Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 15، تراث رقم 6، 2006، ص. 25-48 | النص الكامل


 

 

 

محمد الحبيب حشلاف

 

 

بسم الله الرحمان الرحيم و صلى الله على سيدنا محمد و آله

من ضمن الأغاني و القصائد الشعبية القديمة العهد والتي لا زالت في عصرنا هذا تتمتع بشهرة واسعة وتلامس رغم قدمها طبيعة الشعب و عقليته ونفسيته : القصائد و المدائح النبوية المنسوبة للشاعر سيدي الأخضر بن خلوف.

إن هذه المجموعة من المنظومات، التي قيلت ما بين القرن الثامن والقرن العاشر هجري والتي ما زالت تصفق لها الجماهير وتستحسن الاستماع إليها، لم نعرف عن صاحبها وناظمها أي شيء اللهم سوى اسمه أو ما جادت به الروايات الشفهية المختلفة المشكوك في صحتها لكثرة اختلافها. وهذا رغم رواج قصائده هذه و ذيوعها بين الناس ورغم أن صاحبها ذكر فيها إسمه و لقبه و إسم قبيلته كما تحدث فيها عن مشائخه وأتباعه و معارضيه كما أدلى بانطباعاته حول الأحداث السياسية والإجتماعية التي عاشها طيلة قرن و ربع قرن...

فبالرغم من ذلك كله، لم نتمكن حتى اليوم من وضع تقرير يدلنا دلالة واضحة على شخصية هذا الشاعر الفحل لجعله في الإطار الحقيقي اللائق بمقامه. ولهذا الغرض نحاول في ما يلي وبقدر المستطاع وضع تقرير نتعرف من خلاله على الشاعر و عن مراحل حياته المادية والمعنوية و ذلك من خلال مدائحه النبوية وقصائده التي جمعنا منها عددا يفوق 216 منظومة والتي هي في نظرنا أصدق الوثائق و المصادر الحقيقية النزيهة في التعرف عن هذا الشاعر الفحل.

ذكر الشاعر الأخضر بن خلوف إسمه و لقبه في كل قصائده من ذلك قوله:

روحي في الجنة اتشاهدك * و الملائكة وقوف

والحورات اتقول شاعرك * الاكحل و جده الخلوف

 

و قوله:

بالطرجمان و القاضي عنا شاهدة * نوريك ما درك الاكحل ولد الخلوف

 

فهو كما يشير إليه الأكحل بن خلوف و لعل السبب في تحويل إسمه وتعويض الأكحل بالأخضر يرجع إلى الاعتقادات السائدة آن ذاك و التي كان من ضمنها التفاؤل و التباشر بكل كلمة أو علامة تشير إلى شيء يبشر بالخير اعتبارا أن ذلك إشارة إلى حدث ما سوف يقع في وقت لاحق يسمون هذا التفاؤل (الفال) وسندهم على صحته الحديث المعروف القائل:(اتخذوا الفال و لو عمدا). من ذلك عمد الناس على تغيير كل الكلمات التي تشير إلى الأشياء الكريهة و عوضوها بغيرها من الكلمات المفرحة السارة و المبشرة بالخير و البركة و السعادة و الهناء و العافية و استبدلوا كلمة ملح بكلمة (ربح) و كلمة نار بكلمة (عافية) كما لقبوا الإبرة (مفتاحة) و الفحم (بياض) و غيروا الأسماء فأصبح إسم سوداء (سعداء) و قابر سموه (جابر) و الأسود (يسعد) و الأكحل (الأخضر) أو(الأسمر) و هكذا انتشر إسم (مبروكة) و(مسعودة) و (خضرة) و (خيرة) و (أم الخير) و (سالم) و (غانم) و(فرحات) وغيرها من الأسماء المبشرة بالخير.

 فمن المحتمل أن يكون هذا الأمر هو السبب في تغيير إسم شاعرنا وتحويله من (الكحولة) و السواد إلى الخضرة و البهجة حتى يستبشر به كل من سمعه من المتفائلين – أما إسمه الحقيقي فهو الأكحل بن عبد الله بن خلوف – كما قرر ذلك في أغلب قصائده حيث يقول :

 

وابى من وراها لاحق * هو السماح عند ذنوبي

معروف ما خفى عبد الله

و قوله:

مخصوص من ابحالي طلبك *ولد الخلوف اسمى الاكحل

 

و قوله:

الله يرحم قائل الابيات * الاكحل و اسم بوه عبد الله

 

نشأ الأكحل بن خلوف بن عبد الله في بوادي (الظهرة) أي جبال مليانة و شرشال و مدينة تنس و الهضاب و السهول التي تمتد إلى مصب نهر شلف بضواحي مدينة مستغانم من ذلك قوله:

 

بعد الصيام راني وارث * بقعات في اهضاب الظهرة

منهم اجدود تم سبقت * و اليوم زعزعوا يا حضرة

البعض من اسلافي رحلت * وامي تكونت بالعشرة

 

و لعل السبب في رحيل عائلة الشاعر و هجرتها من هضاب الظهرة يرجع إلى أن تلك الجهة من البلاد عرفت مند بداية العهد التركي مشادات قبلية عنيفة كانت تدور بين القبائل المواطنة هناك و بين السلطة الحاكمة آن ذاك خصوصا مدينة (تنس) و ضواحيها التي كانت تحت (حماية) الإسبان و صنيعهم الأمير يحيى الزياني و ذلك عام 1517م حيث استرجعها المسلمون بقيادة خير الدين باشا.

من ضمن العائلات المهاجرة عائلة الشاعر الأخضر بن خلوف حيث فر أبوه عبد الله بن خلوف بأهله و عياله و كان آن ذاك شاعرنا لا زال طفلا صغيرا.

