Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 15، تراث رقم 6، 2006، ص. 7-24 | النص الكامل


 

 

 

 محمد الحبيب حشلاف

 

 

إن عدم معرفتنا للفنون المستعملة في أغاني الأجداد لا يسمح لنا أبدا أن نزعم أنهم كانوا يعيشون في عالم ثقافي لا فن فيه. إن مستوى فنونهم الغنائية التي تركوها لنا يدل دلالة واضحة أنهم عرفوا عهودا كانوا فيها على قدر معين من التحضر و التقدم، و رغم الظروف الصعبة و الأزمات التي كانوا يعيشونها فإن أغانيهم و أشعارهم تؤكد على المكانة المرموقة التي كانت تتمتع بها الأغنية عندهم.

إن العدد الهائل من الأنواع و الأشكال المستعملة في أغانيهم يؤكد على مدى تقدمهم في صناعة الطرب و الغناء، إن هذه الفنون التي تزخر بها الأغاني و الأهازيج الشعبية و التي لا نعرف عنها نحن إلا القليل هي أيضا دليل على مدى تفنن أصحابها و اعتنائهم بفن الغناء و الطرب و ذلك رغم انصراف أغلبية الناس و ابتعادهم منه.

إذا تمعّنا جيدا في فواصل الأغنية الشعبية و أشكالها نلاحظ أن كلماتها تأتي قطعا و أسماطا عددها و جناسها يختلف باختلاف الأعراض والمذاهب، فمنها ما هو ثنائي و منها ما هو ثلاثي و هناك الرباعي والخماسي و المسدس و السباعي، الخ. و تحمل كل قطعة من هذه القطع إسما يميزها عن غيرها من الأشكال و يضيفون لها إسما آخر يميزها عن غيرها من الأنواع، و هكذا يكون لكل قطعة إسمين أحدهما يشير إلى النوع(الشكل) و الآخر يشير إلى موقعها في الأغنية.

فمن الأسماء التي تشير إلى الشكل و النوع :

"العشاري"، "المربوع"، "الفردي"، "المردوف"، "الواحد و نصف"، "العريض"، "القاصف"، "القائدي"، "الملقوط"، "الاعرج"، "الطويل"، "بوايديدة"، "الميكول"، "المقوص"، "زوج بزوج"، "المشرقي"، "الشاظروان".

و من الأسماء التي تشير إلى الموقع الذي وضعت فيه القطعة :

 "الزريعة"، "الخماسة"، "الرحلة"، "الخرجة"، "المطلع"، "البيت"، "القسم"، "الريال"، "الكعبة"، "الصياح"، "الفراش"، "التوريدة"، "الهدّة"، "الركاب"، "الزغواية"، "الريشة"، الخ.

و تختلط هذه الأسماء مع بعضها فيقولون :

"رحلة عشارية"، "فراش رباعي"، أو "فراش سداسي" أو "بوستّة" ويقولون "بيت ملقوط" و "بيت مردوف" و يقولون "ريال زوج بزوج" و غير ذلك من التسميات التي أخذناها من فحول الشعر الملحون في بلادنا الجزائر.

و يحدثنا العلامة عبد الرحمان ابن خلدون في مقدمته عن أشكال الأغنية التي كانت مستعملة في عهده.

وصف ابن خلدون "المربوع" و قال عنه ما يلي:

"... و لهم فن آخر كثير التداول في نظمهم، يجيئون به مغصّنا على أربعة أجزاء يخالف آخرها الثلاثة في رويه، و يلتزمون القافية الرابعة في كل بيت الى آخر القصيدة..."

و من أشهر قصائد "المربوع" عندنا في بلاد الجزائر منظومة الشيخ بن يوسف[1] التي يقول في مطلعها :

يا ذا الركبة ما بيك * ذي دعوة طالت بيك

نطلب ربي يشفيك * العالم مولايى

الى أن يقول :

ذا لي عام و شهرين * مكتوف من الرجلين

حالي حال المسكين * لا من طل عليا

ناديت و لا من حار * صدوا عني الاخيار

ها ذرك عقلي حار * غابوا ناس النية[2]

 

و تستمر القصيدة هكذا "مربوع" تلو الآخر حتى النهاية. و من القصائد التي استعمل فيها المربوع منظومة الشيخ[3] الحاج محمد بن قيطون بن سيدي خالد المعروفة بقصة (حيزية):

يا حسراه على ڨبيل * كنا في تاويل

كي نوار القصيل * شاو النڨضية

ما شفنا من دلال * كي ضي الخيال

راحت جدي الغزال * بالزهد عليا

 

و من المربوع ما ينسبونه إلى (قوما بن سفسوف) و هو أحد أبطالنا الثوار بوادي سوف بالجنوب الشرقي الجزائري القي عليه القبض في عام 1920م من طرف الباي التونسي.

