Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 07، 2004، ص. 41-84 | النص الكامل


 

 

إبراهيم علي

 

I. محددات أولية :

1. تطرح هذه الدراسة، علاقة (المجال الأدبي)، بالمجال الإيديولوجي، وهي إذ تفعل ذلك فإنّها تنطلق من وعيها بتراكب (الحقل الأدبي) في حقل إنتاج الخبرات الرمزية. مع التأكيد على أنّ النص الأدبي، لا يحقق مشروعيته في الاندراج في الخطاب الإيديولوجي، بل في تعبيرية وأدبية الكتابة ذاتها. وذلك أنّ النص الأدبي، يمارس ويبنى كمجال مستقل. ومن ثمة، فهو يؤدي وظيفتين : نقد الخطاب الإيديولوجي، وإنتاج دلالاته الخاصّة وهو بذلك، يعمل على تجديد شفراته السيميائية والجمالية والإيديولوجية.

2. لذلك فإنّ مقولة النص (Texte)، هي مقولة معقدة ومركبة تنتظم على المستوى اللساني والمخيال والتصوّر. وتنتج أنساقها الأدبية التي تعطي مشروعية الكتابة على أساس قيمتها الجمالية الناتجة عن (كفاءة النص Capacité de Texte).

3. إنّ مفاهيم (المجال الأدبي Espace Littéraire)، والمجال الإيديولوجي، لا يتم بحثها في ذاتها ولذاتها بل يجري استخدامها واختيارها في داخل بحث نظري وتجريدي، ولأنّ هذا (الوعي) قائم على أساس أنّ أيّ نص أدبي لا يوجد بذاته، أي خارج علاقات الاعتماد والتبادل. لذلك تقترح هذه المقاربة القراءة، مجالاً منصفاً يجمع البعدين : وهو (حقل الإمكانات الإستراتيجية Champ de possibilités stratégiques) التي تتحدد داخلها هوية النص الأدبي[1] فالنص الأدبي، حسب هذه العلاقة الإعتمادية، ليس ممارسة لغوية خارج التاريخ، كما أنّه ليس وثيقة استرشادية. النص هو ممارسة إنتاجية إبداعية للغة تمت وفق قوانين خاصّة، أدبياً، اجتماعياً و تاريخياً. ولذلك فهو يأتلف مع الجدلية التي تقوده من الخارج ولكنّه من ناحية أخرى يختلف عنها مادام يصدر عن قوانين داخلية تخصّ مجال الكتابة.

4. يتجه (مجال) النص هنا، إلى الاقتران بمفهوم (الحقل Champ) بالمعنى التي يتحدث عنه (بيار بورديو Pierre Bourdieu)، أي بوضعه معارضة سجالية لمفهوم (البنية Structure)،حيث تعترض على أفكار الإدماج والاقتران والجدولة، وقائع الانقطاع والهامش والتناقض والتمايز. ومن ثمة، لم يعد الحقل الثقافي للخطاب الاجتماعي، انسجاماً نسبياً لنظام وظيفي متحول، ولكن كموقع متداخل لكلمات متناثرة حيث تنبثق الدلالة Signification)) من تجاوز صراعي[2] و ميزة هذه الأطروحة أنّها تقدّم أدوات منهجية لا غنى عنها في تحليل الأفكار وفهمها وميزتها الأولى، أنّها تعيد الفكر إلى موقعه في التاريخ الاجتماعي، ذلك أنّ أيّ مقولة فكرية لها تاريخ، ولها دورها ولها وظيفتها، ولها كذلك دلالاتها، فلا يمكن فهمها خارج هذا الإطار، وفي هذا السياق، تنشأ الكتابة كمعبر يحيل إلى إنشاء صورة (وطنية) عن الذات، وقد تأسست هذه الكتابة بالعنف الرمزي، وأنتجت رأسمالاً رمزياً تتمتع به السلطة، ويحوزه المثقفون الذين يقومون بوظيفة تداول المعرفة[3] .

5. إنّ غايتنا هنا، إذن، ليست البحث في معرفة ماذا نعني بالنص ؟ وكيف يبنى ؟ ولكن الغاية، هي معرفة وتحديد، لأيّ شيء يصلح ؟ وماذا نصنع بالنص ؟ وماذا ينتج ؟ وكيف يشتغل ؟. وفي كلّ هذه الأسئلة، تواجه (النص) إشكالية التعددية وعدم التجانس، وأعتقد أنّ هذه الإشكالية بصرف النظر عن كلّ مظاهر التعدد، هي أهمّ مسألة يمكن أن تعنينا في دراسة النص.

6. ولعلنا لا نريد أن نردّد سؤال (سارتر Sartre) القديم، ما الجدوى من الأدب في عالم يجوع ؟ فلعل إعادة طرح هذا السؤال بهذا الشكل، لم يعد مستساغاً. كما أنّنا لا نريد أن نؤكّد ما أسس له الشكلانيون الروس في خلق (علم الأدب Science de la littérature) مستقل، انطلاقاً من الخصائص الجوهرية للمادة الأدبية التي تميزها عن كلّ مادّة أخرى. أعتقد أنّ هذا، كذلك أصبح في عرف العادة. كما أنّنا لا نريد أن نؤكّد بطلان ما ذهبت إليه النزعة (الإثنوغرافية) كما يؤسس إلى ذلك منظرها (فيسيلوفسكي Vesselovski) باعتبار النشاط الأدبي رأسمالاً مجمّداً. وهي نزعة كما أصبح واضحاً، تجهل الصفات النوعية (للنسق الأدبي Système littéraire ).

7. لقد بات واضحاً، أنّ الرؤية النافذة للنص، لن تتأتى إلاّ من خلال تشارك الوظيفتين : الإحالية Connotation والإنشائية composition للنص الأدبي. حيث يتغدى النصّ من هذا التفاعل، ومن هذا الصراع. ذلك أنّ (النص) لا يوجد منفصلاً عن إحساس العوامل بالخصوع والتبدل تحت تأثير (النسق الباني Système constructif)، لكن إذا تلاشى الإحساس بتفاعل العوامل، فإنّ (النص) يمحي ويغدو آلية Automatisme.

8. عملنا/اشتغالنا، ينطلق إذ، من حالة (نصية Textualite) قائمة ومتميزة. أي نص بهويته وخصائصه / صفاته، يشتغل وينتج ثلاث (مجالات) معرفية وهي :

1) (النص)، وإنتاج (مجال) المعرفة بالسياسة.

2) (النص)، وإنتاج (مجال) المعرفة بـ (السيماء Habitus) الاجتماعية.

3) (النص)، وإنتاج (مجال) المعرفة (العلمية) بموضوعه.

