذلك فاعلا اجتماعيا، ذا تجربة إنسانية لها مقومات شخصانية، ودوافع مؤسسة على نظم اجتماعية، تباينت مظاهرها حسب التغيّرات السوسيوثقافية.

و من أهمّ صور التراث الشعبي الأغنية الشعبية، الّتي مثلت صور المجتمع و كيان الفرد، و ذاتيته فكان الترجمان الوفي و الأنيس المخلص في الوحدة، و المحرك الأساسي لحركية الجماعة، فالأغنية الشعبية شعار إنساني اتسم بالكلمة الظريفة، و الحس المرهف، و المعنى الهادف، و زيّن بلحن قربها من الروح و أدرجها على الألسن، فاستأنست لها الآذان و لانت لها القلوب.

و بحكم أن الأغنية الشعبية ترجمان للذات، تحزن لحزنها و تسعد لسعادتها، فقد جاءت حاكية لما يجول بخاطرها، و كثيرا ما تضيق النفس بما حولها فتندفع للكلام و النظم، مستخدمة في ذلك أسلوب العنف الرامي إلى تشخيص الظواهر الاجتماعية، و إظهار الصلاح، فالعنف هو الوسيلة الأمثل لتقويم ما فسد، حتى يتفطن الغافل و يتعقل المنحرف، و قد تمثل عنف الأغنية الشعبية في الكلمة الموجهة إلى متلقيها راسمة له الخطر ومآله، تحثّه على الهداية و الانضباط.

ماهية العنف في الأغنية الشعبية

العنف صفة إنسانية تتجلى في القول و الفعل، مترجمة لأحاسيس ناجمة عن تصادم مع الواقع، و ذلك في العلاقة الرابطة بين الفرد و المجتمع، هذا من جهة كما أنها قد تكون بين الفرد و نفسه، وذلك حينما تتعارض دوافعه مع مكتسباته الجسدية، فيجد بذلك حاجزا يمنعه من تحقيق مآربه، فيرتد إلى العنف الذاتي الّذي قد يصل به إلى تدمير الذات، و يعكس ذلك في عمل أدبي يتجلى فيه عنفه وعدوانيته، و العنف كثيرا ما يكون خادما للمجتمع و للفرد، إن هو وُجه بطريقة عقلانية كالثورة على ما هو ضد أخلاق المجتمع، و الثورة نحو التقدم، و رفض ذلك الخمول و الجمود.

"و إذا كان العنف من طبيعة تواجد المجتمعات البشرية المختلفة وملازما لها فإنه يقوم على زعزعة الاستقرار الّذي قد يميز العلاقات الاجتماعية، أو يعيد صياغتها من جديد"[1].

و العنف في الأغنية الشعبية ماثل على أحرف و معان، خطابها الرامز إلى نفسية الشاعر و تفاعلاته مع مجتمعه، و ما يميز الأغنية الشعبية أنها خطاب اتسم بالشعوبية، و لامس أحاسيس الشعب و آلامه راميا إلى آماله، لذا نلمس طابع الحزن و المأساة، بصفتها المترجم الأول للجماعة النابعة من أصوله، والأكثر احتكاكا بتحوّلاته، لذا تكون الأغنية الشعبية نابعة من الذات الشعبية المندفعة بالغناء المنبعث من التأثر بالحالة الاجتماعية يقول الشاعر مصطفى بن ابراهيم[2] :

قلبي اتفكر لوطان و الهالا      راني مهول ما نيش في حالى

في هذا البيت نلمس اجتماعية الأغنية، فالشاعر ملتصق بمجتمعه، يحنّ إلى وطنه و إلى الفرح و السرور الّذي كان يعم نفسه و الآن افتقده و انقلب حاله إلى بؤس و حزن، فالشاعر الشعبي لا يجد نفسه ولا بهجته إلا وسط أهله، و ما عهده فيهم من شهامة وإخلاص، فإن هو افتقدهما فيهم ولّى عنهم مدبرا  إلى حيث يجد ضالته، رافضا حاضره فيتولد عن ذلك ضيق في النفس، و دافع يحثه على التسامي لكن لا أمل في ذلك، فينقلب هذا التصادم إلى إبداع شعري اتسم بالعفوية و الشعبوية، تتخلله العدوانية الرامزة إلى رفض ما آل إليه أهله منا شدا عودة أفراحه و أمجاده.