 و سأله هذا الأخير عن رغبته الأخيرة قبل ان يقتل فقال يخاطب نفسه أولا[4]:

يا نفسي رومي العجاج الطايب * الهربة ڨدام الاعداء خايب

الاجل يڨتل و الرصاص أسبايب * عمرأن قصف ما الطولوش الذلة

 

و يقول في هذه الطريقة أيضا يخاطب الباي:

 

تمنيت مماتي جات بين انزالي * و تخرج يا باي بعساكرك اتشالي

حتى يولي الدم على البدالي * و تشوف يا سفسوف ذوق العلة

 

تطور المربوع مع الزمن و أضيف له شطران و سمي في هذه الحالة "المردوف" و المردوف مشهور في المغرب و في المشرق، استخدم في الكثير من القصائد و الأهازيج الشعبية، و منه للشيخ التلمساني ابي مدين بن سهلا(18م):

 

كيف حيلتي يا سادات * الغرام ساكن فالذات

ما عطا عليى تلفات * لا طبيب يعرف دايا

(المردوف)-    اعدمت و الروح افنات * ساڨ لي بقوم اقويه

 

و منه للشيخ عيسى الاغواطي(1737م)[5]:

 

نبغي نجع اجواده املاح * فيه ابطال يحبوا النطاح

و اجحاف اتبان مع الصباح * جير ايوشح في داره

(المردوف) -  فيهم غيد ايحبوا الشباح * فكوا للزين انظاره[6]

 

و من المربوع(المردوف) المستخدم في القصيدة هذه القطعة :

يا عاشق يا عشيق * اترك سهوك فيق

هذا البحر غميق * ما هوش اسواقي

سال احبار الطريق * و اشياخ التوثيق

من طعنوا ذا المضيق * نعم العشاقي

و منه آخر يضيفون له غصنين و يسمون ذلك(ريشة المستخبر) و مثاله قول الشاعر:

 

يا قلبي واش بيك * تهوى من يجفيك

دايم تايه عليك * طول بعذابك

أنا خفت عليك * يا قلبي يفنيك

و الهجران الهليك * هما اسبابك

لاتامن شيء اخطيك * شيء لا يجرى لك

و منه مع التزام القوافي الخارجية و يسمونه السرب[7]:

 

لوكان يهديك ربي * الاسلام راها قريبة

و تعود يا محبوب قلبي * و الكفر عضمة صعيبة

يا ما اصعب الحب ايهبي * خلف دموعي اسكيبة

ما صبت لا وين انخبي * فالجسد طلعت غصيبة

جمد الماء ذا العروبي * عار من فارق حبيبَه

 

و من أقدم المنظومات في "المربوع" أغنية (الصنهاجية) التي جأت على حروف الأبجدية يقول فيها صاحبها:

 

ا)— اصادني ما صادها * اصادني مرض الهوى

ان فؤادي قد كوى * من حب الريم المغنجي

 

ب)— بهاها حسن جميل * و لا يرى لها مثيل

في ذا الزمان الا قليل * في جيلنا و ما يجي[8]

 

قيل ان هذا النوع من النظم "المربع" هو ما يسمونه في المشرق (الحوراني) نسبة الى حوران الشامية، الا اننا نجده بهذه الصورة نفسها في اغاني الطوارق و غيرها من الأشعار التي تستخدم فيها اللهجات الأمازيغية المختلفة، كما ان ابن خلدون في قوله (و لهم فن آخر) كان يتحدث عن سكان المغرب العربي[9].

و امتزج "المربوع" مع غيره من انواع النظم و تجانس في القصيدة الواحدة، و سميت هذه العملية عملية جناس الأنواع الشعرية(علم التجنيس) والتجنيس فرضته الرغبة في تلوين الألحان في الغناء و المربوع. فهو اما مطلع او بيت او خماسة او غير ذلك حسب الأعراف و المذاهب.