II. النص، وإنتاج مجال المعرفة بالسياسة :

فعل الكتابة، هو بالأساس، فعل مسؤول، يحرر الفاعلية السياسية ويتحرر بها، و من ثمة فإنه دعوة إلى إقامة علاقة ديمقراطية بين الكتابة والسياسة، إلى علاقة تفاعل تكفل تصحيح السياسة و الكتابة، و ينقل الفعل و النظر من مدار الوهم، إلى مدار الحقيقة، و هذا لا يعني الدعوة إلى نوع من الكتابة (السياسوية) بل هي دعوة من أجل كتابة تعمل على فرض (منظور) سياسي من أجل ممارسة نوعية للتعبير. ذلك أن الكتابة (السياسوية) قد تنسى الفعل السياسي، وهي تلهج به. في حين أنّ كتابة (المنظور) السياسي، تلملم نثار السياسة القائم في جميع ثنايا الحياة.[4] لذلك فإن كل تمايز سياسي، لا يحقق تمايزه الثقافـي، فــهــو ساقـط. يقــول : [كارل ماركس K-Max] : أن التمايز السياسي لطبقة ما، لا يكتمل إن لم تستطع أن تمايز نفسها ثقافيا، أي أن تصوغ تصورها الخاص للعالم، و أن تحقق استقلالها الثقافي[5]. و من ثمة، فإن كل كتابة لا تحقق مشروعيتها، إلاّ إذا كانت كتابة قائمة على تكسير المفاهيم السائدة، و تحطيم كل ما أفلس، لأنه أقام علاقة مخادعة بين العقل و الفعل و بين النظرية و الممارسة. نتأكد من هذا، أن الكتابة تصير قوة (مادية) فاعلة في التاريخ، حين تتجسد في الممارسة السياسية. و ذلك أن النشاط الفكري في إنتاج المعرفة العلمية بقوانين التطور التاريخي، أساسي لنجاح  الممارسة السياسية، ومن ثمة فإن الفكر النظري لا يصير سلاحا فعالا في عملية التحويل، إلا حين يدخل الوعي[6] فيتجسد في فعل الممارسة السياسية. ومن ثمة لم تعد الفلسفة نظرية للممارسة العلمية. بل ربطها الفيلسوف الفرنسي [لوي ألتوسير – Louis Althusser] بالممارسة السياسية، أي أن العلاقة الأساسية تغيرت من علاقة ترابطها بالعلم إلى علاقة ترابطها بشكل رئيسي بالإيديولوجيا، و يصبح كل من السياسة والإيديولوجيا مستويين محددين في الممارسة الفلسفية، كما أن الإيديولوجيا لم تعد مجموعة تصورات خاطئة، أي تصورات تخفي الحقيقة، بل أن هذه التصورات تتجسد في مجموعة من الأجهزة، هي الأجهزة الإيديولوجية[7].

و بديهي أن الكتابة لن تستطيع أن تؤسس لفعلها ما لم تكن عملية صميمية. و هي لن تكون كذلك، ما لم تتناول مشكلات الحياة. و خلال كل ذلك، تستطيع أن تضع فعلها موضع النقد، و في سيرورة الفعل من أجل الهدف، تعيد الكتابة ترتيب منطلقاتها، و تصبح كتابة تاريخية تؤسس فعلها في الحياة، و لا تحوم فوقه، و هي تبقى بدون ذلك تحوم في دائرة ردود الأفعال العشوائية، و في إطار المسلمات الساذجة التي تبحث باستمرار عن مشجب خارجي تتعلق به، و من ثمة فإن غياب ملامح حقيقية ومتسقة لكتابة التغيير، هو الذي يقذف بالخطاب الثقافي (الأدبي) إلى متاهات التلفيق والترجمة لذلك فإن عدم وضوح وظائفية خاصة/مميزة لفعل الكتابة إنما يشير إلى هشاشة كتابة التغيير، وإلى عجزها عن تحقيق (مداخلة) فاعلة في شروط الحياة، يقول (غرامشي A.Gramsci) : يستلزم لتحقيق بعد التغيير، تحويل الفعالية السياسية إلى (علم)[8]. ومن هذه النقطة بالذات، يتأسس الإسهام التاريخي الحاسم، تبدأ (الثورة) من (العلم)، و يبدأ (العلم) من (النقد الشامل) لذلك كان تاريخ العلم، نقدا للمعرفة و للإيديولوجيا، و كان تاريخ (الحداثات) التأسيسية تاريخا مفتوحا لنقد الممارسة النقدية و الممارسة السياسية، هكذا يصبح القول بتحويل الفاعلية السياسية إلى (علم)، شرطا ضروريا لإنتاج مقولات قادرة على شرح/تفسير العلاقات التاريخية معرفيا، وقادرة أيضا على قراءة الفعل السياسي في جملة مستويات البنى الاجتماعية، و من ثمة يمكن القول اعتمادا على أطروحة (غرامشي Gramsci)، و في شروط ممكنات الخطاب العربي المعاصر، لا معرفة بلا سياسة، ولا ممارسة بلا نظرية، ولا ثقافة بلا وظيفة، ولا وظيفة بدون بحث مستمر عن علاقة الكتابة بالسياسة[9].

إذن كيف يمكن أن يكون للفكر في الواقع فعل، إذا كان الفكر يأتي الواقع من الخارج، وكان الواقع في منطق تطوره التاريخ، مستقلا عن الفكر!.