إنّ الشاعر الشعبي يقف موقف المتمرد على ما آل إليه حاله، مريدا بذلك التغيير لكن بطريقة سلمية "فالإنسان المتمرد عند كامو إذن هو الشخص الذي لا يجاوز الواقع، بسبب قسوة الظروف الّتي تتحكم فيه و لما كان الأمر كذلك فهدفه هو إحداث تغيرات جزئية في هذا الواقع"[3].

فماهية العنف في هاته الأغنية الشعبية تتجلى في إرادة التغيير والإفصاح عما هو واقع، و البحث عما هو غائب، و محقق للدافع النفسي المؤسس على حبّ التسامي و خلق محيط معيشي مناسب.

فالتجربة الإنسانية الّتي تحمل الفرد على الإبداع في حياته، وطلب السكينة تفرض عليه الرفض والعنف، اتجاه ما يعارض تحقيق ذاتيته، لكنّه في ذلك لا يطلق العنان لعنفه، فيؤسس ذلك على أحكام عقلانية تساير الحكمة، و العلاج الآني، دون الإخلال بموازين الإصلاح، و قد يكتفي بالتشخيص والتمرد دون التحوّل إلى التغيير العام و استعمال العنف الضار أو السلبي، "دعوة كامو إلى تجنب استعمال العنف وذلك باسم فلسفة الاعتدال، و احترام الحدود، و المفارقة ههنا أن كامو يجعل من التمرد جوهر الإنسان في هذا العالم، و لكنه يهيب به إلى عدم تجسيد هذا التمرد من خلال التجربة الحية بدعوى أنّ التمرد الحقيقي هو التمرد الميتافيزيقي، الّذي يعني أساسا تشاؤما و استياء إزاء هذه الحياة الفانية"[4].

نجد الشاعر هنا متمردا على مجتمعه، رافضا لأحواله الّتي تجلت في عدم الاعتراف بحقه، و غياب العدل و تلك الحفلات بين القبائل، و غيابه عن الوطن و معاشرة أناس يجهلون عاداته وتقاليده، و معنى كلامه، فلا يبالون به و يبقى وسطهم مهمشا فلا سبيل له للعيش معهم، و لا للعودة فينشأ هذا التمرد الدال على الرفض، و إن خلا ذلك من التغيير الجزئي أو الكلي.

و يلحق بالذات الشاعرة شعور بالدونية ينبني عليه بعد عن المجتمع، وتراجع في الانتماء و تغير للصورة الذاتية، ما ينتج عنه نزوح إلى قوى خفية تمثلت في الولي الصالح "راع الحمرا"، علّها تُرجع المجد الضائع و تحقق للذات اجتماعيتها.    

مستويات العنف في الأغنية الشعبية

المستوى الداخلي

 مما يعرف عن الأغنية الشعبية، أنها تعبير ذاتي ناشىء عن تفاعل سلوك اجتماعي، بين الذات الشاعرة و تحوّلات المجتمع بجميع ميادينه الثقافية و السياسية والاقتصادية، فيكون بذلك نتاج سوسيوثقافي ميّز اديولوجية اجتماعية دالة على سلوك فردي واجه الخارج، فأثر و تأثر، و قد انعكس ذلك عليه بوصفه ذاتا عقلانية ذات وجدان و حسّ، تراكمت عليه صور اجتماعية تصادمت مع نفسيته.

