Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 07، 2004، ص. 99-112 | النص الكامل


 

 

 

خيرة حمرالعين

 

 

تهتم الأسلوبية برصد وإحصاء الأنماط الأسلوبية وتحليلها، كما تتطلع إلى تفسير العلائق الدلالية الكامنة وراء كل تشكيل جمالي، وكيف تنبثق الإبداعات الأدبية، وهل هناك أسس جمالية تقف وراء التشكيلات الفنية ؟ وكيف تتغاير وتتمايز ؟ وتلك معضلة النقد الجديد الذي يحاول جادا الفصل بين الأصول المرجعية (الواقعية والوجدانية) للخطابات وبين الجمالي الخلاق الذي تمثل اللغة الجزء الأعظم منه.

بينما تذهب أغلب الدراسات إلى التركيز على حرية القارئ في تأويل الخطاب وتشريح النص. وقد كان للسانيات النصية جهد واضح في هذا المضمار حتى أننا نجد أكثر الاجتهادات التنظيرية تنصب اليوم على هذا الحقل متخذة من أدواته إجراءًا حقيقيا يبدو أكثر كفاءة وسيطرة على مستويات النص.

وعلى الرغم من التطور الحاصل الذي حظي به النقد الأدبي إلا أن النقد الجزائري ظل - في معظمه - حبيس المنظور التقليدي الذي لم ينفصل عن الخطابية المباشرة، ولم يسلم من تقديس الجانب النضالي بوصفه الجانب الأوحد الذي ميز الخطاب الشعري.

والواقع أن ذلك لم يمنع من الإحاطة ببغض الظواهر الجمالية في الشعر الجزائري قديمة وحديثة. ومن أبرز الظواهر الأسطورة والرمز، الحس الصوفي، الغموض، التكرار اللفظي، الإيقاع، التقابل والتشاكل...

وقد وردت هذه الظواهر متناثرة ومنتزعة من أطرها الدلالية وبدت في معظمها وكأنها البديل المحتمل لشعرية مفقودة. ولذلك فإننا  لا نعثر إلا على بعض التجليات الجمالية التي تميزت بها بعض الأعمال الشعرية والتي يمكننا اعتبارها خصائص أسلوبية لما تضمنته من بعد إيحائي وما اشتملت عليه من تراكيب مغايرة.

لقد طغى البعد الاجتماعي المشبع بالحس الثوري والنضالي على كل السمات الأدبية في الشعر الجزائري، الذي لم يرصد نقاده سوى الموضوعات وأهملوا عناصر التشكيل الفني. فلم تصل تأملات أولئك النقاد إلى جوهر الكتابة الشعرية وأسرار الابتكار. ونظرا لتعمقهم في المضامين والبحث في الدوافع والعلل، فإنهم لم يتمكنوا من احتواء الجمالية النضالية وحولوها إلى مجرد شعارات وطنية. وعلى الرغم من بوادر التجديد الفني التي تمثلت  في «اتجاه بغض الشعراء إلى الرومانسية وإلى التجديد في اللغة والصورة الفنية، وظهور بعض القصائد في الحب والطبيعة وإن كانت لا تشكل اتجاها قويا بارزا كما حدث في المشرق العربي».[1]

ولعل طغيان الاصطناع والتكلف في الشعر الجزائري، كان وراء انحسار الخصائص الأسلوبية، وتراجع المعنى الأدبي، وحيث لا يمكن للشعري أن ينشأ مع الإيديولوجي فقد بدا الشعر الجزائري - في مرحلة معينة - تجربة واقعية واجتماعية محضة وليس نشاطا إنسانيا كونيا، الأمر الذي جر الشعراء إلى الحرفية والسطحية، وقضى على الشاعري والوجداني وأسس الإيديولوجي والنمطي. ولم يخرج عنه إلا عندما شرع الشعراء المعاصرون في قلب المعايير وكسر الأطر السائدة وإحياء الرغبة في إعادة بناء الواقع والإنسان بصياغة السؤال الأدبي في ضوء متغيرات الكون.

