Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 8، تراث رقم 4، 2004، ص. 27-42 | النص الكامل


 

 

 

بركة بوشيبة

 

 

تقديـم :

الاهتمام بدراسة التراث اليوم، يرتبط بمحاولة جديدة لإعادة صياغة القراءات السابقة لمعارف الإنسان في أي منطقة وجد، وهو تحول بارز في توجه الفكر الإنساني إلى تحديد نظرة جديدة إلى موضوعه، بقراءة الغامض والغابر منه للوصول إلى معرفة الحاضر، هذا التناول المعكوس للأْمور، نهضت به كشوفات العلوم المختلفة في الأنثروبولوجية و الأركولوجية والتحليل النفسي و الاجتماعي في العصر الحالي.

ويدخل هذا البحث في إطار التعريف بجزء هام من تراث منطقة العبادلة ـ بشار وأخص الشعر الشعبي والرقص، باعتبارهما: جزء من التراث الوطني والقومي، الذي لا يخلو من التعبير عن مظاهر الحياة في شتى مجالاتها، في تصوير هموم أفراد المجتمع من آلام وآمال ومعاناة وطموح، كما يعرف بمميزات الشعر الشعبي في هذه المنطقة، وخصائصه الفنية وجملة الرؤى والتفكير السائد لدى السكان، وما يعكسه من حياتهم بخيرها وشرها، وما كان يحدو ذلك من آمال وطموح و أفكار راودت الكثير منهم وما يحمله هذا الشعر من مظاهر اجتماعية وروحية، وكل ما كان يحيط بها من ظروف عصيبة وواقع متردي أو مزهر.

وبهذا يقدم للقارئ شيئا قليلا من ثقافة سكان هذه المنطقة من خلال الوقوف على جزء من تراثهم الذي يصور بعض الملامح العامة لمظاهر حياتهم ونُظمهم وعاداتهم وتقاليدهم في مختلف المناسبات والتغيّر والثبات الثقافي والاجتماعي الذي كان يحدو حياتهم.

كما يعرف القارئ الكريم، الذي لم تتح له فرص الإطلاع على هذا الشعر وبطريقة نظمه التي لا نجد لها مثيلا في الجهات الأخرى للشعر الشعبي الجزائري، بل أرى أنهم أسسوا لأنفسهم مدرسة انفردت بقواعدها وخصائصها، وقسموا النظم إلى قسمين. "الرسم و الدهكيل أو الماي" وجعلوا جودة الشعر ما نظم على إيقاع القسم الأْول "الرسم" لارتباطه بالغناء والإنشاد وذكر المرأة و التغني بجمالها.

بنية القصيدة وخصوصياتها:

المتصفّح لتراث المنطقة، يقف حـائرًا مندهشـًا أمـام شكل القصـيدة الشعبيـة بهذه المنطقة وتـزداد دهشتـه حين يعـرف أنواع الإيقاع الموسيقي الذي تعتمد عليـه؛ فما طبيعة هذا الإيقاع الشعري، وما هي أوزانه وجذور نشأته ومبـرراته؟

لعل الذي يأخذ الأمور بمنطق الأشياء والتلازم بين بنية الوجدان العربي[1] الذي يتسمّ بحس موسيقي، ويزن الكلام ويقوّم معوجّه ويطرب للمستقيم منه ويبيِّن البنية الاجتماعية، وما تضيفه حوادث الدهر التي ساهمت في تأليف الذاكرة الشعبية عبر الزمن، وما رافقها من ممارسات غنائية جماعية وفردية في مختلف الاحتفاليات، يجد أن هذين الجانبين قد لعبا دورًا هامًا في تشكيل هذا الإيقاع – على صعيد الأداء الوظيفي – في مختلف وجوهه وصوره الروحية والاجتماعية والمعرفية والإنسانية في طوره الأول، » فجاء وعاء فنياً مصورًا لحياتهم بأفراحها وأتراحها[2]« وبذلك تصبح الأغنية الفلكلورية المصدر الأول لهذا الوزن، وبها تبدأ حكاية الأنغام الشعرية مع الأدب الشعبي، كما قال ميشال عاصي: "حكاية الأنغام الشعـرية هـي حكاية الأدب الشعـبي أو الفلكلـور العريق فـي مختلف الأعمال الإبداعية لكل شـعب، وهـي هنا فـي آثـار اللغة أبقى الحكايات وأقواها على الاستمرار" [3] وقد تكون الأغنية الفلكلورية المصدر الوحيد للإيقاع الموسيقي، كما قال سليم الحلو: لا يجب أن نقلل من قيمة هذه الأغنية الشعبية المتواترة الموروثة الشائعة في جميع الأقطار العربية تقريباً، فهي المصدر الصحيح والوحيد المنظور، الذي لولا هذه الأغاني لما كنا عرفنا شيئا عن ماضي موسيقانا وسٌلّمها وطراز ألحانها«[4].