كما تتطلب النفس الدافع الّذي يحلّ على كينونتها، فتمثل ذلك بمطالب وجب تأديتها و تحقيقها بصفة واقعية، و إلا ظلّت مرادا مطلوبا، كما أن الفرد تحويه جماعة وجب احترام قوانينها وعاداتها، فإن هو خالفها خرج من دائرة الطاعة ليحلّ بدائرة العصيان، و هذا ما يؤول بالذات إلى التدمير، فيأتي ما يخالف الجماعة، ويوّد ما تريده نفسه فينتج عدم استجابة الذات للدافع، وتحدث اضطرابات نفسية تلزم إخراج مكبوتاتها على أرض الواقع، و هو تحقيق للعجز المفروض بطريقة غير مباشرة، "بهذا نجد أنه في حالة عدم إشباع الدافع، فإن حالة عدم الاستقرار سوف تسيطر على العلاقة بين الفرد والجماعة، و تنتهي هذه الحالة و يعود الاتزان عندما يتم إشباع دوافع الفرد من خلال ما وضعته الجماعة، من نظم وأعراف لتنظيم كيفية إشباع هذه الدوافع كما أنه يجب أن نقول أن حالة عدم الاستقرار سوف تستمر لو أن الفرد أشبع دوافعه بصورة تتعارض مع الإطار الذي حددته الجماعة"[5]، ويتجلى ذلك في الأغنية، يقول الشاعر الشيخ بوطالب بن يخلف في قصيدته راني محيّر:

راني محيّر- يا ناس ملاڤ صبر- عقلي تودر-

فالبحر بين الموجات

ذا البحر غامق- من جا و دخله يغرق- يبقى مشوق-

و يحوس على النجاة[6]

هي الحياة بضيق صدر، و استقبال بحر، و الغوص فيه يؤدي للغرق، وبالتالي البحث عن النجدة هي ذي ذات الشاعر المتمردة على واقعها فأنّى الراحة و الهدوء، و الغضب والحيرة نار بالقلب حارقة، و يواصل الشاعر فيعطي سبب الحيرة و الغضب مبررا تمرده و ثورته النفسية يقول:

ما شفات عيني- ذا الجيل كي هوّلني- ربي هديني-

و الله يفر ما فات

ذا الجيل صعبة – ما كان فيه محبة- عشقو القصبة- جلبوهم الغنايات

إنها الثورة على الجيل الصاعد الفاقد للأخلاق الحميدة و للعقل الرزين الناظر إلى الأمور بروية لا هم له سوى تحقيق لذاته و البحث عن ميناء لهواه، جيل مفتقر للمحبة هذه الصفة التي تعمّ الذات و تحملها على التعاون و العمل و الإخلاص افتقدها الجيل، فأي مستقبل له و أي حياة يعيشها تأسف و تدمر خوف من مأساة آتية تفسير لواقع مأساوي:

الشيوخ جاحو- باعو كلامهم و نفضحو-

فالحديد ضبحو- دايريتهم للهوات

رجال طاحو- و البخسات رتاحو- و اليوم فرحو- تعاندو على البزارات[7]

يزيد من تذمره و تمرده على واقعه، و قد وصل به البؤس إلى ذروته بحيث ترى ذوي العقول و الحكمة و النباهة يبيعون ثمن حكمهم رخيصة، بغية فتات مال و قد أصبحوا ينظمون لهواهم فسقطت هممهم، و عادت الهمّة لذوي الهوى والرقص.

 و يزيد الشاعر من إظهار حقيقة قوله مخرجا نفسه من دائرة الشيوخ الّذين باعوا كلامهم رخيصا يقول:

في كل مضرب- ذا القول صحيح مجرّب-

ما نيش كاذب- عرّوهم المريولات

إن سبب تفشي الفساد، هو الغواني كما سماهم بلهجة شعبية "مريولات" هنّ سبب فساد الرجال و الأسر، و العاقل من دان نفسه عنهن، و اتخذ لنفسه حصنا معينا، إنهن يأسرن النفس ويحصرنها في حيز اللّذة التي يتبعها ألم الشعور بالذنب فيقول:

مسكين يحصل- ما يصيب كي يتنقل- يبقى مسلسل-

قهروه الڤزانات

ينسى ولاده- الڤربي و بلاده- تبكي عياله-

و الوكيل عالي الدرجات

هي ذي صورة التابع للهوى، و لمخادع النساء الغواني، فلا طائل من غيّهنّ إلا خراب الديار وترك الأولاد، ليجد نفسه أمام المحاكم هائما على وجهه، فلا منزل يأويه و لا أسرة تحميه، لا كرم و لا شرف يشفع له.

