Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 8، تراث رقم 4، 2004، ص. 23-26 | النص الكامل


 

 

 

الطيب مناد

 

 

لقد ورثت الأغنية الشعبية رصيدا ضخما من الرموز والدلالات الموحية، الشيء الذي أهلها بان تصبح الرافد الأساسي الذي يسقي روض الفنان ويغني تجربته الفنية، ويعمقها ويستفيد من طبيعتها الرامزة التي تتسم بالشمول والاستمرار والقدرة على اختراق حاجز الزمن، ولأن لها قابلية الإضافات الجديدة التي يطبعها بها الإنسان المعاصر، ولوفي وسائل أدائها وهو دلالة على تجددها ومقدرتها على تحميل الكثير من هموم العصر وملابساته.

في الحياة الإنسانية تولد ظواهر وتنقرض أخرى، لكن قلما نجد ظاهرة جاءت بمحض الصدفة. هذا دليل على مدى تقبل المجتمع لها وتعايشه معها. من هذا المنطلق كانت الحلقة فضاء فرجويا شعبيا فاختارت لنفسها الشكل الدائري وأقامت حولها جدرانا نابضة بالحياة. جدرانا يقيم الإنسان صرحها بجسده وروحه معا.

للحلقة العديد من الخصائص للارتقاء بها إلى الفرجة الشعبية المتكاملة التي تقوم على جملة من المعطيات تؤكد تجدرها بالمجتمع وتشبثه بها، وتصنيفها في خانة التقاليد المحافظ عليها بالإضافة إلى أن الثقافة العالمية بدأت بالانفتاح عليها ومشاركتها في مجموع القيم الفنية والجمالية، لذا وجب اشتراك ثلاث مستويات لتدعيم الحلقة كمجال للفرجة الشعبية.

المصدر اللغوي –الارتباط الاجتماعي– الانفتاح الثقافي على الحلقة.

فبخصوص المصدر اللغوي فقد وردت كلمة -حلقة– في معجم لسان العرب لأبن منظور في مادة –حلق- لتنفيذ التحلق والتطويف وكلاهما يدلان عن التجمع أو التجمهر، وحسب نفس المصدر فإن هذه الكلمة تدل على كل شيء له شكل دائري، تنطبق هذه الدلالات على الحلقة باعتبارها دائرة مشكلة بفعل التحلق الذي يمارسه المتفرجون، وهي لقاء عام يتشكل من خلال أجساد بشرية تشكل حلقة وبداخلها يقف -الراوي- وبناءا على ما سبق تتكون  الحلقة من عنصرين ضروريين في إقامة أي عمل فرجوي بها وهما:

الحلايقي : هو الشخص الذي يمارس عملا فرجويا معينا ويمكن أن يكون بالحلقة أكثر من شخص واحد يتوسطها. الجمهور:يشكل دائرة الحلقة ويشاهد الحلايقي صانع الفرجة. هذان العنصران طرفان في عملية تواصلية اجتماعية تتم داخل إطار يثير شكله أكثر من سؤال والأمر يتعلق بالشكل الدائري، هل هو اعتباطي أم له ما يبرره على الأقل اجتماعيا؟

إذا تعمقنا كثيرا في التقاليد والعادات الاجتماعية سنقف على الحضور القوي للشكل الدائري فيها، ابتداء من الأسرة المحافظة التي تتجمع على مائدة الطعام المستديرة، ثم في الثقافة الدينية حيث تؤدى الشعائر في موسم الحج من خلال دوائر يشكلها المصلون حول الكعبة كما تعقد في المساجد حلقات يلقي فيها الواعظ دروسا دينية ويقيم المتصوفة حلقات، للذكر والابتهال، أما في الاحتفالات الشعبية كالأعراس والأفراح يشكل المحتفلون دوائر يتوسطها العازفون والراقصون، وتقدم الحياة اليومية خير دليل من خلال الأسواق الشعبية التي توجد بها حلقات للبيع بالمزاد يتوسطها الباعة والدلالون عارضين بضائعهم أمام الجمهور المتحلق حولهم هذه بعض الأمثلة التي تؤكد على أن التجمهر والشكل الدائري خاصية في المجتمع.