و من أنواع النظم المستعملة في أغانينا الشعبية " الزوج بزوج " و قاعدة صناعة هذا الفن تقتصر على التزام القوافي في كل بيتين مع تلوين الروية. وهذا النوع هو الشائع عندنا و منه الكثير في أعاريض مختلفة. وصفه ابن خلدون في المقدمة بقوله (...واستحدث اهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح، نظموا فيه بلغتهم الحضرية أيضا و سموه عروض البلد...).

و منه لابن الشجاع :

 

تعب من تبع قلبه ملاح ذا الزمان * امهل يا فلان لا يلعب الحسن فيك

ما منهم مليح عاهد الاوخان * قليل من عليه تحبس و يحبس عليك

و منه لسيدي سعيد المنداسي[10]:

 

سرور الدهر مقارنة قالوا بالحزن * ان كنت فطين خذ منها حذر شديد

يظهر لك في اليمين منه تاج الحسن * من اليبريز في شماله قيد حديد

 

أخذها من قول الشاعر العربي:

 

سرور الدهر مقرونا بحزنه * فكن منه على حذر شديد

ففي يمناه تاج من نضار * و في يسراه قيد من حديد

 

و من "عروض البلد " أو ما يعرف عندنا باسم " الزوج بزوج " قصيدة الشيخ بوديسه التي يرثي فيها فرسه . يقول :

 

خبرني واش بيك يا عودي يهديك * حشمتك بالنبي و عيسى بن مريم

حشمتك بالنبي توريني ما بيك * ما نعرف واش بيك ذا الشيء معظم[11]

 

و تستمر القصيدة هكذا ملتزمة القوافي الداخلية و الخارجية حتى نهاية القطعة. و هذا النوع من النظم هو السائد عندنا سيما في أشعار البادية. سماه المرحوم الأستاذ رابح بونار(الشعر الهلالي)[12].

و للمزدوج صيغ و أعاريض كثيرة يحتفضون فيها بالشكل و يتصرفون في العرض و الصيغ و الوزن. من المزدوج للشيخ محمد بن قيطون بن سيدي خالد البسكري:

 

ارفدت عدة من الامواس * و لقيتها الكل انصالي

ما يجرحوا ما يحففوا راس * ما ينجروا عود بالي

 

و للمجدوب[13]و عيسى الاغواطي و سيدي بولعويدات البوزيدي[14] و غيرهم أقوال كثيرة في هذا الشكل المزدوج و في عروض مختلفة، مثلها قول الشاعر:

لوكان جات للصبر نصبر * حتى الوحدك تروفي

أنا خوفي من العمر يقصر * و انموت و انت تشوفي

 

و منه أيضا قول الآخر :

 

صبحت على ناير الخد * يا من درى يقبل صباحي

زينت البها زينت القد * هي السباب في جراحي

 

و منه أيضا :

 

لا تاخذوبه من هنا * و لا تجوزوه على ناسه

حب البنات كي الحنة * عند ساع يفسخ لباسه

 

و منه في الوعض للمجدوب :

 

احرث زرعك و نقيه * و فالصيف خرج عشوره

و من غير ربي و نبيه * حتى عربي ما تزوره

 

و هناك فن آخر من أشكال النظم يسمونه " اَلْمَلْعِبَة " يتألف من ستة غصينات يلتزمون فيه القوافي الداخلية و الخارجية مع تلوينها. يقول ع ابن خلدون في سياق حديثه عن هذا الفن (أنه من إستنباط أهل تونس و أنهم هم من سموه بهذا الإسم). و لاحض الأديب التونسي المرحوم الأستاذ محمد المرزوقي في كتابه (الآداب الشعبي) و قال ان هذا الفن يخص غالبا (الملاحم) غير انه لم يأتي بشواهد على ذلك. و مهما يكن فإن الملعبة كانت في القرن العاشر الهجري على الشكل الذي استخدمه الشيخ عبد الرحمان المجدوب في قوله :

 

المجذوب اسمي المجذوب * و اسم بويا حقيقي

راني نوفي المكتوب * و ما لحقته في طريقي

من خان يعود معطوب * و لو خويا شقيقي

 

و من أقدم النماذج أيضا قول بعضهم :

 

