Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 12، 2005، ص. 33-44 | النص الكامل


 

 

 

 مراد مولاي الحاج

 

 

تعد القيادة إحدى المهام الأساسية التي شكلت واحدا من المواضيع الرئيسية التي عنيت بها جل مدارس تنظيم العمل ونظريات تسيير الموارد البشرية. لقد تطورت أساليب ممارسة القيادة في المؤسسات الصناعية وذلك من أجل محاولة خلق جو اجتماعي مساعد للعملية الإنتاجية داخل فضاء العمل.

وقد عرفت المؤسسة الجزائرية كغيرها عدة أشكال من التجارب والمحاولات في مجال تنظيم العمل من أجل دفع مهمة الإنتاج إلى الأمام والقضاء على العراقيل التي وقفت وما زالت تقف أمام زيادة مستويات إنتاجية العامل في الورش الصناعية والمؤسسات الإدارية.

إن مسألة القيادة التي قد تبدو منذ الوهلة الأولى، مهمة سهلة وهي في الواقع ليست كذلك، لأنها تتحدد بعدة عوامل منها الثقافية والاجتماعية والتنظيمية، وهذه قد تكون عوامل مساعدة كما قد تكون عوامل معرقلة لعملية السير الحسن للإنتاج.

إن الحديث عن القيادة والإشراف في الجزائر مرتبط بالتحولات التي عرفتها المؤسسة الصناعية الجزائرية. وأغلب تلك التحولات رافقتها تغيرات في ميادين الاتجاهات والعلاقات الاجتماعية والمهنية بين الفئات الاجتماعية-المهنية المشكلة للبناء التنظيمي، وبخاصة العلاقات بين الإطارات المسيرة التي تشرف على العملية الإنتاجية والعمال المنفذين داخل الورش. 

1.تسـيير الموارد البشريـة ومسـألة القيـادة

ظهر مفهوم إدارة أو تسيير الموارد البشرية من خلال إقحام العامل الإنساني في تنظيم العمل وهذا بعد فشل عدة نظريات ومدارس عملت على ترشيد العمل من أجل رفع إنتاجية العمل الإنساني مثل نظرية التنظيم العلمي للعمل.

لقد قامت هذه النظرية بدور أساسي في رفع الإنتاج داخل المؤسسات الصناعية. وبرغم أن هذا التنظيم يفرض نوعا من الصرامة والمواظبة في العمل إلا أن الأجيال الأولى قبلت به مادامت قد استفادت من تعويضات مفيدة كالأجر وبعض أنواع التأمين على الشغل.

إن العقلانية المرافقة للنظام التايلوري صاحبتها أشكال معينة من القيادة التي عادة ما وصفت بالقيادة الأتوقراطية أو التسلطية التي يغلب عليها الطابع اللاإنساني. وظهرت عدة أشكال من النضال والمقاومة من طرف أجيال جديدة من القوى العاملة ذات مستوى ثقافي يفوق مستوى الأجيال الأولى التي تعاملت مع النظام التايلوري داخل الورش الصناعية، وقد اتسمت الأجيال الحديثة بروح مقاومة أكثر نتج عنها في حالات عديدة عرقلة عملية الإنتاج. "فأحداث مايو 1968 والنضالات التابعة لها تعتبر ثورة ضد أتوقراطية النظام التايلوري وطبيعة العمل المرافق لذلك النظام الذي يحط من قيمة الإنسان".

إن مسألة التسيير ليست علما ولا تقنية ما وإنما تعتبر فنا. فن صياغة التلاؤم بين عدة عوامل في نفس الوقت. ذلك أن تسيير ورشة عمل ما يتطلب الأخذ بعين الاعتبار لعدة ظروف، منها ما هو تقني وما هو تشريعي وما هو إنساني، ولكل منها منطقها الخاص الذي  يكون جد مختلفا عن الآخر. إذ يتطلب التسيير من المسير أن يحقق الاستخدام الأحسن للقوى العاملة من أجل بلوغ أعلى درجات الفعالية في العمل.

باعتقادنا أنه لا يمكن الحديث عن التسيير بدون التطرق إلى مسألة القيادة والإشراف التي تتطلب نوعا من المهارة المهنية والمعرفة التكنولوجية داخل المؤسسة. ولكي تنجح مهمة القيادة والإشراف لا بد أن يمتلك المشرف أنواعا محددة من المهارات في مجال السلوك والمعاملات.

