Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كراسات كراسك، رقم 11، 2005، ص. 55-60 | النص الكامل


 

 

 عبد الله عبد اللاوي

 

 

هل يمكن قيام إمكانية لموضعة الجزائر كإشكالية فكرية ؟ سؤال يؤرق المثقف الجزائري، الذي يعي أن الجزائر بعطلها هذا تمارس لعبة الانفلات من موضعه النقدي و النظري، لأنه بمجرد طرح السؤال سيصادف واقعا يعزف عن كل أشكال الاستعادة العلمية الرصينة، موضعة الجزائر كأفق للفكر و كسؤال حول قضايا : الذات، التاريخ، المجتمع، الدولة، الثقافة، لا تعني توسل التكديس النظري فقط، بل تعني كلك الارتباط الوجداني الذي يعيد للذات انسجامها مع المكان، الجسد و الذاكرة، لأن السؤال لا ينبثق من اندفاع عضوي في النفس و لكنه يتولد من هاجس الأزمة و الحاجة إلى فك لغزها كما يقول أرسطو[1].

فالمجتمع الجزائري، يعيش عسرا في جميع المستويات و المجالات خصوصا بعد أن وضح الوشم في جزائر ما بعد 1988، جزائر الأسئلة و الاستفهام و حتى الفراغات القاتلة حول قضايا اللغة، التاريخ، الإسلام السياسي، الدولة و السلطة... إلخ.

من عمق هذه الإشكالية، سنحاول رصد هذه القضايا و الهواجس و الأسئلة التي حملها الخطاب الروائي الجزائري الجديد المكتوب باللغة العربية. و لأن هناك ملاحظة أساسية، في مجال الرواية العربية عموما، هي أن لها دائما قدرة على تجاوز المألوف و تحمل أيضا حيوية ديونزيوسية Dionysiaque و إقبالا عارما على الحياة، بتحطيمها للبداهات و الطابوهات و استعدادها للبوح و الفضح و التعرية و التفكير في المحنة و الكارثة.

من خلال الأسئلة التي تطرحها هذه الرواية، الأسئلة المرتبطة بالوجود و المعنى قياسا بحجم الكارثة و السلبية المطلقة التي يعيشها المجتمع العربي على العموم و الجزائري على الخصوص يقول موريس بلانشو :"صحيح بالنسبة إلى الكارثة، أننا نموت آجلا جدا، لكن هذا لا يعفينا من الموت، إنه يدعونا : فيما نقلت من الزمن، حيث يفوت الأوان، دائما، إلى أن نتحمل الموت في غير وقته، دون علاقة مع أي شيء غير الكارثة، بوصفها عودة"[2].

فصور التجاوز التي نجدها في المتن الجديد، تتمثل أساسا في خلجة اليقين و محاولة التقاط الأماكن المعتمة التي يحتويها الكبت و الإلغاء، وبث الحياة في الحساسيات الصموتة، و تكسير الوسائط التي يهيمن عليها الواحد و الأب و السلطة و الأصنام.

إذن، ارتبطت ظاهرة الكتابة في الرواية العربية، دائما بفعل انقلابي، لأنها تكشف عن سجلات الذات العربية المنهكة تاريخيا ووجوديا، و هو يتهم هذه الذات، عكس ما هو موجود مثلا في المشاريع العربية النظرية لطيب تيزيني أو محمد عابد الجابري و حسين مروة و أركون و حسن حنفي... التي لم تستطع أن تكوّن مؤسسة فكرية، لأن ظاهرة الكتابة بقيت في حدود التخصص رغم تجانس و وحدة أسئلتها مع مثيلتها في الرواية العربية، لأن الكتابة حسب نزار قباني بنبرة أقرب إلى موريس بلانشو هي :"عمل يستهدف تغيير هندسة الكون و هندسة الإنسان، و عندما يغيب الشرط الانقلابي في الكتابة، ينتهي مبرر وجودها، بتعبير آخر، ليس ثمة كتابة لا ترج، و لا تخض و لا تخلخل، و لا تحدث حفرة عميقة داخل الوجدان، الكتابة هي الجلوس على حافة الهاوية لا على فراش حرير و لا على سجادة تبريزية، و لا على كرسي هزاز، إنها الإبحار في فضاء من الأسئلة دون أن يكون معك تذكرة للعودة"[3].

