Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 07، 2004، ص. 121-131 | النص الكامل


 

 

محمد داود

 

 

يعرف الحقل الروائي تجارب روائية جديدة، تجارب فردية، لا يتحكم فيها هاجس الانتماء إلى المؤسسة المكرسة أدبيا و اجتماعيا و سياسيا ضمن التـوجه الكلاسيكي، بقدر ما يتحكم فيها هاجس القطيعة مع هذا الأمر الواقع[1].

إنها كتابة تبحث عن هوية جديدة تميزها و تجعل منها تتقدم منزاحة عن تلك، التي أنحازت للواقع و ألبسته ثوبا إيديولوجيا جاهزا، أي أنسكبت داخل الدوكسا و انتصرت لها.

فهي – أي الكتابة الروائية الجديدة- لا تبحث عن الحقيقة أو تحاول أن تلتزم بقضايا المجتمع أو تسهم في تغيير الواقع، على عكس ما كانت تتوهم الكتابة الكلاسيكية.

كما تشهد هذه الكتابة الوافدة على إنبثاق حقل روائي جديد و تحمل كل بصماته المستحدثة.

و في ظل هذا المنحى، تحتل رواية "أرخبيل الذباب"[2] للروائي بشير مفتي مكانتها الأدبية بإعتبارها تقع في تعارض مع العلامة الكلاسيكية التي هي "وحدة مغلقة، و التي يثبت إغلاقها الدلالة، أي يمنعها من الإرتعاش، من الإزدواج والتيه، و الشيء نفسه ينطبق على النص الكلاسيكي".[3] فقيمة هذا الأخير إثباتية، و تخضع للحتمية القياسية، بينما النص الجديد، فإنه يتميز بقيمته التساؤلية التي ما انفكت تعيد النظر في الأسس التي جعلت من الأدب ممارسة اجتماعية و تاريخية ذي وظيفة إيديولوجية في مرحلة سابقة.

و تبرز الكتابة لدى هذا الروائي، لتعلن عن تجربة وجودية جديدة تحطم النظام و تعريه، لتبين عن حقيقة أخرى، عن نهاية تاريخ، أو عن نهاية وهم دام إلى حدود أواسط الثمانينات.

تكتب "أرخبيل الذباب" نفسها، فهي رواية عن الرواية، تندرج، بتفجيرها للغة الأدبية، كلية في الحاضر من خلال توظيفها للضمير المتكلم، متجاوزة بذلك ما هو متعارف عيله في الرواية الكلاسيكية التي تكتب عن الماضي و توظف الضمير الغائب.

فإن الإلتزام في هذا النوع من الكتابة ليس إلا إسميا، فإنه يستطيع أن يتحمل خلاص وعي، و لكنه لا يقدر على تأسيس الفعل[4]، إنها كتابة تهافت الوهم و الخيبة.

و لكن هل إنسحاب هذا النص من المؤسسة الشاملة يجعله بمنأى عن الخضوع للمقاربة السوسيونقدية التي ركزت في أكثر نماذجها التطبيقية على النصوص الروائية الواقعية لأمثال كل من بلزاك وزولا و غيرهما... و التي حاولت التماهي مع الواقع؟

الواضح أن بعض الدراسات -على قلتها- سواء تعلق الأمر بكتابات لوسيان قولدمان وجاك لينهارد مثلا، في معالجتها لنصوص الرواية الجديدة قد أظهرت كفاءة كبيرة في التحليل والتفسير لما هو منغلق منها.

و لعل ما يبرز التوجه نحو هذه المقاربة هو أنها تسائل في النصوص "المضمر، و المفترضات المسبقة، و المسكوت عنه أو اللامفكر فيه، و كذا الصمت فتصيغ معطى لللاوعي الاجتماعي للنص، و تدرجه في إشكالية المخيال[5]"، و لكن هذا لا يعني التوقف عند الجانب الدلالي للنص فقط، وكذا ربطه بالنص المتضمن (intertexte)، تفترض هذه المقاربة "الأخذ بعين الإعتبار مفهوم الأدبية، مثلا، لكنها كجزء لا يتجزأ من تحليل سوسيونصي"[6] و يتم كل ذلك إنطلاقا من المعاينة الداخلية للنصوص.