العين تنظر فالعين * و سالوا دموعها سواقي

العقل راح مع الزين * و الحب فالقلب باقي

تجفايى يا شهلت العين * واش ايصبرك على فراقي

 

و منها لشاعر تونسي لم يذكر اسمه :

 

الايام عديتهم مرض * و اسباب مرضي غبينة

نمشي جهامة على الأرض * في وسط سوق المدينة

خايف من كشفت العرض * و شماتت الناس فينا

 

و من الملعبة للشاعر الأوراسي :

 

بالله يا محفل اللوم * فيكمش ولفي الفلاني

ظالم و يقول مظلوم * و الظلم ما هوش مني

ما يحس بجمرت المهموم * الا اللي فكره مهني

و قال ع ابن خلدون في المقدمة (...استفحل فيه الكثير منهم و نوعوه أصنافا الى المزدوج و الكزي و الملعبة و الغزل، و اختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها و ملاحظتهم فيها...)

و من الغزل قول الشاعر :

 

يا دارنا وين ناسك * الي سكنوك راحو

حرڨوا ڨليبي بلا نار * و دموع العين ساحو

 

و الملاحظ في هذة الكيفية ارسال القافية الثالثة مع الاحتفاظ بالقواعد الأصلية للمزدوج. كقول الشاعر:

 

يا ڨلب راك مهموم * يا الروح راكي فنيتي

ڨولوا لمراصم اڨبيل * من الحبيب راك خليتي[15]

 

و كقول الآخر :

 

يا ڨلب كون صبار * و اصبر على ما جرالك

ارڨد على الشوك عريان * حتى يطلع نهارك

 

و جمع الناس بين هذا الفن و بين المزدوج في المقطوعة الواحدة و هذا الجناس كثير الاستعمال عند شعراء المدن و الحواضر و يستخدمونه في (المستخبر) و في الغناء الفردي.

و منه :

يا ريح سلطان الارياح * حبست عليك فلانة

مولات الخرص الذباح * قدها غصن الخيزرانة

في كل ساعة تزيد تملاح * و في كل وقت اتزيد خانة

يا ما اكثر خيرك مع الناس * و ما اقل خيرك معانا

و منه أيضا :

جبيت على مرڨد الطير * نلڨى حجلة في مراحه

مطروز في سلك و حرير * و التبر هو اشباحه

شبيت و ڨلتله خير * ما رد و فدفد جناحه

شكيت مدڨوڨ في حجاه * و الي دڨوه راحو

 

عرف المغرب العربي الإسلامي بعد سقوط غرناطة نكسة سياسية خطيرة ضيع الإنسان العربي فيها آماله و ثقته في الحكم و الحكام، فانكمش وانطوى على نفسه و استسلم للأمر الواقع و انغمس البعض في الملذات وشرب الخمر باحثين على النسيان و كانت فرصة ساعدت في نمو الفنون الجميلة و الشعر و الطرب و الغناء بوجه خاص. و ترك البعض الآخر الماديات و التفتوا الى العبادة و الذكر و الخلوة، و انتشر حينها التصوف الذي كان قد شغل قسما موفورا من الناس، و تعددت الطوائف الدينية وامتلأت المزارات و المساجد و الزوايا بالمنشدين و تنافست حلق الذكر وعرف الشعر الملحون عهد ازدهاره و تطورت فنونه و أشكاله و تفنن الناس في تجميل أغانيهم و مدائحهم و كان من حرصهم أنهم استنبطوا فنا (علم التجنيس) و هو مجموعة قواعد و مذاهب خاصة بفن جناس الأشكال والفنون الشعرية السائدة في ذلك العهد، و قسموا (علم الموهوب) الى فنون يتعلمونها أبا عن جذ.

و قسموا الشعر الملحون الى الوزن (الدندانة) و هي طريقة لأستقامة الوزن و فصلوا الشعر الى "وزن" و "صيغة" و "نوع" و هلم...و يتأكد هذا في الزجل بوجه خاص و في غيره من الغناه.

على ان هذه التحولات و التطورات التي عرفتها أشعار العامة، لم تكن مجرد عامل ذاتي صادر على شعور الشاعر وحده، و إنما كانت وليدة التحولات التي طرأت على حياة المجتمع. و من تلك الابتكارات الفنية المستحدثة، ما زالت القصيدة القديمة حتى اليوم تعتمد على الغصن الواحد في تركيبها.