يزيد من تفسير هذه الظاهرة و إظهار ما خفي من فروعها فيقول:

لبنات كرهوه- الحق ما يساعف شي بوه- و اليوم طردّوه- منين تزدامه مات

حرڤوه بالنار- لا طبيب يداوي لضرار- خلّوه مشرار-

 لبنات ولّو عودات

هي نتيجة مؤلمة وتحسر، فتحن له أبواب اللّذة و سقط شأنه بل زادوا في حرقته و تركوه للشر أسيرا فما عساه يفعل و قد انغمست يداه في الرذيلة.

هي ظاهرة اجتماعية قد بينها الشاعر و بالغ في وصفها، لم لا و هو الشاعر الشعبي الّذي حل بنواة مجتمعه و عايش آهاته وميز أماله و أدرك انحرافه و عدم اهتدائه لسبيل النجاة، فعمل على هديه وتنوير طريقه بمصباح النصيحة و تشخيص العلّة وتبيان أسبابها و نتائجها، حتى يتوب المذنب ويتعظ السامع، والناظر فيعم بذلك الصلاح و الأمان.

و تواصل الأغنية الشعبية عنفها و تمردها على مستوى النفس، الّتي تأبى كل ما هو خارج عن فطرتها باحثة عن أمل يرضيها و راحة تبقيها، يقول الشاعر الشيخ الحاج أحمد الغرابلي في قصيدته يا لطف الله الخافي[8]:

بحنا بالمحرمات و المعاصي قوات- قلوب الناس ضحات- غافلة على الموت

العلامات نبات- للورى ما خفات- قوات الظلمات-

و المكر و البهوت

قومان صمت و عمات- غرّهم الحياة- تبعو حب الشهوات- فوق سحت السحوت

أصبح البوح بالمحرمات علنا، و المعاصي كثرت بكثرة الظلم، و نسيان الموت، القوم في عمى وصمت و كل ذلك ناتج عن غرور بالحياة، و طاعة للشهوات، هو زمان غاب في الحق وظهر الباطل، و ما نفس العاقل منها إلا في تذمر و تمرد، هو عنف داخلي علا النفس الأدبية محاربة ما يواجهها من فساد بالحرف و الكلمة المسموعة، ذات القوّة المغمورة الحاملة للعزة والكرامة في حياة نرومها نجاة، بآخرة محمودة.

اتّسمت الأغنيات الشعبية بالوصف التقريري المباشر، الماثل في  وصف الشاعر لواقعه و مجتمعه وما آل إليه من فساد يواصل الشيخ أحمد الغرابلي:

ما زاودنا لرحيل – ما سلكنا سبيل- قلوب الناس تميل-

 للطمع و الحيال

عاش المسكين ذليل- دون علة عليل- و الفاجر في تفضيل- عند قوم الضلال

لو كان لئيم بخيل- تمدحه هل الميل- و يقولو مرو ثقيل- من خيار الفضال

يرثي المرء المسكين الّذي لم يحضر زاد رحيله، و لم يسلك سبيل النجاة و هو للطمع يميل، و بلا علّة عليل، زمان تقلبت فيه الموازين، و غابت راحة البال، و صار اللئيم البخيل مفضلا محبوبا وعزيز النفس و حكيمها منبوذا.