هكذا تبدع الشعوب فنونها الفلكلورية فـي مختلف المجالات، كما تبدع حِكمتها، وتوضحها احتفاليات الرقص الجماعي أو الفردي، والأزجال الشعرية المغناة والتقاليد والعادات لدى الجماعات، فكل جماعة تختلف عن الأخرى في رقصها وأنغام شعرها، وتتطور بتطور الأجيال عبر العصور، وتسايرها حركة الفلكلور باستمرار، تلك هي سنة الحياة وقاعدتها العامة.

والشعر الشعبي أحد هذه المظاهر، يغنّى و يهزج به، ويوقّع إيقاعات نغمية خاصة يرافقها إيقاع بعض الآلات الموسيقية، وتتناقلها الأجيال، مثل ما تتناقل لغتها العامية الشفهية، وتتطور بتطورهم، وهو شديد الارتباط والتلاحم بهذه اللغة وأنغامها، ويمثلان نتاج عمل شعبي جماعي خلال مسيرته الطويلة، ليس للفرد فيها من سيادة في الرفض أو الشذوذ لكل ما يأخذ به أبناء قومه: من لغة ومن نغم شعري » لأن الأغنية الفلكلورية جماعية، أي غير ثابتة، تطرأ عليها تعديلات وإضافات عبر هجرتها وتواترها زماناً ومكاناًً، ثم أنها جماعية من حيث أن بعض أنواعها ومنها أغاني الرمي والهجاء الانتقادية يضعها مؤلفون متعددون« [5].

تلك هي حال الشعر الشعبي بمنطقة  وادي قير - العبادلة - حضور كامل لكل مميزات وخصائص القصيدة العمودية في الشعر العربي الفصيح، بما فيها من سعة الخيال وبعد التصوير، و إدراك العلاقات بين الإنسان والمحيط، إدراك لصراعه الدائم مع كل ما يحيط به؛ استطاع أن يحقق نجاحًا فنياً بما لديه من عبقرية في الإيقاع، واستحضار الصورة الخيالية المبدعة، وإرسالها عبر شبكة من الرموز، فتأسر من يطالعها بروعتها الفنية النابعة من روح العربي المليئة بالمغزى والفكاهة المثيرة، وهو ما تنبه إليه المستشرقون وبخاصة، الفرنسيون الذين أبرزوا هذا الفن الشرقي، فيما ترجموه من أدب شعبي إلى لغاتهم، واتخذوه » مصدرًا روحيًا للفن والموسيقى والشعر والمسرح « [6].

لكن المتتبع لأشكال الإيقاع في القصيدة الشعبية، يلاحظ أن صفة الغنائية بارزة فيه، ولها علاقة وثيقة بالملامح الصوتية للغة المتداولة في المنطقة، وأن الوزن في هذا النوع من الشعر يماثل الموسيقى: أي الإيقاع الموسيقي، ويستحيل ربطه بالبحور الخليلية المعروفة، وقد ذهب إلى هذا الحكم العربي دحو في قوله: "إن متابعة هذه الأشعار عن طريق بحور الخليل، ضرب من التجنّي على هذه النصوص وإقحام لها فيما لم تخلق له أصلا "[7].

والنتيجة التي يمكن استخلاصها، هـو أن الشعــر الشعـبي يقــوم على الإيقـاع المــوسيقــي [اللحْن] الذي وحـدتــه النغمــة، لا الإيقاع الشعري [الوزن] الذي وحدته التفعيلة، وهي مسألة تنبه إليها ابن سينا في التفريق بين الإيقاع الموسيقي والإيقاع الشعري حين قال: "الإيقاع تقرير ما لزمان النقرات، فإن اتفق أن كانت النقرات منغمة كان الإيقاع لحنيّاً، وإذا اتفق أن كانت النقرات محدثة للحروف المنتظم منها كلام، كان الإيقاع شعريا" [8].

