Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 11، 2005، ص. 29-53 | النص الكامل 


 

 

جعفر يايوش

 

1. المرجعيات النظرية :

يطالعنا الكاتب واسيني الأعرج كناقد روائي من خلال أطروحته التي عنونها ب:

" اتجاهات الرواية العربية في الجزائر، بحث في الأصول التاريخية والجمالية " سنة[1] 1986، وتبعتها دراسة أخرى نقدية بعنوان " الطاهر وطار، تجربة الكتابة الواقعية، الرواية نموذجا، دراسة نقدية " وذلك سنة 1989 ؛ فمن خلال هذين العملين النقديين يتموقع الكاتب واسيني الأعرج  في زاوية الواقعية النقدية التي تمثل التيار المعارض لكل الحركات السابقة التي وقفت عاجزة عن فهم الأسس الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي، تلك الواقعية التي مثلها عدد من الكتاب كان أبرزهم " أوندري بلزاك " في فرنسا ويليه " فلوبير غوستاف " وفي إنجلترا " تشارلز ديكنز " وفي روسيا "أونوري دي دوستويفسكي" " و " أبسن " النرويجي و " أرنست هيمنجواي " من أمريكا، والجدير بالذكر أن الاتجاه الواقعي قد احتضن الرواية دون غيرها من الأنواع الأدبية الأخرى ؛ فصاغ منها مادته النقدية للنص الأدبي الواقعي الذي جعل من الواقع خلفية لعالمه السردي، بل وصورة لمرآته العاكسة، وبهذا نتجت ثلاثة اتجاهات للواقعية على مستواها النقدي : الأول، يتناول إنتاجا أدبيا قريبا من التحقيق الصحفي، ويحاول أن يكون موضوعيا قدر الإمكان. أما الاتجاه الثاني، يتناول الإنتاج الأدبي المعتمد على جماليات الفلسفة الهيجلية والتي تعتبر الجمال والحقيقة أهم عناصرها، في حين الاتجاه الثالث يختص بالأدباء الواقعيين الذين جعلوا نصب أعينهم تصوير المجتمع كما هو من أجل تعرية زيفه ، كما أن هؤلاء الكتاب كان لهم هدف نفسي وهو تحليل أعماق الذات البشرية من خلال تتبع تيار الوعي المتنامي في المجتمع من خلال إبراز عوامل التناقض في عالم القيم الإنسانية [2]. وإذا حاولنا القيام بتصنيف مرجعي لواسيني الأعرج في حقل النقد الأدبي يمكننا بكل وضوح أن نضعه في خانة النقاد الواقعيين، وذلك أولا من خلال معجمه الاصطلاحي النقدي الذي وظفه في كتابيه النقديين السالف ذكرهما إذ نجد مصـطلح (الأصول التاريخية والجمالية) و (تجربة) و (الكتابة الواقعية)     و (الرواية نموذجا)، هذا على المستوى العلامي لعنواني الكتابين، أما على المستوى المضموني النقدي الوارد في ثنايا كتبه، نجد ما يعزز هذا الاتجاه عند واسيني الباحث في أصول الرواية الجزائرية من خلال ما ورد في بعض نصوصه التي يريد من خلالها التأريخ للرواية الجزائرية إذ في كتابه الأول (اتجاهات الرواية العربية في الجزائر بحث في الأصول التاريخية والجمالية)[3]، هذا من جهة ومن جهة ثانية فهو، - أي واسيني - يريد أن يقدم دراسة وفق رؤية مرتبطة بمعطيات الواقع الإجتماعي والتاريخي للمجتمع الجزائري، لذا خصص الباب الأول لمقدمات تاريخية تناول فيها ثورة الفلاحين عام 1871م، وانتفاضة الجزائريين الجماهيرية عام 1945م ثم دخول الحركة الوطنية في نهج جديد بعد تقويم واقعي لكافة جوانب الحياة السياسية والتي كان لها الدور الرئيس في بروز الرواية الجزائرية، هذا في الفصل الأول من الباب الأول، أما في الفصل الثاني فقد تناول مرحلة السبعينيات التي كانت تمثل عهد " الثورة الزراعية والتسيير الإشتراكي للمؤسسات والطب المجاني وديمقراطية التعليم والتأميمات وغيرها مواضيع روايات هذه الفترة؛ فأصبح الكاتب يقاس بمدى اقترابه أو ابتعاده من الانجازات الديمقراطية التي تحققت في البلاد "[4]. أما الفصل الثالث فقد كان حقلا نقديا لهذه الاتجاهات الفنية للرواية العربية في الجزائر، والتي تجلت بحسبه في الاتجاه التقليدي (الإصلاحي) و (الرومنتيكي) وأخيرا (الواقعي) بنوعــــيه (النقدي) و(الاشتراكي)، وفي الخاتمة يترك المجال مفتوحا للآفاق المستقبلية للرواية الجزائرية [5] .أما في كتابه النقدي الثاني (الطاهر وطار، تجربة الكتابة الواقعية، الرواية نموذجا) والتي قدمها بسـؤاله (ماذا بقي من وطار ؟) هو استفزاز للواقع الأدبي الإبداعي في الساحة الأدبية بالجزائر، خاصة وأن الطاهر وطار كان يمثل الكاتب الروائي الملتزم بخطاب الدولة الرسمي ومن ثمة فنصه الروائي يعتبر تأسيسا لمقولات السياسة الرسمية ومؤطرا لخلفيتها الأيديولوجية، ولكن غياب الطاهر وطار المسجل لمدة عشرية كاملة، أهو صمت الكتابة الروائية حين تخسر أرضها التي تبني عليها مشروعها الثقافي والجمالي ؟، أم هو صمت تجربة كان يمكن أن تغير الكثير من المفاهيم عن الثقافة والمجتمع ؟ لكنها كتابة أجهضت قبل أن تنضج تجربتها ولتنهـض بشموخ ؟ وبعد تعرضه لأعمال وطار من خلال تتبع منحنى خطه البياني في أربع نقاط أساسية وهي، بدءا باستحضار الأشياء المنسية في الذاكرة التاريخية والوطنية في روايته (اللاز)، ثم النقطة الثانية في تحول المسار الفني في كتابات وطار باقتحامه عالم الأزمنة الصعبة في روايته (العشق والموت في الزمن الحراشي) والتي طرح فيها كافة الأسئلة الممنوعة، ثم النقطة الثالثة والتي تمثل نقطة انعطاف خطير في سيرورته الابداعية من خـلال روايــته (الزلزال) والتي يصور فيها جدلية الإخصاب والعقم ، أطروحة النماء ونقيضتها العدم والفناء، وأيضا زاوية الرؤية الرومانسية الحالمة بالمستقبل الواعد وخيبة الأمل التي جسدها الفشل والانكسار الواقعي، وأخيرا النقطة الرابعة والتي تعبر عن نقطة النهاية لخطه البياني الذي بدأ متصاعدا ثم متذبذبا وأخيرا متناهيا نحو الأسفل عند زاوية الصفر الممثلة للإنمحاق والعدم من خـلال روايـته (عرس بغل) والتي تجسدها مقولة " حوت يأكل حوت "، والتي من خلالها تمخضت فكرة الرواية الخامسة (الحوات والقصر) والتي تعبر عن بشاعة ازدواجية الرؤية البرجوازية الصغيرة، وبهذا حقق واسيني رؤيته النقدية الجريئة للواقع الاجتماعي من وراء وقوفه على عتبات النص الروائي للطاهر وطار، بإحالة القارئ الفطن على مرجعيات المتن الإبداعي لوطار، وهكذا تتشكل لدينا بالموازاة اختمار التجربة الإبداعية لواسيني من خلال ممارسته النقدية المتتبعة للحركة الإبداعية الروائية في الجزائر والمكتوبة باللغة العربية، وهو بذلك ينتظم في خطه الفكري الذي ارتضاه لنفسه من خلال أطروحة الدكتوراه، التي كانت في حقيقتها عملا تأسيسيا لفلسفته النقدية وأيضا لفلسفته الفنية، وما يصدق هذا الرأي أن واسيني قبل أن يصدر عمله النقدي الأول سنة 1986 كان قد أصدر مجموعة من الأعمال الإبداعية وهي: (جغرافيا الأجساد المحروقة) سنة 1979 بمجلة أمال عدد 48، و في سنة 1980 صدرت له رواية (وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر) بالجزائر، رواية (وقع الأحدية الخشنة) سنة 1981 ببيروت، (ما تبقى من سيرة حمروش) سنة 1982 بدمشق، (نوار اللوز) 1983 ببيروت، (مصرع أحلام مريم الوديعة) 1984 ببيروت ؛ وما يسجل عن هذه الروايات أنها نصوص تعبر عن " الكتابة " " السجن " " المنفى " "الاغتراب " و " الممنوع " و " التشرد " و " الاغتيال "، إنها نصوص احتجاجية وممارسة أدبية خلقت كتابة ثائرة ومتوثبة نحو المستقبل، ولقد قسم لنا واسيني الأعرج تجربته الإبداعية إلى ثلاثة مراحل أساسية وهي : المرحلة الأولى، هي " العلاقة مع الجرح " وهي مرحلة تنخر آثارها في ذاكرته منذ طفولته الأولى التي عاصرت الثورة التحريرية والتي فيها استشهد والده أحمد الأعرج، لذا كانت الكتابة محاولة من الذات لإيجاد علاقة طبيعية مع هذا الجرح، أي نوع من التواصل الطبيعي بين الذاكرة والذات المتألمة. أما المرحلة الثانية ؛ فهي مرحلة التقاطع بين تجربة الذات المبدعة وتجربة الذوات الأخرى للجيل السابق له والتي تمثل بالنسبة لتجربته الإبداعية وعيا بتقاطع تجربتين مختلفتين بحيث تغيب في تجربة الجيل الأول تأثيرات الرواية العربية، مع جيله الذي كان يمثل مرحلة البحث عن الذات بل عن الهوية المميزة لخصوصية كتابته الروائية. ثم المرحلة الثالثة، والتي شهدت القتل الفرويدي للسلطة الأبوية من خلال النص المغاير للمعهود وذلك بالعودة إلى التراث واستلهام مادته في تكوين مادة روائية جديدة تمارس التجريب كمذهب فني يؤسس لزمن روائي جديد، غير ذلك الذي عرفته الساحة الأدبية في فترة السبعينيات والثمانينيات، وبهذا انفلت واسيني من دائرة التأسيس النظري إلى دائرة الممارسة والتجربة الفنية الفردية من أجل تجسيد قناعاته الفكرية التي انطلق منها في بداية حياته العلمية الأكاديمية، كأنه كان يحمـل هاجس التوفيق بين (النظرية) و (التطبيق) أو بين (المقولات) و (الممارسات)، إذ لا يتحقق الوجود الفعلي للأفكار إلا بوجود صور لها على الواقع ومن ثم لا يكون الواقع سوى صورة لما يختمر في الذهن.