ظلت أساليب تسيير الموارد البشرية الشغل الشاغل بالنسبة لأغلب المهتمين بتنظيم العمل داخل المنشآت الصناعية والإدارية. وأدى ذلك الاهتمام إلى ظهور عدة مفاهيم ونظريات تهتم بالحوافز المعنوية ومحاولة دراسة أساليب تأقلم كل ما هو اجتماعي مع  الجانب التقني وإعطاء حرية للعامل في اختيار التنظيم الملائم له من أجل إتمام عمله وأخذ قرارات يراها مناسبة للعمل المنجز (معهد تافيستوك للبحوث الاجتماعيةTavistock Institute for social research). كما عملت نظرية الحاجات لدى كل منMASLOW   وHERZBERG  على تخطي نظرية تايلور ومحاولة تقديم صيغ تنظيمية جديدة للعمل.

في بداية الثمانينات أصبحت المؤسسات اليابانية تشكل المثل الأعلى في مسألة تنظيم العمل والتي تنعت بتعبير TOYAUTISME القائم على النظر إلى المؤسسة على أنها عائلة تربط بين أعضائها علاقة الدم. فالمدرسة اليابانية تنطلق من فكرة أن الرجال والنساء لهم مهارات يجب العمل على تسييرها وتنميتها. " فالأفراد يعدون موارد لا يجب إهدارها وإنما تسييرها ".

عملت كل هذه المدارس على تطوير أشكال مختلفة من الاستقلالية في تنفيذ العمل داخل الورش وظهور أساليب جديدة في الإشراف على العمل متجاوزة أنماط القيادة ذات الطابع العسكري المرتبطة بالتايلورية. ففي فرنسا مثلا يرى Le Golf أن بعض المؤسسات عرفت تعويض رؤساء الورشContremaîtres بمنشطين للورشAnimateurs d'ateliers . وبالتوازي ظهرت وبشكل قوي "دوائر ومصالح خاصة بالتكوين والاتصال".

ورغم هذا الاهتمام المتواصل بالعلاقات الاجتماعية في تنظيم العمل فإن مدارس التسيير لم تنج من الانتقادات مثلها مثل التايلورية، إذ يقول ميشال فوكو  Michel Foucault: "يهدف الأسلوب التايلوري أو المواظب إلى جعل الأجسام مفيدة وسهلة للقيادة أي أجسام ذات مردودية، أما نظام التسيير فيركز على الطاقة الليبيدية«Libidinale »  من أجل تحويلها إلى قوة عمل"، ومن هنا فالارتياح النفسي والشعور بالرضا بسبب الانتماء إلى المؤسسة يؤدي في الواقع إلى تأكيد صيرورة التحول النفعي (أو الأداتي) للأفراد Instrumentalisation des individus .

2.القيادة والإشراف في المؤسسة الجزائرية:

بعد التحليل السالف لأساليب التنظيم والتسيير المطبقة في ميدان العمل رأينا من الضروري محاولة دراسة  واقع الأنماط التنظيمية ممثلة في القيادة والإشراف التي طبقت في مؤسساتنا الصناعية والإدارية، رغم أننا نشعر أحيانا أنه من الصعوبة بمكان تحديد أي شكل من التنظيم هو ذلك المطبق بمؤسساتنا. في واحدة من محاضراته صرح الأستاذ علي الكنز أنه تفاجأ بجهل الإطارات المسيرة في إحدى المؤسسات الصناعية بشكل التنظيم المطبق في مؤسستهم. والسؤال المطروح في هذه الحالة هو هل عدم معرفة أساليب تنظيم العمل لا يؤثر في فعالية الإشراف والقيادة داخل الورش الإنتاجية؟ للإجابة على مثل هذا السؤال سنحاول دراسة مسألة القيادة والإشراف من خلال ثلاث مراحل عرفتها المؤسسة العمومية الجزائرية.