فلا ملجأ و لا منأى إلا للقادر العليم و الغفور الرحيم:

يا لطف الله الخافي- تلطف فيما جرات به القدار

فالله تعالى هو ألطف اللاطفين و أحكمهم منه الهداية والرحمة.

و يجد هذا العنف التمرد منددا، يطلق فيه زفراته و آهاته، وهو متأكد من بلوغ مسعاه و سماع كلماته، و صدق معانيه، وحسن توكله، عند إله سامع قدير، و حكيم مبلغ رحمته و عفوه، بقدر قد قدّره بحكمته.

و على نفس الوتيرة يسير الشاعر مصطفى بن ابراهيم حيث يقول:

نوب انجالس شي ناس عقالا   

                          و اتقول ذا الاول خير ما تالى

                     نوبات نتفكـر يا لمثــالا    

                           و ايثور جرح المحنى او يربالى[9]

إن الذكرى الأليمة و الفرقة المريرة تبعد النفس عن مسراتها، و فقدانها لذوي النهى النيرة و النفوس الأدبية لأمر يهوي بها إلى ظلمات القهر والبؤس ثمّ يقول:

    حصراه كنت بقومي أوخيالا    

                          و افعلت كناس اسـويد بامحالى

    خودات بالعشق احنان هبالا        

                          و ابزور و روايح مسك و اغوالى

يواصل وتيرة العيش في الزمن الماضي هو زمن محرم عليه دخوله، فيناشده و يروم عودته و كلمة "حصراه" ذات دلالة قوية على قوة البؤس، وتذكر الماضي المليء بالأنفة والكرامة و الرجولة حتى إنّه شبه نفسه بناس اسويد القبيلة الهلالية المعروفة ببأسها و رباطة جأشها، و البنات يحيطهن بعشق وافر قد تلحفن بطيب مسك، فاكتمل حسنهن و طابت معاشرتهن.

قد افتقد الشاعر الجماعة الّتي تفهمه و تحمله على العمل الجاد، والقول الحكيم فما بقى إلا جهال و عميان لا فحولة عندهم تعرف، و لا كرم يوصف، و لا شهامة تشرف، "فمعظم حالات الانحراف الفردي أو الجمعي، أو حالات التمرد و العصيان، أو حالات الرفض و عدم السواء قد جاءت نتيجة لعدم تمكن الفرد من قبول مبدأ الضبط و التحكم، الّذي افترضته الجماعة لتقوم عليه العلاقة بينها و بين أفرادها"[10] فما له إلاّ البحث عن قوة خفية تعيد له مجده أو على الأقل تمده بصبر يحيا به فيقول:

زرت اشيوخ اوليـا أو بـدالا     و اطلبت راع الحمرا البدالى

ايردني كبف اقبيل بن لالة     الخيـر مولاه يجـود مـنتالى

يناشد وليه "راع الحمرا" فهو القادر على منحه طيب الحياة ورفع راية مجده.

المستوى الخارجي

إن المستوى الخارجي للعنف هو ذاك التفاعل الإنساني مع الآخر و قد ينعكس هذا على صورتين:

الصورة الأولى هي صورة الخطاب الّذي يريده الشاعر أن يصل إلى الآخر.

الصورة الثانية هي ذلك العنف الّذي يصوّره الناتج عما رآه من الآخر فهو من جهة يُعلِم لمن لا يَعلَم و من جهة أخرى يعنف الفاعل على فعلته:

                           

 

و كأنّ الشاعر هو حلقة وسطى بينهما:

و هذا هو الدور الّذي تلعبه الأغنية الشعبية، إن كانت هادفة إلى التربية مستعملة العنف بصفته الايجابية، و هي التمرد و الثورة على ما هو غير طبيعي و فاسد، بغية إرجاع الأمور إلى طبيعتها و إظهار ما هو صالح مساير للحياة الإنسانية يقول الشاعر مصطفى بن ابراهيم:

اهلي و ناسي في الشوم رجالا    

                            اشحال من وطن اهداوه خالى

اركاب ما البعد اتبان شعالا     

                            و القاط كمخي و السرج فلالى

برد لكحل من نار يتكالا       

                            شبان تنطح فالشوم و امشالى

اتسم الخطاب الغنائي بالعنفوانية الرامية إلى حمل السلاح و الحرب والغزو، حتى يترك المكان خاليا دلالة على حزم الغزاة و بطشهم بلباسهم الفارسي الأحمر، هم شبان اتخذوا من البنادق أذرعة و سواعد، و باشروا الحرب بغية النصر و تحقيق أهدافهم، هذه اللّغة الّتي تحث على خوض غمار الحرب، و عدم الاستسلام للعادي، هي ما زادت بروز الأغنية الشعبية الّتي كثيرا ما تجد قبولا لدى السامع و كأنها ترفع من معنوياته و تغذي روحه، دافعا بالنفس بات يراوده من حين لآخر يواصل قائلا:

اخلى بلاصى ولى لمن والى    

                            ملكوه ما لا يرضاوا باقوالى

و ليت عاشر شناس جهالا   

                         و اقليل من يفهم لغطت اقوالى

يهدو الڤرڤ و يلبسو النعالا  

                         و الراس عريان اتڤول هبالى

لا زال ذاك الآخر المتعدي يحز النفس تمردا، و يدفعـهـا إلـى الـرفـض و البوح بما لا ترضيه معنفة آخرا جار بظلمه، وتعـدى عـلـى حـق غـيـره، و ليس أكثر بؤسا من يعيش وسط قوم جهلوا قدره و معانيه، قوم تركوا عاداتهم و تقاليدهم، و مالوا لغير طبيعتهم فهم حقا حمقى "العادة الاجتماعية نمط من أنماط السلوك الفردي، الذي يكتسـب صـفـة الـشـيـوع و الانتشار، و ينتقل بالتالي في تكوينات الجماعة المختلفة، محدثا نوعا من التناسق الذي ينشأ عن التقليد و المحاكاة، و على هذا فإن العادات متغير آخر يؤثر في علاقة الفرد بالجماعة، من حيث مدى تقبل الفرد في إطار الجماعة"[11].

كما يصل العنف على مستواه الخارجي، إلى تشخيص الظواهر الاجتماعية الفاسدة، الّتي انحاز لها الإنسان وانغمس في أغوارها غير مبال بسوء خاتمتها.

و تزيد قيمة الأغنية الشعبية الرامية إلى الإصلاح، في إظهارها مع تبيان مضارها و الطرق المؤدية إليها حتى لا ينخدع من أعجب بها.

في نهار لول- تڤوله با راجل- ارواح تدخل-

ذا موضعك وين تبات

ثم تساله لا صابته بماله- تجي ڤباله- تردف القطيفات

يبقى يجرد- الناقص مع الزايد- و تضحى توكد-

جيبي لخوك لحافات

زيدي المطرح- لخوك كي يطرح- يبقى يكحكح-

و تجيب له الشيرات

مسكين يحصل- ما يصيب كي يتنقل- يبقى مسلسل- قهروه الڤزانات

لبنات كرهوه- الحق ما يساعف شي بوه- و اليوم طردوه- منين تزدامه مات

حرڤوه بالنار- لا طبيب يداوي لضرار- خلّوه مشرار- لبنات ولو عودات[12].

نلمس الذات المغنية للقصيدة تبوح من خلال كلماتها، بوضعية ذلك المغلوب على أمره الّذي ينخدع بأقوال الغواني، و ما حيلته و الجو أمامه مفروش بكل ما يشتهي، كأنه ينوّم مغناطيسيا فلا يشعر بالأذى إلا بعد فوات الأوان، و تستعمل الأغنية لفظ "الڤزانات"، بمعنى المشعوذات يمارسنّ عليه سحرهن، و يأخذن ما شئن، حتى يعود فارغ الجيب تنتهي نقوده، فيعود ويخرج صفر اليدين.