  1. . ممارسة التابة ، بداية الانعتاق :

كنا ألمحنا منذ قليل إلى روايات كتبها واسيني وهو يمارس عمله كناقد أدبي؛ ولكن عند إصداره لرواية (ضمير الغائب) بدمشق سنة 1990 فهو يسجل بذلك مرحلة جديدة ولدت من خلال هذا العمل الأدبي الجديد، إذ بهذا العمل الروائي يفتح الباب واسعا على مصراعيه ليسجل بدء زمن جديد بالنسبة لنشاطه الإبداعي إنه زمن (النص التحفة) فهو يصبو إلى تحقيق هاجس الإنتشار الخلاق، في فضاء النص المبدع تلك الرقعة الأرجوانية، بعدما حقق هاجس الريادة وهاجس المنهج من خلال أعماله الأكاديمية والإبداعية السابقة، وبذلك فهو يكسر إستقامة الخط البياني الممتد أفقيا في الساحة الأدبية والفكرية الجزائرية، إذ من خلال حدسه الفني استطاع أن يدرك أن الجزائر على عتبة عهد جديد وأن لا رجعة إلى الوراء، فواسيني الأعرج من خلال هذا العمل الروائي الجديد يسجل مرحلة النص الوثيقة الذي يشحن بطانته الوجدانية بزخم متحشرج من الدلالات المرمزة والتي تنخر في تاريخية الجزائر وفي ثقافتها، أما في عمله الروائي والمعنون ب     (الليلة السابعة بعد الألف) والصادر سنة 1993 فهو يمثل (النص الأثر) الذي يسرب خطابه إلى المتلقي من خلال خواصه البنيوية في إطار من النظام التأويلي متعدد الرؤى والمنظورات بحسب " أمبيرتو إيكو " U.Eco [6].