وقد ذهب الفرابي إلى الحكم نفسه، أيضا، في وجود علاقة وثيقة بين اللحن والوزن عند بعض الأمم حين قال: » نشأت عند بعض الأمم علاقة وثيقة بين اللحن والوزن، إذ يجعلون النغمة التي يلحّنون بها الشعر أجزاء للشعر، فإذا نطقوا الشعر دون لحن بطل وزنه وليس كذلك العرب، فإنهم يجعلون القول بحروفه وحدها، فإذَ لحّنَ الشعر العربي فقد ينشأ تباين بين إيقاع اللحن وإيقاع القول « [9] وينطلق في حكمه هذا من واقع القصائد العربية المثال (المعلقات)، وكذا ابن خلدون الذي يرى أن الذائقة السمعية كان لها الأثر الأكبر في ذلك.

ومن الذين رجحوا هذا القول أيضا، الدكتور عبد الملك مرتاض حينما قال: " فالذوق العربي حين انحط نتيجة لإهمال الجماهير الشعبية، وحرمانها من التعليم الذي هو عنصر من عناصر الأمل والنور، أقبل على هذا الشعر الملحون يتغنى به، ويبدع الأصوات والألحان[10] "، كما أشار إلى المعنى نفسه محمد المرزوقي في قوله: " أما الشعر الشعبي الحديث، فلا يمكن أن نطبق عليـه البـحور القديمة، ولا أن نزنه بتفعيلاتها، وهذا راجع إلى اللهجة الخاصة " [11]، وكذا رابح بونار في قوله : " إذا فحصنا هذه القصائد التالية من الشعر الشعبي بقسميه، وجدنا أن أوزانها مرنة متطورة، ووجدنا الشاعر فيها كثير التحرر في قوافيه وتفاعيله، متأثرا بالتنـوع الموسيقى الذي وصلت إليه بيئة الشاعر " [12].

فالآراء المتقدمة كلها تجمع على عدم إمكانية رصد بحور القصيدة الشعبية الحديثة، وأن الطريقة المتبعة في نظم الشعر، هي الإيقاع الموسيقي الذي يناسب اللحن المقبول لدى الأذن، سواء غنيّ النص أم لم يغنّ.

و بعـد؛ فماذا لو قارنا بين هذه القصائد الشعبية والموشحات من حيث الشكل (الهيكل) والأوزان والخصائص ؟

لعل المتتبع لنماذج الشعر الشعبي بالمنطقة، يرى أنها جمعت بين خصائص القصائد العمودية في الشعر العربي الفصيح، والموشحات الأندلسية من حيث الهيكل العام، ومن هنا فهي تنقسم إلى قسمين: أحدهما الدهكيل أو الماي، شابهت فيه القصيدة العمودية في الشعر العربي، وثانيهما الرسم، شابهت فيه الموشحات، وهو الأكثر شيوعا وانتشارا، خاصة تلك الموشحات التي لم تخضع للوزن ولا مدخل، لشيء منها في شيء من أوزان العرب، فقد قال هبة الله بن سناء الملك في كتابه دار الطراز في عمل الموشحات: "وكنت أردت أن أقيم لها – لموشحات هذا النوع – عروضا ويكون دفترا لحسابها، وميزانا لأوتادها وأسبابها، فعزّ ذلك وأعوز لخروجها عن الحصر وانفلاتها من الكف، وما لها عروض إلا التلحين ولا ضرب، ولا أوتاد إلا الملاوي، ولا أسباب إلا الأوتار، فبهذا العروض يعرف الموزون من المكسور والسالم من المزحوف…" [13]، ويؤكد هذا القول ما ذهب إليه د.أحمد سليمان الأحمد حين قال: " ولكن علينا أن لا نغفل عن أن الموشحات كانت أيضا في قسم منها، غير ذات وزن مألوف، وقد نبَّه إلى ذلك ابن سناء الملك، وحاول أن يجد لها موازين شعرية فأعياه ذلك، ورأى أن لا شأن لها إلا التلحين والغناء خاصة على الأرغن " [14].

والقصيدة الشعبية في شكلها التقليدي المعروف في المنطقة، تأسس عبر مسار طويل حتى غدت ثقافة الشاعر الأولى، ولم يكن التخلص من ظلالها ممكنا حتى اليوم، على الرغم من التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع، وتنقل ساكن المنطقة من حياة الظعن والترحال إلى حياة الاستقرار والمواطنة، من أجل ذلك أصبحت دراسة بنيتها ضرورة ملحة، كما أصبحت دراستها من ناحية الشكل والمضمون والخيال والتفكير والرؤى محل مساءلة وتحليل وكشف.