يمكن إلى حد ما أن نجزم بأن هناك ارتباطا وثيقا بين هذه الأشكال السالفة الذكر، وبين الحلقة مكان الفرجة الشعبية. إن الحلقة تظهر كإطار مختلف عن الأشكال الفرجوية التي تقوم على الدعاية والإشهار وعلى إلزام الحضور باحترام قوانين مضبوطة كالتذكرة ومدة العرض الفرجوي والمكان، وعلى العكس نجد المتفرج له كامل الحرية في حضور أي حلقة، باعتبار الحلقة أصنافا، وهو غير ملزم بدفع مقابل مادي كما أن الحلقة غير مقيدة بزمن معين ولا منحصرة في بناية ولا مؤسسة، فضاؤها هو المكان المتواجد بين التجمعات البشرية كالأسواق والساحات.

أصناف الحلقة :

الحلقة تنقسم إلى عدة أصناف والصنف عبارة عن مجموعة حلقات يجمعها عمل فرجوي واحد ومجموع عدد هذه الأصناف لا يقل عن العشرة وهي صنف الموسيقى –صنف ترويض الأفاعي–صنف ترويض القردة– صنف التمثيل–صنف الرواية الشفوية–صنف الناقد الاجتماعي–صنف الواعظ والإرشاد الديني–صنف السحر والتنجيم-صنف الطب التقليدي– صنف الألعاب البهلوانية، وهذه الأصناف تنقسم إلى مجموعتين:

الأولى تضم الأصناف التي تعتمد على الفرجة كمقوم من مقوماتها الأساسية وهي الموسيقى –ترويض الأفاعي والقردة–التمثيل–الألعاب البهلوانية–الرواية الشفوية أما المجموعة الأخرى فتضم الأصناف التي تغيب فيها الفرجة، وتحل محلها عناصر أخرى فهي إما تعتمد على خطاب إيديولوجي مباشر من الحلايقي إلى الجمهور كما يتجلى في صنفي النقد الاجتماعي والإرشاد الديني أو تعتمد على التعامل المادي الصرف ونجد ذلك متمثلا في صنفي التنجيم والطب التقليدي.

رجل الحلقة -< الحلايقي >

إذا كانت الحلقة كتلة متلاحمة والفرجة فيها متكاملة ورباط التواصل بين رجل الحلقة والمتفرج متينا،فإن الفضل كله يرجع إلى العمل الذي يقوم به رجل الحلقة عندما يقوى هذا الإنسان على المواجهة وعندما يخاطب فيبدع وعندما يحاجج فيقنع، يغني ويعزف فيحرك السامع ويمثل فيبدع، فقلما نجد رجل الحلقة لا تجتمع فيه هذه الصفات أو بعض منها.

إن رجل الحلقة هو ذلك الإنسان الذي يجعلك تقول عندما تشاهده يتحرك وسط الحلقة بأنه إنسان غير عادي وبالتالي فإن الحلايقي فيه أصناف مختلفة أهمها:

الراوي –الممثل- الموسيقي –البهلواني – القرداني – العيساوي – الحلايقي – الفقيه – الحلايقي الناقد – العراف – العشاب .

وقد نهتم هاهنا بشخصية الحلايقي من حيث الخصائص التي تجتمع فيه وأهمها:

جنس الحلايقي – عمره- خبرته – الإطار الذي يعمل فيه.

أول شرط يجب أن يتوفر عليه رجل الحلقة هو  المواجهة وقوة الشخصية وهذا ما يجعله يتحكم في مجريات الأمور في حلقته بقبضة من حديد ويتمتع كذلك بنفس طويل، انطلاقا من إتقانه لأساليب الخطاب التي تساعده على شد المتفرج وجلب انتباهه والتأثير فيه، كما أنه يعرف جد المعرفة هوية الجمهور المتحلق حوله وأسلوبه في التفكير ومعتقداته.

جمهور الحلقة :

إن الجمهور طرف مهم في أي عملية إبداعية سواء كانت شعرا أو قصة أو مسرحا بمعنى أن هذه الإبداعات تتجه أساسا صوب الجمهور المتلقي، وأن غياب هذا الأخير يعني بكل بساطة انعدام عملية الإبداع من أساسها.

إن الجمهور طرف وركيزة أساسية في الحلقة وذلك بالنظر إلى شكلها الدائري الذي يجعله يحاصر من جميع الجوانب وكأن رجل الحلقة يمارس فرجته من داخل الجمهور فليس ثمة مكان يحرم الجمهور من معاينة ما يجري فيه كما هو الشأن في كواليس المسرح التي تبقى محل غموض ومن هذه الصورة يتمكن الجمهور من إكام قبضته على الحلقة الشيء الذي يجعل رجل الحلقة يمارس فرجته في تفاعل مستمر مع الجمهور وذلك بإسناده حق المشاركة في الفرجة.