إن مستقبل (النظرية) في الأدب، مرتبط باكتمال المعرفة الاجتماعية، هنا تظهر أهمية النشاط النظري و دوره في مسار التاريخ، فلا حركة ثورية بلا نظرية ثورية[10]. ومن هنا تأتي أهمية وعي ما دعا إليه فلاسفة كـ (هيجل Hegel) و(ديوي Dewey) و (كولينغورد Collingwood) و (لوكاتش Lukacs) بالنسبة لضرورة الاهتمام بالحاجة إلى تطوير مقولات/أدوات نظرية فلسفية لغرض فهم/إظهار البعد التاريخي للفكر، و إلى أي مدى هو مشروط بالظروف التاريخية و الثقافية المتغيرة، ذلك أن الفكر النقدي، لا يمكنه أن يجابه واقع النص المتميز في حركة تطوره التاريخي، في تغيراته، بل يمكن القول أنه يولد/يتطور في خضم هذه المجابهة. بذلك فقط، يكتسي طابعه (العلمي) الذي يحيله إلى نتيجة ضرورية، في أن يكون قادرا على تفسير النص وتاريخه تفسيرا علمياً، معنى هذا أن التحام النظرية بالحركة المتجددة في التاريخ، أساسي لوجودها كنظرية علمية مؤسسة، و تبعا لذلك فإن النظرية لا تسبق الكتابة/الأدب، بل ترافقه أو تتبعه، يعني هذا أن يبدأ التنظير من داخل الأدب/النص، لا من النظرية/المقولة، و هذا يعني كذلك، أن النظرية في شكلها المؤسساتي نظرية مثالية تخضع الممارسة للفكر، لا الفكر للممارسة. تنطلق من أولوية النظرية مع أن نقطة كل انطلاق هي الممارسة، هكذا يتضح أن سبيل الوصول إلى تحقيق نظرية خاصة للممارسة الخطابية يتم داخل الكتابة نفسها، فليست الكتابة هي التي تتمثل النظرية، بل يجب أن تساير النظرية تقدم/تطور عملية الكتابة، و من ثمة فإن الكتابة الحقيقة تبدأ من الحياة لا من النظرية، ذلك أن الأدب متعدد كالواقع، كالحياة، وهو كذلك لا ينبغي أن يقرأ من مكان واحد، و من ثمة فإن الأدب لا ينقل بل يكتب والكتابة ليست نقلا، بل فعل، فالكتابة فعل بالأساس، إن الفكر النقدي وليد حاجة تاريخية، و لذلك يجب أن يتحول النص النقدي إلى نص تاريخي، ذلك أن الشرط الضروري لولادة نقد حقيقي، أي نقد يبحث و يقدم الأسئلة، هو أن يبدأ النقد من مكانه الطبيعي، (نقد الحياة)[11]، و تقديم قراءات مختلفة/متعددة لها، و في هذا ينشأ النقد و يتخلص من كونه (ترجمة)، أي استقالة علمية، و في هذا الأفق فقط تستطيع الكتابة أن تؤسس لنفسها شرعيتها الخاصة، والكتابة بهذا المعنى لم تعد مجرد متعة/لذة هامشية ثانوية، إنها الطريقة اليومية لممارسة فعل الحياة.

و في هذا الإطار، تبدو أهمية حركة إنتاج الكتابة في أن يكون لها موقع، والموقع هذا من حيث هو موقع في حقل الصراع، له بالضرورة طابع إيديولوجي ومن ثمة فإن كيفية تحديد العلاقة هذه يصير أمرا ضروريا لعملية ممارسة فعل الكتابة، حتى حين تتوحد كفاعلية ضمنية في حقل الإنتاج الأدبي، يترتب على هذا، مقولة أخرى ضرورية و هي أنه إذا كان بالضرورة للكتابة بعدها الإيديولوجي فإن مهمتها/وظيفتها داخل حقل مجال الكتابة لا ينحصر في تحديد هذا البعد الإيديولوجي، و إنما تكمن في شروط وظائفيتها أيـضا – و بـسبب من أهمية هذا الطابع السياسي- في أن تنتج معرفة (علمية)[12]، و من ثمة تصبح مهمة الكتابة، ليس في تسييس النص/الأدب وتحويله إلى مجرد مقاربات سياسية، بل في تحويل المقولات السياسية إلى أفكار وصور أدبية[13]، الفعالية الأدبية إذن ليست شكلا قائما بذاته، عالقا في الفراغ، فارتباطه بالإنسان و مشكلاته، أمر لا جدال فيه، الجدال هو في كيفية هذا الارتباط، و في مستواه، وفي هذا يقول (أدونيس) : "أن ارتباط الشعر بشيء ما، يعني أن هذا الشيء يكتسب بعد الشعر لا أن الشعر يكتسب بعد الشيء، وهكذا لا يتناول الشعر الحديث مثلا، بوصفه مستقلا قائما بذاته، أو بوصفه منجزا، وإنما يتناوله يوصفه حركة و صيرورة، أو بوصفه حدثا – رمزا، فالقصيدة لا تكون ثورية بموضوعها، بل بدلالتها وخصوصيتها التعبيرية"[14]، و هذا يعني أن لا يكون الحدث غاية تخدمها أداة هي الشعر، الحدث على العكس هو وسيلة للشعر الذي هو استقصاء للكائن و طاقاته وكشف عنها، و من جهة ثانية ترميز للتاريخ[15]، و لذلك فإنه من الشروط التي يجب أن يحققها النص هو أن يؤسس لمجال إبداعيته ليس من مستوى النظرية، و إنما من مستوى شكل التعبير، بنية الكلام و من ثمة فإنه لا وظيفة للإبداع إلا الإبداع[16]، و لذلك تكمن ماهية الكتابة في أدبيتها ذاتها، في كونها خرقا مستمرا، و من ثمة تأتي وظائفيتها من كونها تمارس حريتها الكاملة في إبداع هذا الخرق[17]، ولذلك فهي لا تحقق مشروعيتها بالاندراج في الخطاب الإيديولوجي، بل في تعبيرية/أدبية الكتابة ذاتها، ذلك أن النص الأدبي يمارس و يبنى كمجال رمزي مستقل عن مجال الخطاب السياسي، يبنى كخطاب ديمقراطي مضاد/مناف للخطاب الشمولي الذي ينوب عن الكتابة و الإبداع، و يدفع بالقراءة إلى آفاق الصمت بتغييب المعيش في أقمطة التضليل و الشعائر الجاهزة، و هو بهذا يكرس ثقافة الواحدية، واحدية الفكر، واحدية القراءة، واحدية الكتابة، إلى واحدية الإمتثال التي تستكين إلى أحكام ثابتة ومن ثمة فإن (ثقافة الاختلاف) هي شرط ضروري وأساسي (لكتابة الإختلاف)[18]، ومن ثمة فإن وظيفة الكتابة الأدبية هي في أن تنجز (شعرية Poétique) لغتها الخاصة، وأن تخرج من الدلالة الأحادية لتعانق الدلالات حيث تتبلور في سياق نقدي ينفتح على آفاق جديدة بما يعطيه لها من وظائف/واجبات جديدة : نقد المدونات الأيديولوجية السائدة، نقد الشفرات السيميائية، نقد المعيش اليومي و علاقاته و قيمه، هكذا أصبحت فاعلية الكتابة كفعل أساسي لفعل القراءة، عملية معرفية شاملة تجمع بين التحليل اللغوي و التساؤل التاريخي أي التدبير الفكري لاستخراج الجدلية الكامنة بين الحقول الثلاثة[19].

