Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 07، 2004، ص. 85-97 | النص الكامل


 

 

 

منصوري مصطفى

 

 

 

برأ النقد الأدبي الحديث ساحة كثير من الشعراء الذين ألصقت بهم تهمة السّرقة؛ عند استحضارهم لأفكار شعراء سابقين عليهم. فاعتبر ذلك أمراً مسايراً للتطور التاريخي للإنسانية قاطبة. فاللاحق يقتبس من السّابق، و يضيف ما أمكنه ليصبح ما ورثه أكثر مسايرة لواقعه و اهتماماته الطّارئة.

و بذلك تراجع الاهتمام بقضية «السّرقات الأدبية[1]» التي شدت جيلا من النّقاد، و طبعت مقارباتهم النّقدية؛ بترصد دقيق لطرائق[2] انتقال أفكار شاعر لآخر، دون اعتبار لتوارد تلك الأفكار، و لا لتداخل الرّؤى، و تطابق الانشغالات الكبرى للإنسان في كلّ أحواله.

و لم يسلم من سهامهم إلاّ القليل، لا تغنيهم براعتهم الفنية و لا القدرة على المراوغة بالتقديم و التّأخير أو نقل اللّفظ مكان لفظ آخر… أو غيرهما. فذاكرة النّقاد نافدة قوية، لا تعجز عن استحضار كلّ الأفكار مهما كانت غرابتها و بعدها الزّمني. و لم يأتهم أن ملكية المعاني مشاعة لا تنازع  في شرعية امتلاكها،  و لا تمنح لواردها الأول. إذ لو كان الأمر غير ذلك لأصبح كل الشعراء يرددون صرخة عنترة بن شداد:

هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِن متردّمِ             أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدّار بَعْدَ تَوَهّمِ؟[3]

و هو الحديث العهد بالمنابع الأولى للشعر العربي، (مثلا)-بعد أن ضاقت معاني الشعر و تقلصّت دائرته، و نتج عن ذلك هجران الشعر و صرف النّظر عنه، فقد فاز المتقدم بالتّميّز، و أبقى للمحدث فتاته يقتات منه.

كان ذلك ضمن سياق ثقافي و سياسي، يحتفي «بالفكرة»، و يسعى إلى جعل الشاعر الجاهلي –على وجه التّحديد- متفرداً لا يضاهى، لا يقوى على تجاوزه شاعر و إن نبغ و ذاع… و قد يكون ذلك راجع بالأساس إلى مرجعية النّقاد أنفسهم، إذ إن البحث عن سرِّ اهتمامهم بالسّرقات يظهر أنها كانت ضمن «الانشغال بقضية المعنى –تلك التي أثرها الجوّ الاعتزالي العقلي- ذو صلة وثيقةٍ بتوجيه النّقاد حينئذٍ إلى رصد المعاني المشتركة بين الشعراء و أخذ اللاّحق بينهم من السّابق، يستوي في ذلك القدماء والمحدثون»[4]. فصار النّقاد تبعاً للإطار المعرفي الذي وجه تفكيرهم وأحكامهم مهوسين بالمعنى، مرجئين اللفظ –و كأن ثمة فصلا- فجاءت أحكامهم بناء عليها: من السّارق؟ من المسروق؟ ما مظهر السّرقة؟… بعد أن أصبحوا قادرين على انساب بيت شعري لشاعر بعينه.لكن ذلك لا يعني أن النقاد لم يكونوا على معرفة بظاهرة شيوع الأفكار، فقد اعتبروا أن لا أحد في غنى عن تناول أفكار من تقدمه. ولذلك صنفوا الأفكار إلى (المشترك، المبتذل، الظاهر، الصريح، المخترع… ). وهو اعتراف دفعهم إلى حث الشاعر على ضرورة البحث عن طرق تزيينية لاخفاء تطابق أفكاره مع من سبقوه من خلال انتقاء (الطاف المعاني وتدقيق النظر في تناول المعاني واستعارتها حتى تخفى على نقادها والبصراء بها، وينفرد بشهرتها كأنه مسبوق إليها)[5] وبذلك لايدخل تطابق غيره، وصياغتها بطرقيته الخاصة، لتصبح صورة عن شعريته وعن فرادته في منح الأفكار الشائعة طابعا خاصا لا يزاحمه فيه أحد.