ثم تتوالى هذه الحركة الروائية عند واسيني من خلاله إنتاجه الروائي المنساب كنهر الزمن المتدفق في ديمومة متناغمة، وهو دوما يحمل ذلك الخطاب الأندلسي المقموع، أو ذلك الحب الممنوع من أيام جنة الفردوس المفقودة الأندلس وهذا كله مشكل في لوحاته الفنية التي رسم ملامح وجهها بكل وضوح وبروز مع بعض النتوء التاريخية مثل ( سيدة المقام ) الصادرة سنة 1995م و (حارسة الظلال) الصادرة سنة 1996م بالفرنسية ثم سنة 1999 بالعربية وأيضا في (ذاكرة الماء) الصادرة عام 1997 بألمانيا و (مرايا الضرير) سنة 1998م بالفرنسية بباريس ثم روايته الصادرة سنة 2001 (شرفات بحر الشمال) ببيروت. وهو من خلال هذه الأعمال يسجل موقفا نقديا لاذعا من التاريخ الرسمي العربي الذي يقدم على أنه تاريخ مقدس يمثل زمن الملائكة على الأرض؛ فالرواية عنده عمل نقدي يدين التاريخ الرسمي برمته وينتصر للتاريخ الذاتي الذي سلم من رقابة السلطة في لحظة هاربة من عمر الإنسان؛ فواسيني هو ذلك الموريسكي و ميغال سرفنتيس والفنان الذي يبحث في تاريخه عن نصه المميز .

3. فتنة الألوان وبلبلة الزمن في النص الأرجواني :

سنقدم بين يدي القارئ مقاربة لخاصية كتابية أبدعها الروائي واسيني الأعرج وهو ينجز نصه الروائي، ألا وهي خاصية توظيف الألوان في ثنايا كتابته الإبداعية وأيضا خاصية تكسير خطية السرد للزمن السردي في رواياته ومنها كنموذج للتطبيق وقع اختيارنا لروايته (حارسة الظلال) ؛ فبالنسبة للخاصية الأولى، والمتعلقة بالألوان نقدم هذه الظاهرة في شكل أرقام وخطوط منحنى بياني لنمارس نوعا من الإكراه على النص الواسيني الضنين علينا بمكنوناته؛ فننطقه بما أبقاه حبيس الأنفاس وما بين الضلوع.   

المنحنى البياني الممثل للألوان في رواية « حارس الظلال » :

 من التقنيات التي عمد واسيني الأعرج إلى توظيفها في معماره الفني لنسيجه الروائي، تقنية الألوان والتي تعتبر لغة رامزة يعتمدها الرسام في تشكيل لوحاته الزيتية، في هذا المنحنى البياني نجد أنفسنا أمام لوحة زيتية لواسيني الأعرج الفنان التشكيلي لا واسيني الكاتب الذي يداعب الخيال بكلماته السحرية فهو يقوم باستعارة الجسد الانساني من كلية الطبيعة لبناء تفاصيل هذه الصور الحوارية بين نصه الروائي وخياله اللوني التشكيلي التي تعيد ربط الحاضر بالماضي من خلال التناص المبثوث في نصوصه السردية داخل المعمار الروائي للاجابة عن اسئلة تشتمل البواطن القصية والتائهة في ازقة الحضارات، إنها حوار بين المخيال والتاريخ في لاوعي واسيني، وهو بذلك يحقق المعادل الموضوعي في أطروحته هذه وهو ما يعرف في المصطلح النقدي الأدبي بتيار الوعي الحي الذي  لا يفنى لبساطته بل يمارس نوعا من التراكم المعرفي والخبراتي عبر الزمن، وبذلك يحقق  روحانية النص والصورة وسلطة الذاكرة عبر الصيرورة التاريخية.

حركة الروح وفتنة الجسد :

تشكل تلك الخطوط المنحنية في الرسم البياني شكلا بانوراميا عرضانيا  يستحسن التوقف عنده، اذ تعلن هذه الخطوط عن حدود يريد واسيني تفصيلها بدقة كحوادث بصرية وصباغية وتقنية تكمل توجهه العام في السيطرة على المواد التي تسهم في إنضاج التجربة باتجاه اكتمال التعبير المشهدي أو الصورة المشهدية للنص الروائي بحيث تغدو المساحات اللونية المبثوثة في نصوصه السردية  تعالقا بين  الشكل الحسي الملون  وبين النص الروائي المكتوب المجرد لتخيلات كاتبه، ومدركا للتراتب المنطقي لسرديات ينسجها الوعي الغائب بالفترات التاريخية. كأنه يطابق بين التناص الحاصل بين النصوص التي يتقاطع معها نصه وبين التمازج والخلط الحاصل بين الألوان والطبقات التلوينية المشكلة على اللوحة الفنية، واذ ينتقل واسيني في خطه البياني من اللون الابيض إلى الاسود ؛ فهو يشكل بذلك صورة حركة متموجة تشبه موج البحر العالي العاتي المتقدم في حركة هادرة تجرف ما هو أمامها، لما في حركة الموج المنطلقة في شكل عقدة نقطة البداية عندها من الأعلى متجهة بقوة نحو الأسفل، كأنها حركة تتم في ذهن المتلقي لنص واسيني فتمارس عليه نوعا من الحفر الأركيولوجي لبنيات ذاكرته المصابة بالنسيان، لعل الحركة العنيفة ترجع الذاكرة المفقودة بتراخــي الزمن ؛ فواسيني بهذه الحركة من ريشته  يمارس نوعا من التلذذ وهو يشكل خطوطه  على الورق وألوانه على قطعة القماش في مرسمه في منتهى  الدقة والاكتمال ؛ فهو يريد أن يحدث نوعا من التناسق الهارموني بين نشاط  الذاكرة اللونية المتخمرة في أعماقنا، وبين الموسيقا اللونية، فهو يمارس نوعا من العري اللوني على الجسد الانساني الممثل في صورة الجزائر تلك الذات المتشظية بين تناقضات التاريخ وانتكاسات الواقع، إنها غربة  الروح عن الجسد في ظل وجودية تحققها الموضوعي، وتأقلمها مع فطرية فوضى الأشياء التي ابدعتها.     

فإن هذه الحركة، تدل على المناخ العام الذي يتميز بصفة الصراع أو التصارع بين القوى المتعاكسة في اتجاهاتها ومقاصدها، صراع على كافة المستويات التي تقتضيها سيرورة الخطاب السردي فما بين التضاد والتناغم، وما بين الحركة والفراغ، نقرأ التوصيفات الصراعية للحساسية الابداعية، وما بين الكثافة اللونية وشفافية اللمسات، نقرأ الصراع التبادلي مابين المباديء المستقرة وتاريخها المتقدم في حركة دائرية كأنها حتمية مطبقة. وتبقى هذه الحركة في النهاية ممزوجة بالزمن، عبر تحديها لواقعها، وامتداداها في مدركات الفنان الحسية، والذهنية، واستمرارا للحوار، وللخطاب التحريضي، الذي يحتفي بتحققه التصوري، وتماسه مع انتقاد التاريخ، وجمالياته، اذ يحتفي الفنان / الروائي  بالموازاة مع التاريخ الداخلي للتصوير المشرقي و المتوسطي، وبمرجعياته التنبؤية، والرمزية لتغدو هذه التجربة نموذجا لمشروع قيد الإنجاز يذكرنا بالمشروع الحضاري الأندلسي الذي أغتيل في المهد ولذا كان واسيني دائم التذكير بالأندلس ليوقفنا على فداحة الثمن الذي ندفعه من يوم سقوط آخر إمارة إسلامية بالأندلس وبذلك انقطع حبل الوصل بين الحضارة العربية والحضارة الغربية؛ فانفصلت الروح عن الجسد.