إن الوعي بالواقع المعيش يتجاوز الحياة ذاتها، ليعيد خلقها/تشكيلها من جديد، يقول (مطاع صفدي) : "فليس لنا أن نكتب بقدر ما لنا أن نعرف ماذا نكتب، إن إختيار نوع الحياة هو الأصل في اختيار التعبير، و قبل التعبير ينبغي أن يكون لدينا ما نعبر عنه، بل ما يستحق أن نعبر عنه"[20]. ومن الواضح أن الكاتب يتعلم من الحياة و لكن من أجل أن يخلق عملا /نصا عليه أن يعرف كيف يخلق صورا ذات أبعاد تقوم بإعادة خلق الواقع و من ثمة فإن العناصر الرئيسة لطريقة ما لا يمكن أن تحصى بشكل آلي، و لكن ينبغي أن تقوم كنظام[21]، ولذلك فمن أجل تفادي خطر العرض التبسيطي للواقع فإن حقيقة الحياة يجب أن تجهد من أجل فعالية إستاتيكية انطلاقا من التسلح بخبرة معرفية علمية تتأسس على فهم قوانين الكتابة-النص، ومن ثمة قوانين تطور الحياة و لذلك فإن الجامع بين الكتابة الحقيقية والعلم هو العلاقة المعرفية[22]، و لذلك فإن البعد الإيديولوجي في النص هو أحد العناصر المكونة لهوية النص، غير أنه لا ينبغي أن يتصور هذا العنصر و كأنه العنصر الوحيد، وإنما يتعين تحديد هذا البعد من خلال النص و ضمن بقية العناصر الأخرى المكونة  له[23]، و هنا لا بد من التأكيد على إشارة أساسية في نظرية النص، و هي أن النص ليس تصورا و إنما ممارسة، ذلك أن الخطاب عن الخطاب لا يمكن أن يكون إلا نصا هو الآخر، فالنص النقدي بوصفه لغة ثانية، كتابة على كتابة، و لغة على لغة، لا يستطيع أن ينطلق و يؤسس نظمه/أنساقه الخاصة إلا من النص نفسه من إشكالية اللغة الأولى[24]، و من ثمة تصبح عمليتي الكتابة و القراءة ممارسة تقدم كل منهما حين تمارس في علاقاتها بالأخرى، إنتاجا و في نطاق التبادل العلائقي الوظيفي بين لإنتاجيتين تغدو الممارسة عليهما إنتاجا كذلك[25]، هكذا نجد في الانتقال من التفاعل إلى فعل الفعل مسارا ممتدا لا متناهيا من العلائق القائمة بين فاعليتي الكتابة و القراءة في إطار فاعلية إنتاج الخطاب، و من ثمة فإن الخطاب الأدبي الذي يرمي إلى ممارسة الإنتاج هو خطاب أدبي جديد كما أن الخطاب النقدي الذي يرمي إلى التجاوز/التأسيس هو خطاب نقدي جديد، هكذا فإن الكتابة و القراءة و هما تتحملان بعد الإنتاج تتميزان عن عادات الإنتاج النمطية في مختلف المجالات، و لعل الدلالة الإنتاجية بطابعها المتميز هي التي أضفت عليها صفة (الجديد) كتابة و قراءة[26].

هكذا تستطيع القراءة أن تضيء بنية النص، أن ترى إلى حركة العناصر وأن تصل إلى الدلالات فيه في إطار يشمله/يضمه بخارجيته/مراجعه، بهذا يبنى النص و ينهض ليأخذ شكل بنية هي و من حيث وجودها في مجال اجتماعي عنصر في بنية هذا المجال، و من ثمة تصبح العلاقة : النص-المرجع كعلاقة نظرية منهجية، تحمل الصفة المزدوجة لموضوعها، أي كونها بنية و في الوقت ذاته عنصرا في بنية و يبقى النص انطلاقا من هذه العلاقة الطبيعية داخلا يقع في خارج هو حاضر فيه، و يبقى بالتالي على القراءة مهمة كشف /تحديد الخارج، فيما هي تقرأ الداخل الذي هو النص. بهذا تتشكل مراجع النص كبنية داخلية ضمن القوانين البنيوية التي تنظم النص، و في هذا الداخل يمكن الكلام عن الظاهرات وعن البنى المتميزة و من دون عزلها عن بنيتها الكلية العامة التي هي مرجعيتها، ذلك أن "إقامة حدود الاستقلال والتميز لظاهرة ما، و أن دراسة القوانين الداخلية لهذه الظاهرة لا يمكن أن يكون سليما، إلا بالنظر إلى هذه الحدود كما هي في حقيقتها، أي من حيث هي حدود، ينهض عندها تمايز الظاهرات، و استقلالها بنسقها، عما هو سواها له نسقه"[27]. بهذا يمحى الخلط بين ما هو أدبي، كبنية متخيلة و بين وقائع هي مراجع لهذا الأدب، وبالتالي يقدم النص كمعطى جمالي يؤسس/ينشئ فاعلية أدبيته Littérarité على أساس وظيفي، هي تحقيق فعل الإحالة من النص إلى المرجع، يقول (ياكبسون R.Jakobson) : "إن المحتوى الملموس للدلالات هو محتوى تقريبي"[28]، و من ثمة فإن مسألة المرجعية تحيل على صعيد القراءة إلى وضع النص موضع البحث المعرفي، الذي لا يتناقض في بحث ما هو مرجعه، هكذا تقارب هذه القراءة النص في نطاق نظامه الداخلي الذي تصبح فيه المراجع تولد دلالاتها الخاصة و تؤدي وظيفة بنيوية في النص، و من ثمة، تسمح بالكشف عن النظام النصي المستقل، و في هيأته الخاصة في تشكله المختلف، هكذا تصبح ولادة النص في شكله هي حركة حياته، زمانه الخاص[29]، و لذلك فإذا كانت تطرح الصعوبة المنهجية رؤية المراجع في النص دون اللجوء إلى عملية تجزئة النص فإن القدرة المنهجية النظرية تكمن في رؤية مراجع النص في أبنيتها الأدبية[30]. ومن ثمة فإن تحديد الوظيفة الجمالية كقيمة (مهيمنةDominante ) على النص يسمح بتحديد سلمية مختلف الوظائف اللسانية داخل ذلك النص، هكذا تكسب (القيمة المهيمنة) النص نوعية[31]. وهنا يمكن أن نتساءل، هل توجد إمكانية لوضع نظرية/مقولات نابعة من خواص النص نفسه، و غير تابعة مباشرة لنظرة فلسفية أو إيديولوجية أشمل، الحقيقة أن النقد (الحداثي) و(الما بعد حداثي) رغم دعوته إلى الاستقلالية و تحوله من فعالية تابعة إلى فعالية ذات استقلال و منطق خاص غير منسلخ عن المنطق الخاص للنص، ولكنه غير تابع له بالضرورة، إلا أنه يبرهن مرة أخرى من الناحية المنهجية و الإجرائية على علاقته بفروع المعرفة الأخرى، و تطوراتها الحديثة، مما يوحي بالتعارض مع فكرة الاستقلالية خصوصا بالنسبة إلى كثير من المذاهب التي تشد النقد باتجاه هذا العلم أو ذاك، و تكاد تجعل منه فعالية ممزقة بين التبعية للأدب والتبعية لمعطيات علم معين، و الواضح أن هذه المناهج سوف تزداد و تتشعب مع تطور الخبرة/المعرفة الإنسانية، و من الصعب تصور طريقة مناسبة للتوفيق بينها، و الناقد الحاذق هو الذي يعرف كيف يستفيد من معطيات هذه المعارف جميعا، ويتمثل استخدامها من أجل إغناء العملية النقدية، ذلك أن الفعالية النقدية فعالية مركبة تحتاج إلى معرفة فنية وإنسانية شاملة بسبب هذه الحاجة تداخلت حدود النقد الأدبي مع حدود فعاليات معرفية أخرى، وكثيرا ما أدى هذا التداخل إلى أن يصبح الإقبال على العلوم/المعارف المساعدة-المجاورة نوعاً من الهوس يشغل النقد عن الإشكالية الأساسية مشكلة النص نفسه، إننا نؤكد هنا بعض القناعات هي أن النص الأدبي طبقة معقدة و عجيبة، فهو ممارسة لغوية في إطار اجتماعي تاريخي محدّد و من ثمة فإنه لا يمكن معاملة/فهم النص على أساس أنه عالم لغوي ذري مغلق كما تريد البنيوية، كما أنه لا يمكن تنحية النص من التحليل، و اعتماد ما يحيط به من مراجع، بعد أن نضع النص في خانة هامشية لا نستشيرها إلا عند الاستشهاد أو التقرير، ليس النص الأدبي ممارسة لعبة لغوية خارج التاريخ، كما أنه ليس وثيقة نسترشد بها، و لذلك فإن النص الأدبي هو ممارسة إنتاجية/إبداعية للغة تمت وفق قوانين خاصة أدبيا و اجتماعيا و تاريخيا، ولذلك فهو يتمتع باستقلال نسبي و هو على هذا الأساس، يخضع لجدلية خاصة داخل خضوعه لجدلية أعم و أشمل فهو يأتلف مع الجدلية التي تقوده من الخارج، و لكنه من ناحية أخرى يختلف عنها ما دام يصدر عن قوانين داخلية، تمس عالم الكتابة[32]، و نحن إذ نجد أنفسنا في هذا الموضوع، لا نؤكد ما ذهب إليه [فيسيلوفسكي Vesselovski] حينما قال بأن الأدب (أرض لا مالك لها)[33]. بل أن الأدب أرض ملك للجميع…