وقد تواجه الدارس اليوم أسئلة كثيرة وهو يحاور هذا النص الشعبي، في طبيعة تشكله، واعتماده الطلل مطلعا في أكثر القصائد، وهل هي المصادفة والاعتباطية في هذا التشكيل أو التفكير والاجتهاد؟ أو ثمة صلة بين هذا الشعر والنص الجاهلي الفصيح؟ كل هذا سنحاول الإجابة عنه في هذا البحث بعد تتبع نماذج من هذا النوع.

 

من قصيدة للشاعر ولد اسماعيل وهي بعنوان : يا رسم باغي نسالك

               يا رسم باغي نسالك              عاودلي الأخبـار

               وين غوالي كانوا قبالك ؟         وين عراوا الدار؟

               جيت نحاني للمراسـم

               نلقي غير طيور ورخم            حطوا عقب نهار 

               قالوا لي : يا المسلـم             كن الاّ صبار

 

وهذا مقطع آخر من قصيدة للشاعر داودي عبد الرزاق : 

نواني رسم كان عامر من الاعراب       ولقيته يا جواد خالي

نـوانــي رسـم كان عامر       وكحالت شوفته تنكد مـن زاروه

اللـــي زاره يروح حاير        من بعد العزّ والهنا ناسٌه زهـدوه

واتلى مسكين كالباير          والاَّ نعت اليتيم عادم ميت بـوه

والمتبع لهذه النماذج، يلاحظ أن الشاعر الشعبي قدّم القصيدة بعد أن فرغ من كيفية نظمها وبنائها واختيار صورها، ثم أسبل عليها لباس المسوح حتى صارت نموذجاً يحتذى، ولم يكن هذا التـقديس قائماً على اعتبارات فنية في كثير من الأحيان إلا السبق الزمني الذي يجعلها القصيدة المثال، ولا نشك في صلة هذا التفكير بتفكير الناقد العربي القديم للقصيدة الجاهلية، الذي عارضه ابن قتيبة»  … فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر الرصين ولا عيب عنده إلا أنه قبل في زمانه أو أنه رأى قائله…«[15]، أو سلطان اللغة وسحر بيانها في الأذهان، كما يرى عبد القادر بن سالم:» كانت سلطة الشاعر هي سلطة اللغة« [16].

وقد يكون اعتماد المقدمة الطللية في هذه القصائد مرتبطاً بحتمية الحل والترحال التي طبعت حياة السكان، وأن اتجاه الشاعر إلى هذا المطلع، هو مجاراة لسنّة من سبقوه، لا عن إحساس بمضمونه، وضغطاً يواجه به المتلقي الذي  يملك سلطة النقد  »وكثيراً ما استطاع هذا المتلقي أن ينتقد الشاعر في أصغر جزيئة لم ينتبه إليها «[17]، لذا كان المتلقي هو الموجه الحقيقي للشاعر.

وقد لا نجد تفسيرا لاعتماد هؤلاء الشعراء الطلل مطلعا للقصيدة إلا ارتباطهم بتلك البيئة الصحراوية فعبروا عن الحنين والأسف على الماضي المجيد في محاولة للتخفيف عما ألَمَّ بهم من هموم وأحزان دفنية، كما قال الدكتور عبد الحميد  بورايو: » إن مثل هذه الوقفة الطللية، تعدّ فرصة أتاحتها التقاليد الفنية الموروثة في الشعر الشعبي ليخفف من خلالها الشاعر من أحزان دفينة سببتها التحولات الاجتماعية والعمرانية الحديثة في نسيج الجماعة التي فقدت صلتها بالمكان "العتيق" الذي لمّ شملها وشهد أفراحها وأتراحها أو باللأحرى تاريخها « [18].

وقريب من هذا رأي الدكتور مصطفى ناصف حين قال: »...لم يكن الشاعر يتحدث عن عاطفة شخصية، وإنما يفكر بطريقته الخاصة في مشكلات أساسية كان يحاور نفسه في معنى الحياة ويلتمس لها العون حين يخاطب الطلل « [19].

وخلاصة القول إنّ بناء القصيدة الشعبية هو إلزام جماعي فرضه المجتمع الذي كلفه ببعث الماضي والتغني به، لا سلطة فيه ولا فردانية للشاعر »ولعل أسباب هذه المشاركة (بين الشاعر والجمهور) في بناء النصّ الشعري يعود في رأينا إلى أن الفكرة التي يعالجها الشاعر غالبا ما تكون معروفة متداولة ليس فيها غموض أو تجريد، وبالتالي فهي من عمق ذلك المجتمع والبيئة التي يعيشون فيها « [20]، وليس له عليها من سيطرة إلا الخاتمة التي يحددها متى رأى تجربته الشعرية استنفذت طاقتها وكفايتها، ويصبح المتلقي هو الآخر مفروضاً عليه قبولها.