وهكذا فإن صعوبة الإلمام بالخصائص الأسلوبية في الشعر الجزائري متعلقة بالبنية الذوقية، أي بمقدار الاستجابة الوجدانية للقارئ في انسجامه مع مختلف الظواهر اللغوية وهي تتحول إلى سمات أسلوبية «وبما أن علم الأسلوب هو بحث في اللغة بأكملها، وليس في زاوية منها، فقد دعا "بالي" إلى دراسة هذه اللغة في علاقاتها المتبادلة، وإلى اختبار مدى ما يحتويه كل تعبير من عناصر، وهذا لن يمكن إلى بدراسة اللغة في جميع مستوياتها: الصوتية والصرفية، والمعجمية، والنحوية والدلالية[2]" غير أنه لا يمكن لكل السمات اللغوية أن تتحول إلى سمات أسلوبية، إلا أن هيمنة بعض العناصر التعبيرية من شأنه أن يشكل بعدا جماليا، كأن يسيطر التوازي أو التقابل أو التكرار وتتراجع الأسطورة والرمز مثلا، فهذه السيطرة هي التي تعمق المسافة الجمالية وتمنح القارئ الأسرار الشعرية.

بنية التقابل: ملحمية القارئ ومحدودية المقروء

التقابل ليس مجرد خاصية أسلوبية تضاف إلى جمالية النسيج النصي وإنما هو فضاء تعبيري يسهم في تعميق البناء الرؤيوي للشاعر وهي الفكرة التي صاحبت تجربة الشعر الجزائري المعاصر وكثفت حضور المتعة النصية. ضمن هذا التصور كانت نظرة النقد السيميائي نقلة جوهرية استبدلت بمفهوم  السمة مفهوم القيمة مستعينة بالنظم الإشارية في استبطان الدلالات من خلال ما يوحي  به البناء النصي والذي تشكل كل وحدة فيه مهما كانت ضئيلة دلالة معينة.

ضاقت الأرض من حوله

                               فاتسع

وتساقطت السموات على رأسه

                               فارتفع

وتلبد بالحزن حتى غدا فرحا دائما

                               هكذا...

لم يكن مثله أحد يستعين على نفسه

                               بالوجع

إن تأمل النقد المعاصر لهذه المقطوعة اعتمد على استبطان الدلالة من خلال ما يوحي به التركيب، وليس من خلال ما يضمره المعنى، وهو يرى «أن النص يوحي بعالمين (أحدهما في مواجهة الآخر) يحتل الأول فيهما حيز الظلام والانحطاط والاختناق والاستسلام بينما يحتل الثاني حيز الرفعة السمو والمقاومة المصحوبة بالتجلد والصبر» [3] ويحاول تفسير هذا التقابل من خلال الخطاطة التالية [4]:

       

فالتقابل الذي يقصده الناقد هو ذلك الحاصل بين (ضيق الأرض وتساقط السماء) والذي أشار إليه بمحدودية الواقع، وبين (ارتفاع الذات وتعاليها) والذي أشار إليه باتساع الأفق.

وقد تجسدت خاصية التقابل في الشعر العربي بوصفها لبنة أساسية في البناء الرؤيوي للشاعر وليس مجرد إطار خارجي للقصيدة.

كما ترتب عن هذه الخاصية اكتشاف البعد الجدلي لثنائية الحياة والموت متمثلة في رموز «الأفول / البزوغ» وصيغ «الماضي / الحاضر» وقيم «الحركية / السكون... وكل ما يخلق جدلا حقيقيا يفضي إلى استخلاص معاني الحياة. ولعل الفضل في ذلك يعود إلى المنهج البنيوي الذي اعتنى بتحليل الظواهر والعلاقات. و«بتأكيد أهمية مبدأ أساسي هو أن الظواهر لا تعني وهي معزولة وإنما تعني القصيدة عبر العلاقات التي تنشأ بين هذه الظواهر»[5]، وقد دفع هذا المنهج بعض النقاد إلى تحليل النصوص الشعرية وتفسيرها انطلاقا من مفهوم العلاقات التي تصنعها الثنائيات الضدية على حد ما و جاء لدى بعضهم من أن «محور النص يتمثل في موقف جدلي يصفه طرفان وتغذيه صفات كل منهما ولذلك فالنص لا يخلو من بعض التقابل والتشاكل على مستوى الألفاظ والجمل لأن طبيعة البنية الجدلية تستدعي مثل هذه التقابلات لرصد مجمل العلائق التضادية والتنافرية»[6]، غير أن خاصية التقابل لا تكتسب عمقها الدلالي إلا بتكثيف أسلوبي متميز ينبع من حركية التشكيل اللغوي الذي يحقق الإثارة الوجدانية ويخترق استجابة المتلقي فيبعث فيه التأمل ويثير فيه المتعة.