و الواقع أن الفعل ذاته، استمر في عدد غير قليل من «المتون النّقدية» إلى زمن ليس بالبعيد و زالت حدته –إن لم يكن قد اختفى تماما- مع مصطلح «التّناصL’intertextualitè «، الذي أشار دي سوسير إلى بعض مظاهره من خلال ما سمّاه بالتّصحيفات [6] Annagrammes. وقد تبلور بصورة دقيقة عند جماعة (تيل كال) حين أصبح يتخذ عندهم بعده النقدي مع مجهودات  (فيليب سولير). تسجل سنة 1968 المحاولة الفعلية لطرح المصطلح ذاته ضمن الأدوات النقدية في عمل جماعي اشترك فيه ( فوكو، بارث، دريدا، كريستفا …) مستفدين من طروحات  «الشكلانيين الروس» حين اعتبروا النّص «مغلقا مبعدين ظروفه الخارجية في مقابل إحداث علاقات بين النصوص»[7]. و يطور «ميخائيل باختين» المفهوم نفسه مستفيداً من إنجازات الشكلانيين، مَديناً لهم في كثير من طروحاته، حين جعل الرواية ظاهرة لغوية فسعى إلى البحث عن إحداث تركيب بين دراسة الشكل و مقتضيات المضمون الذي يراها مهمة[8]، لــيــخــلــص إلــى مصــطــلـح «الحـواريـة» «dialogisme». فيعتبر الرواية قادرة على دمج لغات و مظاهر أدبية وإيديولوجية متعددة… جماعات، لغة الأشراف و الفلاحين… و هو بذلك يحاول أن يقوّض من صرامة الشكلانيين، و يجعل كل بيان – منم للأدب أو لغيره – متجذرا في سياق اجتماعي يطبعه و يوجهه نحو آفاق اجـتـمـاعية[9].

أمّا «رولان بارث» فيشير في أثناء قراءاته إلى مرجعية لدى روائيين، يراها طبيعية، إذ يعتقد «باستحالة الحياة خارج النّص اللاّمتناهي… فالكتاب يخلق الدلالة، و الدّلالة تخلق الحياة»[10]. و مصطلح اللاّمتناهي يومئ من خلاله إلى تقاطع النّصوص ضمن ما سماه الذكرى الدّائرية.

و يتخذ مصطلح التّناص بعدا آخرا مع «جوليا كريستيفا» حين عدت النّاص مستحضراً لنصوص كثيرة -بوعي أو بدون وعي- من خلال قراءاته المختلفة، و ثقافته المتنوعة، فالنّص لا يخلق من العدم، و لا يولد من فراغ. السبق الزّمني لا يمنح التّميز، و لا يثبت البراءة. و قد سمت مصطلحها Paragrammatisme «أي امتصاص [معان] متعددة داخل الرسالة الشعرية، التي تقدم نفسها من جهة أخرى باعتبارها موجهة من طرف معنى معين»[11].

لكن ذاك التّداخل و التّعالق بين النصوص لا يتم بطريقة واحدة عند جميع الأدباء. فقد يستحضر الواحد منهم تصوراً، و يكيفه بطريقته الخاصّة، و الآخر تركيبا بكامله دون الشعور بحرج أو نقص، و منهم من يمتلك تقنيات خاصّة، يجعل المستعار ملكية خاصة لا تشوبه شائبة. ومن ثم يصبح مهما إثارة سؤال منهجي هام : أي لحظة تخول للقارئ الإقرار بتداخل نصين أو أكثر وفق مصطلح التناص ؟ إذ الوقوف على وجوه التّناص، عند شاعر، أو لدى مجموعة من الشعراء أمرٌ غير متيسّر للجميع. فقد يستدعي البحث عن تلك الوجوه، معرفة لا حدود لها، بكل المتون الشعرية، و النثرية، سواء أكانت من إبداع الفرد أم الجماعة  وذلك من أجل القبض على تمفصلاتها على مستوى الشكل أو المضمون.