والدارس لبنية القصيدة الشعبية بمنطقة وادي "قير" العبادلة، يجد تنوعا في تركيبها وموسيقاها تبعا لما يسمونه: " الرِّيحْ أو لَهْوَى أو الْمَا "Rythme ويسميه الخليل بحرًا: أي الإيقاع الموسيقي الذي تتميّز به كل قصيدة، وهو طاقة شعرية إبداعية يمتلكها الشاعر، وتمثل بحق حضوره الدائم الذي يملأ الفراغ المعرفي، و يشبع إحساسه الفني، وقد يتميز الشاعر بصوته الخاص ويحرص على أن تكون العملية الإبداعية مساوية لطموحه، من الانتشار والرفعة والسيادة، ثم الريادة والهيمنة.

ومن هنا فإن المنشد الشعبي- المغني - عليه أن يتمثل صوت الآخر، بتوفير طاقة روحية ووجدانية عند الأداء وتقمص حتى شخصيته واستحضار تجربته الشعرية إن أمكنه ذلك، كما يعتقد أحمد سليمان الأحمد: " وأعتقد أن الشاعر لا يهمه فقط أن يكتب أشعاره دون خطأ، بل يهمه أيضًا أن يقرأها الناس دون خطأ، إذا اجتهد في كتابة كل كلمة، أو ألهم هذه الكلمة على هذه الشاكلة، ولا تكتمل جدوى هذا الاجتهاد أو هذا الإلهام إلا إذا لفظنا الكلمة كما هي، دون تشويه أو تحريف، وكلاهما مؤسف في الشعر والحياة " [21]، فيصنع التواصل بين الماضي والحاضر بفضل الخليط الغامض من الذكريات والآمال، وبفضل السياقات الصوتية الشديدة الاختلاف (قوى، شديد، عذب...)  وبفضل موجة الانفعال التي تغمره فيما بعد، لأنه " لا يمكن إحياء الماضي إلا بتقييده بموضوعة حاضرة بالضرورة " [22].

و تبعا لهذا الإيقاع، قسم شعراء المنطقة الشعر إلى قسمين: الرسم والماي، فأما الرسم ( والكلمة تعني الغناء كما تعني الأطلال، والديار والدمن والآثار البالية )، فهو يشبه الموشحات في الأجزاء الأساسية التي تبنى عليها، من مطلع وأغصان وأسماط وأقفال وأدوار وخرجة، ولا يختلف عنها إلا في الأسماء الموضوعة لها، ومن هذا القسم (الرسم): طَيْر دُرْجَانْ، طَيْر مَا دْرَجْ، بوجْـناحْ، المتبوع، المَرْدوفْ، بونُقْطَة، العَايْطِي، التحوفي وبورْجَل.

والقسم الثاني: يشبه القصيدة العمودية في الشعر العربي الفصيح من حيث الهيكل، ويتألف البيت فيها، في مصطلح الشعر العربي الفصيح، من شطرين وقافيتين وحرفي روي، ومن هذا النوع: الماي، والدهكيل، وفيه أنواع.

القسم الأول : وتتكون القصيدة فيه من أجزاء معينة تواضع الشعراء على تسميتها منذ القديم و يجهل إلى اليوم مبدعها، وواضعها، ولكنهم التزموا بها في نظم القصائد بالمنطقة وأعطوها مصطلحات عرفت بها وهذه الأجزاء حسب ما تواضع عليه الشعراء هي: الحَارْسَة أو الصَّيْدَحْ، اللاَّزِمَة، الْحَريشْ الرَّدْمَة، النَّوَاشَة، البيت.

ولتوضيح مدلولات هذه المصطلحات، نورد النموذج التالي من بوجناح للشاعر سعيداني بن عيسى وهو بيت واحد من قصيدة: يالايـم لا تلوم حالي وهذه تفصيلات لمصطلحات هذا البيت وأجزائه:

 

 الحَارْسَة : أو الصيْدح، و تطلق اصطلاحا على الـبيت الأول من القصيـدة ـ في اصطلاح الشعر العربي الفصيح ـ وهي تشبه المطلع في الموشـــح وتتألف عادة من شطرين أو ثلاثة أشطر أو أربعة، حسب إمكانيات الشاعــر ومتطلبات الإيقاع، وهي في هذه القصيدة تتكون من شطرين وهما: في هـذا النموذج:

    ليَّـشْ عَقلي كْوانَفْ مْحَطْ العُرْبَـانْ                    

                                    يا لايَـْم لا تْـلومْ حالي

ومما يلاحظ هنا أن الشطرين غير متساويين، فالأول أطول من الثاني وهذا لا يعد شرطا أو قاعدة في النظم، وإنما هي طريقة الشاعر في الإبداع فقد يكونان متساويين أو العكس وهذا نموذج آخر، للشاعر لحبيب المسعودي:

                                 زَهْو صْحابْ الـقانَة

                        هذا شْحالْ وَحْـنا نَرْعاوا خْيالُه

                                             مَا بَانْ ما ظْهَرْ

وهذا نموذج آخر للشاعر عبد الرزاق السعيداني:

           ما لْقيْت لَلْقوْلْ رْفاقَة        أ لِّلي تْراعي للْقَـوْل

             والزْمانْ وَالْهَمْ تْلاقَي        كُلْ بابْ صُبْتُه مَحْلولْ

و من المعروف أن أي قصيدة في الشعر الشعبي لا تخلو من الحارسة إلا "بونقطة والعايطى والتحوفي "، و قد سميت كذلك لأنها تحرس الشاعر في آخر البيت، من الخروج عن الإيقاع الأول الذي اختاره والتزم به من حيث الوزن والقافية وطول الأشطر، وفي النَّوَاشَة كذلك.

اللازمة : وهي آخر شطر في الحارسة - الثانية أو الثالثة - و تتميز بقصرها في أغلب الأحيان، و يلتزم الشاعر بإعادتها في نهاية كل بيت ليسهل عليه العودة إلى الحارسة عند الإنشاد، وهي تشبه تقريبا الخرجة في الموشح، وهي في النموذج السابق :           يا لايـم لا تلوم حالي

وقد وردت في الشطر الثاني من الحارسة [المطلع]، وفي آخر البيت وهذا نموذج آخر للشاعر كرومي أحمد :

ما لَكْ تْليْـتْ غَيْظانْ       مْنينْ صَدَّتْ عرْبكْ عْراتْ لَوْطانْ

                                           يا الْوادْ الْغالي  .

    منين كانت عربك تزهر      خيام ودشر

    وما نحساب أنتاي تغدر       نسيت عرباك

    كل شي راه مقدر             يا الوادْ لخضر

    نطلب الله يدبر               يفك مجراك

    كان فيك ربيع منور          نواشره خضر

    كل يوم عقلك تنقر           هاك شباك

                        كان شانك عندي من كل جيه عالي

    نطلب الله يغيثـك من فضال الامزان

                             تورد اللي عطشانة فيه يا الغالي

    رد عربك تتمتع فيك ياك الامان         يا الوادي الغالي

اللازمة هي ـ يا الوادي الغالي ـ في بداية البيت وفي نهايته .

الْحْـريشْ : ويعني لغة الجزء عند القسمة، فيقال هذا حر يش فلان، كما يعني الإثارة والاستفزاز المادي أو المعنوي، والجمع (حر شان في العامية) ويطلق اصطلاحا على كل شطر من الأشطر التي تلي الحارسة، وهو بداية كل بيت، ويوافق الأسماط في الموشح، وهي عادة ثلاثة حرشان في كل بيت إلا في "طَيْر درْجانْ" فتكون  تسعـة حرشان، وكل ثلاثة حَرْشَانْ تتفق في الوزن والقافية: أي الإيقاع، وحرف الروي وعدد الفقرات، والطريقة التي نظم عليها الشاعر البيت الأول، يسير عليها في بقية الأبيات حتى يلتزم بالإيقاع نفسه في كل بيت وهي في النموذج السابق:

أرفد خطوات للمراسم                        والِّلي نظنا عْليهْ فيهمْ ما شنـاهْ

نتفقدْ نجوعْ وغْنــمْ                            وقْتْ الْمرْوحْ كلْ نوْعْ يْجي بلْغاهْ

عوْداتْ بعرْفهمْ مسقَّمْ                         عنْدْ فْرَسينْ واجْدينْ لقوْلةْ هـاهْ

وفي نموذج الشاعر كرومي أحمد نوع آخر مركب أو مردوف :

منين كانت عربك تزهر                      خيام ودشـر

وما نحساب انتاي تغدر                     نسيت عرباك

هذا كله حريش واحد، ثم يتبع بثان وثالث على النظـم نفسه والشكـل والقافية وحرف الروي في كل المقاطع.