التكرار اللفظي: تعثر الشكل وجاذبية الإيقاع

اشتملت البلاغة العربية على ألوان من التراكيب والصور، وكل ما اتصل منها بالمعاني والمباني أو ما يعرف بالمحتوى (المضمون) والتعبير (الشكل). ولم يختلف البلاغيون حول الأدوات التعبيرية من سجع وجناس، وترصيع وتكرار... وغيرها. إلا أنهم لم يتفقوا على القوانين التي تنظم  هذه الأدوات بأسلوب مغاير وفي شكل إبداعي خلاق.

وإذا كانت الذائقة العربية قد تجنبت التكرارية النمطية غير المنسجمة مع الروح الجمالية، وغير المعتمدة على الصنعة الفنية، فقد اعتنت «بالناحية الدلالية التي تأتي من خلال أنماط تكرارية لها طبيعتها الشكلية والتي تمثل لونا من ألوان التنبيه الفني يمكن رصدها من خلال الخصائص التركيبية لبعض الصيغ في بناء الجملة»[7]، و قد اعتنى النقد المعاصر بالبنية و اعتبرها مفتاح الدخول إلى عالم النص. و مهما تعددت البنى فإن العلاقة بين الدلالي و التركيبي تمنح المقدرة على تفسير المعنى و فهم محتواه "و بقدر ما نمكن من وصف بنية الجملة بقدر ما نستطيع أن نلقي الضوء على العلاقات المتمثلة فيما بين الشكل و المضمون. و كلما زاد إدراكنا بشكل الجملة استطعنا أن نحدد التداخل الحاصل بين الشكل الصوتي أو الكتابي و الصورة المعنوية"[8]،  ولذلك فإن ما نصفه بجمالية الأسلوب لا يمكن أن يأتي منفصلا عن التلاحم الحاصل بين المحتوى والتعبير. ومن ثمة، فإننا نعتبر التكرار خاصية أسلوبية توفر للمبدع عناصر المتعة النصية من انسجام وتناغم، كما تهيئ للمستمع جوا إيقاعيا.

وقد ركز النقد الجزائري المعاصر على التشكيل الجمالي الذي يعتمد على تقديم التكرار كوظيفة أسلوبية مسيطرة من حيث اهتمام الشاعر بإثراء النص الشعري لهذه الخاصية التي ارتبطت في الشعر الجزائري القديم بالتدفق الإيقاعي المصحوب بكثافة الوجدان الصوفي، فقد حاول الشيخ المجاجي في سينيته أن يخلق البنية الإيقاعية، عن طرق خلق أنواع من عناصر الإثارة الإيقاعية بما فيها من ألفاظ بأعيانها تتكرر هي نفسها على مسافات زمنية معينة  تمثلت في لفظ التكثير «كم» الذي يتوقع السامع والقارئ تتابعه تتابعا معينا على النحو التالي:

فكم سالك دللتم طرق سلــكه      وأنزلتموه منزل القرب والأنـــس

وكم من وضيع رفعتم وفاجـر     وضعتم وجاهلا بكم عالما يمســي

وكم من لهيف قد أغتثم وكربة  كشفتم كمثل الظل في الأرض بالشمـس

وكم خائف أمنتـم من هالـك      وقايتكم يغني عن الدرع والتــرس

واضح أن الناقد يركز على التكرار اللفظي الذي لا يزيد عن كونه زخارف لفظية تنطمس إزاءها أية سمات أسلوبية، غير أنه يحاول الارتقاء بهذا العنصر إلى مستوى الخاصية الأسلوبية من خلال التمثيل اللفظي الذي يعتمد على مواقع الألفاظ في تضادها وتشاكلها. ويرى الناقد أن ترتيب الألفاظ على هذا النحو من شأنه أن يضاعف من الإثارة الإيقاعية والتي تتمثل عناصرها الجوهرية أحيانا في "الجمع بين اللفظ وضده أو المعنى وضده وهو ما يعرف في البديع العربي بالطباق والمقابلة، فقد طابق وقابل الشاعر في الوقت نفسه بين "وضيع - رفعهم" و"فاخر - وضعهم" و"جاهلا بكم - عالما يمسي" وبين "لهيف - اغتثم" و"كربة - كشفتم" و"خائف - أمنتم" فالقارئ والسامع الذي يقرأ أو يسمع لفظ "وضع" و"فاجر" وجاهلا لا شك أنه يتوقع ويتهيأ لقراءة وسماع ما يخالفها ويقابلها من اللفظ مثل "رفعتم" و"وضعتم" و"عالما" على التوالي ..."[9]