حاول محمد مفتاح تدليل بعض مشاق البحث في وجوه التّناص، بوضع مجموعة من الآليات بعد أن أقرّ أنّه –التّناص- «بمثابة الهواء و الماء والزّمان و المكان للإنسان، فلا حياة له بدونها، و لا عيشة له خارجها. وعليه فإنّه من الأحرى أن يبحث عن آليات التناص، لا أن يتجاهل وجودها هروباً إلى الأمام» [12]فرآها لا تخرج عن التمطيط، الشرح-الاستعارة-التكرار-الشكل الدراسي-ايقونية الكتابة-الإيجاز[13]. أما عبد الملك مرتاض فيؤسس للتناص من منطلقات تراثية، مؤكداً «إن التّراث النّقد العربي، غني بالنّظريات والآراء النّقدية… و الذين يكابرون فيتحاملون على هذا التراث لا يعدون أن يكونوا واحداً من اثنين: إما لأنهم يجهلون هذا التراث، و إمّا لأنّهم، لبعض ما في قلوبهم من مرض»[14]. و هو بذلك ينفي أن تكون قضية السّرقات الأدبية قد أعمت بصائر النّقاد القدماء، عن المعاني المشتركة. و أن الجاحظ مثلا رفض «مصطلح السّرقات و أثبت أن المصطلح غير سليم و هو إذن غير مقبول».

و يصبح بذلك التّناص –و إن لم يسُمّ-آلية معروفة عند العرب القدماء، ضبطت إجراءاته، و استكشفت نجاعته في مقاربة النّصوص، مع النّقد الحديث. بعد أن صار من السّذاجة عدم الإيمان بتوارد الأفكار. و النظر إليها على أنها ملكية مشاعة لا يملك أحد شرعية المطالبة ثم فلا مناص من توجّيه الاهتمام إلى الكشف عنها و عن أشكال انتقالها من أديب لآخر عوض التّلويح بسرقتها.

1. الشعر الجاهلي بين ذاكرة الرّاوي و ذاكرة الشاعر:

أثارت شفاهية الشعر الجاهلي، و استناده على «فعل الرّواية» مجموعة من القضايا الشائكة، شككت في أصالته، بل و في وجوده أحيانا. فلم يشفع له سبقه الزّمني و لا شدة وقعه في النّفوس. فقد غدا حقلا ملائماً لمجموعة من النّظريات، نزعت قداسته أحيانا، و هزّت أركانه. مستفزة من يرى فيه النّضج و الكمال. و بخاصّة أنه يمنح إمكانية الطّعن فيه إذ إنّه «نشأ مسموعاً لا مقروءاً، غناءً لا كتابة»[15]. لكن الشعر الجاهلي بقي صامداً، لا يقوى أحد على نفي سحره و تفرده، فهو يمثل اللّقاء الفطري الأول بين اللّغة و الحياة. بل إن المعارضين أنفسهم يرتوون من «مائه» و يغترفون من منابعه، دون أن يشعروا، و من حيث لا يعلمون.

كان يقف وراء ذلك كلّه، ما يرونه تشابهاً مطلقاً، بين متونه، ليس فقط في الصور و طرائق تركيبها، بل أيضا في طبيعة «المعجم الشعري» الذي يكاد يكون واحداً بين جميع الشعراء «يتباين أحيانا باستبدال مواقع الحروف لا غير» كحال بيت امرئ القيس[16]:

وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ   يَقُولُونَ: لاَ تَهْلَكْ أَسًى وَ تَجَمَّلِ

و بيت طرف بن العبد[17]:

وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُم   يَقُولُونَ: لاَ تَهْلَكْ أَسًى وَ تَجَلَّدِ

إذ الاختلاف كامن فقط في «تجلّد - تجمل» و هما من المعنى نفسه. وإذا كان النّقاد القدامى قد دحضوا تلك العلاقة بإرجاعها إلى عمل الرّواة أو إدخالها ضمن (وقوع الحافر على الحافر)، فإنّهم في المقابل لم يجزموا في القواسم المشتركة الأخرى. فظلّت ضمن المسكوت عنه. على الرغم  من أن الشعر الجاهلي قد منح للنقاد إمكانية النفاذ إلىكنهه والوقوف على بعض أسراره وبخاصة أن امرئ القيس قد أشار إلى تعانق شعره مع من سبقوه، إذ هو يصدر عنهم ولا يجد حرجا في اتباع نهجهم :

عوجا على الطلل المحيل لعلنا     نبكي الديار كما بكى ابن حمام[18].