1.2 القيادة والإشراف بالمؤسسة الجزائرية قبل أحداث أكتوبر

اعتمد المشروع التنموي الجزائري على سياسة صناعية قائمة على بناء قاعدة صناعية كبيرة تعمل على توفير مناصب عمل لأكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، وبذلك أصبحت المؤسسة الصناعية تميل إلى أن تؤدي وظيفة اجتماعية أكثر منها اقتصادية. واستقطبت المؤسسات الصناعية العمومية أيدي عاملة ليست لها أية تقاليد صناعية وجدت نفسها أمام واقع تكنولوجي وتنظيم عمل جديد لم تألفه من قبل. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن تلك الفئات المهنية التي أوكلت لها مهمة تسيير تلك المؤسسات الصناعية. لقد كانت هي الأخرى تنتمي، في الغالب،  إلى وسط ريفي ساعدها تحصيلها لرصيد من المعارف العلمية بالمؤسسات الجامعية على تحقيق  نوع من الترقية الاجتماعية وتحولت إلى إحدى الفئات القيادية داخل الورش الصناعية لتقوم بالإشراف على العمليات الإنتاجية، وقيادة جماعات وفرق  من اليد العاملة المنفذة.

في ظل هذه الظروف واجهت الفئات المسيرة عدة عراقيل لإتمام مهامها داخل فضاء العمليات الإنتاجية. تتمثل تلك العراقيل في المقاومة العمالية للمنطق الصناعي وثقافة المؤسسة، إضافة إلى الطابع الإيديولوجي والسياسي الذي طغى على تسيير المؤسسة الصناعية والذي عمل على تدهور الجو الاجتماعي داخل الورش وأثر على طبيعة تنظيم العمل.

ففي ظل هذه الثقافة السياسية والأيديولوجية السائدة، أعطيت صلاحيات كبيرة للعامل لينضم وبحماس إلى التنظيم القوي داخل المصانع ألا وهو الفرع النقابي، والذي أصبح يشكل هيئة ذات صلاحيات كبرى في مجال تسيير المؤسسة الصناعية. فالتسيير الاشتراكي للمؤسسات أعطى صلاحيات للنقابة لكي تصبح إحدى الهيئات التي يرى فيها العامل مؤسسة للحماية وتحقيق أهدافه. وبالتالي فالحق النقابي بالنسبة للعامل أصبح سلاحا يستعمله ضد كل أولئك المشرفين والإطارات المسيرة الذين يعتبرون خصما لا يمكن التعاون معه من أجل تحقيق الهدف المنشود الذي وجدت من أجله المؤسسة، وإنما يجب معارضته وعدم تنفيذ أوامره.

في أحد أبحاثه كتب جمال غريد:" عملت السياسات الإصلاحية للمؤسسة الصناعية على تفتيت المؤسسات الصناعية والقضاء على سلطة مدراء هذه المؤسسات. وبالتالي عملت السلطة السياسية على احتكارها للنظرة الشاملة للمؤسسة وقراراتها الإستراتيجية. كما عملت هذه المعارضة على الانتشار داخل المؤسسة لتشكل عائقا أمام كل مواظبة صناعية، أو بالأحرى كل جهد تثقيفي …وهكذا فالمنطق السياسي هو السائد وليس الاقتصادي"

ومن هنا لا يمكن أن ننتظر من العامل أن يقيم علاقات تعاون مع الإطارات المسيرة من أجل اكتساب معايير جديدة قائمة على العقلانية الصناعية، والتعاون مع الفئات المهنية، وتقبل طبيعة القيادة والتنظيم المسطر من أجل إتمام العملية الإنتاجية ورفع إنتاجية العمل داخل الورش. فالمؤسسة الاقتصادية يجري تصورها كتنظيم للخدمة الاجتماعية، فهي ملك "البيلك"1 (بمعنى ملك الجميع) وبالتالي فإن الفئات المسيرة لا تمتلك امتيازا أكثر من غيرها من الفئات الأخرى ولو في مجال التسيير، حسب نظرة العامل الجزائري.

في ظل هذه الظروف السياسية والثقافية والاقتصادية المحيطة بالمؤسسة الصناعية، وجدت الفئات القيادية داخل الورش والمشرفة على العملية الإنتاجية نفسها أمام عراقيل وقفت حاجزا أوعائقا في وجه الأداء الحسن لمهامها. وفي نفس الوقت لا يمكن التغافل عن مسألة أساسية هي أن المؤسسة الصناعية لم تستثمر أية جهود أو أموال من أجل إدخال معايير جديدة في تسيير الموارد البشرية وتدريب إطاراتهاعلى القيم والمعايير الحديثة التي يتطلبها هذا النوع من التسيير.