وعلى الرغم من جهد الناقد في محاولة تعميق عنصر "التكرار" بجعله ميزة أسلوبية، إلا أنه لم يخرج به عن التشكيل الزخرفي. غير أن ذلك لم يمنع من مضاعفة الجهد في ربط مستوى جمالية البناء الشعري بمستوى التلقي وذلك بالتنبيه إلى خاصية "التكرار" في استحواذها على مخيلة القارئ "فيكون بذلك اللفظ المكرر هو الوسيلة والغاية في الوقت نفسه، وسيلة من جهة ما في تكراره من إيقاع محض، ينبه ويحفز على التقو والتهيؤ، وغاية من جهة ما يبثه اللفظ المكرور نفسه من معنى وشعور في نفس المتلقي، وما يخلقه فيها من استجابة وإيقاع نفسي"[10].

لا شك في أن تطور المناهج النقدية قد أفضى إلى استنباط العديد من طرائق تحليل النص الأدبي، وتفسير الأنماط الأسلوبية المتنوعة، كما أن الاهتمام بنظريات القراءة والتأويل قد أعطى الأولوية لاستراتيجية التلقي وتعدد الاستجابات.

وحتى وإن أوحت هذه التحولات لجيل من النقاد بأدوات جديدة إلا أن النص الشعري الجزائري لم يعن بإحاطة شاملة تكشف عن سر تماسكه الفني، وتستوعب الدلالات والرموز المبتكرة التي حملتها بعض الأصوات ناهيك عن الشعر الجزائري القديم الذي يشكل مرجعية فنية لم يبرز النقد خصائصها الجمالية.

وعلى الرغم مما تضمنته تلك الخصائص من إيحاء وتكثيف دلالي وموسيقي إلا أنها بدت خالية من كل تأصيل منهجي، الأمر الذي جعلها تظهر مبعثرة وغير جلية. مما يسبب على الدوام صعوبة الإلمام بمختلف الخصائص الأسلوبية

الوجه المشوه للرمز الأسطوري

تعد الأسطورة من أكثر الأشكال الرمزية دلالة على الرقي الفني من حيث كونها تنتقل باللغة من المستوى المادي إلى المستوى التجريدي. كما أنها تضفي على العالم بعدا جدليا، وتعمق إحساسنا بالوجود، وتضعنا في مواجهة مستمرة مع المجهول.

وتجدر الإشارة إلى أن الأسطورة ليست مجرد عالم من السرديات المشوقة بقدر ما تمثل مستوى بنائيا عاليا يعكس أكثر التنظميات البنيوية ويزيدها تعقيدا وجمالية. وذلك هو ما يعزز حضورها في الأدب والفن.

لقد تشكلت الأسطورة في رحم الأرض وانتقلت من قوى الوجدان البشري ممهدة بذلك لميلاد الشعر بوصفه الإيقاع الأكثر كونية وشمولية. وبهذا التلاحم يمكن للأسطورة أن تهيئ تأويلا للحقيقة أو لواقع له نفاذه العاطفي والإيديولوجي فتستطيع بذلك أن تساهم في الخلق الشعري مساهمة مهمة. غير انه من الصعب تحقيق الغاية المنشودة من تلك المهمة بخاصة وأن الشعراء يواجهون خراب الأزمنة، وتمزقات الذات وهشاشة الواقع... ومما يبدو أن عودة الشاعر إلى صفاء الصورة الأولى جعلته يستعيد المعنى الأسطوري لاستخلاص المعنى الإنساني[11].

