Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 11، 2005، ص. 79-88 | النص الكامل


 

 

 

الطاهر رواينية

 

 

تعد رواية مصرع أحلام مريم الوديعة لواسيني الأعرج من النصوص الروائية المغاربية الجديدة، غير المألوفة ؛ تحاول أن تنفلت من أسر التقاليد الروائية السائدة، وتنقلب على مواضعاتها، وتتمرد على سننها، مؤسسة سلبية شاملة مبرمجة على مستوى المحكي الروائي في شكل استراتيجية نصانية لها وقعها الخاص، وهو ما يجعل الحس المأساوي مهيمنا داخل الرواية، ومتحكما في مصائر الشخصيات وبالتالي فإن أي تفاعل بين النص والقارئ لا بد أن يمر عبر هذه السلبية، التي تتجلى كما يلي :-

أ- على مستوى المظهر الشكلي :

يشكل عنوان الرواية (مصرع أحلام مريم الوديعة) مدخلا لهذه السلبية، يشيع جوا من الإحساس بالفقد والخيبة، وهو معنى مسجل على مستوى المسار السردي لهذه الشخصية، التي تشكل بؤرة الحكي والسرد، وموضوع قيمة بالنسبة للبطل والبطل المضاد، أو الذات والذات المضادة، أي بالنسبة للراوي المتكلم أو الرجل الذي لا يحمل إسما، وصالح بن لخضر التيارتي البرادعي، حيث تنتهي المواجهة غير المتكافئة ولا المتماثلة بينهما إلى جعل خيبة الأمل فاضحة ومشينة.

كذلك فإن إسناد عملية التلفظ والسرد إلى أنا راو وموضوع لما يرويه في الوقت نفسه، يجعل الرواية تندرج في إطار الرواية المونولوجية التي تنزع إلى تقديم تأويل واحد لتعددية مظاهر الحقيقة الواقعية[1]، وهو ما يكشفه لنا سطح النص، إذ يبدو أن ما تقوله الرواية لا يتجاوز حدود الاستيهامات الذاتية في لحظة من لحظات خيبة الأمل، التي تكون فيها الذات منقسمة بين فضائين فضاء الفقد وفضاء الرغبة،محاولة التحرر من ذاكرة القمع والمتابعة واغتيال الأحلام، وتجاوز حالة الوعي البائس أو الزائف[2]la conscience malheureuse  وإن كانت هذه المحاولة – في حد ذاتها – هي محاولة هروبية، أو حلم بائس إلا أن الأبعاد المأساوية التي تضمنتها الرواية تجعل منها عالما متفردا تكمن شعريته في انغلاقه في شكل تجربة ذاتية مفعمة بالأحلام والهواجس ودفء الجسد رغبة في الاحتماء من الضرورة ومن واقع العسف والغربة والتشوهات، وخرقا للطابوهات من أجل تحقيق حد أدنى من الحرية والإحساس بالتكامل مع الذات ومع نزوعاتها الفردية، ولو بممارسة الهروب والمحظور.

انطلاقا من هذا المنظور يتجاوز الراوي كونه مجرد مفهوم بنوي مغلق داخل النص، أو صوت متكلم مهيمن داخل الرواية، وموجه لخطابها وفق رؤية ومنظور إيديولوجي معين، وهو ما تعبر عنه حركة الوعي المغلف لصوت الآخر "هاهاه يا ولد […]. في الاتحاد الطلابي، وتكتب شعرا معاديا"[3]، حيث تؤدي تداعيات حركة الوعي الراوي إلى جعل وظيفة المونولوج والمناجاة الشعرية في الرواية منفتحة على رؤى متعددة وخارقة للعادة، يلعب فيها الراوي المتكلم دور المنظم بين الوعي الفردي والوعي الكلي ،وفي هذه الحالة تصبح المونولوجية متضمنة للحوارية، انطلاقا من علاقة الذاتي بالموضوعي، والأحادي بالكلي والشمولي، وعبر هذه البنية الأحادية الصوت والمتعددة الرجع يستطيع الراوي أن يؤنسن الضرورة، وما به ينكشف الوجود في صورته السالبة والمتمركزة في مأساوية اللحظة، وفي تداعياتها، التي تنزف داخل حركة الوعي كلما تحرك السكين الذي استقر بين الضلوع، أو" تحسست الجرح والألم الذي لم يتوقف لحظة واحدة "[4] مثلما لم تتوقف حركة الوعي عن استعراض تشوهات زمن بني كلبون وقمع محاكم التفتيش الجزويتية ؛ ومن خلال السرد الكاشف لجرح الذات يصبح الراوي ممثلاacteur  للغة الألم والمعاناة، التي تعد مشروعا جماليا يتوجه به الكاتب إلى القارئ في شكل تأويل للواقع، يمكن استخلاصه من خلال "ذاتية سطح جسد يدعى النص"[5]، هو – في الحقيقة – ليس سوى نتاج الصوت السردي أو الخطابي للكاتب باعتباره راوي سيميائي، وذات مستكشفة ومرسلة للدلائل.