الردمة : وتعني التغطية، وتطلق اصطلاحا على الفقرة التي تأتي بعد الحريش الثالث أو التاسع (في طير درجان)، وتدل على نهاية الفكرة والخروج من البيت وعندها يتغير الصوت عند الإنشاد، بنغمة نبر في شكل تساؤل أو استفهام أحيانا، أو تأكيد وتقرير حقيقية، وتساوي اللازمة من حيث المقطع الموسيقي، وتقفّى على القافية نفسها وحرف الروي فيها، وهي في النموذج السابق:  ما يترخصوا بسوم غالي

وفي نموذج الشاعر كرومي السابق هي :

كان شانك عندي من كل جيـه عالـي

النواويش : جمع نواشـة والكلمة مأخودة من التوشية في اللغة العربية الفصحى: وهي ما يزيّن به الخوذة أو العمامة من ريش أو غيره، ويكون في أعلاها أو في مقبض السيف، والمراد منه التزين والتجميل، كما تدل على الأبهة وعلّو الشأن والمركز، وتطلق اصطلاحًا على ما يأتي بعد الردمة: أي الأشطر الموالية لها، وتشبه القفل في الموشح وتتفق الأشطر مع الحارسة في الوزن والقافية وحرف الروي، وهي أربعة أشطر غالبا، الرابع منها هو اللازمة، كما يوضّحه النموذج التالي:

رْجالْ يلمْدوا الجْموعْ عْلى الدِّيوانْ                      ويردّوا الشَّاوْ علْى التالي

ويْديروا الرايْ باشْ يتلقاوْا العدْيانْ                         يا لايم لا تلوم حالــي

ومما يلاحظ هنا، أن اللازمة أعيدت في نهاية النواشة وهي في الوقت نفسه نهاية البيت، وهي في نموذج كرومي أحمد السابق:

نطلب الله يغيثك من فضال الامزان

تورد الّلي عطشانة فيك يا الغالي

ردْ عرْبك تتْمتّعْ فيكْ ياكْ الاَمانْ

يا الْوادْ الغــالي

البيت: مفهوم البيت في القصيدة الشعبية غير مفهومه في القصيدة العمودية التقليدية في الشعر العربي الفصيح، ويتكون عادة من الحرشان والردمة والنواويش، أما الحارسة فهي لكل بيت، لأنه يعود إليها قبل الانتقال إلى البيت الثاني ولا تقل القصيدة عن ثلاثة أبيات وقد تصل إلى أكثر من ذلك، في غرض الغزل، أما المدح الديني ووصف الأحداث التاريخية فتزيد على هذا العدد، وهذا نموذج آخر للشاعر عباس محمد بلعيمش:

بعد التفاق والجار          بعدوا ناس عقيدة من وهام بشار

                            شرقوا يا ودي .

مـا تلاوا قبالــي            بالسالبة دليلـــي

فراقها ذبل حالــي          كل يوم تفكار

بعدوا بوسلالـي             مالح الغـوالـي

شبة المهر الغالـي         عين باز الاوعار

شق جوبة ورمالـي          درقوا غزالـــي 

صابح المرسم خالي        لا تربح الكـار

                             دارها في جوفه ونشال مر غادي

ما جهد ما يعي لوي عليه زيّار                 المشاغل في موتوره تبات تقدي

تقول حضرة عيساوة فايتين زيار              شرقوا يا وَدّي .

القسـم الثانـــي: تشبه القصائد في هذا النوع القصائد العمودية في الشعر العربي الفصيح، ولكنها تنظم على قافيتين وحرفي روي، وهي أسهل في عملية التدرب بالنسبة للمبتدئين، ويسمى عامة باسم أنواعه المعروفة "الدهكيل أو الماي" وهو موجود بكثرة في مناطق مختلفة من البلاد العربية، كما نجده عند شعراء جزائريين كثيرين من أمثال: مصطفى بن إبراهيم، ابن قيطون، محمد بلخير، الشلالي، الشيخ حمادة، الشيخ الجيلالي عين تدلس وغيرهم ومن أنواعه المعروفة في المنطقة: الدهكيل و الماي

الدهكيل : وتعني في لغة أهل المنطقة الهرولة أو الرمل، وهو السير فوق المشي ودون الجري ويوافق إيقاعه بحر الرجز، أو قل هو حمار الشعر، كما يسمى، لأن النظم على منواله سهل، وأكثر ما يغنى على إيقاع الطبول ويتألف من: حارسة ولازمة في شكل ثلاثة أشطر أو أربعة أحيانا، ثم الحرشان، وهي غير محددة تصل إلى أكثر من مائة، وتنتهي القصيدة بانتهاء موضوعها، ولا بيت فيها.