 

يتذكر الشاعر هذه الهجرة و الصعوبات التي عانى منها أبوه فيقول :

 

يا ربي ياعظيم يا خالق * وفي الحسان في مطلوبي

أمي قبل بابا سابق * بها يلذ لي مشروبي

و ابى من وراها لاحق * هو السماح عند ذنوبي

معروف ما خفى عبد الله * مسكين ما صادف الليالي سهار

في كل يوم يثنى الرحلة * خيفان على الخلوفي ولده يا حضار

ارحم اعظام امي كلّه

 

و يؤكد أن جده الأول من قبيلة هناك تدعى (العزافرية) فيقول :

 

اواه على من يجي ايخبرني * بنجع العزافرية و رسمهم كى راه

جد الجدود منهم الكل تخدمني * ربي يديرهم في حما عظيم الجاه

 

استوطن عبد الله بن خلوف قرية (مازغران) حيث قضى شاعرنا طفولته و شبابه – يشير الى ذلك الشاعر بقوله :

 

حسراه يالدنيا كاللّي ما كانت * عدّيت شبوب صغري في مازغران

 

و (مازغران) التي تبعد عن مدينة مستغانم بنحو الخمسة كيلومترات عرفت أكبر يوم من أيام الجزائر المجاهدة حيث كانت مسرحا لأعنف معركة وقعت بين الصليبية الأسبانية و المسلمين الذين كان من بينهم شاعرنا الذي خصص لهذه المعركة، التي وقعت في 26 أوت 1557م الموافق لـ 12 ذي القعدة 965 هـ، قصيدة يصف فيها بكل دقة الأحداث التي وقعت خلال هذه المعركة كما يشير إلى قتل قائد الحملة الصليبية(الكونت دالكوديت) وهزيمة الجيش الأسباني.

شرح هذه القصيدة و علق عليها الأستاذ الحاج مولاي ابن الحميسي في مجلة (آمال) العدد الخاص بالشعر الملحون كما أشار إليها تقرير وزارة التعليم الأصلي و الشؤون الدينية في (مساهمة الجزائر في الحضارة العالمية). و القصيدة يستهلها الشاعر بقوله :

 

يا فارس من ثم جيت اليوم * قصّة مازغران معلومة

يا عجلانة ريّض الملجوم * ريت اجناح الشلو معدومة

 

إلى أن يقول :

 

حزناهم للصور ذاك اليوم * تسعة آلاف ابقت مغنومة

من حيط الدشرة لحوش البوم * عشر آلاف امشات محطومة

اكبير النيف الكلب راسه طار * و الرڨبة من العنڨ مڨطوعة

ضربه شاطر حط بالمطيار * يلغى له باصوات منزوعة

 

وسجل شاعرنا هذه المعركة التي شارك فيها كجندي و تحدث عنها في كثير من المجالات منها قوله :

 

لو شفت ما طرى في ذيك الليلة جهاد * ما يخص فيها غيل على ابو الحسنين

من عند ڨبة بوعسرية الشور البلاد * حتى من جيهة القبلة مطروحين

و الناس هاربة من شوكة ذاك الطراد * يلغوا الغيث و لا صابوا صدر احنين

هذاك اليوم الزير الجهد هذا لذا * و الراس في السماء طاير بوزلوف

قصة متورخة جبناها شاو القدا * من جيلنا لهذا الاخر مصروف

 

و يتحدث الشاعر عن مشاركته في هذه المعركة فيقول:

 

سيفي مجرده وانا نضرب فالاعداء * و الناس ضاجة من زجري بالخوف

خلفي و عن امامي الجماجم راكدة * و الخلق طائحة تحسب بالالوف

 

وعلى العموم فإن قرية (مازغران) بالنسبة إليه معناها أيام الطفولة و الشباب التي قضاها بين أهله و رفقائه. لذلك نجده يقول عندما يتذكر تلك الأيام :

 

ماذا لعبت في دار الدنيا * شاو الزمان كنت اموانس الاعراب

 

يشير إلى أنه كان مؤنسا و مطربا - يسلى المجالس بأغانيه و قصائده وأشعاره - غير أننا لم نعثر حتى الآن على هذا النوع من أغانيه و رغم ذلك نجده يؤكد لنا أنه قضى أربعين عاما في نظم الشعر المسلي حيث يقول :

جوزت مائة و خمسة و عشرين سنة احساب * وزدت من وراء سني ستة اشهور

منهم امشات ربعين سنة مثل الصراب * و المتبقي امشى في امديح الرسول

 

و يقول :

اشبوبي ضاع راح اخسارة * و العباد من عماها جهلت

 

و بعد الأربعين سنة تدخل القدر فيسر للشاعر الأخضر بن خلوف زيارة مدينة تلمسان فاستبشر بأقطابها و بزيارة صاحبها أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدري الاشبيلي المعروف بسيدي أبو مدين(594 هـ) فتأثر شاعرنا بالحركة الدينية هناك و تعلقت نفسه بالروحانيات ومالت إلى العبادة و الذكر:

تعرض الشاعر إلى هذا الموضوع و انفرد له بقصيدة يستهلها بقوله :

 

يا سعدي وفرحتي * من بومدين المغيث جبت الامانة

 بها وفيت حاجتي

و يقول :

 

من بعد خمسين عام وانا نستنى * اسعيت بروح راحتي

محمد الفضيل مفتاح الجنة * ايا سعدي و فرحتي

ايا سعدي و فرحتي بهذا الملقه * فيها شلا انصيف من نعايم الاسرار

كنت على كل يوم تاخدني ضيقه * مكوية امنورة بنور الاسرار

حتى جاد الاله من ليه البقاء * انعم عليا بزورت امام الجدار

شديت على عمامتي

 

و بعد رجوعه من تلمسان ارتحل الشاعر بأسرته، تاركا (مازغران) وشعر التسلية متوجها نحو قرية أعمامه من أولاد إبراهيم حيث نزل بقرية هناك تبعد بنحو خمسة و عشرين كيلومترا شمال مدينة مستغانم و استقر بقرب المكان المسمى (عين ابراهيم) او (عين اولاد إبراهيم) و قضى شاعرنا حياته هناك في العبادة و الزهد و التزم المدائح النبوية و القصائد التوجيهية بين أفراد عائلته و أحبابه.