هو غصن منفرد يضاف إلى بعض الأقسام بغية تنسيقها مع غيرها. و لهذا الغصن الواحد تسميات تختلف باختلاف الأغراض و المذاهب. فمنها ما هو "ريشة " و منها ما هو "ردمة ". فالريشة تأتي في الفواصل التي يستعمل فيها الإيقاع في الغناء، أما الردمة فهي للغناء بدون إيقاع. و مثال ذلك قول الشاعر الشيخ الصادق الخالدي :

 

ذالي مدة ما جالست كحل اللوامح * واش ايلحڨني لرماڨ بوكمبيل

(الريشة) — ليى يا ڨمري لله دير جميل

 

و مثاله أيضا قول الشيخ العربي السجراري :

 

ماني ڨاطع لياس ما دركني طموع * في طوعك يا من لا بغيت تليان

(ريشة)— كي داير رايك يا هلال رمضان

 

و الريشة لا تقتصر على المطلع بل نجدها أيضا في بعض الفواصل الداخلية التي تتألف منها القصيدة و يكون في هذه الحالة جزءا من القسيم يلتزم قافية و وزن "عجوز " المطلع كقول المغراوي :

 

يا من نرجاك اتجود فيدني بالكلام (بهواك اظهر تفياشي)

 

الى أن يقول في القسم الثاني :

 

نظفر وجه المطلوب بالزهو و اللعاب (ريحك هلك رشراشي)

 

و يتخلل بعض القصائد فواصل يسمونها (صياح) و قيل (عروبي) و قيل (استخبار) و هي بالجملة مجموعة من الغصينات منها المزدوج و فيها الخماسي و السباعي، يرددونها بدون إيقاع و يستخدمون فيها الغصين الأخير للخروج به من فن إلى فن و يسمون هذا الغصين ردمة كما أسلفنا، ومثال ذلك قول سيدي محمد بن مسايب التلمساني :

 

ادخلت بلاد الهناء و بلاد العز * و استانس خاطري بتونس و هواها

زرت المجدوب و الولي سيدي محرز * و جميع الصالحين نطلب مرضاها

(الردمة) — عند أهل الخطوات الايام سواها

 

و مثاله للشيخ ابن الشاهد[16]:

 

قم اتشوف النوار في احراجه مكمول * سلطان الورد فاتح ايمينه و شمالي

صايل بعساكره ملك صحراء و تلول * بند بعمايمه ايحير الانجالي

أنظر للزان و الدمام مع القندول * و استنشق يا لبيب الازهار ابحالي

(الردمة) — تنفي الاكدار حين و تروح سالي

 

إن الشعر الملحون هو أولا و قبل كل شي كلمات أغنية تخضع كغيرها من الأغاني الى(دندانة) لابد من معرفتها للتمكن من معرفة أصول تراكيب هذه الأغنية.

لقد دون الناس البعض من أسماء الأشكال المستخدمة في الملحون ، من ذلك ما ورد في (الأقنوم) لأبي زيد الفاسي وهو يتحدث عن (أوزان الشعر الملحون) يقول :

       

(رجز)—   علم بأنواع من الملحون * وردها الضابط الموزون

له من الأوران خمسة عشر * على الذي  كثر فيه وا شتهر

أولها الشرقي الكبير  و الثاني * شرقي صغير باختلاف الأوراني

والثالث الشرقي الصغير صاحب * التاء فيه زائد يناسب

و الخامس العواد و المرشوق * ثم المزدوج الذي يليق

وبعد البهلوان و المسلاوي  * و بعد القفر كذا  العذاروي

و بعد الحورشة العشاري * ثم العروبي و القصيد الجاري

 

يذكر صاحب الأرجوزة ثلاثة ألوان للمشرقي (المشرقي الكبير) و (المشرقي الصغير)

و (المشرقي صاحب التاء). و المشرقي السائد في الملحون عندنا مثاله ما جاء به سيدي سعيد المنداسي في (ليلى يا زائرين ليلى) حيث يقول في خاتمتها مشيرا إلى أنها من النظم المشرقي كما يذكر الشهر و العام الذي قيلت فيه. يقول :

             