وهذا مقطع للشاعر: سعيداني بن عيسى في موضوع الغربة:

              طال علي هم الفراق والقدرة ما نعصاها

                                       السابق لي منك نفوته لازم كيما كان

              لا قنطة من معطاك يا اللي عينك كل تراها

                                   أنا راض باللي عطيتني سبحانك سبحان

              أنت مولى الملك العظيم رب العباد سواها

                            ما هو مشروك معاك حد في ملكك يا حنان

المـاي : لا يميز هذا النوع عن الدهكيل إلا طول النفس في الإيقاع، وهو يشبه نوعا ما بحر الطويل في إيقاعه، لأنه يتميز بالثقل ويقوم كذلك على شطرين وقافيتين وحرفي روي، وبهذين النوعين تنظم النكت وشعر الشتائم والسباب (الهجاء) والقصص والرحلات والملاحم والقصص الديني خاصة إلى جانب الوصف (خاصة المرأة) والنموذج التالي للشاعر ابن عيسى:

خيار القول اسم رب في القرعان     الواجب لي توحد الداري بي ونكثر في صلاة خاتم لنبي

سبحان الله كان في كل مكان        علم بالباينة واللي مخفية

سبحان الله كان في كل زمان        لا غير له وقت شاو البادية

سبحان الله من يكوّن كل كوان      في السموات والأرض السفلية

توحيد الله حق على كل لسان       لا تشرك فيه حد يا سامع لي

انظر كيفاش خلقك من شيء ما كان   حتى وليت في صورة مبنية

ركب لعظام قبل تولد من كل لوان   لا صنع الاّ صنع مول الملكي

 


الهوامش

[1] أصل سكان هذه المنطقة (قبيلة ذوي منيع) من بني هلال القبائل العربية التي دخلت بلاد المغرب العربي في القرن 11.

[2] محمد السعيدي  : الأدب الشعبي بين  النظرية والتطبيق، د.م.ج، ص: 17.

[3] د.ميشال عاصي: الفن و الأدب. مؤسسة نوفل بيروت،  ص: 92.

[4] سليم الحلو: تاريخ الموسيقى  الشرقية. منشورات دار مكتبة الحياة لبنان، ص: 182

[5] شوقي عبد الحكيم: الشعر الشعبي الفلكلوري عند العرب، دار الحداثة، ص: 11.

[6] موسى سليمان: الأدب القصصي عند العرب. دار الكتاب ط5، 1983،ص: 37  

[7] العربي دحو: الشعر الشعبي و الثورة التحريرية بدائرة مروانة. د.م.ج، ص: 94.

[8] جابر عصفور: مفهوم الشعر. منشورات دار الثقافة، القاهرة، 1978، ص: 247.

[9] إحسان عباس: تاريخ  النقد الأدبي عند العرب. منشورات دار الثقافة بيروت، 1983 ص:221.

[10] د. عبد الملك مرتاض: في الشعر الشعبي الجزائري. مجلة التراث الشعبي، ص:199

[11] محمد المرزوقي: الأدب الشعبي في تونس. الدار التونسية للنشر، ص: 82/84

[12] رابح بونار: الشعر الشعبي و تطوره الفني. مجلة آمال عدد 4، ص: 22

[13] د. عبد العزيز عتيق: الأدب العربي في الأندلس. دار النهضة العربية بيروت، 1976، ص : 362.

[14] د. أحمد سليمان الأحمد: الشعر الحديث بين التقليد و التجديد. الدار العربية للكتاب، ص:102

[15] ابن قتيبة: الشعر و الشعراء. دار إحياء العلوم، بيروت، ص: 23.

[16] عبد القادر بن سالم: الأدب الشعبي بمنطقة بشار. الجاحظية – الجزائر ص:49

[17]  ابن قتيبة: الشعر و الشعراء. دار إحياء العلوم، بيروت، ص: 77

[18] د. عبد الحميد بورايو: نقلا عن كتاب الأدب الشعبي عبد القادر بن سالم ص:59

[19]د. مصطفى ناصف : دراسة الأدب العربي. دار الأندلس، ط3، بيروت، ص : 236.

[20] عبد القادر بن سالم : الأدب الشعبي. الجاحطية، ص : 74

[21] د أحمد سلمان الأحمد : الشعر الحديث بين التقليد و التجديد، ص : 66.

[22] غاستون باشلار : جدلية الزمن. ترجمة خليل أحمد خليل، د.م.ج، ص : 47.

[23] كوانف ج كانفة : و هي القافلة ليش : أخد و خطف