لكن ذلك لم يثن النقاد من اعتباره رائدا، فهو أول من، وقف واستوقف.  بل إنهم لا يستبعدون أن يكون الشعراء اللاحقون عليه قد اقتفوا آثاره وساروا على دربه.

لا ينبغي أن يؤدي ذلك في النهاية إلى الإقرار «بجماعية» الفعل الشعري الجاهلي و نفي فرديته، و اتصال كل قصيدة بذات أكثر من شاعر واحد، وإن بدا معجمهم اللغوي واحدا بفعل تشابه ظروف الشعراء أو بسبب اصطلاحهم على تقاليد فنية واحدة.  وقد يكون التشابه و المشاكلة المطلقة أحياناً من فعل «الرواية». فقد تقاطعت ذاكرة الشاعر بذاكرة الرّاوي. الكشف عن طبيعة كل واحدة ليس بالأمر الهيّن، و بخاصة «أن براعة الشفاهي لا تعتمد على ذاكرته، و لكن على إتقانه لمجموعة من الصّيغ الهيكلية… يحشوه بما يلائم موقف الإنشاد و من ثم فليس هناك إبداع فردي، و ليس هناك نص معين لشاعر معين»[19]. فتصبح القصيدة مزجاً لمهارتين، لا تنطق بهما إلا بنية النّص التي يمكن القبض عليها من خلال التّمييز بين الأصيل و الدّخيل، مع الاعتراف بعدم أصالة النّص الأدبي مهما كان مطلقاً.

2. نموذج من التناص في الشعر الجاهلي:

-»ماء» الفرد و ماء الجماعة:

رسمت تيمة «الماء» شكل القصيدة و حدودها، منطلقاتها، و أبعادها. لا حركة إلا بدونه و لا سكون إلا تحت أجوائه.غيابه يبكي، و حضوره يبهج. فهو الذي أجدب المكان/الطلل، و أجبر الأحبة على الرّحيل، تاركين قلبا يتلظّى، و هو الذي جعل الشاعر يستقل راحلته باحثا عن ماء، ممثلا بامرأة – تناءت ديارها - رجاء خصب آخر ينزع جدب قلبه.

و عندما يصير «الماء» بهذه الصورة، فإن احتفاء الشعراء به أمر طبيعي، مساير لاهتماماتهم و هواجسهم و آهاتهم و تطلعاتهم. أمّا عندما يعجز عن تقديم تعاويذ له، لعدم فاعليتها يستحضر طقوس أجياله السّابقين. فالهمّ واحد و التعلق «بالماء» يكاد يكون واحد أيضا.

 أ. الثور الوحشي خصب و نماء:

كلّ الأشياء –مهما بدت واهية هيّنة- صالحة لدى الشاعر الجاهلي، للإسهام في رحلة البحث عن الماء، و لا يهمّه مصدر تلك الوسيلة؛ متى خذله ما هو محلّي، يقع تحت إدراكه المباشر. فقد يستحضر طقوس غيره، و يضمّنها توقه العظيم للماء. لأنّه يعلم أن شقاءه ما كان إلاّ بغيابه. و من ثم فأمل سعادته مرهون بحضوره. فليجرب ما يفعله الآخرون بالثّور، لعلّ قدسيته تجدي، و قد جرب فاعلية البقر في «نار الاستمطار» حين تقرب بها لقوة المطر و ليكن فعله هذه المرة بشكل غير مؤذٍ.