و كانت أسرة الشاعر تتكون من أمه (كلة) و زوجته (قنو) و أطفاله (محمد) و (بلقاسم) و (الحبيب) و ابنته (حفصة). تحدث سيدي الأخضر بن خلوف عن أمه في قصائده يدعي لها بالرحمة و الغفران. من ذلك قوله :

 

ارحمني و ارحم العجوز امي كلة * و ارحم الاجداد كافة و المسلمين

 

كما يذكر أحيانا مع أمه زوجته (قنو) قائلا :

 

كون بامي في ساعة الوساد * و زوجتي (ڨنو) مصباح المناسية

 

و قوله :

ڨنو والعجوز كلة * اجعلهم في جنة النعيم

 

ويقول مفتخرا بأمه شاكرا لها حسن العناية  :

ربات ولد به ارتحمت * مداح سيد نوح و حمزة

 

ربته أمه يتيما حيث توفي أبوه و تركه طفلا في كفالتها و بعد وفاتها رثاها الشاعر بقصيدة طويلة يقول من ضمنها :

 

ارضعت ثديها و شفيت بالابصار * و خدمتها بكل امسالة

باحسان دعوتها كفاني القهار * ارحم اعظام امي كلّة

 

هذا وتكريما لرسول الشفاعة محمد صلى الله عليه و سلم سمى الأخضر بن خلوف أبنائه الأربعة كما يشير في ذلك إلى قوله :

 

الحبيب و بلقاسم ذوك احفايضك * كانهم غصن على شجرة من اللقاح

سميت محمد و احمد على اسمك * منين نلغى باسمهم تنطفى الاجراح

 

كما يذكر أسماء أبنائه في وصية يوصيهم بها قائلا :

 

انت يا احمد نتهلى في خيمتي * انت كبير داري وانت مولاها

و انت يا محمد خد ادي سبحتي * بها تفتكرني وقت ان تقراها

و انت يا بلقاسم عمم بعمامتي * اتكون ليك هيبة للي يراها

و انت الحبيب ولدي نطفى من الكباد * خد شملتي وبرانس الصوف

 

 

ويوصي ابنائه باختهم حفصة قائلا :

 

برّوا يا اولادي بختكم هجّالة * حفصة بنت الاكحل مدّاح البشير

 

و يؤكد قائلا :

 

البنت ياك تنذل بلا رجالا * انتما رجالها يا سبطين الخير

اذا بكاتني خلوها في حالها * تبكي على الخلوفي بوها لا غير

 

و يقول:

 

ساعة انموت بنتي تعمل بكاية * وانا في خيمتي متكفن مطروح

تبكي و تڨول بويا ضنيني و كفايا * مداح النبي الامجد زهو الروح

 

و يتأسف قائلا :

في زمان العرب نبكي غير ابنيتي * جاتني على الكبر ما عندي دلال

 

و كان من ضمن هذه العائلة رجل يدعى (جرادة) كان رفيقا للشاعر عاشره مدة من الزمن — ذكره الاخضر بن خلوف في قصائده و قال عنه:

 

ارفعوا خديمي بالعز الظاهر * أصله عزافري من جبل الصرصار

سبعين عام عداها ليا شاكر * مهدي لطاعتي كل ليلة و نهار

 

و يقول :

 

يا ربي لا تخيب مسكين اجراده * ذنبه غزير راجل هامل مقذوف

بجاه ما عملت له ذرعيا وسادة * من الليل للصباح عيني فيه اتشوف

 

و رغم شهرة صاحب هذه الأسرة كانت أسرته فقيرة جدا تسكن بيت من وبر الجمال يصفها صاحبها بقوله :

(خيمة من الشعر مڨعورة)

 

و بقوله :

(امحلّسة بجلد امشعّر)

 

و يتأسف الشاعر على الحالة المادية التي كان يعاني منها هو و عياله فيقول:

 

خانني هم الزاد و زادني الشيب * و الفقر ركّدني ما بين ذا و ذاك

 

و يقول :

الفقر ضم وجدي ما صبت اطريق

و يقول :

 

من ورثني يورث الدوم و الشعير * واذا عنا يدي برنوسي و سبحتي

الفقر ضيع اخلاڨي ما صبت كي اندير * باش نوصل محمد روح راحتي

التراب افراشي و اوسادي الطوب * و الشعير الصابح لا زال قوتنا

عولتي في الخيمة شلا من العشوب * احملت ذا الشىء من الفقر وطالب الهناء

 

وهذه الحالة تزيده أسفا و حصرة كلما يلتفت إلى البؤس الشديد الذي كانت تعيش فيه بنته حفصة.