والملفت للنظر هو أن واسيني مارس هذا النوع من التجريب على نصه ليضفي عليه نوعا من الفتنة والمتعة أو بحسب تعبير رولاند بارت تحقيق لذة النص، ومن قراءتنا للنسب المسجلة في المنحنى البياني نجد أن اللون الأبيض الذي ورد بنسبة عالية عنده إذ تكرر 92 مرة ثم اللون الأسود يحتل المرتبة الثانية بنسبة تكرار تساوي 73 مرة  وبعده يأتي اللون الأزرق في المرتبة الثالثة بنسبة تكرار تبلغ 42 مرة والمرتبة الرابعة للون الأخضر بنسبة تكرار ب 38 مرة والمرتبة الخامسة للون الأحمر بنسبة 32 مرة أما المرتبة السادسة فهي للون الأصفر بنسبة 23 مرة وبعده اللون الرمادي بنسبة تكرار بلغت 12 مرة والمرتبة السابعة للون البني بنسبة 05 مرة والمرتبة الأخيرة للون العسلي بنسبة 02 مرتين تكرار.

  ما معنى، وما تفسير هذه المعطيات الرقمية، إن توارد اللون الأبيض بتلك النسبة العالية ثم مباشرة يأتي اللون الأسود وراءه من حيث الرتبة ليدل على حالة الرجاء واليأس المتصارعين في داخلية الإنسان الجزائري، ولهذا نجد بعد ذلك أن المرتبة الثالثة عادت للون الأزرق ويتبعه اللون الأخضر بفارق بسيط وهذا علامة على حالة الشعور بالأمل الذي يسكن جوانية الإنسان والذي يحمل في خلد الجزائري الحلم بغد أفضل من يومه وأمسه، تتغير فيه ملامح الحياة اليومية التي اصطبغت بصور الموت والدخان، وهو ما تفسره نسب التكرارات المتوالية للألوان الآتية وهي : الأحمر بنسبة 32 مرة والأصفر ب 23 مرة والرمادي ب 12 مرة والبني ب 05 مرات، وعند تدقيق النظر في هذه النسب بعين فاحصة سنكتشف أن هذه التراتبية تمثل فئة الألوان النارية وإذا جمعنا نسبها سنحصل على ما يساوي 72 مرة وإذا أضفنا إليها اللون الأسود صارت النتيجة هي 145 مرة وفي المقابل إذا جمعنا بقية النسب المتعلقة باللون الأبيض والأزرق والأخضر سنحصل على نسبة تساوي 172 مرة، ومن ثمة تتشكل لدينا صورة تغلب على مساحتها الألوان التي تحمل معاني الأمل والسلم والأمن أكثر من مساحة الألوان القاتمة والنارية التي توحي دلالاتها بالموت والدمار.

أما إذا كان اللون الأبيض يحمل معنى الموت ؛ فإن النسبة ستتغير إلى نتيجة عكسية عند تقديم هذه القراءة الإنطباعية النفسية للوحة التي يقدمها لنا واسيني عن الجزائر التي يحملها في وجدانه الجريح، وبالتالي فإن مساحة الألوان الدالة على الدمار والفناء ستكون بنسبة 164 مرة مقابل مساحة ضئيلة للألوان التي تحمل التفاؤل والأمن لا تتجاوز نسبة 80 مرة، وإذا أدخلنا في الحسبان التفسير النفسي الخاص بعلم نفس الألوان ؛ فإن اللون الأزرق يحمل معنى الموت أيضا بحسب سيكولوجية تفسير الرؤى والأحلام وبحسب المرجعية الثقافية، وهكذا تتضاءل مساحة الأمل في غد أفضل تضيق في منظار محجر العين إلى حد نسبة لا تتجاوز 38 مرة وهي نسبة التكرار المتعلقة باللون الأخضر، وهذا مقابل مساحة شاسعة لمعاني الدمار والموت والفناء تصل نسبتها إلى 206 مرة ، وهذا يفضي بنا إلى القول أن واسيني الأعرج ينتظم في سلك مدرسة العبث واللامعقول التي تقدم موقفا عابثا ورافضا للوضع القائم، وفي الوقت ذاته استطاع أن ينسج خيطا رفيعا يوافق من خلاله بين المكتوب المقروء وبين المنضوي بين الأسطر والذي يمثل بعدا ثالثا لقراءة منفتحة على النص الروائي فيسجل بذلك مرحلة عبور للنص الأثر من حالته الأولى وهي النص الوثيقة إلى النص التحفة حيث " يعبر المرء عن عالمه ويغرق في عوالم جديدة لا مكانة فيها للعقل، ولا سلطان فيها للمنطق، وإنما السلطان كله للخيال المجنح، يحلق إلى أقصى الحدود، ولكن في فضاء بدون حدود "[7]، إنها حالة من التألق الشعري والروائي والسحري ، يعبر من خلالها الروائي إلى المستحيل واللامعقول والشاذ وكل ما يصدم العقل ويزعزع مسلماته.

 وهو بهذا – أي واسيني – يحقق شرطا من شروط النزعة المابعد الحداثية في الكتابة الروائية الجزائرية ليؤكد على ذلك الاتجاه العام الذي صار يميز الرواية الجزائرية للعشرية الأخيرة من القرن العشرين. وهو بهذا التلاعب التلويني يبتعد عن التقريرية المباشرة في الخطاب الروائي بمعنى تحقيق الإبتعاد عن لغة السرد المباشرة واللجوء إلى اللغة الرمز، اللغة المؤشرة واللغة الأيقونة، أي أن الكلمة تصور في حد ذاتها ؛ فهي لغة موحية مؤشرة من خلال آلية التصوير والتلوين الذهنيين لما يكتبه عن الوقائع والأحداث، وهو بذلك يحقق بالفعل قاعدة أن العمل الروائي ليس عملية استنساخ للواقع بكل واقعيته وهذا هو الفارق بين الفنان المبدع والكاتب العلمي الذي يصف الوقائع كما هي من غير خيال خلاق ؛ فالبون شاسع بين القراءتين للنصين، قراءة النص الوثيقة يقدم قراءة في فضاء مغلق منتهي، بينما قراءة النص التحفة تقدم قراءة تتم في فضاء مفتوح ومنفتح على التعدد واللانهائي.