في غياب هذا النوع من التكوين للفئات المهنية داخل الورش وتزامنا مع الظروف السابقة الذكر، لا يمكن أن نتصور المؤسسة الصناعية العمومية بالجزائر آنذاك إلا وقد طغت عليها نزاعات العمل والصراعات الدائمة بين الفئات المسيرة والعمال المنفذين. فانعدام الاستقرار الاجتماعي داخل الورش مهد الطريق للتباين في الأهداف على حساب الهدف الأسمى الذي وجد الجميع من أجله داخل الورش الإنتاجية.

لا يمكن أن نتكلم عن إنتاجية العمل ولا عن الربح، لأن السائد هي الاضطرابات الاجتماعية والإفلاس الاقتصادي للمؤسسة العمومية الجزائرية وما ترتب عنها من تدهور القدرة الشرائية للفئات العمالية. وكان ذلك بمثابة السبب الأساسي لخروج الملايين من الأفراد إلى الشارع للمطالبة بتحسين وضعهم الاجتماعي وقد عرفت هذه الأحداث بأحداث أكتوبر 1988.

  2.2القيادة بعد أحداث أكتوبر:

عرفت المؤسسة الصناعية أزمات متتالية نظرا لتدهور وضعها المالي المترتب هو الآخر عن الأزمة المالية التي عرفتها البلاد، والناتجة بالأساس عن تقلص مداخيل الريع البترولي الذي يعد المصدر المالي الأول بل الوحيد للبلاد. وتعتبر هذه المرحلة أخطر مرحلة عرفتها المؤسسة العمومية في الجزائر، فقد انتشرت موجات النزاعات العمالية في أغلب المنشآت الصناعية.

ويرى عبد الناصر جابي أن أكتوبر العمالي قد تأخر شهرا بحيث أن قمة الاحتجاج العمالي قد كانت في شهر نوفمبر 1988 (824 إضرابا(، وأن الحركة العمالية المطلبية قد عبرت عن نفسها بقوة سنة بعد ذلك الحدث، بحيث أن أكبر عدد من الإضرابات العمالية في تاريخ الجزائر قد سجل في سنة  3389) 1989 إضرابا).

فأحداث أكتوبر كان لها صدى واسعا بين الفئات العمالية التي رأت أن الفرصة سانحة أمامها لإحداث التغييرات الضرورية في أساليب التسيير والتنظيم المطبقة من طرف الفئات المسيرة. لقد كانت ترى في تلك الفئات المسيرة الطرف المعارض لطموحاتها وليس الساهر على تحقيق رفاهية المؤسسة الصناعية، وبالتالي رفاهية العمال بصفة عامة عن طريق ربح معركة الإنتاج والإنتاجية.

انكشف الصراع داخل المؤسسة وظهر عداء العمال المنفذين للإطارات المسيرين بحيث أن جل إضرابات العمال اتخذت شكل محاولات تهدف إلى منع الإطارات من الالتحاق بمناصب عملهم، وإظهار قدرتهم (أي العمال) على القيام بالعمل ومواصلة مهمة الإنتاج بدون هؤلاء الإطارات. في مثل هذه الظروف، يمكن القول أن المؤسسة بصدد تطبيق نمط قيادي يشبه "النمط الفوضوي"[1]  مادام العمال قد عملوا على زيادة الإنتاج ليظهروا أنهم هم الأساس داخل المؤسسة الصناعية وباستطاعتهم الاستغناء عن أولئك المسيرين ورؤساء المصالح والفرق.

وقد وجهت الحركة العمالية اتهامات خطيرة للإطارات مثل الرشوة والمحسوبية واختلاس الأموال العامة... إلى الخ. و ظهرت في نفس الفترة نقابة جديدة داخل المنشآت الصناعية تطالب بفتح ملفات الإطارات ومحاسبتها، كما رأت الفئات العمالية الغاضبة بسبب تدهور وضعها الاجتماعي والاقتصادي أن الإطارات الذين كانوا يشرفون على العملية الإنتاجية هم السبب الأول والأخير في إفلاس مؤسساتهم.

وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي رافقت هذه الأحداث، تفاقمت المشاكل داخل المنشآت الصناعية، فتدهورت الأوضاع المالية لأغلب المنشآت وهذا نظرا لغياب الفعالية في العمل وانكشاف الستار الذي أظهر أن مؤسساتنا الصناعية كانت مؤسسات اجتماعية قبل أن تكون مؤسسات اقتصادية. وفي ظل غياب نوع من العقلانية الاقتصادية داخل هذه المؤسسات وجمود العجلة السياسية وتفاقم أزماتها، وجدت الإطارات نفسها حائرة أمام هذه الأوضاع فأصبحت مهمتها القيادية محدودة ووضعها مرهون بمستقبل غامض.