ومن المؤسف أن الشعر الجزائري لم يوظف الرمز الأسطوري بذلك الفيض الخلاق الذي شهد الشعر العربي ألمع إبداعاته الخالدة التي تركها شعراء أمثال (خليل حاوي، صلاح عبد الصبور، أمل دنقل، البياتي، السياب...) وغيرهم ليظل نصيب الشعر الجزائري من ذلك الفيض "ضئيلا ونادرا إن لم نقل يكاد يكون منعدما - نسبيا- بحيث لم نلق توظيف هذا الفضاء الجمالي إلا في بعض المقاطع الشعرية انطلاقا من أن الأسطوري شكل من أشكال التعبير عن العالم والإنسان في علاقتهما وتحولاتهما المستمرة"[12]. ومن الرموز الأسطورية التي أشار إليها الناقد "السندباد"، "الموت والانبعاث" و قد مثلت هذه الرموز تعالي الواقع المنتظر، وتعميق الإحساس بحياة بدت كئيبة منهارة "ولعل أسطورة "السندباد" رمز الإكتئاب والبحث عن عوالم الإمتلاء والخصوبة، قد ألهمت الشعراء بوصفها المعادل الموضوعي لإشراقات رؤياوية... رؤيا البعث المنتظر لواقع هش ومتآكل.

 وإذا كانت صورة السندباد لدى خليل حاوي قد سلكت رؤيا الانبعاث المتجدد نتيجة وعيه الحاد بأزمة الواقع المتصلب والمنحدر إلى الهاوية، فإنها قد اتخذت صورة التغرب والنفي والترحال لدى الشاعر الجزائري وما هي إلا غربة السندباد الذي طوقته عتمات المجهول... إنها مرثية الواقع التي يجسدها الشاعر بحزن ومرارة"[13]:

وأنا أرحل في عينيك ملقى

وسط شطآن عميقة

وأنا أمضي على صفحة مرجان

أغني شكل مرساتي الغريقة

تعكس هذه التحليلات فقر التجربة الشعرية الجزائرية للرموز الأسطورية. وغياب الفكر الأسطوري، يعني انحصار الشكل الأدبي في الصور التقليدية المباشرة وانعكاس ذلك على الأسلوب الذي لم يتحرر من السطحية والخطابية. غير أن ذلك لا ينفي صمود بعض التجارب الحداثية التي لم تهتم بنقل الواقع أو حتى التعبير عنه، وإنما تطلعت إلى مساءلته بما تتوقعه من "ممكنات" وليس بما يتضمنه من "راهنية" "وتلك هي إحدى سمات الرؤيا الانبعاثية لدى الشاعر (إدريس بوديبة) التي تحاول أن تنفذ إلى الواقع ومجابهة الحياة، وتحويل الأشياء المألوفة إلى إعادة صياغة مكوناتها المثالية في إنسانيتها الخلاقة. ذلك أن حلول الفن في المجتمع هو نوع من الفعل التحولي الذي يسهم في بعثه دون أن تبقى هذه الرؤيا مجرد إستيهام عاطفي أو انفعالي يرصد الواقع في تفاصيله ولا يستقصي ممكناته. وتبدو أسطورة "إنليل" تجسيدا مأساويا ينطوي على سمات إشارية متعددة تتضمن الراهن بحركية متوترة في مدار الخراب"[14]:

إنليل يصدر أمرا بالتخريب

وبالتدمير

وتفشى الداء وساء القحط

وتمردت الأرض فأنبتت الملح

وجف الحقل فلم ينبت إلا التيه

وتحرك (آيا) فزعا:

(إنليل) يصر على التدمير

 

ولعل ما يكفل لهذه المقطوعة شيئا من الجدة هو تطلع صاحبها إلى نشدان  بعض الأشكال التعبيرية المختلفة من خلال توظيف الأسطورة، غير أننا نلاحظ تغلب المضمون الأسطوري الحكائي أو السردي - أن صح التعبير -، مما يرجح انعدام التفاعل الرؤيوي بين شكل الأسطورة ومحتواها الدرامي وبين شكل التعبير ومحتواه الباهت الذي تنم عنه هذه المقطوعة. "وإذا كان الشاعر قد حاول أن يتمثل الرمز الأسطوري السومري شعوريا فإنه لم يفجر هذا الرمز جماليا، واكتفى بتحويل هذا الرمز إلى مطية ينظر بها إلى الواقع. وبذلك يكون قد عزز فكرة تداعي الشيء دون استلهامه أو دون خلق الصلة بين معجمية المصطلح الرمزي وفكرة التداعي التواليدية"[15]، ومهما كان تعامل الشاعر الجزائري مع الرمز الأسطوري بوصفه خاصية أسلوبية تتميز بقدرتها على إثراء المتخيل وتكثيف الصور...، مهما كان ضئيلا وسطحيا وغير متوغل، فإن إحساسه بنمو العلاقات بين الدوال والمدلولات أو بين الأشياء والكلمات جعله يتطلع إلى خلق ألفة مع الرمز الأسطوري لتجديد موقفه الشعري من الواقع والكون.