أما فيما يتعلق بالخاصية الثانية وهي خاصية تكسير خطية السرد الروائي ؛ فقد عمد واسيني إلى هذه التقنية ليصبغ نصه الروائي بنوع من الحيوية التي تحافظ على حيوية القارئ وتدفع عنه الملل والسأم، وكذلك نوعا من الجمالية والشعرية وهو يقحم النصوص التاريخية في نسيج نصه الروائي ؛ وكأنه يتيح لعين القارئ أن تتحرك في نسق متموج لانهائي بين الحاضر والماضي من غير أن تمل أو تصاب بالزغللة والتعب ؛ وبهذا يعتبر واسيني بحق كاتب مبدع ورسام تشكيلي من الدرجة الأولى إذ زاوج بين حركة القلم وتموجات الريشة، فتوظيف الزمن في رواية حارسة الظلال ليس من باب الإستخدام كمرآة عاكسة للأحداث الواقعية على أحداث الرواية المنجزة لحظة الكتابة، بل يتعدى ذلك إلى خصوصية العمل الروائي من جهة ومن جهة ثانية إلى اتجاه الشخصيات الروائية، لأن الرواية كطابع فني تقوم في الأساس على عناصر محددة وأساسية لا غناء عنها، ومن بينها عنصر الزمن.  وفي ذات الوقت يحقق شرطا آخرا من شروط الحداثة في نصه الروائي وذلك من خلال ممارسة التجريب بتوظيف النص التراثي كجزء من نصه الروائي أو كإكسسوار مسرحي يضفي نوعا من الجمالية على المشهد الدرامي ؛ فالمسألة التراثية إشكالية في الواقع الفكري الحضاري الحديث والمعاصر، وهي تتميز بحساسية مفرطة، إذ من خلال المواقف تقاس سلفية المتحدث أو حداثته ولذلك اختلفت حوله الرؤى والمذاهب إلى حد التباين، ولكن أساس القضية ليس اتخاذ موقف من التراث أو ضده، وإنما طبيعة الوعي الكائن في التعامل مع التراث عند ممارسة فعل الكتابة إبداعا أو نقدا، وهي الإشكالية المغيبة في الممارسة النقدية لهذه المسألة عند بحث علاقتها بالأجناس الأدبية عامة والرواية بخاصة ؛ فما يهمنا هو مدى الكيفية التي يتوسل بها الروائي من خلال إقحام التراث في التوصل إلى إنتاج خطاب روائي جديد معرفيا وجماليا ؟

كخلاصة لهذه الثنائية الجدلية عند واسيني الأعرج نشير إلى القارئ أن يلتفت إلى عنوان الرواية وإلى صورة الغلاف الذي صدرت به طبعة الرواية ؛ فماذا نرى وماذا نستنتج ؟

   تحمل رواية واسيني الأعرج عنوان : " حارسة الظلال "، وقد سجل على غلاف الكتاب بحروف حمراء كبيرة، إضافة إلى إسم الكاتب، وما يميز صورة الغلاف هي صورة إمرأة بكل ما تحمله في ذاتها من سكون وصمت حالمين ، وذات شعر أسود وعينين سوداوتين ، وتضع يدها اليمنى على خدها الأيمن المقابل لزاوية الظل، وتبدو وكأنها تتأمل منظر الشمعة المتآكلة وضوؤها المتناثر في العتمة، ولون الغلاف أسود، وهو دلالة على عشرية الجزائر التي كانت الهزيع الأخير من القرن العشرين المنصرم، كما أن الون الأحمر يدل على النـزيف الدموي الذي أنزف الجزائر إلى حد وضعها على شفير الهلاك والإتلاف، بينما اللون الأبيض المشكل لثوب المرأة والمنبعث من الشمعة المحترقة، ليدل على الغذ المنظور والأمل المرتجى وكأنه تعلق الحي بأهداب الأمل ولو كان سرابا من أجل البقاء حيا، إنه الحياة في مواجهة الموت العدمي ؟ ولذا يقول واسيني في روايته هذه : " من خلال حنا لمست أسطورة هذه المدينة أسطورة حارسة الظلال، إمرأة بدون سن تنتظر منذ قرون، بدون كلل لم تشخ أبدا "[8].

ونقدم بين يدي القارئ الناقد المخطط البياني لخطية السرد عند واسيني من خلال خط سير الحدث الروائي عنده :

 

  1.  زئبقية الشخصية وشرنقة الطبع :

الرواية في نظر القارئ هي التي تحقق له أكبر قدر من اللذة و ترضي فضوله لمعرفة الأحداث المروية. و إذا كانت محافظة على مضمونها  و ترابطها و حسن سرد أحداثها، و جودة توظيف شخصياتها، فهذا لا يعني إهمال الشكل. و من ثم المضمون و الشكل يسيران في خط واحد،      و جنباً إلى جنبٍ. و بذلك نجد أن كل روائي جزائري قد إنتهج منهجاً خاصاً به، و الذي يميزه عن غيره، و ذلك بإستخدام طريقة فنية خاصة به، و التي يهدف من خلالها إلى حمل تلك الشخصيات من قول و فعل نحو المتلقي. و يعتبر واسيني الأعرج في روايته " حارسة الظلال " ذلك الروائي المثالي الذي أعطى دفعاً جديداً للرواية الجزائرية، خاصة المعاصرة منها، و المتتبعة لأحداث الجزائر، معتمداً على بناء فني جميل ورائع، تتخلله شخصيات في أمكنة و أزمنة متنوعة.

                                      

                                                        

                                                  

                                             (( الـ ...جـ ...ز...ا...ئـ... ر ))[9] . ماذا تحمل هذه الحروف المتقطعة؟!وما دلالتها ؟. العبارة تحمل لفظة الجزائر، وطننا الذي ننتمي إليه، و مبعث حياتنا و أملنا، و كتابتها توحي للقارئ ـ ربما ـ كأنها صيحة عاجزة تجتاح الدروب من الصدر في ألمٍ و وهن، أو كأنها تشبه غرغرة المتحضر، و هو على فراش الموت ينطق آخر الأنفاس في عناء و جهد رهيبٍ.

هل هي مناجاة الجزائر أم صرخة صمت موجهة في كل إتجاه و كل صوب، و ما يزيد الأمر إنفتاحاً و عمقاً تكرارها مباشرة بطريقة مركبة أي لفظة مكونة من حروف عكس الأولى التي يتباعد فيها كل حرف عن جزئه تلفظه كل النفوس و تردده كل الأجيال جيلاً بعد جيلٍ .