 

اذا انموت واين الليعة كي ليعتي * ما هديت الحفصة لا زاد و لا مال

الطوب و الحجر جميع تبات موسدة * و ناس نائمة في خيرها و دفوف

 

و على العموم فإن حالة شاعرنا المادية تتلخص في أنه كان لا يملك من متاع الدنيا إلا بعض الحبوب من الشعير الذي كان يدخرها كما يشير إلى ذلك في قوله :

 

يدخلوا الخيمتي اولادي * يصيبوا الخيمة بلا ركايز

انصيب من الشعير عندي * خليته لساعة الحزايز

كما خلى الخلوف جدي * خليته للاولاد حايز

 

غير أنه رغم فقره هذا كان يعيش الشاعر دائما مرفوع الرأس يفتخر في مدائحه و قصائده بنسبه الذي كان حسب قوله مقرونا بآل بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم. الأمر الذي جعله يقول :

 

هذيك همة الهاشمي المكاوي * من فضله انسبت من فضل العراب

 

و كان متؤكد من نسبه الشريف حيث يقول أن لديه وثيقة تشهد على ذلك:

 

اعقبت بعدهم حيث انايا وارث * عقدي مسجلة محفوض في الامان

 

و يقول مؤكدا :

 

انصبت اجناح همي لاحمد الباي * قال لي يا بن خلوف كوني

من كونك في الحاسب تمشي تحت اسماي * مداحي بالصواب و ابنى

 

و يقول أيضا :

 

و بوه ولد اخلوف امكني و جار * ياك ولدي منسوب لذريتك احفيض

 

غير أنه يشير في القصيدة التي خصصها لغزوة (مازغران) على أنه مغراوي الأصل حيث يقول :

 

الله يرحم قائل الابيات * الاكحل و اسم بوه عبد الله

المشهور اصله من الفيات * مغراوي جده رسول الله

 

غير أن انتسابه هذا إلى مغراوة التي هي من أشهر قبائل البربر ليس بالدليل القاطع على عدم انتسابه إلى بيت رسول الله. ذلك لأننا نجده ينتسب إلى مغراوة إلا في هذه القصيدة التي قالها في شبابه أي قبل أن يتحقق من صحة نسبه. و لا شك أن مستواه الثقافي آن ذاك جعله يعتقد أن مغراوة من آل بيت الرسول صلى الله عليه و سلم و لعله تأثر بما جاء به معاصره و زميله الشيخ عبد العزيز المغراوي الذي كان يدعى هو الآخر و أن مغراوة من آل بيت الرسول الأمر الذي جعل شاعرنا يقول أنه مغراوي و جده رسول الله. و هذا الموضوع يجرنا إلى التحدث على نوعية ثقافته و مستواها الأدبي و التي تبرز لنا بأن مستواها لا يسمح لصاحبها بمثل هذه الهفوات.

تتأكد حياة سيدي الأخضر بن خلوف الثقافية بعد زيارته إلى مدينة تلمسان حيث تعرف هناك على مشائخها أتباع الإمام الزاهد بن زيتون القاضي الذي هو أحد أئمة المتصوفة و الذي يذكره الشاعر في كثير من قصائده كقوله :

 

نوريك خصلتي كيف ان دائر حالها * انا اللي اشرحت في السريان اكتوب

اسمع انحدثك ادّي مني فايدة * ڨندوز عند الدرّار يقراه اصحوف

بالطرجمان و القاضي عنا شاهدة * نوريك ما درك الاكحل ولد اخلوف

 

الأمر الذي يدلنا على أنه أطلع على التراجم التي خصصت للإمام بن زيتون القاضي المذكور

كما يذكر الشاعر في قصائده مجموعة من الفقهاء المتصوفة الذين و لا شك أنه أطلع على كتبهم و تواليفهم أو بالأحرى سمع عنهم و عن تقاريرهم الفقهية. يقول في إحدى قصائده متوسلا:

بحق المهاجرين و الانصار * و بلقاسم القشيري

وببن الفخره و بحملين الأولياء * و الزيتوني و كل قاري

و الجيلالي حفيض تاج الانبياء * ارحم يوم نزور قبري

 

نتوسل ليك بالسنوسي و الخواص * و بسداتنا البخاري

و مسلم و الجنيدي تاج الأتقياء * و بن القصار و التواري

 

و الحافي و الرشيد و العدوية * ارحم يوم انزور قبري

نتوسل ليك بالرسول الهاشمي * و بن الدقاق و علي و الخضرمي

وبن الرصاع و الحبيب العجامي * و بن فرحون و المزاري

و بن العبد و جميع الصوفيا * و بن بوزيد و المقاري

نتوسل بالإمام مالك و لقمان * و الزهداء و كل سالك مالعصيان

و المقبولين من عبادك يا رحمان * و بن حنبل و الأشعاري

و حنافي و شافعي و اهل النية * و البايت ليلة ساري

 

و يتضح لنا من خلال هذه المقطوعة أن الشاعر كان مطلعا على أئمة الفقه و أصوله حيث يذكر الأغلبية منهم كذكره لأبي القاسم القشيري صاحب (الرسالة الصوفية) و ابن القصار الذي هو من شيوخ المالكية صاحب كتاب (عيون الأدلة) في أصول الفقه - و إسمه أبو القصار القاضي أبو الحسن - وعبد المالك بن الحبيب الذي بث مذهب مالك في الأندلس و مدون كتاب (الوضيحة) و الحضرمي أو الحضرماني صاحب (تعبير  الرويا) و تلميذ الكرماني تقي الدين ابن دقيق العبد -المسمى في قصيدة الشاعر بابن الدقاق- و أبو التواري محمد بن ادريس المطلبي الشافعي و الزاهدة ولية الله العدوية و المقري صاحب النفح.

كما يذكر الشاعر في هذه القصيدة و في غيرها من القصائد الإمام مالك ابن أنيس صاحب المذهب، و أحمد ابن حنبل، و ابي حنيفة، و الجنيدي، والإمام البخاري، و مسلم و غيرهم من الأعلام أمثال سيدي علي أبهلول المجاجي صاحب رباط تنس و شرشال و الشيخ السنوسي محمد بن علي، دفين تلمسان، صاحب الطريقة السنوسية الشاذلية التي كان الشاعر ينتسب إليها.