تكاد تكون صورة «الثور الوحشي» في الشعر الجاهلي واحدة عند جلّ الشعراء. قد تختلف في بعض الجزئيات، لكن الإطار العام الذي تصدر عنه واحد. من ذلك أن كلّ «صورة في القصائد، التي تسرد قصة الثور تذكر ليلة ممطرة أو إشارة إلى ليلة ممطرة أو إلى المطر»[20] و لا يمكن أن تبنى صورة بمحض الصّدفة و الاعتباطية. فالثور في مثل هذه الحالة يحمل أبعاداً أسطورية، ارتبط فيها بالمطر و بالخصب. تلك الدّلالة التي يمكن الوقوف على بعض جذورها في الحضارات السّامية القديمة. فالثورة و اسمه «إنليل عبده السّومريون، و عبدوا البقر الآلهة معه، و من اتحادهما في زواج مقدّس، فاضت ضفاف دجلة و الفرات بالخصب على أرض سومر، و هكذا نظر سكان العراق القديم (السّومريون)، إلى الثور رمزاً لقوة خصب عظيمة، تتصل بحاجياتهم و معيشتهم، فلقد وجد الماء بقدرة هذا الإله «إنليل» فازدهرت لذلك بالخضرة و النّماء» [21]و بالصورة ذاتها، انتقل إلى الشعر الجاهلي. فتم التعانق مع الأسطورة بالإشارة إلى بعض مضامينها من خلال الرّمز. إذ الشاعر ليس مطالباً بتتبع تفاصيلها، و إنّما أن يقتبس منها ما يحتاج إليه، و إن فعل غير ذلك فقد الشعر مسوّغه.

تكشف النّماذج الشعرية التّالية التّقاطع الواضح، بين ثور «السومريين»  و ثور القصيدة الجاهلية، مشيرة إلى تلازمه مع المطر، غافلةً مواصفاته الأخرى لعدم ملاءمة المقام هنا لسردها.

و بَاتَ إلى أرطأةِ حِقْفٍ كأنّها       إذا ألثَقَتْــهَا غبتـةٌ بيتُ معْرِس[22]

فَبَاتَ مُعْتَصِماً مِـنْ قُـرّهَا لَثِقاً       رَشّ السّحـابُ عليه المَاءَ فاطّرَقَا[23]

بَاتَتْ و أسبل وَاكِفٌ مِـنْ دِيمةٍ     يُرْوِي الخَمَائِلَ دَائِمـاً تَسْجـَامها[24]

بَاتَتْ لَهُ ليـلةٌ شهبـاءُ تَسْفَعْهُ      بِحَاصِبٍ، ذاتِ إشعَـانٍ و أَمْطارِ

و باتَ ضيفاً لأَرْطَأَةَ و أَلْجَـأَهُ     معَ الظّلامِ إِليهَا وابلٌ سَـــار[25]ِ

فبـاتَ إِلَى أَرطـأةِ حِقَفِ تلُفُّهُ      شاميــةٌ تذري الجمان المفَصّلاَ

و باتَ و باتَ السّارياتُ بضفتهُ   إلى نعـجٍ من ضائِنِ الرّمْلِ أَهْيَلاَ[26]

باتت عَلَيْه ليْلَـــةٌ لَثـِـقٌ           أوّلـــــها شنّانَةٌ وَ مَطرُ[27]

إن الثور لا يذكر إلا مرتبطا بليلة ممطرة، و تلك إشارة إلى رمزيته فهو متّصل بسبب بالقمر القاهر  للظّلام، و مقرون بمطر قد يكون هو فاعله. وذاك ما يفسر الإلحاح على الفعل «بات». و يمكن من جهة أخرى أن يكشف عن الغيث الذي يتوق إليه الجاهلي. إذ يحبذ منه الذي ينزل ليلاً فهو أنفع وأجدى. و بجانب «بات» ترد شجرة «أرطأة»  بكثافتها المقدسة، لتجمع مع الثور، ليضمان الإخصاب الفعلي.

ألا يكون الثور إذاً صورة مستحضرة من الحضارات السّامية، بشكل يلائم التصور العربي الجاهلي. مؤكداً بذلك اللّقاح الحضاري بين الشعوب السّامية. و لن يظهر ذلك بجلاء إلاّ عند الشعراء، فهم الأقدر على استرداد الماضي، و جعله لا يموت أبداً. فالثور السّومري ظل حيّا مقدساً خالداً من خلال ذاكرة الشاعر. 

ب. مطر الطوفان:

إن الإحساس المشترك بحيوية عنصر الماء في شبه الجزيرة العربية، لا يمكن أن يتخذ ذريعة للإقرار بتشابه رؤى الشعراء نحوه، و إن بدا توقعهم إليه ظاهرة تكاد تكون عامّة. و ذاك أمر طبيعي، فعلاقتنا بالأشياء لا تتطابق بمجرد تشابه الظّروف و الملابسات. إذ خصوصيات الإنسان العميقة تولّد تبايناً مهما كانت طبيعته و حجمه، تمنح للفرد صفته الذّاتية التي لا يمكن أن يحيد عنها.