ب-على مستوى المضمون :

يرى الكاتب الروائي واسيني الأعرج أن المأساوي هو أحد ثوابت الكتابة عنده، يشكل جزءا مكملا للاوعينا ؛ إنه مأساوي أفراد وبلد يعملون كل ما في وسعهم لتجاوز قدر مكتوب[6] . هذا الرأي يمكن أن يعد عتبة نلج من خلالها إلى العالم الذي تصوره رواية مصرع أحلام مريم الوديعة ؛ حيث نصادف مجموعة من الشخصيات الطلابية تحاول أن تمارس الاختلاف في إطار نشاطاتها الطلابية والسياسية، فتواجه بالقمع والتنكيل والملاحقة من قبل السلطة، التي تبدو في نظر الراوي/ البطل لا تختلف عن محاكم التفتيش الجزويتية بعد سقوط الأندلس" بين السياسي والأخلاقي مسافة صغيرة، هي مسافة الذعر والخوف. صغيرة جدا، مثل المليمترات التي تفصل الكذبة البيضاء عن الكذبة المركبة، أحذر يا حبيبي من أن تتهم بتدبير انقلاب عسكري[7] أي أن الشبهة وحدها كافية لاعتقال المتهم والزج به في الحفر السوداء "تذكرت صديقي صالح الوراق الذي ضبط، مع سبق الإصرار يخطط رسما للقمر. فاعتقل بتهمة الخيانة العظمى .." .[8]

كان من الممكن استثمار هذا الديكور المأساوي في الكشف عن الشخصيات الروائية تدريجيا من خلال حواراتها وتساؤلاتها، التي تدين القمع السلطوي، وتعري إشكاليات هذا الواقع المتدهور القيم، لولا عدول الكاتب عن تبني منظور متعدد الرؤى يمكن أن يضفي على الرواية صفة الرواية الأطروحة، وذلك لأن "خصوصية الرواية الأطروحة لا تكمن في خصوصية بنيتها السردية، وإنما في المضامين التي تستثمرها وفي صيغة الخطاب التي تتبناها "[9]، ولهذا فإن تبني الكاتب للصيغة المونولوجية، جعل موضوعاتية الرواية تتكثف في شكل انزياحات شعرية وتداعيات لا شعورية عبر المجرى الشعوري للراوي/ البطل وهو يعاني من آلام الجرح ويسعى للوصول إلى بيت صديقه حميدو، الذي يكتشف أنه أحد ممثلي الجهاز السلطوي، مثله مثل صالح بن لخضر التيارتي البرادعي زوج مريم، وسفيان الجزويتي "يا محمد ! ! !؟ حتى حميدو؟؟ ! ! !"[10].