 وتجدر الإشارة إلى أن النص الروائي هو قبل كل شيء "نظام من الأنساق و التصورات النصية"[7] حيث "لا يوجد شيء حيادي في الرواية، و أن الكل مرتبط بالعقل الجماعي، و الكل يتوقف على صراع الأفكار الذي يطبع المشهد الثقافي لمرحلة ما (...) قد تسمح بالكشف داخل النص و في حواشيه، عن الإشارات التي تأتيه من النص المتضمن، و التي تجد صداها فيه. لكنه من المجازفة بمكان، النظر إليها على أنها منبعا وحيدا لإنتاج الدلالة والأشكال"[8].

و يمكن القول أن المقاربة السوسيو-نقدية لا تهمل أي شيء يتعلق بالنص الروائي، فتبدأ من رد الفعل الأولي الذي يثيره الكتاب لدى القارئ، و ذلك إلى حدود الإنتهاء من قراءته، و يشمل ذلك العنوان و النصوص الملحقة وفضاء النص و توزيع الفقرات و الفصول و كذا البنيات الداخلية للنسيج النصي.

رمزية عنوان الرواية :

يعتبر العنوان الوسيلة الأولى للتعرف على الرواية، و قد يكون "محورا رئيسيا، بل قد يكون أحيانا المفتاح الرئيسي للبنية الدلالية العامة للرواية كلها"[9]. و يستدعي عنوان الرواية "تحليلا حقيقيا للخطاب كإجراء سابق لتأويلها الإيديولوجي و الجمالي"[10] الواضح أن عنوان "أرخبيل الذباب" يقوم "بوظيفة التسمية"[11]، أولا، وعدا ذلك فإنه لا يحيل على واقع مرجعي معروف و لا يعبر عن الجاهز، و لا يستجيب للخلفية النصية أو لأفق إنتظار القارئ.

إنه عنوان يغرق في غموضه وغرابته و غرائبيته، مما يدفع بالقارئ إلى الفضول و إلى رغبة الإستكشاف و من هنا "وظيفته التحريضية"[12] لما يشير إليه من فضائية حيوانية، أو بالأحرى فضاء مشتت يقطنه نوع من الحشرات.

يشتغل العنوان بشكل مجازي يفترض قارئا من نوع خاص تعوّد على تفكيك الرموز و على مسايرة النصوص المتشظية التي لا تتوضح دلالتها إلا بمتابعة خطوات الحكاية.

فلفظ "الأرخبيل" يدل من الناحية اللغوية على مجموعة من الجزر والجزائر، و هي هنا كما سنعرف فيما بعد ليست فضاءا خياليا، و إنما يحيل على وطن الجزائر الذي يتميز بالوحدة الجغرافية أي عدم التمزق من الناحية الفيزيائية، و إنما هو مشتت من الناحية السياسية و الإجتماعية.

أما لفظ "الذباب"، و هي نوع من الحشرات و هي أجناس شتى، تتغذى من الأوساخ، فتنقل الجراثيم و الأمراض، و تدل أيضا على الكثرة و التعفن و على سهولة الإنسحاق و بكثرة أيضا. و هي –أي الذباب- بإنتماءها لعائلة الحشرات، فإنها تقع في الدرك الأسفل من التراتبية الحيوانية،و تدل الحشارة أو الخشارة على رعاع الناس و سفلتهم و يطلع العنوان هنا بالإيحاء إلى طرف مقابل لا ينعته و لا يشير إليه و هو علية القوم و أرفعهم شأنا.

فالذباب في النص الروائي "شخصيات بلا عقل، تهدي بلا وعي و تترنح من الخفة و الطيش" (ص.10) و الراوي واحد منها، و إذ سيتسلم هذا الأخير، "مثل الذبابة التي تقع في مصيدة العنكبوت، حيث من البداية تكتشف إستحالة النجاة فتتوقف عن المقاومة و عن الرفض" (ص.22).

فالراوي ليس وحده في هذه الوضعية المأسوية، فكذلك صديقه محمود البراني الذي "يتحول أمام نفسه إلى ذبابة. حشرة...يمكن قتلها بسهولة... يقول له : "نحن الحشرات يجب أن نداس ليعيش السادة..." (ص.87).