و من ثم تفاوت اهتمام شعراء الجاهلية «بالماء» فقد رآه البعض مادة لإرواء الغليل، فيما حمّله آخرون أبعاداً ميثولوجية، و شحنُوه بمجموعة من الرّموز، تلتقي في غالبيتها ضمن إشكالية الحياة/الموت.

ينفرد امرؤ القيس عن بقية الشعراء، بتعاملٍ خاصٍ مع المطر، ينمّ عن معرفة دقيقة بعلاماته، و فعله مع [الإنسان/الحيوان/النبات]. يظهر ذلك جليا في المقطع الأخير من معلقته (اثنا عشر بيتا) «و لعلّ الذي حمل امرأ القيس على تخصيص نسبة صالحة من أبيات معلقته لوصف المطر من وجهَةٍ، و تخصيص هذا الوصف بنهايتها من وجهة أخراة: أن يكون الطقس اليمني الذي يعرف إلى يومنا هذا بظاهرة الرّعدية الغزيرة، و التي لدى هطلها قد تمتلئ بها الأودية، و قد تسيل بها المنحدرات فتجرف الأغثاء…»[28]. و وصف فعل المطر في معلّقة امرئ القيس، يكشف تقاطعا يكاد يكون مطابقا لطوفان «نوح عليه السّلام» و معه طوفان البابليين والسومريين… فمطره لم يترك شجرة إلا و أقلع جذورها، و لا حيوانا إلا أفزعه و أخرجه من عرينه مسرعاً يطلب النّجاة. السّباع فيه يجرفها السّيل و قد أفقدها الحركة مع ما تمتلكه من قوة:

كَأَنَّ الــسِّبَاعَ غَرْقَى عَشِيَةً       بِأَرْجَائِهِ القُصُوى أَنَابِيشَ عُنْصُلِ

و ألقى بصحراء الغييط بعاعه   نزول اليماني ذي الحباب المحمّل

بل إن النّخيل ذاتها وهي الضّاربة بجذورها في الأرض تهاوت:

و تيماء لم يتركَ بِهَا جدعُ نَخْلَةٍ وَ لاَ أطما إلاّ مشِيداً مُجَنْدَل[29]

و بذلك يجرف العمران و النبات، و تعود الرّسوم إلى جدبها تماما، كما كانت عليه في بداية المعلّقة، فالجدب قد يأتي بالمطر أيضا.

إذا تمت المقارنة بين فعلي المطر و الطوفان فالصورة واضحة، إذ الطوفان السّومري، أحال كلّ شيء إلى عدم.

و لإثبات التناص الواقع بين مطر امرئ القيس و طوفان السّاميين، يمكن  استعراض  نماذج تثبت ذاك التّجانس:

«ظهرت في الأفق سحابة سوداء كان الإله أدد يرعد في داخلها «[30]

أصَاحِ ترَى بَرْقاً أريكَ وَمِيضَهُ    كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبيٍّ مُكلّلِ[31]

فعلامات عقاب الإله لاحت في الأفق حاملة سحابة سوداء، تبشر بمطر غزيرة، و البرق سمة على مطر قادم، تمنحه الغمامة السّوداء المتراكمة (حبيّ مكلل).

«و تزايدت سرعتها (الرياح و الأمطار) و هي تهب حتى غطّت الـجـبال»[32] .

كأنّ ثيراً في عَرَانِينِ وَبْلهُ        كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمِّلِ

فالجبال (ثييراً) أصابها الوَابل و بدت مسلمة أمرها له. و هكذا مع بقية المقاطع، لا يخلو بيت من إشارة إلى الطّوفان، بوجه من الوجوه. و حدث «كالطوفان» لا يمكن أن يكون امرؤ القيس على غير علم به. و هو الذي كان يجوب البلدان، لا يطيب له مقام في بلدة أبداً. كما أن أمر لقاح الحضارات السامية في شمال شبه الجزيرة العربية، لا يستدعي الدّلائل الكثيرة، لإثبات وقوعه، فقد صار عند المؤرخين و المهتمين بالحضارات من المسلّمات التي لا تجادل.