ويمكننا القول أن انفصال الشعري عن الأسطوري في تجربة الشعر الجزائري كانت نتيجة الإفراط في التمسك بالواقعي واليومي، فابتعد الشعراء عن التعمية والغموض، واهتموا بالزخارف واعتمدوا على الخطابية المباشرة. ونادرا ما نصادف تجارب رائدة اهتمت بالشكل التعبيري قدر اهتمامها بالمضامين. وهي التجارب التي ما تزال تمثل ألفة تقبلية تمنح القارئ المتعة الجمالية المنتظرة بإيقاظ حسه الوجداني، وتعميق رؤاه التأملية.

فقر أساليب وخيبة التشكيل

ما تزال طرائق التحليل الأدبي تبحث عن المنهج التأسيسي لمعطياتها التي تتراوح بين الألسني والجمالي، والسيمائي والتاريخي، والهيرمنيوطيقي والنفسي وغيرها من مصطلحات النقد والقراءة التي إلتف معظمها اليوم حول فاعلية التلقي في إنتاج المعرفي والجمالي.

ولذلك فإن النقد ملزم بأن يلم  و بوعي انتقائي بأهم الآليات التي تفسر علاقة الكتابة بالوجود، وتصل الفن بالمعرفة، والواقع بالرمز.

أما النقد الجزائري، فقد ظل - في معظمه - بعيدا عن هذا التناول، كما أن فقر الخطاب الشعري للإشارة وافتقاده للدهشة ضاعف من انتشار ظواهر سطحية شكلت في مجملها استجابة فورية لمشاعر عابرة "ولعل أبرز هذه الظواهر لفتا للنظر هو اهتمام أغلب شعرائنا بالموضوع دون الاهتمام بالأسلوب في أعمالهم الشعرية، وعنايتهم بالفكرة والموقف دون العناية بالجانب الفني المجسد للفكرة أو الموقف فقد كانت الروح الثورية تستبد بأغلبية الشعراء استبدادا حماسيا عارما بكيفية لم يستطيعوا معها  إيجاد الفرصة للتأمل في تعابيرهم وصورهم"[16].

وفيما نعتقد فإن انصراف أولئك الشعراء إلى المضامين كان حافزا قويا يغذيه الحماس الجماهيري مما جعلهم يحولون جل طاقاتهم إلى المغزى من العمل الفني، فلم يهتموا بمستوى الأداء "وقد جاءهم هذا التصور فيما أحسب من إعطائهم القيمة الكبرى في العمل الشعري للمضمون الثوري غاضين الطرف عما هو أساسي في الشعر من عناصر فنية أخرى كالصورة، والخيال، والبنية الشعرية"[17].

صحيح أن الشعر الجزائري قد أنتج في مرحلة معينة جمالية نضالية لا تضاهى، بيد أنها لم تستوعب شكلها البنيوي والأسلوبي الأخاذ. فقد نظر إليها من جانب أحادي مما غيّب المستوى الفني بإيقاعاته وصوره ورموزه وإيحاءاته فلم نعد نذكر هذا الشعر إلا بوصفه خطابا ثوريا مجلجلا "وأحسب أن العلة تكمن في هذا المنظور الذي يتصور الشعر الثوري صخابا لجبا، مجلجل النبرة، قوي الإيقاع، يقرع الآذان بألفاظه الجزلة، وتعابيره المعتمدة على المبالغة والتهويل، وأن الشعر الثوري لا يليق به أسلوب الهمس الذي يتصور أنه بالمواقف الرومانسية الحالمة أليق"[18].

إن انكفاء الشعر الجزائري على المدلولات بما تضمنته من دوافع اجتماعية لا يكفي لاستخلاص المعنى الأدبي. وذلك أن الدوافع بمفردها لا يمكن أن تفضي إلى استنباط شعرية متفردة تعكس حركية الإبداع. ولعل ذلك ما يميز انتقال الشعر من الوجدان الجماعي إلى الوجدان الفردي.