هنا تكمن إصلاحية الأغنية الشعبية الرافضة لهذه التصرفات، فهي عنيفة و بشدّة على كل ما هو خارج عن منطق المجتمع السوي، هي دائما تبصر إلى الآخر على أنّه حاكم على مشروعيتها، حامل لدلالاتها دارس لتاريخها محاك فيها ذاته.

دلالات الأغنية الشعبية

للعنف دلالات جمّة في الأغنية الشعبية حاولت تلخيصها في النقاط التالية:

الإصلاح

بحكم أن الأغنية الشعبية خطاب موجه إلى عامة الناس، شارحا لحياتهم محاكيا ذواتهم، و بما أنها صادرة من أعماق شاعر يعايش مجتمعه، فهو حتما اجتماعي يحس بإحساسهم، و يحلم بأحلامهم معارض لما يخالفهم، فيعمل على تبني دور المصلح، مثيرا بذلك قضايا اجتماعية سادت المجتمع وتميزت بالسلبية، تعمل على قيادة المجتمع إلى ما لا يحمد عقباه، فيقوم رافعا لسانه دافعا بكلماته لقومه مفسرا و مشخصا لآفاتهم، عارضا عليهم وجه الصواب، متخذة بذلك لغة عنيفة تحفها الحماسة حتى تجد آذانا صاغية و عقولا يافعة، و نظرا لتردد الأغنية الشعبية من حين لآخر على آذانهم، حتىّ تقترب من الحفـظ أو تـحـفـظ، و هذا ما نلمسه على الساحة الاجتماعية، حتى تسمع كلماتها في الأوساط الشعبية، و تصير أمثالا سائرة تربي وتعلم، و هذا ما نرومه من الأغنية الشعبية.

"و ما الأغنية الشعبية في اعتقادي إلا عاطفة نبيلة و نتاج فكري جميل، لا بل إنها نزوة من نزوات النفس التي عبر بها إنسان متألم أو عاشق محروم، عن خلجاته و عواطفه المشوبة، و ترجم بواسطـتـهـا أحـاسـيـسـه و انفعالاته، فظهرت صورة صادقة و سجلا ناصعا لمكنونات النفس الإنسانية المعذبة، وما تعانيه من آلام و حرمان، لذا فإننا نلمح الصدق يفوح من ثناياها، و نتنسم رائحة الشعر الحيّ تطالعنا في كل فقرة من فقراتها، لا بل إنها قد عبرت أصدق تعبير عن شعور قائلها، وليس عن شعور ذلك العابث المتجني، و بالإضافة إلى ما تقدم فقد أحاطها صاحبها بإطار مذهب جميل، هو هذا اللحن الفطري الرائع، الّذي يسير جنبا إلى جنب مع سياق الأغنية، ولا يكاد يفترق أحدهما عن الآخر"[13]

قد نجد بالأغنية الشعبية تعبير بكل شفافية، و بكلمات تبدو إباحية، لكن هذا هو التعبير الشعبي حتى تصل كاملة لسامعها و يدرك معناها، فلا مجاز و لا خيال بل أسلوب بسيط وواضح يسهل فهمه و تفسيره و حفظه.

إثبات الذات

الأغنية الشعبية هي شعار و ترجمان للذات الشعبية، و الشاعر أو المغني يحس بتحقيق ذاته، وكذلك السامع، فهي أغنية قريبة من الأنفس، فلغتها من جنسه، و معانيها من وسطه، فتصبح ذاته جسدا قائما يلمس كنهها فيحاورها مبصرا فيها عيوبه، ويدرك مدى انحرافها فيعمل على تقويمها. وترديد الأغنية من حين لآخر، و خاصة تلك الأغاني التاريخية الحاملة لأمجاد شعب ما تجعل الفرد يفخر بها و يرددها من حين لآخر، فهي تاريخه و مجده، و بدونها هو بلا هوية.