و مهما يكن من شيء فإن شاعرنا كان مطلعا على كتاب الحضرمي في (تعبير الرويا) و عن كتاب آخر سماه (وساوس الأخبار) كما يشير الى ذلك في قوله :

 

تاريخ اعظيم اجبرته يا اهل الكرام * عند سادات العلم شيوخنا الحبار

طاح في يدي من قبل ان نبلغ الصيام * حافظه في الخيمة في الليل و النهار

في السفر سجلته مرسوم فالزمان * بيه نوري للناس وسواس الاخبار

 

إن هذا الكتاب الذي سماه الشاعر (وساوس الأخبار) هو في الحقيقة الكتاب المعروف المسمى (دقائق الأخبار  في ذكر الجنة و النار) للإمام عبد الرحمان بن أحمد القاضي أخد عنه الشاعر روايات كثيرة حول شروط الساعة و الدجال و يوم البعث و الحشر و عدد الزبانية و اللوح المحفوظ و مصير الأرواح بعد الموت و غير ذلك من الموضوعات التي تعرض لها الشاعر في قصائده - يشير الشاعر إلى المصادر التي أخد منها رواياتها و التي اقتبس منها قائلا:

 

مايصرى في القرن اللي جاي يا ترى * قرن الرابعة و العشرة تم فيه كل قيل

انصيبها في الأسفار فالسفر تنقراء * تبتوها سدات من جيل بعد جيل

 

و عبد الرحيم بن احمد القاضي من هؤلاء السادات الذين تحدثوا في هذه الموضوعات و صنفوا فيها الكتب و الرسائل و من أشهر هؤلاء السيوطي الإمام جلال الدين و كتابه (الدرر الحسان في البعث و نعيم الجنان) و ابي المواهب عبد الوهاب بن احمد بن علي الأنصاري المعروف بالشعراني و كتابه (تنبيه المغترين) وغيرهم من أخد عنهم شاعرنا و نظم أقوالهم شعرا ملحونا قصد تعميم

و نشر آرائهم كما فعل ذلك جل كبار شعراء الملحون الذين تحدثوا في نفس الموضوعات أمثال الإمام عبد العزيز المغراوي و سيدي عبد الرحمان المجذوب و الشيخ محمد النجار و ابو لطباق و سيدي امعمر بن عبيد و غيرهم ذكرهم الشيخ امبارك بو لطباق في قصيد يسمونه (السرابه) يقول :

 

سلام الله على المشايخ الاحبار * منهم نلت المعنى كما نال القاري

الخلوفي كان اسبق في هذا الامصار * مداح المصطفى القرشي المختارى

و المغراوي خليفته رايس الاشعار * فيلالي صاحب السجاية عقاري

و ڨندوزه المجتبى الشيخ النجار * علم الموهوب ليه اهداه الباري

و الاغواطي مع المجذوب البشار * في داج الليل هايم القفرة ساري

و العروسي من اولاد طه ابو الانوار * مجذوب الداج مع البايع و الشاري

انا مملوك عبد هذوا يا حضار * عبد السودان ليهم نخدم و انداري

السلام عليهم ما صبت الامطار * وما فاح الورد بين روضه و ازهاري

امبارك يا اهل الهوى مكوي بالنار * هايم طول الدجا وسامح في اوكاري

بو الاطباڨ الحقير من زاره يزار * صابر لما اعطاه سبحان الباري

من عاش ايشوف ما انظمته في الاسطار * و المتلقى فالطريق يوم المحشاري

نطلب ربي ايكون محمد جاري

 

و على كل حال فإن سيدي الاخضر بن خلوف أكد غير من مرة أنه أخد هذه الروايات من الكتب. من ذلك قوله :

 

صبناها متورخة عند شيوخ اخرين * قبل البلوغ و الصيام

و غنمتها كي وليت في شان الربعين * عليه الصلاة و السلام

 

فبغض النظر على إطلاعه الواسع كان الشاعر يميل إلى اللغات الأجنبية حيث استعمل كلمات منها في بعض قصائده لإلفات النظر و التأثير بها على القارىء. استعمل كلمات من اللغة العبرية في إحدى قصائده. يقول :

 

نسالك يا حبيب ربي بادوناي * و بشمريخ جود عني

 

و كلمة (أدوناي) معناها في اللغة العبرية الله — كما استعمل اللغة الإسبانية في قصيدة غزوة مازغران حيث قال :

اليوم طار البينشو بونير * ڨال البينشو ما درى ميا

 

و (البينشو) معناها "الرجل القصير القامة" و كلمة (مادري ميا) معناها "يا أماه".

و على العموم فإن ثقافة الاخضر بن خلوف ثقافة واسعة متينة ساهمت ولا شك بقسط وافر في رواج إنتاجه الذي شاع و انتشر في كل أرجاء البلاد رغم أنه إنتاج عقائدي محض، و رغم أن ذلك العهد كان زاخرا بالأغاني والأشعار العاطفية حيث كانوا هناك فحول يقرضون الشعر الملحون سيما النوع المسلي منه. أمثال الشيخ أبو فارس عبد العزيز المغراوي (986هـ) والشيخ أبو عثمان سعيد بن عبد الله المنداسي(نسبة إلى منداس)(1088هـ) والشيخ محمد بن علي اورزين العمراني (1075هـ) و غيرهم.

رغم هذه المنافسة القوية كان سيدي الاخضر بن خلوف يتمتع بشهرة واسعة و كان يعد من مشاهر شعراء زمانه حيث كان الزوار يزورونه ويزدحمون حول خيمته للتمتع بقصائده و مدائحه النبوية. يشير إلى ذلك الشاعر بقوله :

 

باني ديواني بيه في الارض و السماء * انفكر كل من سمعني

هذا غادي لخيمتي راحل ذا جاي * يا ولد اخلوف قوم والني

 

بفضل وعيه و التزامه للقضايا الروحية جعل سيدي الاخضر بن خلوف من مدائحه و قصائده معلميات تجذب السامع و تبعث في النفوس الخشوع والرحمة و السلام.