تتكرر الصورة ذاتها عند (خفاف بن ندبة) الشاعر المخضرم، يبدأها بالبرق، ثم بوصف فعل المطر توالي جزئيات قريبة من تصوير امرئ القيس، فالذئب يخرج من غاره كارها، و قد ضاقت الوديان بالسّيل، والعقاب يقصد أعلى الجبال لعله ينجو من غضب الماء.

كَأَنَّ الضَّبـابَ بالصّحَـارِي عَشِيَّةً     رجالٌ دعَاهَا مستضِيفٌ لِمَوَسِقِ

لَه حَدَبٌ يستخرجُ الذئبُ كَـارِهاً      يمّرُ غُثَاءً تَحْتَ غَــارٍ مطَلّـقِ

يشف الجدَابَ بالصّحَارِي و يَنتَحِي   فرَاخَ العقَـاب بِالحِقَـاءِ المحلّق[33]

و إذا كان أمر إرجاع أصول صورة «خفاف بن ندبة» هيّناً. إذ هو يحيل على مرجعيته المتصلة  بشعر امرئ القيس أساساً. فإن تلك المرجعية لا يمكن أن تكون إلا ذات أصول ميثولوجية سامية. لاو امرؤ القيس، على كلّ حال مرجعية الشعراء. فهو أوّل من وقف و استوقف و قيّد الأوابد. فما يمنعه، أن يمنحهم ماءه، و قد رسم لهم صوره ،فكان مرة امرأة و رجلاً... و مادة للتّفرّد. أرق للبرق، و دعا صاحبه للمشاركة في تأمل زمن الانبثاق، ففعل مثله الشعراء، أرقوا للبرق ابتهجوا لليوم المطير   

يمكن تبعاً لذلك الاطمئنان لمطريات الشعر الجاهلي. إذ التّشابه القائم بين صوره، لا تبرّرها شفاهيته و روايته. فاغتراف الشعراء من منبع واحد، و استحضارهم لتراث واحد، هو الذي حدّد رؤاهم اتجاه المطر، و طابق بين صورهم. 

إن اعتماد التناص في مقاربة النص الجاهلي من شأنه أن يزيل كثيرا من الالتباس الذي صاحب مسيرة ذلك الشعر، ويجيب على أسئلة تركتها دراسات كثيرة معلقة، على غرار ما اتجهت إليه القراءة الأسطورية .حيث أرجعت توافق صور الجاهلين إلى منابع دينية، لم تستطع  إثبات وجودها سوى باعتبارها بقايا ديانات بائدة، لكنها لا تملك دليلا واحدا على ورودها. بل إنها أوقعت نفسها في تناقضات، لم يشفع إحصاؤها ولااتكاؤها على أخبار الأولين من الخروج منها.

فيما أن التناص يمنح إجابات تكاد تكون شافية عن سر تطابق تلك الصور. إذ إنهم اغترفوها من ثقافات كانت رائجة في شبه جزيرتهم، والتي لم يكن الشاعر منعزلا عن تفاعلاتها أو غير آبه بها. فقد أسهم في بعثها وتنمية صورها، من خلال تمثلها، حين رأى أنها تحمل من الدلالات ما يكفيه للسمو بأحلامه ورؤاه.   

 


الهوامش

[1] يظهر اهتمام النّقد العربي القديم بقضية السّرقات جلياً في كثرة الدراسات العارضة لها. اتخذ بعضها عنوان السّرقات صراحة «سرقات الشعراء  و ما اتفقوا عليه لابن السكيت. كتاب إغارة كثير على الشعراء للزبير بن بكار، سرقات الشعراء: لأحمد بن طاهر طيفور… جمع كثيرا منها ابن النّديم في الفهرست» و بعضها تناولها ضمن انشغالات أخرى «العمدة: لابن رشيق، الوساطة: القاضي الجرجاني، أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، الكامل للمبرد، عيار الشعر: ابن طباطبا « فيما اعتبرها البعض الآخر قضية هامشية «حازم القرطاجني، منهاج البلغاء»… و قد انتقلت إلى العصر الحديث في سياق التّعريف بها و بأعلامها، و تحديد تقنياتها «السّرقات الأدبية: بدوي طبانة، مشكلة السّرقات في النّقد العربي: محمد مصطفى هدارة. «