"فالفنان يؤدي وظيفة اجتماعية، لا تتحقق إلاّ بأن يستقبل الجمهور ما أبدع،وتحقيق الفنان لذاته بأن يبدع عملا فنيا لا يتم مطلقا إلاّ إذا كان هناك من يتلقى هذا العمل"[14]

المـرأة

تعتبر المرأة فاعلا أساسيا في لغة الشاعر، و اللحن الأسمى للأغنية، فتجد هذه الأخيرة تتغنى بها وتمدّها بأحسن الصفات، و أنبلها إذا كانت الأغنية عن الحب و الهوى، و الشوق إلى الحبيبة، فهي ملهمة الشاعر المغني، الحاملة لأحلامه و آماله المغذية لروحه.

و قلما نجد أغنية شعبية تخلو من الصوت النسائي، و ذلك راجع إلى هيمنتها الاجتماعية، إما من جهة تأثيرها على الرجل، أو من جهة وظيفتها كفاعلة اجتماعية، كما قد تأخذها الأغنية من باب العتاب فتتسم بلغة عنيفة راجعة إلى نبذ أخلاقها و سيرتها السيئة و ما ينجر عنها من فساد.

ذلك راجع إلى أن المرأة فاعل أساسي، فباستقامته و حكمته تستقيم الأمور و تستوي، و إن هو غوى غوت الأمة و سقطت في شباك الرذيلة، فيترتب عن ذلك سوء للمجتمع، ما يؤدي به إلى عدم مسايرة التطور الأخلاقي و الفكري.

إن مكانة المرأة في الأغنية الشعبية هي انعكاس لصورتها الاجتماعية، الحاملة لوظيفتها، فنرى الأغنية تصف و تقرر، تمدح و تهجي، رامية إلى تشخيصها و وضعها على محك الدراسة، مترجمة ذاتا إنسانية تتذبذب بين آلامها و آمالها باحثة عن هدوئها و استقرارها. 

 


الهوامش

[1] مقال د. داود، محمد، "الأدباء الشباب و العنف"، مجلة انسانيات، العدد10، وهران، منشورات CRASC، 2000.

[2] قاضي، محمد، الكنز المكنون في الشعر الملحون، الجزائر، المطبعة الثعالبية، 1928، ص.210.

[3] يحياتن، محمد، مفهوم التمرد عند ألبير كامو و موقفه من ثورة الجزائر التحريرية، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، د.ط، 1984، ص.4.

[4] المرجع السابق، ص.8.

[5] عبد الرحمان، سعيد؛ البهيّ السيد، فؤاد، علم النفس الاجتماعي رؤية معاصرة، القاهرة، دار الفكر العربي، د.ط، 1999، ص.39.

[6] Dellai, Ahmed Amine, Paroles graves et paroles légères chants bédouins de l’oranie anthlogie, Alger, ENAG, 2003, p. 135.     

[7] المرجع السابق، ص. 136.

[8] Dellai, Ahmed Amine, Chansons de la Casbah anthologie poétique chaâbi, Alger, ENAG édition, 2003, p. 67. 

[9] قاضي، محمد، الكنز المكنون في الشعر الملحون، ص. 211.

[10] عبد الرحمان، سعيد؛ البهيّ السيد، فؤاد، علم النفس الاجتماعي رؤية معاصرة، ص. 40. 

[11] عبد الرحمن، سعيد ؛ البهيّ السيد، فؤاد، علم النفس الاجتماعي رؤية معاصرة، ص. 51.

[12] Dellai, Ahmed Amine, Paroles graves et paroles légères chants bédouins de l’oranie anthlogie, p.137.

[13] القسوس، نجيب سليمان، ملامح من التراث الشعبي في محافظة الكرك، راجعه د. عبد العزيز محمود، منشورات لجنة إحياء التراث جامعة مؤتة، ط.1، 1994، ص.167.

[14] إسماعيل، عز الدين، التفسير النفسي للأدب، القاهرة، مكتبة غريب، ط.4، د.ت، ص.25.