  2.3القيادة في ظل اقتصاد السوق:

لقد ظهرت معطيات جديدة لم يكن يفكر فيها ذلك الإطار المسير ولا ذلك العامل المنفذ والجميع كان لديهم إيمان راسخ بأن المؤسسة الصناعية هي ملكية الدولة أو "البيلك"، ولا يمكن أن يأتي يوم يطردون فيه من عملهم.

إن أزمة المشروع التنموي الجزائري القائم على الاقتصاد الموجه وجد نفسه وللضرورة الاقتصادية متوجها نحو اقتصاد السوق، فلم تصبح هذه المؤسسات مؤسسات اجتماعية بل وهكذا ظهرت معايير جديدة لقيمة العمل ومناصب العمل في المجتمع في ظل غياب نوع من اقتصادية بالدرجة الأولى. لقد تم إغلاق العديد من المؤسسات الصناعية المفلسة وجرى تسريح  الآلاف من العمال بفئاتهم المختلفة.

التأمين على هذه المناصب، فأصبحت كل الفئات العمالية مهددة بالطرد من عملها في حالة إفلاس مؤسستها. وصدق Caulejac عندما قال :

" في ظل مثل هذه الظروف أصبحنا نواجه شكلا من أشكال الصراع مخالفا لذلك الصراع السابق الذي ينعت بصراع الطبقات، إنه صراع المناصب".

فالإحساس بالتهديد بضياع منصب العمل أو التسريح من العمل يعد عاملا أساسيا في ظهور علاقات عمل جديدة داخل الورش، علاقات قائمة على التعاون والتضامن بين الفئات العمالية المنفذة وفئة الإطارات المسيرين أو المشرفين داخل المؤسسة. فالإحساس بالخطر خلق جوا اجتماعيا جديدا داخل الورش مما أدى إلى تضافر الجهود بين الفئات المهنية وتحديد أهداف مشتركة للعملية الإنتاجية التي وجدوا من أجلها. وهكذا ظهرت ثقافة جديدة مرتبطة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الجديد المحيط بالمؤسسة.

أما تلك المؤسسات التي ظلت تقاوم الأزمة فقد سارعت بتبني اتجاه مغاير يتمثل في عملية الاستثمار في المجال الإنساني من خلال إقامة مصالح أو أقسام تعنى بتسيير الموارد البشرية والتركيز على تأهيل وتدريب الفئات العمالية المختلفة.

تجد التأويلات السابقة الذكر دعما من طرف بعض التصريحات التي أدلت بها عينة من المبحوثين بمؤسسة الزجاج بوهران، إذ تدل في غالبيتها على وجود علاقة تعاون وتضامن بين العمال المنفذين والإطارات المسيرة. وبهذا الصدد يصرح القائم بتسيير الموارد البشرية بالمؤسسة المذكورة قائلا: "عندي أصدقاء من الإطارات ومن العمال البسطاء، 90% من أصحابي عمال بسطاء، منهم أستفيد وأتعلم" ( إطار 30 سنة خبرة).

وصرح إطار آخر بدائرة الصيانة والميكانيك قائلا: "العمال المنفذون والإطارات "قٌاع" كلهم أصحابي، نحن "عايشين" مثل العائلة" ( إطار 27 سنة خبرة).

ويقول إطار ثالث: "القضية ليست قضية مستوى ثقافي، المشكل هو مشكل تربية …فالتربية عندي هي قبل التعليم، فالأوامر وحدها ما عندها حتى نتيجة، لازم نسمع للعامل وهذا المشكل هو مشكل كل المؤسسات الجزائرية. العامل من حقه أن يعطي رأيه ويعرف "واش راه يخدم"، فهذا يساعد على تحسين العلاقات داخل المؤسسة ويزيد في الإنتاج" ( إطار 25 سنة خبرة).