.III النص، وإنتاج مجال المعرفة بالسيماء Habitus الاجتماعية : 

لقد ظل البحث النظري لنظرية النص في منظومة النظرية (الهدفية)[34]، يرتكز على سؤالين أساسيين هما : ما طبيعة الأدب؟، و ما وظيفته؟ لذلك نلاحظ أن الأساس النظري الذي قامت عليه النظرية الهدفية هو أن قانون الكمال قي الأدب هو نفسه قانون الكمال في الحياة، والأدب نفسه خاضع للمبادئ نفسها التي تحكم سائر الخبرات الإنسانية، فمن الصواب أن نحكم عليه بمقدار ما يسهم في النشاط الإنساني و لكن كيف يسهم الأدب في النشاط الإنساني؟ و من خلال أية معايير؟ هنا يطرح التحليل المادي مقولاته النظرية ضمن مجال الطبيعة الاجتماعية لمفهومات النظرية (الهدفية) و يقوم النقد الاجتماعي /الماركسي على أساس أن النص الأدبي ينتمي بدوره إلى البنية الفوقية، وهو مرتبط ككل شيء بالوجود المادي، وعلى هذا فإن النص غير منعزل /منفصل في آفاق أثيرية بعيدة عن التأثر بالاضطرابات المادية وعليه يستوجب أن يدرس النص بمقدار ارتباطاته/علاقاته بالبنية التحتية (نمط العلاقات الإنتاجية السائدة)، ولذلك فإن أي نص هو تعبير عن رؤية هذا النص للعالم و بالتالي رؤية الكاتب، والنص محكوم بعدة عوامل منها ما هو مجرد آني و منها ما هو متجذر ينتمي إلى التكوين  السوسيولوجي للكاتب والمتغيرات الفكرية التي تطرأ عليه أثناء عملية التكوين هذه و من ثمة فإن أصالة أي نص أدبي مرتبطة بقدرات هذا النص على تمثيل الواقع من خلال رؤية جمالية متطورة، ولذلك فإن النص لا يدرس ضمن ثنائية البناء الفوقي والبناء التحتي، بل يدرس موضوعا كجملة خطابات متناقضة تجد حلها /مرتكزها التخيلي إبان السيرورة الأدبية، ولذلك يجب أن : "يتحرك النص نقديا في هذه الأطر وهو في كل الأحوال ليس وجوداً معزولاً، إنّه أحد أوجه تجسّد حركة الواقع، يحمل وعياً مميزاً بها، و هو مثال الحركة التي تجسدها صيرورة دائمة"[35]. على هذا فإن المنهج الذي نسمح لأنفسنا أن نسميه بالنقد (الاجتماعي/الماركسي) هو الذي يسعى كما يقول (بليخانوف G.Plekhonov) إلى إيجاد المعادل الاجتماعي للظاهرة الأدبية يخون نفسه بنفسه إذا لم يفهم أنّه لا يكفي اكتشاف ذلك المعادل. وإنّ علم الاجتماع، لا يجوز أن يغلق الباب في وجه علم الجمال، بل يجب على العكس، أن يفتحه أمامه عل مصراعيه، إن الفعل الأول للنقد المادي لا يغني عن الفعل الثاني بل يتطلبه بوصفه تتمته الضرورية[36]. وتختلف مادة الحقيقة في الكتابة الأدبية باختلاف أشكالها، ولا يعني تغاير مادة الحقيقة، اختلافا في جوهر الحقيقة ذاتها، لأنها تمتلك برغم نسبيتها قدرا كبيرا من الثبات في اللحظة المعينة ولكنه يعني بالدرجة الأولى أن كل شكل أدبي يخترع الأساليب المتوائمة مع طبيعته الخاصة من جهة والقادرة على الاقتراب بأكثر قدر ممكن من جوهر الحقيقة في اللحظة التاريخية التي يصدر عنها، و تحدد هذه العناصر والدلالات، صياغة التعبير الأدبي، لذلك يصف الناقد (فرانك أوكونور) القصة بأنها [الصوت المنفرد][37]. ذلك لأنها اكتشاف خلاق و متوحد و لذلك فهي تعيد دونما انقطاع صنع العالم ومن ثمة فإن دور الكتابة هو التعبير عن الممكنات لذلك تختلف الكتابة عن الحياة بأنها أكثر انتظاما وأنها ذات دلالات وهي بهذا المعنى إحدى وسائل الوصول إلى الحقيقة، ولهذا فإن كل تنظيم للواقع يحمل في داخله إمكانية تخطيه، ذلك أن كل موقع/موقف (طليعي) للكتابة يفرض على الكاتب أن يكون في صراع مع حركية الواقع لا لكي تعود إلى القارئ مهمة الاصطفاء فحسب، بل لكي تتاح للكاتب نفسه حرية التعبير ودوره الطبيعي في بناء الوجدان المعاصر، وبذلك يصبح ما هو طليعي موقفا ثوريا و ينعتق التجديد من معطيات راهنية الواقع الثقافي لكي يتوجه إلى المستقبل[38]. لكن الكاتب لا يكتب لذاته ذلك لأن عملية الكتابة تتطلب عملية القراءة، وهذا الجهد المزدوج الذي يقوم به الكاتب والقارئ معا، هو الذي يبرز إلى الوجود ذلك الموضوع الحسي والتخيلي الذي نعرفه باسم (العمل الفني) ومعنى ذلك أنه لا وجود لكتابة إلا من أجل الآخرين وبالآخرين[39]. إنّ الكاتب لا يستطيع أن يكتب بدون جمهور و هذا الجمهور هو جمهور معين شكلته الظروف التاريخية، و هو لا يستطيع أن يكتب دون أسطورة معينة عن الأدب تتعلق إلى حد كبير باحتياجات هذا الجمهور ومتطلباته و في كلمة أن المؤلف في (موقف) شأنه في ذلك شأن جميع البشر ولكن كتاباته ككل مشروع إنساني تحتوي هذا و تحدده وتتجاوزه في آن واحد وأنه لطابع أساسي وضروري للحرية أن تكون في موقف[40] ينتج عن ذلك أن عالم الكاتب لن يكتشف بكلّ عمقه إلا عندما يفحصه القارئ ويعجب به أو يسخط عليه، إذ مجرد الجهد الذي يبذله الكاتب في كتاباته اعتراف منه بحرية وشروع القارئ في تصفح الكتاب، اعترافا منه كذلك بحرية كاتبه، فالنص الأدبي من أية جهة نظرت إليه شهادة بالثقة في حرية الناس[41]. وطالما أن كلا من الكاتب والقارئ لا يعترف بهذه الحرية إلا ليتيح لها الطريق إلى الظهور فإنه بوسعنا يقول (سارتر Sartre) أن نقول أن النص الأدبي يتحدد بأنه "تقديم خيال للعالم في حدود ما يستلزم من الحرية الإنسانية"[42]. فالكتابة إذن عند (سارتر) تعاقد حر كريم بين الكاتب و القارئ أساسه المواجهة بين حريتهما، و بالتالي ليس أمام الكاتب إذن بوصفه حرا يتوجه إلى أحرار إلا موضوع واحد : هو الحرية[43]. وعليه فإنّ المجتمع الذي يمكن للكتابة أن تتحقق فيه ماهيتها الكاملة هو المجتمع اللاطبقي بحيث لن يكون هناك تناقض بين موضوعها و جمهورها، ذلك لأنه لا يمكن أن تمنح الكاتب حرية قول كل شيء، بل يجب أن يكتب لجمهور يملك حرية تبديل كل شيء، وبكلمة واحدة : أن الكتابة هي بماهيتها ذاتية مجتمع في حالة ثورة دائمة[44] وكان طبيعيا أن يربط (سارتر) بعد ذلك بين الكتابة و الديمقراطية لأنها النظام الوحيد الذي يكون فيه للكاتب معنى. ذلك أن معنى حرية الكتابة تقتضي حرية القراءة و حرية الكاتب لا تنفصل عن حرية القارئ، فالكتابة إذن : "طريق من طرق إرادة الحرية فمتى شرعت فيها طوعا أو كـرها فأنـت ملـتـزم"[45].