 مما لاشك فيه أن أي عمل قصصي أو روائي لابد له أن يستند على عنصر هام، و دعامة أهم، إذ لا يستوي هذا الأخير بدونها، و نقصد بقولنا عنصر الشخصية، فماذا يقصد بها ؟. « الشخصية كائن حي ينهض في العمل السردي »[10]. إذ لا يخلو أي عمل كان بدونها، فهي التي تحرك العمل و تنمقه، و ربما نستطيع القول : إنها تكون كل شيء في أي عمل سردي. «الشخصية، هذا العالم الذي تتمحور حوله كل الوظائف و الهواجس و العواطف و الميول ، فالشخصية هي مصدر إفراز الشر في السلوك الدرامي ، داخل عمل قصصي ما»[11].

    لقد وظف واسيني الأعراج في روايته شخصيات تقترب من الواقع، أو بالأحرى هي الواقع في حد ذاته، ذلك على إعتبار أن واسيني الأعراج يعالج الواقع الجزائري بداية من سنوات التسعينيات، و ما حدث في الجزائر في ظل التحولات الديمقراطية من تغيرات على الساحة السياسية، مثل ظهور التيار الراديكالي الإسلامي الذي إنتهج سياسة تجنيد ترتبط بالدين، هذا المقدس الحيوي المرتبط بالشعب الجزائري و الأمة الإسلامية إرتباطاً وثيقاً، حيث اعتمده كمنفــذ لتمرير أفكــــاره و إيديولوجياته للوصول إلى السلطة. كما أن الروائي لا يكاد يتناول إلا شخصية محورية واحدة، و قد يجعلها شخصين إثنين، و هذه الشخصيات هي التي تستقطب أحداث الرواية عبر لحظة أو لحظات من زمن الرواية، بدون أن ننسى وجود الشخصيات الثانوية التي تكمل العمل الروائي و لكنها لا تدور و لا تتحرك إلا عبر مسار الشخصية المحورية.

سيميائية شخصيات رواية حارسة الظلال :

الشخصية هي المحرك الوحيد الذي يدير العمل الروائي، و الذي تتمحور حوله كل الوظائف، و العواطف و الميول، فهي المعبرة عن الأفكار و الآراء، وهي التي تستقطب جزءاً هاماً في العمل الروائي.

- دلالة الأسماء – الشخصيات المحورية / الرئيسية:

ليس من السهل اختيار الأسماء في العمل الروائي، بل ليس من اليسر اختيار دلالتها، فالروائي يعمد دائماً إلى إيجاد اسم للشخصيات، يتلاءم مع مضمون العمل الروائي، فالاختيار هنا يكون بدقة متناهية، بحيث يؤشر الاسم على دلالة معينة من أول وهلة، فلننظر معاً كيف انتقى الروائي واسيني الأعرج دلالة أسماء شخصياته :

  1.  حسيسن : «تصغير لـ: حسين. و هو جبل . إبن الأعرابي. يقال أحسن الرجال إذا جلس على الحسن ، و هو الكثيب النقي العالي، قال وبه سمي الغلام حسناً. و الحسنان جبلان أحدهما بإزاء الآخر»[12].

و لعل ما يميز فضاء الإسم الجزائري أنه يميل كثيراً إلى التصغير، الأمر الذي قد يؤثر على سلامة البنية اللغوية و الدلالية للإسم في حد ذاته. كما قد يكون التصغير بعد التحبب و الإعجاب و هو ما أطلقته عليه جدته حنا.

اسم حسيسن هذا مأخوذ بطبيعة الحال من العائلة الشريفة، و نقصد بذلك من آل البيت المظفرين بصريح النص الديني، أي عائلة الإمام علي كرم الله وجهه، و نخص بالذكر أبنيه الحَسَن و الحُسَين.

حسيسن نعتبره الشخصية المحورية في الرواية، إذ يبرز حضوره من بداية الرواية إلى نهايتها، و هو يشغل منصب المستشار في وزارة الثقافة. و لعل دلالة الاسم و ما يحمله من معاني سامية تنطبق إلى حد كبير مع الشخصية، و هو موظف في وظيفة عملية و جمالية في آن واحد.

   أما البناء الداخلي للشخصية، يبدو من الوهلة الأولى أنه إنسان بسيط لا يحب المشاكل راضٍ بماله و ما عليه، يفضل الصمت لأنه لا يريد التورط في دوامة لا قرارة لها.

«أنا المواطن العادي الذي وعد الملثمين الذين اختطفوه بأن لا يذكر شيئاً مما حدث له»[13]. لقد قطع ذكر حسيسن و حُزٌَ لسانه من منبته و لكنهم لم يقتلوه، و لكن رغم هذا التشويه؛ فإنه يباشر بكتاباته ليترك الحقيقة تأخذ مجراها و مسارها. و شخصية حسيسن هي عميقة و لكنها غير كافية : إنه لا يملك الحقائق و الرهانات، إنها نظرة ـ على العموم ـ غامضة يتداخل فيها الـخوف و الخضـوع و الوطنية و الإنسانية. رغم هذا يظل متفائلاً راضياً بكل شيء «مع ذلك تظل الحياة هي الحياة في أسوأ صورها، حالة اجتماعية جميلة»[14].

« أنا الرجل ميت، ولكني صاحب كلمة ... زلة لسان مقطوع، نابعة من رجل ميت، رجل على أبواب إنهيار عصبي »[15]. و نجده كذلك يصيح بإثبات فشله الذريع رغم أنه أراد أن يكون رجلاً صالحاً. « مع أنني قضيت العمر كله أجهد نفسي لأكون مواطناً صالحاً بأتم معنى الكلمة، و لكن الظاهر أنني فشلت فشلاً ذريعاً »[16] .

يبدو أنه شخصية محافظة على الأصالة و التراث، فهو ما يزال محتفظاً بالآلة الكاتبة القديمة التي اشتراها من المزاد العلني مقابل مبلغ زهيد « هذه الآلة الكاتبة العتيقة و الصدئة... »[17]، فهي ليست مجرد آلة أو شيء جامد لا حراك فيه، بل يبث فيها روحاً ليراها رفيقاً له. « هذه الآلة الكاتبة هي رفيقي الأوحد »[18]، فالكتابة بالنسبة له خروج عن المألوف، و انشطار الذات نـحو الخارج، و هي التعبير عماٌ يخفيه.

« الكتابة ليست سوى رعشة الألم الحقيقية التي نخبئها ... »[19]. لكن رغم تفاؤله  – حيناً – و تشاؤمه – حينا آخر – يعشق الطبيعة أو بالأحرى وردة الكاسي . 

«كنت منهمكاً في وردتي الصباحية على مكتبي»[20]. لكنه في الوقت نفسه نجد تناقضاً واضحاً في هذه الشخصية، فرغم عشقه لوردة الكاسي إلا أنه يكره اللون الأخضر، لون الأربعين، و هو رمز للحياة و الصفاء، و هذا منذ صغره، و هو الآن في سن الأربعين. «اللون الأخضر الكاكي، اللون الوحيد الذي يستفزني عند طفولتي الأولى، و يولد لدي الرغبة في التقيؤ و الخوف المضمر الذي لم أستطع التغلب عليه رغم تجاوزي سن الأربعين»[21].

