Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 11، 2005، ص. 7-9 | النص الكامل 


 

 

 محمد داود

 

 

بدأت الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية متعثرة، تعثر البحث عن الذات في ظل أجواء القهر الكولونيالي. و في هذا الصدد، طرح نص رضا حوحو "غادة أم القرى" الذي عبد الدرب للكتابة التخيلية الآتية، عدة قضايا تتعلق أولا بالانتماء للجنس الروائي و بقدرة اللغة العربية على ولوج عالم الكتابة الروائية ثانيا. و لا يزال هذا النص محل نقاش بين مختلف التيارات النقدية الجزائرية، و هذا دليل على حيوية الحقل الروائي و النقدي الجزائريين.

و تجدر الإشارة إلى أن النصوص الروائية، أو ما يمكن تسميتها بذلك، لم تكن تتجاوز أصابع اليد في نهاية الستينيات. و كان لا بد من انتظار بداية السبعينات لمشاهدة الانطلاقة الحقيقية للكتابة الروائية على يد كل من عبد الحميد بن هدوقة و الطاهر وطار. إذ استقبل النقاد و القراء معا،في تلك الفترة، "ريح الجنوب" و "نهاية الأمس" و" اللاز" و "الزلزال" بنوع من الحفاوة والاحتفال البالغين.

و يمكن القول أن النصوص الروائية الجزائرية التي صدرت منذ ظهور "غادة أم القرى" إلى الآن، بحثت عن التغيير الاجتماعي و الإصلاح أو دعت إليهما، بغض النظر عن نظرة العالم التي يتبناها كل روائي، فتجاوز التقاليد البالية و القضاء على مظاهر التخلف و التبعية، كانت و ستظل هموما فكرية للروائيين الجزائريين. وإذا كانت إمكانية التعبير عن هذه القضايا صراحة غير متوفرة في زمن كتابة نص رضا حوحو، فإن رواية السبعينيات توجهت بشكل صريح وبواقعية واضحة نحو هذه الإشكاليات للكشف عن أبعادها الإيديولوجية و الجمالية. وقد أسعف هذا الجهد وواكبه ما عرفته البلاد آنذاك من إصلاحات اجتماعية و اقتصادية و ثقافية. ولأجل ذلك طغى الاهتمام بالحياة الريفية و الإصلاح الزراعي ضمن النصوص الروائية التي التزمت إلى حد ما بالخطاب الإيديولوجي المهيمن.

و في ظل هذه التحولات المتفائلة بالغد المشرق، يبرز لعرج واسيني، إلى جانب مجموعة من الأدباء الشباب، مجريا للكتابة القصصية على صفحات جريدتي "الجمهورية" و"الشعب" و مجلتي "آمال" و "الثقافة و الثورة" التابعة للمؤسسات الرسمية. كانت اهتمامات القاص تتجه نحو ذاتية الشخصيات و مشاعرها، و كذا نحو تصوير العلاقات الاجتماعية في بيئة ريفية فقيرة و جاهلة، بغية تجاوز هذه الأوضاع المزرية تحت غطاء مشروع اجتماعي و سياسي، لم يكتب له أن يبلغ مداه بحكم النقائص التي اعترته منذ البداية.

وبعد تجريب القصة القصيرة في السبعينيات مع القرن الماضي، يلج لعرج واسيني عالم الكتابة الروائية في بداية الثمانينيات حيث ينشر أول نص روائي تحت عنوان "وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر" (1981)، و هكذا تتوالى النصوص لتشهد عن ميلاد روائي باللغة العربية، سجل حضوره في الحقل النقدي و دخل المؤسسة الأدبية و بخاصة مع روايته الرابعة "نوار اللوز" 1983 التي تعود بنا إلى الريف الجزائري و ما يعيشه من إحباطات سبقت الإشارة إليها.    

وإذ نقف اليوم عند هذه التجربة الروائية المتميزة، فإننا نقف عند أكثر من عشرين سنة من الإبداع الروائي،أنتج خلاله الروائي حوالي اثنا عشر نصا روائيا.

إنتقل خلال ذلك من عالم البداوة بسذاجته و قساوة طبيعية إلى عالم المدينة بصراعاته السياسية الحادة و العنيفة، حيث عايش بكل عمق الأحداث التي عرفتها جزائر التسعينيات. وكانت حصيلة هذه المعايشة القاسية خمس روايات صدرت أخيرا و هي "سيدة المقام" و "حارسة الظل" و"ذاكرة الماء" و"مرايا الضرير" و"شرفات بحر الشمال".

إن هذه النصوص الأخيرة جعلت من الكاتب يتبوأ مكانة هامة ضمن الأصوات الروائية الجزائرية المعاصرة، حيث يجمع الأديب في كتابته بين التاريخ و الأسطورة، و بين الواقع و المتخيل، كما يجرب العديد من الأشكال الروائية، و بالإضافة إلى أنه لا يخفى – خلافا للعديد من الأدباء – إعجابه و تأثره بأدباء و مفكرين آخرين نذكر منهم سرفانتيس و كونديرا و نشيته وجمال الغيطاني.  

  فقد عرفت هذه التجربة عقبات جسمية مع دور الطبع و النشر الجزائرية و العربية، لكنها استطاعت أن تتملص منها و أن تعبر عن نفسها خارج الوطن بلبنان و بألمانيا، و مؤخرا بواسطة منشورات "الفضاء الحر" بالجزائر، و عرفت هذه التجربة أيضا مغامرة الترجمة  إذ ترجمت منها ثلاثة نصوص باللغة الفرنسية، و بعضها صدر باللغة المترجمة قبل صدوره باللغة الأصلية.

و لكل هذه الأسباب مجتمعة و غيرها تنظم وحدة البحث "بناء الآخر في الرواية الجزائرية" التابعة لمركز الأبحاث الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية هذا اليوم الدراسي، لتناول أعمال كاتب هو بيننا، و إننا بهذا الفعل نخالف العادة، إذ أن كثيرا ما تنتظر المؤسسات الرسمية رحيل الأدباء و المفكرين عن هذا العالم لتخليد ذكراهم. لكن مثل هذه الوقفات هي عبارة عن تكفير عن ذنب أو استدراك متأخر لتجاهل و نكران لأهمية الفكر و الثقافة في حياة المجتمع، و هذا ما لا تستسيغه جادة الصواب.

 وقبل أن أترك الكلمة للأستاذة الباحثين  الذين نرحب بهم و نشكرهم على تشريفهم لنا بالمشاركة في هذا اللقاء العلمي، أشير إلى أننا نريد لهذا اللقاء، أن يكون مناسبة لإجراء قراءات نقدية متعددة المناهج لنصوص لعرج واسيني الروائية، وأن يكون فرصة لإثارة كوامنها، وكذا فرصة للكشف عن المسار الإبداعي للروائي و هو في مرحلة حاسمة من حياته الأدبية. و قبل أن أختتم هذه الكلمة التقديمية لا بد من الإشارة إلى أن الرواية الجزائرية قد عرفت كما هائلا من النصوص و كذا أسماء أخرى نذكر على سبيل المثال (مرزاق بقطاش، جيلالي خلاص، عبد المالك مرتاض، و مؤخرا يشير مفتي... و غيره). ستكون لنا معهم وقفات أخرى في فرص لاحقة بغية إثراء النقاش الأدبي و النقدي وكذا تقويم للتجربة الروائية الجزائرية التي هي في أمس الحاجة إلى ذلك.