يتضح من هذه النصوص المثبتة داخل النسيج الروائي أن التراتبية الإجتماعية و السياسية واضحة بين الذباب من جهة و الآخرون.

و من هم الآخرون؟

إن الجواب يأتي من إحدى الشخصيات و هي ناديا صديقة الراوي إذ تقول : "إنهم يسكنون في مكان آخر، ليست لهم أية علاقة بحياة الذباب التي نعيشها، (ص.84) ثم تضيف في حديث لاحق : "كلنا ذباب بالنسبة لهم يتركون لنا الفتات فقط لنقاتل من أجله..." (ص.102) ثم تتوجه للراوي لتقول له: "مصيرك يا أبله في إنقاذ الذباب" (ص.104). لكن كيف؟

يبدو من هذا العرض السريع أن لعنوان الرواية "أرخبيل الذباب" وظيفة أساسية داخل النص الروائي و هي الوظيفة الإيديولوجية حيث يحدد طرفي الصراع في فضاء ممزق بفعل هذه التراتبية الإجتماعية كما تحدد المهمة التي تقع على عائق الراوي في البحث عن الخلاص من هذه المأساة التي يعيشها الأفراد و الجماعات. فهل يستطيع؟

للإجابة عن هذا السؤال لابد من إعادة تشكيل فسيفساء النسيج النصي أو البوزل، الذي يتميز بالتشظي من ناحية، و بالإنقطاع الزمني من ناحية ثانية و بالتناوب السردي من جهة ثالثة.

فضاء النص

يتضح من البنية المعمارية التي أختارها الروائي لنصه الثاني هذا، أنها تتميز بتشكيل في غاية التعقيد، أي أنها لا تتبع خطة منسجمة واضحة وجاهزة في ترتيب الفقرات و الأجزاء، بل هي عبارة عن لقطات أو مقاطع مستقلة، أو بالأحرى تداعيات ذهنية تنساب في الحاضر، يلتقطها راو، تتساوى معرفته بما يجري بمعرفة الشخصية الرئيسية. بمعنى أن الراوي هنا هو ذات و موضوع الحكاية، مما يلغي المسافة بين الراوي و الكاتب الضمني وربما الكاتب الفعلي، و لكن هذه ليست إلا حيلة فنية، غايتها الإشتغال على النص بشكل أصيل. إذ يكسر هذا التذبذب في البناء المعماري والسردي لفضاء النص، الميثاق السردي المتداول و يخلخل عموديته، مما يبين عن إستحالة الكلمة و عجزها و تأزمها في سياق مأساوي.

ينقسم النص الروائي إلى أربعة أجزاء موزعة كالتالي : "مونولوغ" في القسم الأول في خمسة صفحات تقريبا (من ص 9 إلى ص 13) و قسم ثان دون عنوان يشتمل على ستة وعشرين (26) فقرة غير متناسبة في الطول (أي من الصفحة 15 إلى الصفحة 88)، ثم قسم ثالث تحت عنوان "كوابيس" متضمن في القسم الثاني، و هو عبارة عن ثلاثة فقرات تسجل "وقائع" حلم مزعج، و بشكل طباعي غليظ، يعيشه الراوي. و تذكر هذه التقنية المستعملة برواية "نجمة أغسطس" للروائي المصري صنع الله إبراهيم، حيث يوظف هذا الروائي مثل هذه التقنيات.

و أخيرا قسم رابع تحت عنوان "محمد البراني"، و يتعلق الأمر بالراوي الثاني الذي يكمل القصة بعد إنتحار (س)، الراوي الثاني، كما يتضمن هذا القسم الأخير مذكرات محمود البراني، و بشكل طباعي غليظ أيضا.

إن هذا التجريب أو الإجتهاد في تشكيل النص و توزيع فقراته يبين عن تمزق في البنية الزمانية و السردية و إنقطاعها.

دلالة الإستهلال النصي :

"لم تكن الحرب واضحة...

لم تكن علاقتنا أيضا واضحة... كنا بحاجة إلى تبرير كل شيء و أمام لا معنى الحرب...كان هنالك لا معنى في الحب...