و بالمقابل نجد أن وردة الكاسي ذات لون أحمر، و هذا كثيراً ما يدل على الشهـوة و الـجنس و حب المغامرة، و حتى القتل. قد نجد من ذلك أن شخصية حسيسن المقصاة شخصية شهوانية مغامرة و الدليل على ذلك دخول كل من حسيسن و دون كيشوط في مغامرة جعلتهما يكشفان الكارثة المستترة خلف الصور الكاذبة و الخطب الأفاقة، و هو فوق هذا و ذآك شخص عاشق للحلم لما هو غير موجود ككائن حي ملموس في شخصية هو يجسدها و يصورها «الله غالب واش أندير مع ساحرة من ورق، هي إستنساخ مجنون لإمرأة أندلسية أحببتها حتى صارت مرضي المستعصي ؟ لا أحد يستطيع إدعاء رؤية وجهها الذي شق علي مراراً خلوتي في الحلم ... »[22] ، أليست هذه شخصية مهلوسة مرضية ؟ و لكن زهرة الكاسي وردة الكارمن هي صورة المرأة بجسدها، المعبر عنها قصد التعبير عن الوطن « الكاسي هي فخرنا و خديعتنا الكبرى ... من ينسى لون زهرة الكاسي ينسى لون تربته »[23] .- حسيسن مواطن عادي، و هو في لحظة من تاريخه كان يعتقد أن بإمكانه تغيير الأشياء. و هو يعرف جيداً أن ألم البلاد لا يجيء إلا من العجز و الرداءة، و لا أحد يمكن أن يتواجد في مكانه. ففي هذه البلاد بيروقراطية جهنمية، و وجودها لا يخدم غير المصالح الكبرى و ليس المواطن أو الدولة، و هؤلاء الناس ساكتون، أو يجعلون أنفسهم متواطئين خائفين من الأخطار.

ونقدم مخطط تيدوروف كأداة إجرائية لتحليل أعماق شخصية حسيسن المركبة وذلك بالوقوف على البنيات السطحية والعميقة لهويته المتناقضة في سلوكاتها الظاهرة.

- القوى المتصارعة في نفسية حسيسن -

                                                                      

                                                                                    

 

 التعليق على المخطط النفسي لتودوروف :

شخصية حسيسن غير طبيعية أو بمعنى آخر غير مستقرة نفسياً، فهي بالإضافة إلى أنها شخصية طيبة تحاول المساعدة و الخير للطرف الآخر إلا أنها تستقر على رأي محدد أو أنها ليست ثابتة على أرضية واحدة، فنجد- من خلال الرواية – هذه الشخصية الرئيسية من بداية الأحداث إلى نهايتها، تحمل في داخلها / أعماقها قوى نفسية متضاربة / متصارعة فيما بينها، لتتأزم الشخصية – فيما بعد – أكثر فأكثر ؛ فنجد بذلك أن بؤرة الصراع تتسع هوتها إلى أبعد حد، فهي في البداية تظهر ساكنة و هادئة تماماً، لكن التشاؤم و الخوف يشوبانها، لنجد بعد ذلك أنها شخصية نرجسية . هذا مرض حب الذات اللا متناهي، و الذي لا يعرف حدوداً،   و ليس هذا كل شيء، بل إنها تتعدى هذا النطاق لنجدها شخصية حالمة لا ترضى بالواقع المفروض عليها، و من ثم يمكن القول : إنها شخصية مهلوسة و مرضية / غير سوية – من منظور التحليل النفسي – .

أما بقية الشخصيات فهي شخصيات ثانوية في رواية «حارسة الظلال» وهي كالآتي :

1. حنا : «حَنَ : و يقال حن عليه، و حن إليه أي نزع إليه. و في الحديث : أن النبي " صلى الله عليه و سلم " كان يصلي في أصل أسطوانة جذع في مسجده، ثم تحول إلى أصل أخرى. فحنت إليه الأولى، و مالت نحوه حتى رجع إليها فاحتضنها فسكنت »[24]. من البداية يحدد الكاتب أنها حكيمة حنا على رغم من حكمتها و هي شخصية صادقة من وجهة نظرها « حنا تُقسِم دائماً أن كل ما روته حقيقة لا يدخلها الزيف مطلقاً »[25]، لكن يلذ بها أن تطارد بائعي الورود في حي باب الوادي »[26].

و هي العاشقة للأندلس و لغرناطة «عندي جدة مسكونة بالجنة الأندلسية الضائعة»[27]

 كما يصفها حفيدها حسيسن بأنها تثرثر كثيراً و مزعجة و واهمة بعودة أجدادها الأوائل«هي مزعجة قليلاً بثرثراتها و أسئلتها التي لا تتوقف و لكنها في العمق طيبة و ممتلئة حُباً للناس، حبها الأكبر هو إسترجاع قصص أجدادها الأندلسيين »[28] . هي عجوز مكفوفة «حنا مكفوفة و حركاتها تشببها و تفضل أن يناديها الناس بِالسَنيُورَا فهذا سيذكرها بالجنة المفقودة »[29]. .شخصية حنا في هذه الرواية تمثل التحول، إنها ما تبقى من الذاكرة، حنا عودة هذه الصورة التي هي في طريقها إلى الإندثار داخل الصمت و الخوف. إن هذا الماضي يظل ضريراً، ويظل نوعا من التحديد دون قيمة، إذا لم يندمج في نظام قيمي يسعى إيجابياً نحو حداثة تكون فيها الإختيارات الأساسية أمراً لا إنعكاس له.

2. كريم لودوروك : كريم : « أي مختوم و قوله تعالى : " لا بارد و لا كريم، قال الفراء : العرب تجعل الكريم تابعاً لكل شيء نفت عنه فعلاً تنوي به الذم، يقال أسمين هذا ؟ فيقال : ماهو بسمين و لا كريم ! و ما هذه الدار بواسعة و لا كريمة. و قال : (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون)»[30]. نلمح أنه يشغل وظيفة سائق السيارة لمستشار بوزارة الثقافة و هو بالنسبة لحسيسن ليس مجرد موظف عادي فحسب ، بل هو صديقه و جاره في آن واحد معاً. «تجبر صديقي و جاري كريم لودروك الذي يقلني كل صباح من بيتي إلى قصر الثقافة »[31]، و يبدو أن لحسيسن ثقة كبيرة به «كريم لودروك سائق الأزمة، الذي أحجزه كلما أحتجت إليه»[32]، و هو إنسان كثير الحديث كما يبدو «  لكن ثرثرة كريم لودروك هي التي كانت تملأ المكان، كريم لا يعرف لغة الصمت فرصته الكبيرة ليستعرض ثقافته   و فهمه للأشياء الصعبة »[33]. إذن هو يوضع في أي مكان و في أي مجال، فلا خوف عليه، و لا غريب في ذلك لأن له مستوى عالٍ من التعليم و الثقافة. فهو يملك شهادة الليسانس في اللغة العربية. رغم ذلك يعمل سائق سيارة فهو ليس في مكانه الأصلي الذي يستحقه.