أي أنه على الرغم من تعدد موضوعاتية الرواية وانفتاحها على تيمات متنوعة ومختلفة ؛ إيديولوجية، سياسية، أساطيرية، ثقافية، واجتماعية، إلا أنها جاءت كلها مندرجة ضمن التمويه الشعري الذي تمارسه الرواية من خلال إسقاطات الذات وانفتاحها على عالم الذاكرة ونصوص التاريخ والثقافة، بحيث يمكن اعتبار هذه الذات فضاء لا حصر له من الشخصيات الدلائل، التي تحيل على واقعية العالم الخارجي[11] أو على مفاهيم بنيوية، أو على موضوعات ذات حمولات معرفية مؤسسة، تاريخية أو ثقافية، مأخوذة كدلالات ثابتة إلى حد ما أو مستمرة، تمارس حضورها داخل النص الروائي كذوات معارضة، أو شخصيات ضد التسمية والتشخيص في رواية مصرع أحلام مريم الوديعة من العنوان، الذي يشكل مؤشرا تأويلياcode herméneutique [12] على نص مليء بحس مأساوي عميق، ينزع إلى تقديم تأويل جمالي لواقع مستلب داخل فضاء مؤسسة قمعية. يشكل فيه حضور الاسم الشخصي (مريم) عنصرا ضروريا للتمفصل الدلالي والإيديولوجي، ولذلك وجدنا الكاتب يولي هذه الشخصية عناية خاصة، بحيث تكاد أن تتمحور حولها رسالة النص ،فهي الشخصية الأكثر حضورا وتشخيصا داخل النص وفي لا شعور الراوي، الذي – كثيرا – ما يضفي  عليها مسحة أساطيرية مغلفة بسحرية خاصة "يا مريم.. ياودعة مشتة سبعة، خرجت من موجة تكسرت على صخور الشط "[13]، أو يتسامى بها إلى مستوى الأنبياء "لو تتحول النبوة إلى النساء. ستكون مريم مسيحا جديدا "[14]، لكنها في ارتباطها بالاستراتيجية النصانية تمثل " الأنوثة الإيحائية la féminité connotée ، وهي مدلول مرتبط بأماكن عديدة في النص، وعنصر مهاجر بإمكانه أن يسهم مع عناصر أخرى من جنسه في تشكيل خصائص وأجواء، وصور ورموز، على أن تكون كل الوحدات الموسومة هنا مداليل تنتمي لمستوى مثالي يكون مدلولا بامتياز "[15] ؛ كما يمكن أن تمثل رحما نصيا منه يتوالد السرد والشعر عبر صوت الراوي المتكلم، الذي يشمل بعباءته السردية وبمونولوجاته الشعرية مجموع النص.

وعلى الرغم من إقرارنا بوجود شخصيات محورية، كشخصيتي الراوي ومريم الوديعة وشخصيات مساعدة كشخصية صالح بن لخضر التيارتي البرادعي، وسفيان الجزويتي، والأم فاطمة الهجالة وزهراء الفولونطاريا، والأب الساموراي، والعم وزوجته، وأخت مريم ذات الوجه الإسمنتي وزوجها المقعد، والصديق حميدو، وشخصيات هامشية هي مجرد أسماء ترد  مرة أو مرتين أو أكثر في الرواية كلها، كشخصية دون كيشوت ودوليثنايا والملك خازوق، وصالح الوراق، وقدور بن رمضان الموريسكي وحليمة الفيل، وأخرى لا نعرف حتى أسماءها كزوجة الأب، وإخوة مريم السبعة الذين أكلتهم الحرب، وإخوة صالح بن لخضر التيارتي البرادعي الأربعة، وأصدقاء مقهى القناديل، والشرقي المغرم بمحاربة السلطة والقطاع الخاص من خلال بعثرته لورق التواليت وعدم غسل أسنانه بالمعجونات المستوردة، وصديقنا الذي يعشق زوايا المقاهي المظلمة، والذي احتفل بديوانه المائة وعمره أقل من عشرين سنة…الخ، وغيرهم من الشخصيات الأخرى التي جاءت الإشارة إليها عابرة، ولم تكن لها أي روابط أو حضور ما داخل المحكي الروائي. إلا أننا يمكن أن نلاحظ أن واسيني الأعرج يقدم لنا في هذه الرواية شخصيات جديدة وغير مألوفة، تقف في منطقة وسط بين كونها شخصيات عوامل أو فواعل des actants، وكونها مجرد دلائل تسهم في تشكيل نسق خطابي داخل اللعبة الوظائفية للرواية ؛ وهذا الفهم الخاص لوظيفة الشخصية يرتبط بإعادة بناء القارئ مثلما يرتبط ببناء النص، وبالتالي يصبح الشخصية الوقع l’effet-personnage  ليست سوى حالة خاصة من نشاط القراءة[16]، وهو ما يلح عليه – تقريبا – واسيني الأعرج في هذه الرواية، حيث يبدو أنه يولي عناية فائقة لشعرية النص وللنشاط التأويلي، الذي يمكن أن تسهم هذه الشعرية في   توقعه، أكثر مما هو معني برسم الشخصيات، ولذلك فإننا في مقاربتنا لهذا النص نكون معنيين بوقع الشخصية النصيl’effet-personnage du texte[17]، أكثر مما نحن معنيين بالشخصية ككينونة وفضاء في الوقت نفسه.