هل هي الحرب؟

أم هو الحب فقط...

لا أدري...ها هي الكلمات تحاول أن تتنصل من مسؤولياتها و ككل مرة ثمة حاجة لأن نشرح كيف بدأت الأشياء؟ و إلى أين انتهت (ص.9).

تشكل هذه الفقرة الإستهلالية المفاتيح الرئيسية للبنية الدلالية للنص الروائي، حيث تعلن عن رغبة الراوي في تحري الوضوح و البحث عن اليقين حول ثنائية الحب و الحرب، أو بالأحرى ثنائية الحياة و الموت في صراعمها الأبدي. و إلى جانب هذه الثنائية يقف فعل القول، قول هذه الأشياء وكتابتها، كهاجس مركزي للعالم الروائي لهذا النص، بإعتبار أن الراوي هو الكاتب لرواية "أرخبيل الذباب" المتحدث عنها داخل النسيج الروائي.

فالوضوح ينبع من إمتلاك الحقيقة و بالتالي إمتلاك السلطة الرمزية التي تجعل الذات تحقق نفسها و تتجه نحو الفعل، لكن عدم الوضوح يؤدي حتما إلى العجز عن الفعل و بالتالي إلى الأحباط و الخيبة التي تنجر عنهما الإستقالة الفكرية أو الإنتحار.

و عند هذا يمكن طرح السؤال، من يجد المصلحة و الفائدة في الغموض والجهل؟ إنهم هم علية القوم و أشرفهم من حيث التراتبية الإجتماعية، الطرف المعارض للذباب، لسلفة القوم و أحطهم شأنا.

قبل الحديث عن هذا الجانب لابد من تحليل نظام الشخصيات.

نظام الشخصيات و شبكة العلاقات

الحكاية هنا تأخذ طابع الميلودراما، أي هي عبارة عن رغبة مثلثية، تشكلها ثلاث شخصيات أساسية، و هي شخصيات فاضلة و خيرية، فمن جهة نجد "ناديا" فتاة جميلة جدا تحمل في ذاتها سرا كبيرا، لا نعرفه إلا بمسايرة الحكي، و من جهة ثانية محمود البراني، صاحب المكتبة التي تلتقي فيها كل الشخصيات الفاعلة، و هو "الحامي" أو "الواصي" التقديري على ناديا، حيث أنه في حقيقة الأمر أبوها البيولوجي، تعرف عليها بالصدفة بعد مرور سنين طويلة، و هو الذي يعرّفها بالراوي (س) الشخصية الثالثة و الذي يقع في حبها حبا جنونيا.

و تواجه معارضة قوية و عنيدة لا رحمة في أفعالها- تحول دون تحقيق هذا الحب، تستعمل كل الوسائل و بخاصة الترهيب و التهديد لإفشاله.

و إليكم تحليل لنظام الشخصيات

(س) : هو الراوي و "البطل المضاد" أي هو الوعي المركزي للنص، المتحدث بضمير المتكلم، لا نعرف عنه إلا أنه أستاذ لمادة الفلسفة للقسم النهائي بثناوية المقراني... فلسفته كما يبدو هي العدمية... و هو مثقف عاجز و حالته النفسية معقدة و منكسرة يتحدث عن نفسه بكلمات توحي بالغثيان (النقب، السام، الرهن، الإنهاك).

و ما ينقله للمتلقي يأتي إنطلاقا من رؤية منكسرة يتحكم فيها قدر محتوم، يعيش تراجيديا جيل خائف من هول الأحداث التي تدور حوله، ولا مناصر له إلا الإنتحار. و يبينّ أيضا مسعاه الحثيث للبحث عن اليقين سوى عن عبثية مساره المفضي لا محالة إلى المأزق أو إلى الباب المسدود.

فأصوله المحافظة حالت دون تحضيره الكافي لمواجهة الحب، ذلك الحب العنيف الذي وقع في حباله مع ناديا، فقد اختطف على الطريقة البوليسية (سيارة سوداء، رجال ذوي النظارات سوداء و مسدسات) عندما التحق بمدينة وهران بحثا عن ناديا خلال العطلة الصيفية.