رغم السبات الملاحظ على الأصوات الروائية الجزائرية لفترة طويلة، عاش القراء، حالة من الفراغ الكبير، و هذا يرجع إلى أسباب تتعلق أساسا بواقع الثقافة عموما في الجزائر : كالبقرطة و مشاكل النشر و التوزيع من جانب،   و من جانب آخر إشكالية الازدواج اللغوي و تبعاتها الصراعية حتى في الأجهزة العليا للدولة، و هذا الصراع في الأصل له علاقة بمواقع هذه المجموعات داخل الأجهزة اكثر من ارتباطه بقضايا الإبداع و الإبداع الأدبي بالخصوص سواء بالتعبير العربي أو الفرنسي، و هذا راجع إلى الوزن الثقيل للتراث الأدبي الإصلاحي في مواجهته للتراث الأدبي الكلونيالي الذي لعب دور كبيرا في تأخر النوع الروائي و تكلس اللغة و الأنواع الأدبية و انغلاق المنظومة الأدبية  في وجه التبادلات و عدم تبلوره، و حتى السبعينيات، في قطيعة مع المراجع الأدبية المعتادة و التراث النخبوي و المنظورات التقليدية   و انفتاح على التراث الشعبي و لغاته، وتواصل أو تثاقف مع الأدب و الرواية العربية الجديدة. يؤكد جمال الدين بن الشيخ هذه القضية : بشأن دور النزعة الاصلاحية المهيمنة و المتوارثة في تأطير الحقل الأدبي و تأخره بعد الاستقلال، و عدم تشكل أنواع أدبية كالرواية في قوله :"ما يطبع الجزائر، ليس رفض ثقافة فرنسية غير مهضومة جيدا، أو إقصاء أقليات ثقافية هامة، بل الانغلاق العميق في وجه الثقافة العربية، فرغم العرائض المبدئية و التأكيد الرسمي على الانتماء إلى العربية، إلا أن أقطاب العربية في الجزائر مصابين بعدوى سلفية شمولية، تعزلها جذريا عن الثقافة العربية الحية العصرية كما توجد في المشرق، أو في بعض بلدان المغرب الأخرى"[4]. و كذلك ارتباط الأدب الجزائري بعد الاستقلال و في العقد السبعيني، بموضوع واحد هو الثورة و سيادته في كل النصوص الأدبية، الروائية منها على الخصوص لأنه شكل إحدى مشتقات الخطاب السياسي، و اختياراته الإيديولوجية في هذه المرحلة، و بهذا تحددت "الرواية في سياق إيديولوجي تهيمن عليه الوطنية، و أصبح التاريخ حجة و برهان على صحة و مشروعية السياسي، لكونه يسمح بإعادة تغيير الماضي و موضعة الجزائري "كأنا" مشروعة في التاريخ و الحاضر، ناتجة عن مساري :

  • المقاومة و النزعة الجهادية – الإسلامية، و هي جذر السلفية في مبدأيها : مقاومة الاستعمار و نقد الإسلام الشعبي الخرافي و المرابطي.
  • حرب التحرير الوطنية التي ارتكزت على مبدأ الوطنية"[5].

لقد عرف المتن الروائي الجزائري، ابتداء من نهايات ذلك العقد نقدا لهذه الإيديولوجية الوطنياتية Nationalitaire، منذ نشر روايات التطليق لرشيد بوجدرة و النهر المحول لرشيد ميموني البائدة "أو التقليدية السلفية" الماضوية، لأننا نقرأ فيها نقدا لاذعا لخطاب المشروعية و لقيمه الملتبسة      و المتضادة، و كانت نهاية هذا الخطاب و بشكل رسمي مع دخول الجزائر مرحلة اختيارات سياسية و اقتصادية جديدة و ذلك بداية من التسعينيات بحصول أحزاب المعارضة على اعتمادات تجيز حرية التعبير و التجمهر،    و اعتماد الصحافة الحرة و المستقلة... التي دخلت جميعها في مواجهة مع خطاب المشروعية السياسية و التاريخية، و الثقافية السائد، و دخول الجزائر مرحلة عنف سياسي داخلي، و التي عبر عنها بشكل جيد المتن الروائي الجزائري الجديد، الذي حفل في تلك المدة بالكثير من الانتاجات التي تستوحي موضوعاتها و أحداثها من يوميات المحنة و في اللغتين معا، يمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر : "اللعنة" لرشيد ميموني، "الانزلاق" لحميد عبد القادر، "فتاوى زمن الموت" لإبراهيم سعدي، "إغفاءة الميموزة"   و "القهر" لأمين الزاوي و "منحدر السيدة المتوحشة" و "مرايا الضرير" و "ذاكرة الماء" و "سيدة المقام"... للأعرج واسيني.