هاك الدر النفيس الأزهر   *  مما ركب سعيد في سلك اليبريز

في مولد الماحي المطهر  * شهر ربيع الفضيل عند الناس اعزيز

فالسبع و ستين شاع و اظهر * بعد الألف عام باح بالفاظ التمييز

في من نهوى انشيت حلة  *   بالنظم المشرقي اتخايرها الافضال

بين يدين الملوك تتلى    *    محبوبة عند ذكرها تنصت الاقوال

 

ومن أقدم النمادج لهذا النظم في القرن التاسع للهجرة قول سيدي الاخضر بن خلوف المستغانمي :

اللهم صلى و سلم * طول الدهر على نبينا

قد نجوم الليل الادهم * والامطار النازلينا

والسلحف و الحوت الابكم * في البحور الغامقينا

اغزل في خشبة مسدى * و المنسوج قميص وردا

اشعر سلك حرير ديدي * ما حملت بضناه دودة

 

يلاحظ ان المشرقي هو في واقع  الأمر خليط  امتزج فيه( المزدوج) بفن (الملعبة)، و من الأنواع التي وردت في الأقنوم (العشاري) و هو الشايع في الجزائر.

تروي الأسطورة الشعبية (...أن  الشيخ  سعيد المنداسي لما قدم المغرب الاقصى و لقي الإكرام و التقدير من المولى الرشيد، حسده شعراء البلاط هناك  و عابوا عليه شعره قائلين ان موازين إيقاعاتها يقدر على الإتيان بمثلها صبيانهم ذلك لأنها تأتي على حرفين فقط و ليس فيها أي صناعة تذكر) – هذا، و بالفعل فإن (العشاري) حرفان أو قافيتان يلتزمونها حتى نهاية القطعة، و مثال ذلك قول الشيخ عبد الله بن كريو[17]

 

قمرالليل خواطري تتونس به * نلڨى فيه اوصاف يرضاهم  بالي

يا طالب عندي خليلة تشبه ليه * من مرغوبي فيه سهره يحلالي

انبات نقسم في الليالي ننظر ليه * يفرقني منه الحذار التالي

خايف لا بعض السحابات اتغطيه * واذا غاب ضياه يتغيثر حالي

 

 ومن المنظومات التي جاء فيها أسماء (أشكال النظم) هذه المقطوعة المعروفة عند فحول الشعراء باسم (الديوان) وهي أيضا (عشارية) ولعل ناظمها من سكان الجنوب الصحراوي أو من المتأثرين بكيفيتهم في النظم :

           

سلمتك بوصايتي تقرا الاشعار * والحمد لخالقي العالي القدير

من يدخل بحر المواهب والاسرار * يتهلى فالقاعدة يثبت في السير

واعلم ان الشعر جملة من الافكار * ڨمنة و لباقة اتهنديز و تفكير

صنعة موهوبة اينالوها الشطار * عقد اموثق يكسبوه اهل التيسير

بيت وهدة فراش وامطالع وادوار *  توريدة  وريال و الريشة تقدير

و انواع الفن بعد واحد ثلاث اعشار* محصية و متوخرة من دهر اكبير

القصيد الشايعة هلال في كل اقطار * و زوج اقوافي نال فيها بن بلخير[18]

عشاري و مخمس اقصوري مختار *  وهيل يلا كيل كي قصيدة بالباشير[19]