لقد أدى التوجه نحو اقتصاد السوق إلى ظهور أشكال جديدة من العلاقة بين الفئات المهنية المختلفة داخل المؤسسة التي رأت أن مصيرها مشترك، لذلك وجب العمل من أجل تجاوز العراقيل التي تعيق ربح معركة الإنتاج. وبالتالي زادت أهمية سياسات تسيير الموارد البشرية في مواجهة الأخطار التي تهدد المؤسسة وعمالها في المحيط الجديد. ويحضرنا هنا قول أحد الباحثين: "إن تغير قيمة العمل البسيط والتقليص من عدد العمال شكلا العلامات الأكثر تعبيرا عن تحولات أعطت لأكثر من عامل ولأكثر من مسيّر الشعور بأن زمن العلاقات الإنسانية قد  انتهى".

Références :

1 Jean Pierre LE GOLF, «  Rompre avec la manipulation » in Autrement, collection mutations, vol. N°192, Avril 2000 : 153

2- Jean-Pierre Cite au, Gestion de ressources Humaines, 3e édition, Paris, Armand Colin,2000 : 6/7

3- Bernard GALAMBAU, « Objet, Sujet, Acteur…ou les jeux de la Valorisation » in Bernard GALAMBAU (ed.), Satisfaction et Souffrances au travail, Paris : L’Harmattan,   2000, p 128

4- Jean Pierre Le Golf, op. Cit., p 154.

5- Vincent de Gaulejac,”La société managériale ou l’idiologie déguisée” in  Autrement, collection mutations, vol. N°192, Avril 2000 : 135.

6- Ibid, 136.

7- علي الكنز، "من سوسيولوجيا العمل إلى سوسيولوجيا المؤسسة" محاضرة CRASC، أبريل 2001.

8- D. Guerid, « L’entreprise industrielle en Algérie : les limites d’une acculturation », in D. Guerid (ed.), Cultures d’entreprise, Oran : CRASC, 1997 : 130. 

9- M. Moulai-Hadj, Living in two cultures: The Algerian factory worker between traditionalism and modernity, Leicester University: MPhil Thesis, 1988

10- جابي عبد الناصر، الجزائر تتحرك: دراسة سوسيوسياسية للإضرابات العمالية في الجزائر، الجزائر: دار الحكمة، 1995، ص ص272-273

11- مراد مولاي الحاج، "تمثلات العمال المنفذين للإطارات الصناعية" ، مداخلة في اليومين الدراسيين حول الإطارات الصناعية،CRASC  وجامعة عنابة، 25-26 أبريل 2000 .

12-  نفس المرجع السابق

13-Vincent de Gaulejac, op. Cit., p.130.

14- زياني نورة و صديقي فريدة، " فعالية الاتصال بين الإطارات الإدارية والعمال المنفذين في لمؤسسة الصناعية "، مذكرة تخرج لنيل شهادة الليسانس في علم لاجتماع العمل ولتنظيم، جامعة وهران، السنة الجامعية 2000/2001.

15- Bernard GALAMBAU, op. Cit. P. 129.



الهوامش

[1] تعبير "البايلك" نسبة إلى الباي  وجمعها بايات وهم طبقة الحكام الأتراك في الجزائر في عهد الخلافة العثمانية التي استمرت لأكثر من ثلاثة قرون في الجزائر لغاية سقوطها تحت الاحتلال الفرنسي في 1830. وقد اعتبر أ السكان المحليون الباي  وحاشيته أجانب ودخلاء على المجتمع الجزائري مما جعلهم ينظرون إلى ملكية الدولة أو السلطة المركزية آنذاك باعتبارها ملكية مستباحة لا تتم المحافظة عليها بل يمكن للقبائل الإغارة عليها والانتفاع بها بذات الوقت بسبب تلك العلاقة.والتعبير شائع اليوم للإشارة إلى الملكية التي لا تستفيد من الحماية. (المحرر)

[2] أعتقد أنه لا ينبغي فهم هذا التعبير في معناه الشائع والمبتذل الذي يعني انعدام أي شكل من أشكال النظام. ذلك أن ممارسة العمال تشير إلى أن المقصود هنا بالفوضوية باعتبارها إحدى التيارات الفلسفية والفكرية، وقد كانت حركة قوية نسبيا منتشرة بين صفوف الطبقة العاملة الأوروبية في بداية القرن التاسع عشر. كما كان لها تأثير في تاريخ الحركة العمالية العالمية وقد مثلها فكريا الفيلسوف الفرنسي المشهور برودون  Proudhon  ( المحرر)