[2] حدد النّقاد القدماء مظاهر السّرقات، و ميزوا بين الممدوح منها و المستهجن، ما يكون سرقة ظاهرة و ما يكون خفياً لا يقع عليه إلاّ الجهابذة… بنظر تفصيل ذلك في كتاب: إحسان عباس: تاريخ النّقد الأدبي عند العرب - دار الثقافة -لبنان - ط5 - 1986 ص:70-131-192-215…258 وما بعدها… في تتبعه الدقيق لآراء النّقاد حول قضية السّرقات.

[3] التبريزي: شرح القصائد العشر  تح محمد محي الدين، سوريا، دار الكتاب.- ص.232 .و ديوان عنترة – لبنان، دار صادر.-  ص.15.

[4] عباس، إحسان : تاريخ النّقد الأدبي عند العرب.- ص.70.

[5] ابن طباطبا : عيار الشعر تح عباس عبد الستار.- لبنان، دار الكتب العلمية، ط1، 1982.- ص.80

[6] كريسطيفا، جوليا : علم النّص - تر: فريدالزاهي، الدار البيضاء –المغرب، دار توبقال للنشر،       ط2، 1997.- ص.78.

[7] Pigay, Gros : Introduction à l‘intertextualité.- Paris, Dunod, 1996.- p. 24  

[8] Ibid.- p.25

[9] Ibid.- p.27

[10] Barthes, Roland : Le plaisir du texte.- Paris, Editions du Seuil, 1975.- p.59

[11] كريسطيفا، جوليا : علم النّص.- ص.78.

[12] مفتاح، محمد : تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التناص.- المغرب،  المركز الثقافي العربي، ط1، 1985. – ص.125.

[13] المرجع نفسه.- ص.ص. 125 و ما بعدها.

[14] مرتاض، عبد الملك : السبع معلقات.- سوريا، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1998.- ص.186.

[15] أدونيس: الشعرية العربية.- لبنان، دار الآداب، ط1، 1985.- ص.05.

[16] امرؤ، القيس: ديوانه – تح حنا الفاخوري.- لبنان، دار الجيل.- ص.27.

[17] الشنتمري، الأعلم : شرح ديوان طرفة بن العبد - تح: درية الخطب –لطفي الصّقال.- دمشق-سوريا، مطبعة دار الكتاب، 1965.- ص.06.

[18] امرؤ، القيس : الديوان.- ص.56

[19] الغذامي، عبد الله : القصيدة و النّص المضاد.- لبنان، المركز الثقافي العربي، ط1، 1991.-         ص.11.

[20] ابن عبد العزيز بن عبد الله، محمد : الماء في الفكر الإسلامي و الأدب العربي.- وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية  المغربية، المحمدية – المغرب، مطبعة فضالة، 1996.- ص.395.

[21] نفسه.- ص.386.

[22] امرؤ، القيس : ديوانه.- ص.98.

[23] الشنتمري، الأعلم : شرح ديوان زهير بن أبي سلمى.- ص.46.

[24] التبريزي : شرح القصائد العشر.- ص.199.

[25] الذبياني، النابغة : ديوان – تح كرم البستاني.- لبنان، دار بيروت للطباعة والنشر، 1980.- ص.52.

[26] الأصمعي : الأصـمعيات – تح عبد السلام هارون / احمد شاكر.- مصر، دار المعارف، ط2 1964، (أص63).-  ص.182.

[27] الشنتمري، الأعلم : شرح ديوان زهير.- ص.162.

[28] مرتاض، عبد الملك: السبع معلقات.- ص.122.

[29] المرجع  نفسه.- ص.53.

[30] وافي، فاضل عبد الواحد : الطوفان في المراجع المسماريــة.- الــعـراق، مـطـبعـة الإخـلاص.- ص.179

[31] امرؤ، القيس : ديوانه.- ص.51.

[32] فاضل، عبد الواحد : الطوفان في المراجع المسمارية.- ص.180.

[33] الأصمعي: الأصمعيات، (أص 2).- ص.26.