صورة ناديا : هي فتاة جامعية بالجزائر العاصمة، غادرت مدينة وهران هربا من "أبيها" الذي تزوج أمها و هي حامل من محمود البراني، و قد حاول هذا "الأب" الذي تباناها إغتصابها في إحدى الليالي.

تتردد ناديا مرة كل شهر على مكتبة محمود البراني بباب الواد، لإقتناء الكتب. "أبوها" شخصية كبيرة، غنية و لها ضلع في السلطة السياسية، يقف في وجه كل من يحاول التقرب منها، فعيسى الفنان و الموسيقار الذي يكبرها سنا و الذي عاشت معه أربع سنوات يُهدد أيضا، فيبتعد عنها. و هي دائما تهرب من حبها خوفا من المجموعة المجهولة التي سيخرها أبوها في الضغظ على عشاقها.

فصورة ناديا في الرواية، بالأحرى عند الراوي هي صورة أسطورة مزيج من الملاك و الشيطان، هي الهواية و الخطورة، و هي شبه مسجونة في عالمها (...) العائلة و المرتبة التي عاشت فيها... و لكن ناديا تحب دائما أناسا من الذباب، و هكذا أصبحت رهانا للعبة سياسية خطيرة.

محمود البراني: رجل في الخمسين من عمره، صاحب المكتبة، أشتراها بعد عودته من الهجرة بعد وفاة الرئيس بومدين الذي كان له و لأبيه خلافات سياسية معه. لا نعرف عنه أشياء كثيرة سوى في الجزء الأخير من النص الروائي و هو المعنون بإسمه. تعرف بأسبانيا على أم "ناديا" "فاطمة ح" إبنة أحد الأثرياء، و حملت منه لكنها أرغمت على الزواج من شخص آخر في مرتبة أبيها.

أضطر للهجرة ثانية داخل الوطن إلى الصحراء بالضبط "حيث يتجرد الإنسان إلا من علاقته بالذاكرة و الطبيعة و الموت" بسبب جرأته و علاقته بموضوع حب ناديا بـ (س).

و كما يبدو أن العلاقة بين الشخصيات الثلاث هي علاقة ثقافية، بمعنى أنهم يشتركون في التعامل مع الكتاب أي مع السلطة الرمزية. و لكن هذه الشخصيات الثلاث ليست وحدها في هذه المعركة الثقافية إذ نجد كل من مصطفى صاحب المقالات السياسية الجريئة، الذي فر إلى الخارج هاربا بجلده تحت ضغط التهديد بالقتل. و سمير الهادي، ذلك الفنان الذي يطمح إلى رسم لوحة خالدة، ذو النفسية المحطمة بسبب فشله الفني و تعثره في الحب، يلقى حتفه بالرصاص من طرف قتلة مجهولين. وعزيز الصافي الكاتب الذي أنتحر بسبب الإحباطات الكثيرة، و محفوظ صديق الراوي، وعيسى صديق ناديا الأول.

و يمثل هؤلاء كلهم فئة المثقفين الذين يبحثون عن قيم الحرية و الإبداع في ظل أجواء معادية لكل معاني الحياة الكريمة، و من هنا إحباطاتهم وخيباتهم و هزيمتهم أمام هذا الوضع المتردي. و مسعاهم هو شهادة عن جيل يعيش في دوامة العنف و التأزم السياسي، يدفع ثمن جرأته في وجه قوى سياسية أستأثرت بالسلطة و هيمنت إيديولوجيا.

الفضاء الإيديولوجي للنص

إن الأيديولوجيا حسب التوسير: "تمثل العلاقة الخيالية التي يقيمها الأفراد مع شروط وجودهم الحقيقية[13]" و يمكن التعرف على هذه الإيديولوجية المتضمنة في النص وفق المؤشرات العديدة، منها العنوان، و نظام الشخصيات وقد درسنا هذين العنصرين سابقا. و قد تعرفنا على صورة الإيديولوجية التي تحملها هذه الشخصيات عن نفسها فهي الذباب، لا معنى لمسعاها، لكن المسكوت عنه هنا هو الآخرون، فإنهم مجهولو الهوية، غير محددي الوجوه و الأسماء، يتحدث عنهم الراوي و ناديا و محمود البراني وغيرهم بـ "الهم"، أي أولئك الذين يملكون كل أوراق الضغط، أوراق المال و الدم و التسلط يوظفون الترهيب للقضاء على طموحات الذباب، و هكذا يحافظون على إمتيازاتهم. و يمكن الوقوف على الإيديولوجية التي تشتغل في النسيج الإجتماعي بالتعرض للتضمينات النصية للإيديولوجية الرسمية و التي يعيد إنتاجها النص بشكل ساخر، وسنقتصر على مثالين.