 

كل من يمعن فالناس ما نقول * ايزيدني بالرحمة و يرغب الكريم

 

إلى أن أصبح كما يقول :

 

الاكحل بن خلوف كي عسل النحلة * من ذاقه غير نصف مرة ايجيه ابنين

 

و كانت أمنية الشاعر أن زملائه من الشعراء ينتبهون إلى ضرورة هذه الدعوة فيتخذون معه سبيل هذه الطريقة للوعض و الإرشاد التي سخر لها كل فنه و فنونه طيلة 85 عاما من حياته.

 

لو جبرت ألف مداح من الاعراب* نمدحوا بالقلب و النية الخالصة

 

و على كل حال فإن أمنية شاعرنا تحققت فيما بعد حيث سلك أغلب معاصريه من الشعراء طريقته و جاؤوا بالمدائح الدينية و القصائد التوجيهية التي لا زالت الأجيال تتشوق لسماعها و أغلب هؤلاء الفحول كفروا عن الكثير من أشعارهم المسلية.

إن الأخضر بن خلوف كان مكثر الإنتاج و ديوان قصائده يحتوي على العشرات من القصائد و المدائح الدينية المطولة. وكان حسب قوله يقول في كل حين قصيدة:

 

نمحي في كل يوم لوحه * و نكتبها على المصباح

و نجدد كل حين مدحه * برضاوة ربنا الفتاح

 

ويروي الشاعر أنه قال ألف قصيدة و دونها:

 

اشحال من حجرة عندي من قصائدك * ألف خزنة مقفولة يا ضياء العين

 

كما كان يوصي بإلحاح على الاحتفاظ بإنتاجه بعد وفاته كي لا يتبعثر ويتلاشى :

 

هذه وصايتي لا ناقص لا زايد *لا تفكرتوا انظامي يبقى متلوف

 

و يقول :

 

و اللي استحفظ بابيات اقصايدي *ايكون في اجناني سالم مظمون

 

كما كان يحث على حفظ أشعاره و التغني بها قائلا :

 

من حفظ كلامي و من سمع مني * نبغيك يالقرشي انت اتكون اغطاه

 

و هذه السهولة التي يمتاز بها شاعرنا في قرض الشعر هي بمثابة ورث أخذه عن أسلافه و أجداده. يقول في هذا الموضوع مايلي :

 

يا رسول الله ذي من اجدودنا اسلالة * نمدحوك بالقلب و النية يا يتيم

 

كما أكد أنه أخد صناعة الشعر عن أجداده بقوله : 

 

إذا توفيت لا محالة * الامجد بقصايدي امدحته

هذه من جدودنا سلالة * منهم هذا الشغل ورثته

 

وكان سيدي الاخضر بن خلوف يرتجل أحيانا قصائده و يمليها على النساخين من تلامذته كما يشير إلى ذلك في قوله :

 

و ساعة اللي نقصر انكلف البريح * ايثبتوا كلامي في القرطاس و اللواح

 

و كان هذا الأمر سبب ضياع الكثير من قصائد سيدي الاخضر و التي لم نحصل حتى اليوم إلا على 216 قصيدة منها يسعدنا تقديم البعض منها للنشر، و كان قد نشر البعض منها أستاذنا المرحوم محمد بخوشة في عام (1958 م) تحت عنوان (ديوان سيدي الأخضر).

أما نوعية هذا الإنتاج فهي و الحق يقال مثل ما وصفها الشاعر نفسه:

 

فعلت من مديحة عبارق و كساوي * كسوة مزيخة من شغل التزيين

 

إن سيدي الاخضر كان له حض وافر في صناعة الشعر، يتمتع بالنفس الطويل و القوافي السهلة، فهو محسن التصرف في مقطوعات  الأبيات، ذو مهارة في صناعة الجمل، عالما بها قائما عليها. إنه عالما بالأخبار و معاني الآثار و الحديث و علم الكلام كما كان يحسن علوم الزيرجية و الادوارة والفقه، وغير ذلك من العلوم.

و سيدي الأخضر بن خلوف في كل هذا له أسلوبه الخاص و لغته الشعبية العامية السهلة الفهم التي لا نجد فيها إلا القليل النادر من المفردات المحلية او الجهوية.

و بالجملة فإن قصائد سيدي الأخضر بن خلوف هي أسهل قصائد تلك العهود فهما و أبسطها عرضا و أعمقها موضوعا و أغزرها تعبيرا.

تنقسم قصائد سيدي الأخضر بن خلوف في موضوعاتها إلى أصناف: هناك المدائح النبوية التي هي مدح الرسول و التنويه بمعجزاته و شرح أحاديثه و أهداف غزواته و كلها تشوق الى زيارة البقاع المقدسة. و يأتي بها الشاعر على نمط القصة، و الرواية و الملاحم و الغزوات و غير ذلك من كيفية العرض المعروفة.

و هناك قصائد الأخلاق أو قصائد الوعض و هي تباهي بفضائل الأنبياء والرسل، و ذم الكفر و الكفار و الطغات و الخارجين عن الدين.

و فيها أيضا الحكايات و الروايات و القصص التي تحث على التمسك بالأخلاق الكريمة كأخذ العلم و العمل به و بر الوالدين، و الكرم و الصدق والثبات و مخافة الله و خشيته.

و على العموم و رغم أغراض هذه القصائد المختلفة فإنها تأتي كلها ممزوجة بمدح خير البرية — محمد صلى الله عليه و سلم — و ذلك مهما كان الموضوع الذي تتعرض إليه.