داخل هذا المنظور الجمالي الجديد للشخصية الروائية يعمل واسيني الأعرج على تجاوز نسق العلاقات التقليدية بين الشخصيات، أو – على الأقل – اختصاره في شكل " ومضات من مواجهات تهدف إلى تحديد مشاعر أطراف هذه المواجهات من بعضهم البعض، ومن الموقف موضوع المواجهة"[18] أو تأجيل هذه المواجهة إلى نهاية الرواية، حتى تكون حاسمة، ولذلك لجأ الكاتب إلى تحويل علاقات المواجهة بين الراوي وصالح بن لخضر التيارتي البرادعي عن مسارها السجالي وتعويضها بعلاقات حلول ومطابقة بين الراوي والكاتب، إذ أنه في مثل هذا النوع من الرواية التي تتقوض فيها معالم الشخصيات التقليدية لا ينتصب سوى الحضور الغازي للكاتب الروائي من خلال الراوي المتكلم، وهو ما يؤكـده جـون جيرودو Jean Giroudoux قـائـلا: "أكتب دائما بضمير المتكلم، لأنني لا أرغب أن أحتال بإبداع شخصية أخرى، بالإضافة إلى أنني لا أعتبر ما صنعته ضربا من الهذيان الشعري"[19]؛ هذا التطابق المتفرد يحيل عليه خطاب الراوي حين يتحدث بنوع من الرمزية عن ولادته الخارقة " الناس الذين أعرفهم يقولون أني نزلت [من رحم أمي] بحذاء، أحزم خصري بزنار قديم. في يدي رفش وفأس. جريت بعد صرخة الولادة الأولى إلى الحقل، وفي المساء أخذت أتدرب على أحاديث شيوخ البلدة. تذكرت مغامرات جدي دون كيشوت وهو يخوض حرب المصير ضد الجزويتيين…"[20]، وتتحول علاقة المطابقة هذه إلى علاقة مماثلة أو معادلة مجازية تناصية حين يستثمر الكاتب شخصية دون كيشوت كشخصية تناصية معادلة لشخصية الراوي، تسهم في جعل النص منفتحا على نصوص التراث الإسباني ممثلة في نص دون كيشوت لميقال سيرفانتسM. Cervantès ، الذي يرى واسيني الأعرج أنه مرتبط به وبروايته العالمية دون كيشوت وخطابه الساخر الذي يجد فيه دائما ما يمكن تحيينه، إذ مع سيرفانتس نفهم العالم كالتباسambiguïté  يمكن مواجهته لا كحقائق مطلقة وإنما كحقائق نسبية متناقضة[21].