* الشخصيات التاريخية :

- سرفانتيس : «سنتعرف على الأميرالية لأنها أول مكان استقبل خطوات سرفانتيس عندما حل بالجزائر مصفداً »[34]. «ذكر الشاعر رينار الذي كان أسيراً بالجزائر من 1678 إلى 1681 »[35].

« إنه شطاين، أسير الجزائر، الرجل المهبول و الشجاع الذي مقابل حريته كان مستعداً للقيام بكل الجنونيات»[36] .

- أبو العلاء المعري : «الوهراني قام بما قام به أبو العلاء المعري في رسالة الغفران»[37] .

* الشخصيات الإسلامية :

- خير الدين : « بعث خير الدين القائد والي و معه مقترحات جديدة رُفِضت بدورها، و لم يبق أمام خير الدين سوى إعلان الحرب»[38] .

- سيدي عبد القادر : «و نخلة سيدي عبد القادر التي يَامَا نشرت ظلالها ، و تمايلت بكبرياء في مواجهة منحدرات المدينة»[39] .

 وبذلك اكتملت شبكة الخيوط والعلاقات لعالم الشخصيات الموظفة من قبل كاتبنا الروائي واسيني الأعرج وبذلك تكتمل وظائف شخوصه في نصه السردي الفسيفسائي بل الحامل لشكل الأرابيسك المتموج بزخارفه الضاربة في عمق التاريخ الأندلسي، وبهذا أيضا تكتمل صورتنا عن المسار الروائي لواسيني الأعرج، الذي يمكن اعتباره بحق من الجيل الجديد للرواية الجزائرية ومن الذين أخضعوا النص الروائي للتجريب الفني وللممارسة لتقنيات جديدة وخاصة في عملية الكتابة الروائية وأثناء انجاز البرنامج السردي.  

 

 


الهوامش

[1] نشرت هذه الدراسة سنة 1986 بالمؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر .

[2]  أنظر حاج معتوقة : أثر الرواية الواقعية الغربية في الرواية العربية، دار الفكر اللبناني، الطبعة الأولى سنة 1994 م، ص ص 15-18 .

[3]  لقد كانت هذه الدراسة موضوع أطروحة الدكتوراه قدمها واسيني الأعرج بجامعة دمشق  وتحصل بها على درجة الإمتياز مع الثناء، وشارك في مناقشتها الأستاذ الفاضل الأشتر مشرفا، والدكتور إبراهيم الكيلاني، والدكتور حسام الخطيب، وكان دافع واسيني في اختيار هذه الدراسة هو ملاحظته بأن الرواية الجزائربية المكتوبة باللغة العربية لم تنل حظها من البحث الأكاديمي ولا حتى غير الأكاديمي، بالإضافة إلى الرغبة الملحة في ايصال الأدب الجزائري إلى المشرق العربي. (انظر الصفحة 06.)

[4] واسيني الأعرج :اتجاهات  الرواية العربية في الجزائر، بحث في الأصول التاريخية والجمالية، ص 10.

[5] يقول واسيني : " وهذه الدراسة وإن كانت لا تدعي التأسيس لمنهجية روائية عربية؛ فهي إسهام بسيط، بكل ما يحمل هذا الإسهام من أخطاء .... ومهما يكن فهي مجرد محاولة، وإن لم تصب في الكل ؛ فقد أثارت الموضوع على الأقل " اتجاهات الرواية ، صص 8- 11 .

[6]  U.Eco: L’œuvre ouverte . traduction Chantal Roux de Bézieux ; Ed . seuil . Paris 1965 ; p 10 .

[7]  عبد الملك مرتاض : الميثولوجيا عند العرب ، المؤسسة الوطنية للكتاب / الدار التونسية للنشر . الجزائر 1989 م، ص 05 .

[8]  واسيني الأعرج : حارسة الظلال، منشورات الفضاء الحر، الطبعة الأولى، 2000 م، ص 170 .

[9]  واسيني الأعرج : حارسة الظلال، منشورات الفضاء الحر، 2000، ص 09 .

[10] عبد الملك مرتاض : تحليل الخطاب السردي – معالجة تفكيكية سيميائية مركبة لرواية " زقاق المدق "، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995 ، ص 126 .

[11] عبد الملك مرتاض : القصة الجزائرية المعاصرة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990 ، ص 67 .

[12] ابن منظور : لسان العرب ، المجلد 14 ، طبعة 3 ، سنة 1994 ، ص 118، مادة : حسن .

[13] واسيني الأعرج : حارسة الظلال ، ص 11 .

[14] واسيني الأعرج : حارسة الظلال ، ص 11 .

[15] واسيني : الرواية ، ص 13 .

[16] واسيني : الرواية، ص 15 .

[17] واسيني : الرواية ، ص 10 .

[18] واسيني : الرواية، ص 10 .

[19] واسيني : الرواية، ص 11 .

[20] واسيني : الرواية، ص 11 .

[21] واسيني : الرواية، ص 11 .

[22] واسيني : الرواية، ص 18 .

[23] واسيني: الرواية، ص 21.

[24]  ابن منظور : لسان العرب، المجلد 01 ، ط 03 ، 1994 ، ص 129 ، مادة : حن .

[25]  واسيني : الرواية، ص 11 .

[26]  واسيني : الرواية، ص 20 .

[27]  واسيني : الرواية، ص 26 .

[28]  واسيني : الرواية، صص 38 – 39 .

[29]  واسيني : الرواية،صص 47 – 48 . 

[30]  ابن منظور : لسان العرب، المجلد 12 ، ط 01 .، سنة 1990، ص 153 ، مادة : كرم .

[31]  واسيني : الرواية، ص 17 .

[32]  واسيني : الرواية ، ص 61 .

[33]  واسيني : الرواية، ص 62 .

[34]  واسيني : الرواية، ص 47 .

[35]  واسيني : الرواية، ص 76 .

[36]  واسيني : الرواية، ص 79 .

[37]  واسيني : الرواية، ص 81 .

[38]  واسيني : الرواية، ص 206 .

[39]  واسيني : الرواية، ص 212 .