ومن شعره في الوعض قوله :

 

يا الطاعن بالاك وشوف للعمل * دار الدنيا ممسية على الغرور

اشحال ملوكها قوم و عمدوا السفل * اخرتهم راهم سهم الدود و القبور

دير بالآية باش التبت العمل * لاغنا تملك شي غرفة من القصور

لا تريب نفسك من المكابرة * ولا تسميها لاهل البخل و الغدر

ديرها نفس اجواد اتكون صابرة * و بالصلاة تقهرها لابد تنكسر

 

و منه في الوعض أيضا :

 

الله يعصمنا من البلاء * الزلة و الشوم و الشاوش و الفساد

الله ايكسر صاع الغلاء * و يرخس الاسعار في الحضر و البوادي

الله يهدي تارك الصلاة


بنيان الاسلام خمس و الوقت ساسها * و اذا انهدم الساس ما ترى السور واقف

و خيار الجثة اتكون تمشي براسها * و اذا انقطع الراس ما ترى الجسد واقف

 

و هذا من علم الكلام اذي نسميه نحن علم المنطق و الذي كان آن ذاك من العلوم الضرورية عند الفقهاء.

و من شعر الأخضر بن خلوف في بر الوالدين :

 

عاصي الوالدان  * عاصي عمره ما يسعد

قبل الموت ايبان * فالدنيا يبقى يتمرمد

تكثر له الامحان * البلاوات عليه اتهود

يكرهوه الجيران  * حتى في مضرب ما يهمد

 

و يمتاز شعر الاخضر بن خلوف في الوصف و منه قوله :

 

بالزهو و الأفراح و الهناء و الفرجة * في مجالس الرواح الفاضلين ازهات

واهل الحال مثلي دايرة ممزوجة * و بدور على مديحي ينشدوا باصوات

و الطيور على الادواح ينطقوا بهياجة * و الزهر في الالقاح عبق بنسمات

ولد الخلوف يسقي كيوسها بالدالة * في غاسق الظلام ذا لذاك اسقاه

بان اصحى الغيم و انجلى البدر اتلالاء *و الحور بين طرفي اتزيد نور سماه

 

و له في الوصف أيضا:

 

يا فرحي بالحبيب حبي * فرح اغريبة بناس جاوها

خرجت بدموعها الدربى * خاوتها جاو خبروها

اتعنڨ ذا لذاك رحبي * و تسال على امها و بوها

 

و منه قوله في وصف الخيل :

 

ولي الميت في الابطاح افراش * تمشي الخيل على سيب الخيل

بيضا وابيض لون صنف الشاش * زرڨه و ازرڨ لون شبه النيل

دهمه و ادهم لون سود احباش * خضرة و اخضر لون شبه اڨصيل

و اصفر مايل تونسي منظوم * في قيطان احرير مبرومة

حمرة واحمر في الخصيب اتعوم

و هكذا قضى سيدي الخضر بن خلوف أوقات حياته في نظم القصائد والمدائح الدينية، غير أن هناك من أعدائه من هاجموه و أرادوا به السوء وأتهموه بالبدعة و قول الزور :

بودني سمعت ليس كراعي * ڨالوا امحيو ليه الزورة

هدوا خيام ذاك البدعي * خيمة من الشعر مڨعورة

من لا بغاو ايعملوا بالمختار * و ڨالوا النار في تكدي

سبوني وشتموني و ڨالوا مشرار

 

وضايقه معارضوه و هددوه بهدم خيمته :

 

النهار بان و فجّر الفجر * يجريوا ايحوسوا على الشومة

ڨالوا انت اللي تتكبر * اشحال خيمتك مقيومة

محلسة بجلد امشعر * غدوة اتصيبها مهدومة

 

واستمر هذا النزاع و تعكر جو شاعرنا إلى أن صار يتمنى الفرار من هؤلاء الناس :

لو صبت منهم بعادي * نرحل بخيمتي نسكن في لقفار

 

ومقت الشاعر هذه الحالة و ضاق صدره فانطلق قائلا :

 

ياربي غيل بعد سوقي * من سوق حرفة البادية

لو كان يعملوا باشوقي * لله ايطيعوا الكلية

الغشيم ما يولي راقي * هذاك غرته الدنيا

 

و يقول :

 

راه ڨلبي ضاق من الفاتنة اضرار * لو انصيب الطاڨة من ذا النجوع نجفر

 

و أثرت هذه الأحوال في نفس شاعرنا و نجد أثرها في كثير من قصائده :

 

خانني هم الزاد و زادني الشيب * و الفقر ركدني ما بين ذا و ذاك

 

و قوله :

 

عولتي في الخيمة شلا من العشوب * احملت ذا الشىء من الفقر و طاب الهناء

 

و قوله :

 

عارف روحي غريب مالي طاقة * وحدي عيان في تراب اجدادي

 

غير أن رغم هذه العلل التي قد يصاب بها الإنسان من جراء التأثيرات الاجتماعية فإن شاعرنا كان مسامحا رؤوفا بالضعفاء و الأيتام :

 

وين هم كرامين الضيف و الجواد * وين هم من عبدوا في الصيف بالشهور

وين هم من عزوا الايتام والاولاد * بالهناء و الهمة و العز و السرور

وين هم من عزوا الارملة القاصرة * بالصفاء و النية الا بلا فشر

 

كما كان يشفق على الذين طاردوه و جاهروه بالسوء و هاجموه في بيته :

 

يا ربي لا تحافي اهلي * أغفر اذنوبهم جمعيا

يوم القصاص و الاهوال * نلتام بذنبهم انايا

 

ذلك لأنه كان يعتبر نفسه مسؤولا على هؤلاء القوم و عن تهذيب أخلاقهم و تنوير ضمائرهم و السير بهم في الطريق المستقيم و لعل هذا هو السبب الذي جعله يذكر هؤلاء الناس الذين هم فخذ من قبيلة أبناء عمه. من ذلك قوله :

  

اهلي و خيمتي و قبيلة من الاعمام * اجعل امقامهم في دار النعيم

 

غير أنه كان يخص بالذكر أتباعه و مؤيديه :

 

كما العزافرية جيل على بعد جيل

 

و هؤلاء الأتباع الذين كان الشاعر يزودهم بالدعاء هم الأهالي القاطنين بالجبل الأخضر و ما بعده إلى أقصى سوس و ضواحيها :

 

عزلتي نبغيها قسمة من الخلاد * من الجبل الاخضر السوس المسالمة

الأمر الذي يجعلنا نضمر أنه تجول عبر هذه الأقطار كما فعل قبله الكثير من سبقه من الشعراء أمثال : سيدي أحمد الشوشطاري المكناسي، و سيدي زيان التليغي و معاصره سيدي عبد الرحمان بن عياد بن يعقوب المعروف بسيدي عبد الرحمان المجذوب (1503-1596 م) و غيرهم.