تسهم هذه الشخصية في إنجاز أدوار موضوعاتية مشتركة بين دون كيشوت وبين الراوي الذي يرى فيه جدا له، ورث عنه أشياء كثيرة منها حبه المتميز للمرأة " جدي دون كيشوت، الله يرحمه في قبره الرخامي، أورثني إحدى حماقاته، حبه القاتم للتفاصيل الغامضة في المرأة "[22] ؛ حيث يشكل حب دون كيشوت لدوليثنايا " ودون كيشوت دي لامانشا الذي غمرته عذرية دوليثنايا، الفلاحة التي تشبه القمحة .حين فاجأ فرحتها داخل الحقل، وقال لها أنا فارس طيب جدا. وتأملت عينيه الصافيتين ثم ذابت بين أصابعه كقطعة حلوى ثمينة "[23]، توسيعا دلاليا ومعادلا تناصيا لحب الراوي لمريم الوديعة، وقد قرب هذا الحب بينهما في  مواقف كثيرة، منها أن كليهما كان يعيش حلما جميلا ويتعشق قيم البهجة في ظل ظروف مأساوية ملتبسة وقاهرة ،يعبر عنها الراوي بأسلوب متهكم سافر موظفا في ذلك أهم خاصيتين من خصائص الإبداع الأدبي وهما الإيهام والحلم من أجل توسيع النشاط التأويلي لدى القارئ، ونقله من مستوى التحديد والتسمية إلى نظام إيحائي كلي يتم خلاله الدمج بين الذوات والموضوعات، وإعطاء بعدا إنسانيا لقيم الحب والحلم يتجاوز حدود الزمان والمكان وتعسف السلطات" منعوك حتى من متعة الانتصار على الطواحين التي بدت لهم جوفاء مثل القلعة التي تختبئ وراء تفاهاتهم الجزويتية. آه يا دوليثنايا. إننا قادرون بالرغم من كل شيء، على بعث الحياة، وعيشها بامتلاء. لنحلم فقط. لنحلم يا ودعة مشتة سبعة.  يا مريم الوديعة. فجدي يقول حتى في أقصى لحظات الحزن. الحلم أولا، وتحقيق الفرح ثانيا .كل شيء ممكن. كارثة الجزويتيين أنهم عاجزون عن الشعور بلذة الابتهاج بالأشياء الجميلة "[24]، حيث نلاحظ أن تشوهات السلطة، وتكريسها لحس الاغتراب وتقوقعها داخل واقع مستلب تحكمه إيديولوجيات قمعية لا يمكن إلا أن يسهم في إعادة إنتاج هذا الاغتراب داخل نصوص أدبية ملتبسة، وفي حالة الرواية فإن هذه السلبية تنعكس من خلال علاقات الشخصيات وأفعالها، فتحولها إلى شخصيات إشكالية، وتضفي على ممارساتها الإيحائية نوعا من الغموض والالتباس، بالإضافة إلى أن العالم النصي الذي يجلو هذه التشوهات وما يرتبط بها من إشكاليات ومآزق يشد الانتباه إلى ما يمكن أن يختفي وراءها ويتوارى. ثم إن هذه التشوهات وما يرتبط بها من سلبية لا تمثل قيمة في حد ذاتها داخل الرواية، وإنما تشكل دلائل لا يستطيع القارئ أن يتجاهلها.

وتزداد تشوهات السلطة بروزا وتناقضا من خلال انفتاح زمنية الأنا الرواية وإسقاطها على زمنية المروي – أي دون كيشوت – وحلول الذاتين في ذات واحدة عبر الصوت الراوي الذي ينجز ملفوظا سرديا عن مناوآت السلطة لدون كيشوت، ثم يتدرج عبر الانتقال من الأسلوب غير المباشر إلى الأسلوب المباشر، إلى أن يتماهى الصوتان ؛ صوت الراوي وصوت دون كيشوت الذي يدعو سانشو لإنقاذ الكتب، ليعود الصوت الراوي إلى استقلاله وتوحده مع آهاته ومناجاته لمريم الوديعة " كانوا يريدون أن يسخروا من أحلام جدي دون كيشوت، لكنه كان يعيش ابتهاج الحياة حتى مس أعماق دوليثنايا.عشقه لأتربة الكتب أدخله إلى جوهر الحياة التي عاشها فيما بعد حتى الموت. تصوروا أنه، حين أصلى الجزويتيون أحرفه الصفراء. صرخ في عيون سانشو بانسا المندهش على حماره العجوز. يجب أن تنقذ الكتب قبل أن تنقذني. إنهم يحرقون الكتب، إنهم يحرقونني يا سانشو. آه يا مريم الوديعة "[25].