و على هذا يكون الشرط الضروري لفعل الكتابة، ليس فقط مادة الكتابة وإنما العامل الذاتي (الآراء و التصورات) الذي لا ينبع من المادة و من تجسيدها الفني، و إنما بما تضفيه الكتابة في تلك اللحظة التي يعالج فيها مادة الكتابة، ذلك أن العامل الذاتي يصوغ عن طريق العمل التثقيفي أيضا، ولكن و قبل كل شيء عن طريق العمل المغير للواقع[46] المهم إذن أن تكون الكتابة ذاتا في عملية الممارسة، ومن ثمة فهي تنزع في التأثيرات كذات في الممارسة.

وإذا كان الذوق وسيلة للإدراك فإنه ليس وسيلة للمعرفة التي تصح لدى الغير فالذوق عنصر شخصي و المعرفة ملك شائع والملكة التي يستحيل بها الذوق معرفة، هي ملكة التفكير فبالفكر يتدعم الذوق وينتقل من الخاص إلى العام[47]. ولذلك يرسم النص حدوده ضمن المنطقي والقابل للانتقال والمشاركة ومن ثمة فإن كل كتابة تضيف إلى الوجدان الإنساني مذاقا جديدا للحياة هي كتابة (تقدمية)[48]. تسعى إلى كتابة الحياة وإعادة تشكيلها فهي تتغذى من الحياة لتخلق/تصنع شيئا آخر هو : [الأثر-النص] الذي لا يتأسس من غير انقطاع سابق عن الحياة، تتموضع الكتابة بفضله في صعيد آخر، و لذلك تكمن الحقيقة في الكتابة-النص، حيث تتجاوز الحياة إلى السمو وأن عبقرية الكتابة تحي الممكنات ولا تحي الواقع، ولهذا فهي تقوم على تنظيم معطيات الواقع الخام ولذلك فإن الكاتب لا يخلق وعيا، إلا ويتناول حاضره هو، إنه لا يريد أن يخلق وعيا يتناول حاضر الآخرين، فهو لا يريد أن يؤكد وجود الآخرين قدر ما يريد أن يؤكد وجوده هو بالذات، ومن ثمة كانت علاقته بالقارئ علاقة حميمية و ليست علاقة تابع بمتبوع، ولذلك يؤكد (أدونيس) على خوفه من أن تصنع (الثورة) بأسلحة غير ثورية. فهو يؤكد على التشديد على أن يكون الكاتب في طليعة الشعب[49]. وإذا صحت هذه الفرضية أوجب بالضرورة أن أول ما ينبغي أن نفتش عنه داخل حقل ممارسة فعل الكتابة هو طبيعة الرؤية التي تقدمها، ثم مدى قدرة هذه الرؤية على تعميق/تأصيل الوعي، ومن ثمة فإن حتمية الكتابة مرتبطة بذلك الموقف المحدد الذي يتخذه الكاتب بمناسبة ظروفه الخاصة[50]. وفي (المواقف) كما يؤكد (سارتر) لا يكون أمام الكاتب إلا أن يختار بين حدين : الموت أحدهما. ويجب عليه أن يعمل بحيث يستطيع في كل وقت أن يختار الحياة[51]. و من ثمة يجب أن تكون الحياة و الكتابة شيئا واحدا بالقياس إليه، لا لأن الكتابة تنقد الحياة وإنما لأن الحياة تعبير عن المشروعات و قد اختار هو الكتابة مشروعا له[52]. على هذا الأساس فإن الكاتب لا بد أن يكون ملتزما، إنه في موقف في عصره فكل كلمة لها صداها و كذلك الصمت[53]، وعليه فإن أحد الدوافع الأساسية للكتابة هي أن نحس بأنفسنا أساسيين أي أن أحس بأني ضروري بالنسبة إلى ما خلقت[54].