مرفوع ومخفوض ذو نوعين اخيار * و ارباعي  باشكال منه جنس اكثير

محذوف و مجرور واعرج عالايسار * واعرج عاليمين و امخلل و قصير

والمصمودي مع الڨبلي والزخار *  و طرابلسي  و ساحلي ساهل و عسير

و البروالة مع المزوكي والكنار * و الشرقي ڨالوا قصير ڨلت اكبير

العواد مع المشرقي نوعين احرار *  غيل انواع الزجل خشوا للتقصير

و تأمل فالمزح  كان انت عيار  *  والبهلوان والمسن  و شوف الدير

و المسنواوي المغربي مكسور اشطار * ومن تركيب القفر عاين بالتحذير

والعذراوي فالحجا يفجي الدمار * ثابت وزنه يشبه التشنبار اغزير

ومخالف للوان جا دندانه حار * و ازن روحه اتڨول غيل بلا بندير

و الموال اشكال معلومين أكثار *  و يا مزين السايحي لوكان اقصير

والحوراني مركب على ربع اشطار * شوف ابن العڨون يعطيك التفسير

هذا الشايع يا ابني في ذو الاقطار * و العالم ربي الله بالسر اخبير

و اسمع للغرب ياسرين انواع اطوار *  اعتى من خمسة و عشرة في التقدير

و في الخضرة الانواع زينة جات اخيار * فالملزومة مركبين بفن اشهير

ادعي بالرحمة للاشياخ الاحبار * و اهل الموهوب كلهم شايب و صغير

ترحمني أنا و بويا يا غفار * و اما  والدتي و اهلي يا قدير

و من القصائد التي ذكروا فيها أنواع النظم، قصيدة مطولة للشيخ الشاعر الحاج عبد القادر بن سعدون المستغانمي[20] يمدح فيها الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم و يقول في خاتمتها:

خد آ راوي خصائص الغيوان * اللى بعد السبع انواع[21] هزل وجد[22]

عواد مع المردوف ضيف له العرجان * الشرقي و الغربي انواع تتردد

المرشوق والزلاغ و نصف بهلوان * مشرقي و الشرقي الغير لمقيد

مغراوي و عروبي و عد شاطروان * و عشاري و رباعي الا سمن و شهد

و شطيبة لاقح جات فيه الوان * و الفردي و زوج بزوج عدهم واحد

جود عليا برضاك يا عظيم الشان * و اجعلني يوم الحشر في جوار احمد

 

و قبل الختام نلاحظ أن موضوع "الأشكال الشعرية في الأغنية الشعبية" ما يزال في بداية البحث كما نلاحظ أن بعض الأدباء بين قوسين سمحوا لأنفسهم فألسقوا ببعض الأنواع أسماء اخترعوها اختراعا يتشدقون بها في المجالس ضنا منهم  أنهم بدلك يبرهنون على عدم جهلهم للموضوع.

 


الهوامش

[1] من أشهر فحول شعراء الملحون بالزيبان، من مواليد مدينة بسكرة، كان في مطلع هذا القرن، له أشعار كثيرة و هامة جلها في المدح و التشوق الى البقاع المقدسة، ديوانه لم يطبع بعد.

[2] يحذو فيها حذو الإمام البصيري صاحب البردة التي توسل بها إثر مرض عضال أصابه فشفاه الله.

[3] تستعمل كلمة شيخ عندنا بمفاهيم ثلاثة : شيخ القبيلة الذي هو اليوم شيخ البلدية و شيخ التعليم المدرس و الشيخ الشاعر المغني و للكلمة مؤنث "شيخة". و التسمية استعملها العرب في أيامهم من ذلك تسميتهم البيروني بالشيخ لوسعة معارفه. هو أبو الريحان محمد بن احمد البيروني والمكي(973هـ/1048م).

[4]  ترجم له الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم في تعليقه عن (إليادة الجزائر) و قال عنه: "...الشيخ غومة بطل الصحراء عميد قبيلة المحاميد، القبيلة الليبية المشهورة بأمجادها و بطولاتها، إلتجاء الى سوف حين وقع في كلابة الجيش التركي من الجهة الليبية، و جيش الباي من الجانب التونسي فكانت سوف ملجأ أمينا له، و التاريخ يذكر شجاعته، و الآداب الشعبي يزخر بملاحمه المتداولة لحد الآن في الأفراح و الأعراس.

[5] هو والد سيدي احمد الخنوس صاحب قصيدة (الدبيش). كان في مطلع هذا القرن و اسرتهم تنتسب الى الوالي الصالح سيدي الحاج عيسى الاغواطي شهير الظريح بمدينة الاغواط و المتوفى في مطلع القرن العاشر الهجري ذكره سيدي بن عودة في جفريته.

[6] و منه لشاعر مشرقي و من المعروف في بلادنا: يا ظريف الطول وقف لاقل لك * رايح عالغربة بلادك احسن لك * خايف يا محبوب تروح و تتملك * وتعاشرون الغير و تنساني انا * ما يروى عطشان الا من يدك * و كل يوم بفرقتك عنا سنة.

[7]  هو أقرب إلى المزدوج منه إلى المربوع.

[8]  أوردها سوناك في ديوانه مع بعض التحويرات. هي من شعر الثامن أو التاسع الهجري.

[9]  أنظر "الفلكلور الغنائي عند العرب"، تأليف نسيب الاختيار، سورية، ص.93.