و السبب الثاني الذي يدفع بنا إلى هذا القول هو القبب الكثيرة المنسوبة إليه حيث نجد المستشرق (لاؤوست) يقول في كتابه (القصص الشعبية البربرية في المغرب الأقصى) أنه يوجد في الجهة الغربية من البلاد قبب كثيرة ينسبونها لسيدي " بن خلوف" و أنهم يمنعون النساء من الدخول إليها بحجة أن صاحبها كان يكره النساء في حياته و ذلك لأن زوجته غضبت ذات يوم فجمعت ديوان أشعاره و رمت به في النار.

هذا ما ورد في كتاب (لاؤوست) و من جهة أخرى و في الخرائط الفرنسية القديمة هناك قبة يشار إليها توجد بضواحي عاصمة الجزائر بقرب المكان الذي قتل فيه القائد النصراني (دي بورمان).

في عام 1830 و هذه القبة مسجلة تحت إسم (سيدي خلوف) و ذكرها الكاتب النصراني (كوفي) و تحدث عنها في الكتاب الذي خصصه لقبب الأولياء في الشمال الإفريقي.

و هناك روايات كثيرة حول تجولات سيدي الاخضر بن خلوف و الشائع منها ما ورد في كتاب القصص الشعبية لواد سوف للمستشرقة (سيليس ميلي) تقول "إن أهالي و سكان صحاري سوف متأكدون من أن سيدي بن خلوف عاش مدة طويلة في صحاريهم و أنهم لازالوا حتى اليوم 1961م (صدور الكتاب المذكور) يحترمون و يجلون إسمه كما أنهم يحتفضون له بمجموعة من مدائحه يتغنون بها في مناسباتهم و أعيادهم الدينية و على كل حال فإن شاعرنا خصص لجولاته عبر جبال شرشال و الثنية قصيدة من ضمنها قوله :

 

ربعين سنة تمام و نايا جاهل * مانفهم ما نجد حروف القران

من جبل شرشال للثنية نستقبل * مرضوز و زيد قرايه العبد ثان


من الغوشي بوشعيب بومدين لفحل * الامانة منتها منه حسنى

اركبت الفرس باللجام

و رجعت بنفسي ساري للظهرة * السعد ازيان و استقام

و حطيت على جبال داعوا بالقهرة * محمد صاحب الغمام

عليه الصلاة و السلام

ثم العشة بنيتها و ابقيت انسال * على نعم الفحول من بويه لامي

نوجد روحي غريب ما عندي دلال * سوى ڨنو لمونستني في رسمي

مثل المجدوب أضحيت من حال الى حال * سري بين الضلوع في كبادي مكمى

دڨيت الملزم في الخيام

 

و مهما يكن من أمر فإن مقر سكناه كان بقرب نخلة غريبة الشكل ضهراء أولاد إبراهيم حيث ضريحه رحمه الله كما يشير إلى ذلك في قوله :

 

نتهلاو في خيمتي و شهدوا لي بالجلوس * كما في اليقضة شاهدنا جبرين

نخلة مثبتة تلقح من بعد اليبوس * احداها ايكون ركني يا مسلمين

 

و على العموم فإن سيدي الاخضر بن خلوف كما يذكر في بعض قصائده كان يتمتع في حياته بشهرة واسعة يشير إليها في هذا البيت:

 

التراك و العجم و الظيالم خدامي * و شلا الاعراب منهم خلة و اعموم

 

وهذه الشهرة التي نالها الشاعر بفضل التزامه لقضية الإسلام لا زال يتمتع بها حتى اليوم و إلى ما شاء الله.

ذاك أنه كان مخلصا ملتزما لنصرة كلمة الله و اتباع سنة رسوله الأعظم.

 

من يخدم التهامي لابد ينال * و خدمت في مديحه فكري

في عين شين و الزين و كاف و دال * يوم الحساب ربي يدري

(4+20+7+1000+70=1101 هـ)

  

و خلاصة القول فان أبا القاسم الأخضر بن عبد الله بن خلوف هو شاعر شعبي عاش أكثر من قرن و ربع قرن قضى منها ما يفوق ثمانين عاما في الوعض و الإرشاد و الدعوة إلى اتباع دين الله و سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، كما يشير إلى ذلك في قوله:

 

جوزت مائة و خمسة و عشرين سنة حساب * و زدت من وراء سني ستة اشهر

منهم امشات ربعين سنة مثل السراب *  و المتبقى امشى في مديح المبرور

 

هذه لمحة وجيزة عن حياة الشاعر الشعبي الاخضر بن خلوف الذي ولد في أواخر القرن الثامن و عاش القرن التاسع و المتوفي في الربع الأول من القرن العاشر :

 

قرن اثمانية أهديت اسنين اوزايع * و الايام ماضية و الحاسب محسوب

تميت بهمة القرشي القرن التاسع * و الفلك ينثنى و الجالب مجلوب

 

 

 

الجزائر في /1/8/1973 م