إنّ الكتابة هي فاعلية تتم بدافع من حاجة داخلية لا مفر من مواجهتها، إنها بحث مستمر و لذلك فهي تمتاز بهذه الخاصية هي أنها انخراط كلي وممارسة و من ثمة كانت تعبيرا عن حالة قلق فضولي اتجاه معنى المصير الإنساني، و لذلك فإن إستمراريتها مرتبطة بالحاجة عن التساؤل عن (لماذا؟) و(كيف؟) ولهذا كان من الضروري للكتابة ألا تكون (لا مبالية) لا لون لها وهذا ما يؤكد فرضية القول بأن الكتابة ينبغي أن تصدر عن فلسفة للحياة، فأسرار الأدب في الحقيقة هي أسرار الحياة، وأن كل رائعة من روائع الأدب، إنما تدور حول هذه الأسرار وكذا كل فلسفة حقيقية للأدب[55]. ولئن كان معظم الناس عميا إزاء الأدب فذلك لأنهم تعلموا النظر إليه بعيدا عن قرينته وقرينة الأدب هي الحياة الإنسانية نفسها[56]، ولذلك فإنه لا يمكن إنقاذ الأدب من عمليات تسفيفه إلا عن طريق إعادة تشكيل العلاقات بين الأنا والآخر، وبينهما وبين فاعلية الكتابة ذاتها بشكل جذري، الأمر الذي يمكنها من خلق إمكانات غير محددة لتقدم الحضارة الفنية الإنسانية وتطورها إلى مـا لا نهـاية[57]. وإذن فالفاعلية الإيديولوجية للنص لا يمكن تجاهلها ومن ثمة فإن أي تنازل عنها يشكل خيانة إيديولوجية للأدب-الكتابة ذاتها، ويمكن القول بصورة أكثر تحديدا أن جميع الاتجاهات (الطليعية) في الأدب تعبر التكوينات الأدبية دائما عن فكرة محددة مرتبطة بالحياة، فالأعمال الأدبية يقول (بليخانوف) : "تتحدث باستمرار عن شيء ما، وبالتالي فهي تعبر دائما عن شيء معين"[58]. لذلك فإن العلاقة بين الأدب و الإيديولوجيا ليست محض مسألة نظرية، بل هي تخضع بدورها لفعل قوانين أكثر شمولية من حيث طابعها الاجتماعي، وبالتالي تتحدد فاعلية الكتابة بحاجات هذه الفئة أو تلك لتثبت وجودها في نظام العلاقات العامة و هذه العملية لا تتم في مجال الممارسة الاجتماعية فقط، بل في جميع مجالات الحياة الروحية، ومن بينها مجال الأدب ذلك أن عالم الأفكار السائدة تنعكس على شكل تعبير مثالي عن العلاقات المادية السائدة وقد كتب الناقد (محمود أمين العالم) محددا موقفه من هذه المسألة يقول : "أما موقفي السياسي من (النقد)، فهو إيماني بأن النقد غير منعزل عن الحياة بكل أبعادها السياسية و هو بعد أساسي من أبعاد الحياة، و بهذا فالنقد فعل سياسي و إن لم يتخذ صفة العمل المباشر هو الفصل بالوعي الشامل الجمالي و الاجتماعي والحضاري عامة[59]". و عندما أراد الفنان (بيكاسو P.Picasso)" أن يوضح الصلة بين الفن و السياسة قال : "لقد أثبتت لي سنوات الاضطهاد أنه يتعين علي ألا أكافح بفني فقط، و لكن بكل كياني"[60]. هكذا يخضع خلف الصراع الفلسفي  الثقافي صراع إيديولوجي ففي المجتمع الطبقي يعكس الأدب معنويات طبقة معينة منه وآراءها السياسية وذوقها الجمالي[61] ولذلك حين يجد الكاتب نفسه إزاء مهام عملية يظل ينتج تحفا فنية رائعة[62]. ومن ثمة فإن السبيل إلى تذوق الأدب هو التعليم/التثقيف والوسيلة التي يمكن عن طريقها الحيلولة دون احتكار الأدب ليست هي التبسيط بل تدريب القدرة على الحكم الجمالي، و من ثمة لا تستطيع الكتابة إلا أن تكون فنا معقدا و لما كانت الشروط الضرورية للتحقيق من الاحتكار الثقافي و الفني هي بالأساس شروط اقتصادية و اجتماعية فإن المهمة الكبرى، إنما تنحصر في الكفاح من أجل تحقيق هذه الشروط[63]. فالمسألة إذن ليست مسألة وجود أفكار في عمل أدبي، ما دامت هذه الأفكار تظل مجرد مادة خام، مجرد معلومات و لكن قد تتشوش الكتابة من الإيديولوجيا الغامضة إذا ما ظلت بدون تمثل[64]. فالعلاقة هي علاقة إغناء ولا تعني بأي شكل من الأشكال، استبدال طرف بطرف آخر، إن طاقة الكتابة إنما هي كامنة في طبيعتها وانتظامها الخاص، في شكلها المميز بما هو كذلك ولذلك فهي تتمتع بمقتضى شكلها بقدر واسع من الاستقلال، هكذا "يهدم الوعي الفني السائد التجربة العادية"[65]. ومن ثمة فإن المعنى الوحيد المقبول الذي يمكن أن يتوفر للكتابة (الطليعية) هو المعنى الذي يحيل الكتابة ذاتها من حيث هي مضمون صار شكلا[66]. وفي هذه الصياغة تفنيد واضح للفهم الإبتذالي للجمالية الواقعية، و لذلك فإن واجبات المعرفة لا تنحصر فقط في مهام التفسير وإنما في العمل على التغيير، و الكتابة بهذا آلية تساعد على المعرفة و التغيير، و قد قال (فرانسوا مورياك ) : "إن قيمة أثر ما هي بقدر ما ينعكس فيه مصـيـر ما"[67]. وأنه من الحماقة و الجهل، الاعتقاد، يقول (تروتسكي) بأن نطلب من القراء أن يصفوا بأي ثمن مدخنة مصنع، ثورة ضد الرأسمالية[68]. ومن ثمة فإن الاعتذار عن الفن بحجة الإخلاص للإيديولوجيا هو إساءة لهذه الإيديولوجيا بالذات.