[10] هو ابو عثمان سعيد المنداسي و التلمساني من مواليد مدينة منداس قرب تيارت، تعلم و علم بتلمسان، انتقل إلى مراكش و كلف بتعلم المولى اسماعيل بن علي. من أشهر قصائده العقيقة، وضع لها شرح ابو راس الناصري و هذا الشرح مخطوط لم يطبع بعد. جمع المرحوم الشيخ بخوشة البعض من أشعار المنداسي و نشرها تحت عنوان(ديوان السعيد المنداسي)، 1968.

[11] أوردها محمد بالحلفاوي في " ديوان" جمع فيه بعض المنظومات الكثير منها مشوه و مبثور. أما المنظومة المعنية فإنه ينسبها إلى الشيخ ابن السويكت شاعر سويد المشهور(1061هـ) على ان القصيدة يذكر فيها صاحبها اسمه و وضيفته اذ كان قائدا ثم باش آغا بمدينة القصر. يقول بوديسة في خاتمة القصيدة :

من تونس للجريد و فاس يهاتوا بيك * عرفوك و عارفين بوديسة ينظم

لاغا يا من تسال ما يتلفش عليك * قصري ولد اقصور من الشاو امحزم

[12] مجلة " آمال"، العدد 4، الخاص بالشعر الملحون.

[13] هو عبد الرحمان بن عياد، أخذ العلم بفاس عن الشيخ أحمد بن الحسين العبدلي السهلي(1555هـ)، تفرغ للتدريس بفاس ثم مكناس و بعد أداء فريضة الحج تصوف و لبس الخرقة و تجول في شوارع المغرب العربي الكبير. اعتنا بتدوين أقواله كل من محمد ابن عزوز حكيم ثم دوكستري ثم نور الدين عبد القادر ثم سيلاس ميل و بخاري خليفة. و هو أول من سما هذه الأشعار(رباعيات) لأنها تاتي في أربع أشطار. و هذا يعود لعدم اعتنائهم بالجانب الشكلي. و الحقيقة فإن أقوال الرجل فيها المربوع و الملعبة و غير ذلك من الأشكال الشعرية.

[14] هو جد أولاد سيدي بوزيد. هو سيدي حميدة بن سيدي الحطاب بن اليزيد الملقب بولعويدات دفين جبل تاقنسة المطل على قصر البخاري، له أشعار كثيرة على طريقة الكشف.

[15]  يستعملونه أهل الأوراس في " الغرائدي " الذي هو غناء فردي لعله مشتق من (التغريدة).

[16] هو سيدي محمد بن عمار بن الشاهد، مفتي المالكية بالعاصمة، كان في مطلع الثامن عشر الميلادي ترجم له الأديب الجزائري الأستاذ أبوالقاسم سعدالله في تاريخ الجزائر الثقافي.

[17] هو الشيخ عبدالله بن بلقاسم بن كريو التخي الاغواطي المولود عام 1845 م و المتوفى بمدينة الأغواط عام 1921م أخذ عن الفقيه الشيخ الأزهري مقدم الزاوية التجانية. توضف و تقلد مناصب القضاء. له ديوان يفوق 32 منظومة مخطوطة عندي. كان السماتي من أصدقائه، قيل أنها دارت بينهما مساجلات شعرية إلا أننا لم نعثر عليها بعد.

[18] شاعر الرزيقات من الشعراء الثوار، كان من رفاق الشيخ بوعمامة، ترجم له الأستاذ بوعلام ابن السائح و انفرد له بجزء هام من تأليفه. نقل جزء من حياته إلى التلفزة.

[19] هو الشيخ عدة بن البشير التحلايتي، أصله من سجرارة، كان بالعاصمة و رثاها إثر الغزو الفرنسي. له قصائد كثيرة في مختلف الموضوعات.

[20] هو عبد القادر بن بلقاسم بن سعدون، توفى بمسقط رأسه مستغانم عام 1922 له قصائد كثيرة لم تنشر بعد.

[21] يعني الفنون السبع (القريض، الموشح، الدوبيت، المواليا، الكان و كان، الزجل، القوما).

[22] يصنف فن الغناء إلى هزل و جد، فالجد هو المدائح و الأغاني الدينية و التربوية، و الهزل هو غير الذلك.