يقول (س) لمصطفى : ص 24-28.

"هذا بلد المعجزات و عليك أن تقتنع بهذا كل الإقتناع، بلد المعجزات لا تضحك أرجوك، نحن شعب عظيم (...) هل تعلم لقد طردنا الفرنسيين بعد مائة و ثلاثين سنة (...) عليك أن تحمل دائما بطاقة هويتك (...) إن لم تحمل بطاقتك سيسبونك بأقذر الشتائم.. أيها اللعين إذن حاول أن تفكر، لا تفكر مثل نفسك، فكر مثلهم، قل لهم بأنك جزء منهم و بإسم الوحدة الوطنية لا تجادل في الثوابت)".

و ص 27 (...) لعلك تذكر أنت أيضا تلك الشعارات "العمل و الصرامة من أجل ضمان المستقبل" و " من أجل غدا أفضل" لقد وضعوها فوق رؤوسنا لتخديرنا فقط...

إن هذه التضمينات تشير بشكل واضح إلى الإيديولوجية الرسمية التي تباناها النظام الجزائري منذ بداية الثمانيات و التي يتلفظ بها الراوي للتنديد بها، لما تحمله من زيف.

لكن النص الروائي في نقده لهذه الإيديولوجية و تحديد أصحابها الذين "لايحبون رؤية الحب أبدا" (ص.148) و يمارسون كل أنواع القمع ضد المثقفين و يحوّلون حياتهم إلى كوابيس، لا يقدم بديلا سوى الخضوع للأمر، لا ومهادنة الإيديولوجية الرسمية سواء بالإنتحار او الهجرة أو الوقوف موقف حيادي من الحرب الدائرة بين السلطة و الإسلاميين، إذ يعتبرها مجرد تمثيلية يتشاجر و يتقاتل فيها الأبرياء، و من فوق تظهر اللعبة كما لو هي صراع بين هذا و ذلك، و حرب بين خير و شر، بين مثال و واقع، بين حلم و آخر (ص.147).

في الخلاصة يمكن القول أن رواية "أرخبيل الذباب" تمثل تقدما من الناحية الفنية على رواية "المراسيم و الجنائز"، و لكنها تسجل تراجعا نسبيا من الناحية الإيديولوجية على الرواية الأولى، و يبقى العالم الروائي لبشير مفتي يدور حول ثلاثية الحب و العنف و الكتابة، وضياع جيل الثمانينات في هذه الدوامة.

 


الهوامش

[1] ينظر داود، محمد : الأدباء الشباب و العنف في الوقت الراهن.- مجلة إنسانيات، العدد 10، جانفي - أفريل2000.- ص.ص 27-39.

[2] مفتي، بشير : أرخبيل الذباب.- الجزائر، منشورات البرزخ، سنة 2000.

[3] Barthes, Roland : Théorie du texte (in).- Paris, Encyclopedea, 1980.-p.731.

[4] Barthes, Roland : Le degré zero de l’écriture.- Paris, éd du Seuil, 1972.- p.61.

[5] Duchet, Claude : Sociocritique.- Edition Fernand Nathan, 1979.- p.4.

[6] Ibid.- p.4.

[7] Mitterand, Henri : De discours du roman.- PUF, 1980.- p.219.

[8] Ibid.- p.16.

[9] العالم، محمود أمين : ثلاثية الهزيمة و الرف.- القاهرة، دار المستقبل العربي، 1985.- ص.31.

[10] Mitterand, Henri : Sociocritique.- op.cité.- p.92.

[11] Ibid.- p.90.

[12]- Ibid.- p.91

[13] Althusser, Louis : Positions.- Paris, Editions Sociales, 1976.- p.101.