إن رواية كمصرع أحلام مريم الوديعة تنزع إلى بناء عالم ممكن يحتم على كاتبها أن يستعمل مؤشرات صارمة وخصائص ومميزات تجعل إحالات الأسماء الشخصية منسجمة مع  بناء الشخصيات، الذي قد يفترض توظيفا لسانيا أكثر اتساعا، يسيّر شروط وصيغ الإحالة المزدوجة من ملفوظ لآخر، بخاصة حينما يتعلق الأمر بالشخصيات التناصية، التي عبرها  ينفتح النص الروائي على نص الثقافة والتاريخ، ويمد جسرا عبرهما بين الماضي والحاضر، جعل الراوي وريثا رمزيا لدون كيشوت في الحب والحلم ومعاناة السلطة وهموم الكتابة والحكي والسرد .

بقي أن نشير إلى أن تعدد أساليب التسمية والتشخيص في رواية مصرع أحلام مريم الوديعة جعل منها عالما منفتحا على الواقع والتاريخ والثقافة والفن، أكثر منها رواية مواجهة وسجال إيديولوجي، وإن كانت هذه المواجهة حاضرة ومتجلية في بعدها الرمزي المتمثل في المعاناة والتضحية والحب، كتضحية زهراء الفولونطاريا وحبها لوطنها، والتي تتماهى صورتها في كل من مريم الوديعة ودوليثنايا .

وقد جاءت رسالة النص منظمة استراتيجيا بواسطة الراوي، الذي تتماهى ذاته في كل ذوات الرواية، من أجل تعويم الرؤية الذاتية وجعل المونولوجية فضاء لرؤى متعددة، ولكنها متوارية خلف شاعرية الجنون الأخير التي شكلت فاتحة النص ومداه، حيث يقتضي تأويله دلالات لا تتوقف عند رؤية أو منظور بعينه، وإن كان سطح النص يوهمنا بهيمنة منظور المتكلم الذي هو ترجمة لمنظور الكاتب وأطروحته الإيديولوجية.    

 

 


الهوامش

[1] لحميداني، حميد : أسلوبية الرواية.- منشورات سال، الدار البيضاء، ط1، 1989.- ص. 44.

[2] Krysinski, Wladimir : carrefours de signes.- p 88. Cité in CF. Hegel, la phénoménologie de l’esprit, trad, Jean Hyppolite T1, Aubier, Paris. 1947.- p 176.

3- واسيني، الأعرج : مصرع أحلام مريم الوديعة.- ص.19.

4- المصدر السابق.- ص.23.

5- Krysinski, Wladimir : Carrefours de signes.- p.17.

[6] Waciny, Larej : L’auteur répond aux questions d’Algérie littérature, action.- )in( Le ravin de la femme sauvage (roman), Alger, EMAG

[7] واسيني، الأعراج : مصرع أحلام مريم الوديعة.- ص.29.

[8]  المصدر السابق.- ص.13.

[9]  Suleiman, Susan Rubin : Le roman à thèse.- Paris, PUF, 1983.- p.126.

[10]  واسيني، الأعراج : مصرع أحلام مريم الوديعة.- ص.201.

[11] Hamon, PH. : Statut sémiologique du personnage.- Op.cité.- p.121.

[12] Barthes, R : S/Z.- p.24

[13] واسيني، الأعراج : مصرع أحلام مريم الوديعة.- ص.18

14- المصدر السابق.- ص.113

15- Barthes,R. : Op.cit.- p 24.

16- Hamon, PH. : Statut sémiologique du personnage, Op. Cit.- p.119.

17- Op.cité.- p.120.

18- صبري، حافظ : قراءة في رواية (مالك الحزين) الحداثة والتجسيد المكاني للرؤية الروائية.- مجلة فصول، مجلد 4 عدد 4، القاهرة، يوليو –سبتمبر 1984.- ص.173.

19- Tadie, Jean-Yves : Le récit poétique.- p.18.

20- واسيني، الأعرج : مصرع أحلام مريم الوديعة.- ص.ص. 18-19.

21- Waciny, Larej : Le ravin de la femme sauvage.- op. Cit.- p.165.

22- واسيني، الأعرج : مصرع أحلام مريم الوديعة.- ص.24.

23- المصدر السابق.- ص.23.

24- واسيني، الأعرج : مصرع أحلام مريم الوديعة.- ص.ص. 23-24.

25- واسيني، الأعرج : مصرع أحلام مريم الوديعة.- ص.ص. 28-29.