رغم السبات الملاحظ على الأصوات الروائية الجزائرية لفترة طويلة بين الثمانينيات و التسعينيات، عاش القراء، حالة من الفراغ الكبير، خصوصا بعد دخول الجزائر مرحلة عنف داخلي لم تعرفها من قبل، و كان المستهدف الكبير فيها هو المثقف و الأدب و الفنان... و لكن بعد تجارب المنفي و السرية، و أخذ مسافة من التأمل بعد الذهول بحجم الكارثة التي ألمت بمجتمع كان يعيش إلى وقت قريب حالة من الانسجام كانت تبدو أبدية، استطاع الكثير من الأدباء، إنتاج نصوص روائية تحمل تجربة عميقة و لصيقة بالفاجعة التي ألمت بالجزائر في العشرية الأخيرة، و استعادت الكتابة/ الحلم/ الوحي، عافيتها بعد الكوابيس الكارثية، لأنه، أي الحلم، حسب لويس أرغوان Louis Aragon، يعد منذ القدم شكلا من أشكال الوحي، و في الحلم تتكلم الآلهة مع ضحاياها، مع ذلك نلاحظ أن هؤلاء الذين عنوا بتدوين أحلامهم، لم يفعلوا، و ذلك لإقامة علاقات مع شيء يتجاوز الطبيعة، إنهم يسجلون بأمانة و موضوعية ما يتذكرونه من أحلامهم، بل يمكن القول، بأننا لا نستطيع أن نحقق موضوعية أكبر من تلك التي نحققها في سرد الحلم، إذ لاشيء هنا يتدخل بين الواقع و النائم، كما هي الحال في اليقظة، حيث الرقابة و العقل"[6].

و حتى الموت، فإنسان التجربة الأخيرة للرواية الجزائرية يختلف عن فهمها للإنسان في التجربة السابقة، إنسان المشروعية و الثورة و المناضل الطبقي و العامل، بل في كثير من الأحيان نجد محاكمة لهذا الأخير في المتن الروائي الجديد، لأنه أخفى تناقضات الإنسان الحقيقي، الذي دخل في مواجهة مع نفسه بوعيه الجاد بالأسئلة المرتبطة بالوجود و المعنى قياسا بحجم المحنة التي يعيشها اليوم، و بهذا يكون الحلم صنو الموت و الكارثة.

إن رواية سيدة المقام، تحاول مرارا المطالبة بالحرية و الإبداع، بالمدينة و المرأة، و حتى المماثلة بينهما إلى حد كبير، الراوي فيها كان ذا صوت ديونزيوسي، لا يكف عن الإقبال على المرأة / المدينة بحب و جنون، ينتازعه هاجسين : الأول، الخوف من السقوط و الاحتضار أما الثاني فهو حضورها الكثيف الذي سيسعف بفعل المقاومة و الإصرار علي ميلاد حداثة و إنسية قائمة على التبادل الذي يرمي إلى قيم الحرية و الاختلاف.

 


 الهوامش

[1] أنظر عبد اللاوي، عبد الله : الذات المغلولة أو أزمة العلوم الإنسانية في الجزائر – مجلة التبيين – العدد 09، 1995.- ص.70.

[2] بلانشو، موريس : كتابة الكارثة.- لندن، ترجمة مجلة مواقف، العدد56، 1988.- ص.176.

Blanchot, Maurice : L'écriture du désastre.- Paris, Gallimard.

[3]  قباني، نزار: جريدة الحياة اللندنية، يوم 14/12/1991.

[4] Benchiekhe, J. Eddine :  L'étranglement.- Revue Autrement, n°38, Mars 1982.

[5] بلحسن، عمار : نقد المشروعية، الرواية و التاريخ في الجزائر .- جامعة وهـران، كراسات URASC، 1989.- ص.12.

[6] أنظر نص أراغون في أدونيس :الصوفية و السوريالية.- لندن، دار الساقي، ط2، 1995.- ص.273.