وقد كان  يجدر بالنقد الجزائري أن يلتزم على الأقل بالنقد البلاغي إزاء المادة الشعرية التي كانت في متناوله. وربما أفلح النقاد في التزام هذا المنظور لأنه سوف يرسخ -إلى حد بعيد- قيم التحليل النصي بإحصاء الصور البلاغية من رمز، واستعارة، وكناية، وتفسيرها على غرار ما نجد لدى أحدهم في تحليله لشعر الأمير عبد القادر من خلال قوله: "فإذا نظرنا إلى الألفاظ والتراكيب علمنا مدى كلف الشاعر بالمحسنات البديعية واهتمامه بالزخارف اللفظية... وإذا انتقلنا من جانب البديع إلى جانب آخر من علوم البلاغة، فالقصيدة ذات خيال خصب، تأمل الإستعارة المكنية في البيت الأول مثلا فقد شبه النحس بالعدو، وبذلك أضفى الحياة على شيء معنوي وبعث فيه الحركة"[19] غير أن هذا المستوى من القراءة لا يعدو كونه وصفا تجزيئيا لمواصفات زخرفية. أما ما ندعو إليه هو تلك القراءة التأويلية التي تطمح إلى اكتشاف عمق المتخيل من خلال ما تضمره التراكيب من معاني وصور.

إن استنباط الخصائص الأسلوبية أو الاستدلال عليها لا يتسنى بمجرد إحصائها أو حتى وصفها وإنما يتم بإطلاق الحس التأملي في السمات الإشارية والتدقيق في العلاقات المنشأة بينهما وما يترتب عليها من إمكانات لا نهائية من الإيحاءات والدلالات.

ويكفي أن نقول بأن اللغة الشعرية تتفرد بميزات وخصائص إلى حد لا يمكن حصرها وربما يعد التوازي إحدى أهم هذه الخصائص لما يشمل عليه من تشكيل وما يتضمنه من حس شاعري في نظام هندسي يتلاحم فيه الإيقاع الشعري بالتقني، ويكشف في الوقت نفسه عن مقدرة الشاعر في الصنعة دون، تكلف مما يشعر القارئ بالرغبة في تحليل مستوياته وأنماطه.

 


الهوامش

[1]  الركيبي، عبد الله : الشعر في زمن الحرية.- ص.158

[2] عزام، محمد : الأسلوبية منهجا نقديا.-دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1989، طI.- ص.84

[3] فيدوح، عبد القادر : دلائلية النص الأدبي.- ديوان المطبوعات الجامعية، طI ، 1993.

[4] المرجع نفسه.

[5] أبو ديب، كمال : جدلية الخفاء و التجلي.-بيروت، دار العلم للملايين، ط 2،1981.- ص.170

[6] فيدوح، عبد القادر:  دلائلية النص الأدبي.- ص.46

[7] عبد المطلب، محمد : البلاغة والأسلوبية.- الشركة المصرية العالمية للنشر، ط  I، 1994.

 [8]المرجع السابق.- ص.290.

[9] المرجع السابق.- ص.77.

[10] المرجع نفسه.- ص.ص. 86-87.

[11] حمر العين، خيرة : حركية الخصب من خلال توظيف الأسطورة في شعر خليل حاوي.- مجلة اشارات ع 4/5، اتحاد الكتاب اللبنانيين، 2000.- ص.123.

[12]  عبد القادر فيدوح : الرؤيا و التأويل مدخل لقراءة القصيدة الجزائرية المعاصرة ديوان المطبوعات الجامعية ط1  ص 106.

[13] فيدوح، عبد القادر : الرؤيا والتأويل مدخل لقراءة القصيدة الجزائرية المعاصرة.- ص.113

[14] فيدوح، عبد القادر : ملامح الحداثة والتجريب في الشعر الجزائري.- مجلة البيان / الكويت، ع306، 1996.- ص.25.

[15] المرجع السابق.- ص.26.

[16] ناصر، محمد : شعر الثورة من جانبه الفني.- الجزائر، مجلة الثقافة، وزارة الثقافة، ع 86.- ص.128.

[17]  المرجع نفسه، ص 131.

[18] المرجع السابق، ص 133.

[19]  صيام، عبد الرحمان : الأصالة والتجديد في شعر الأمير عبد القادر.- الثقافة، ع 75.- ص.296.