لقد أسهمت الممارسات الأحادية في تسطيح عملية الكتابة و ذلك إما بالمبالغة في النقاء النظري أو بجعل التعاليم المدرسية تنوب عن المراجع، مرجعة النظرية المقولة إلى الإيديولوجيا و النصوص إلى مقدسات مطلقة انطلاقاً من هذا، تأسست بنية/بنيات (عقلانية) مصطنعة للكتابة لم تكن في الحقيقة غير تجسيد لقصدية (غير عقلانية) قامت بإلغاء الدلالات عبر تحويلها إلى أوامر أي عوض أن تكون الخبرة خبرة تاريخية تتحول إلى لاصقة خارجية فالعقلاني لا يكون بتحويل المعطى المرجعي إلى مجرد نموذج إجرائي يستعار، إنه "جدل داخل بنية تقوم بإعادة إنتاج نفسها من خلال التحولات التي تفرضها علاقات أطرافها، غير أن الكتابة حين تكون مستعارة فإنها لا تقوم بأكثر من تأكيد موضوعة النقل الكتابي، ولا تسمح لإبداع العلاقة بين الحياة و تصورها بأن تقوم بإنتاج نفسها"[69]. وعندما تكون (المعرفة الاجتماعية) مترجمة أو شبه غائبة، فإن الشكل الجاهز يصبح أداة تسلط و ليس تجسيدا لطقس كتابي، لهذا لا تستطيع الكتابة أن تبدأ كممارسة إنتاجية متميزة، إلا بوصفها شكلا للحياة، ذلك لأن الكتابة تقدم مرآتها المكتوبة و تنقلها من حيز الممارسة الاجتماعية إلى حيز الإنتاج النصي، و من ثمة فإنها ليست فعل انعكاس فهي تنقل بل تكتب ذلك أنها فعل بالأساس، إنها حد يرسم حدود الممارسة في وعيها لذاتها كممارسة. والكتابة بهذا، لا تحددها الأشكال الجاهزة، بل هي تبحث و تفتش و تخترع و لا تنتظر الوحي من المقولات المترجمة أو من الاستعارات المسبقة بل تفتح نفسها على التلقي و التواصل وهي إجمالا إنشاء ما لم ينشأ بعد، بحث عما لم ينوجد بعد، و اكتشاف لما يمكن اكتشافه هي فعل إنتاج ضد اللغات التي ابتذلت إنها صياغة جديدة للمكتوب وحده البحث إذن جدير بأن نكتبه وننكتب فيه، في زمان الانتقال والتحول[70]. هكذا تتأسس الفاعلية الوظيفية لشرط الكتابة ضمن مدار العلاقات الاجتماعية، هذه الوظيفية لا تتحقق إلاّ بفعل جماعي عقلاني متفاعل، فلا سياسة بلا معرفة ولا قارئ فاعل بلا ثقافة و الفعل السياسي الباحث عن التحويل لا يتحقق إلا إذا استطاع أن يقوم بتحويل الأدوات التي يعتمدها أي تحويل فاعليتي الكتابة و القراءة، بما يتلاءم مع طبيعة التحويل المنشود، ومن ثمة فإن مستقبل النظرية في الكتابة مرتبط باكتمال الشرط الاجتماعي، ذلك أنه حين تخرج الكتابة أو تنفرد عن البنية الفكرية التي تحدد الإطار التاريخي لتطورها، تخرج عن الواقع الاجتماعي نفسه و تستقل عنه فيستحيل أن يكون لها في هذا الواقع أي أثر. وكيف يمكن أن يكون للكتابة في الواقع (فعل) إذا كانت الكتابة تأتي الواقع من الخارج و كان الواقع في منطق تطوره التاريخي مستقلا عن الكتابة ؟ ذلك أن "الإدارة الذاتية و إن استندت إلى الفكر المنفرد تكشف دوما عن عجزها حين تصدم الواقع في غفلة عن منطقه"[71]. فتاريخ (الحداثات) يؤكد دائما ارتباطها في إطار منطقها الخاص بحركة التاريخ التي تخضع بدورها لمنطق خاص، ولذلك فإن ثورة الكتابة ليست شطحة فكرية بل هي تخضع لمنطق خاص يجد شروطه في حركة التاريخ نفسه، و في منطق تطوره، ومن ثمة فإن عزلة الكتابة عن التاريخ، موت لها. وموت الكتابة أن تعجز عن القيام بحداثتها. أي أن تظل سجينة بنيتها، حين يفرض عليها التاريخ ضرورة تفكيكها[72]. هنا تظهر أهمية النشاط النظري و دوره الفعال في مسار حركة التاريخ، فبدون هذه المعرفة (العلمية) الضرورية تفقد الممارسة السياسية قاعدتها السياسية، ومن ثمة طابعها (الطليعي) فتتخبط داخل منطق الفشل، بين المغامرة والانتهازية، وهكذا بالنسبة لألتوسير Althusser، فإن أي انحراف سياسي مرتبط أساسا بانحراف نظري، و أن أي انحراف نظري يؤدي إلى ممارسة سياسية خاطـئـة[73]. فلا يمكن لفعل إنتاج الكتابة إذن من أن يجابه سيرورة التطور التاريخي، إلا إذا وضع نفسه ضمن /داخل هذه المجابهة، وبذلك فقط يكتسي طابعه (العلمي) الذي يحيله إلى نتيجة ضرورية في أن يكون قادرا على القراءة التاريخية، ميزة هذه الكتابة هي في أن تكون نقدا، معنى هذا أن التحام نظرية الكتابة بالحركية الاجتماعية أساس لوجودها كنظرية (علمية) مؤسسة، فحركة الكتابة (الطليعية) دائما بحاجة إلى قاعدة نظرية تستند إليها في تغيير شروط الإبداع و تطوير شيفرات الكتابة، حسب القوانين التي تحكم حركة تطورها التاريخي. و لعل أخطر داء يصيب حركات الكتابة (الطليعية)، هو داء (العفوية) أو (التلقائية)، إنه داء (المغامرة)، وليس في هذا القول من جديد، بل فيه استعارة لقول (لينين Lénine)  لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية[74]. فنظرية النص لا تسبق إنتاج النص، بل ترافقه أو تتبعه. ذلك أن اعتبار كل حقيقة موجودة سلفا في النظرية، يشكل تخلفاً عن مبدأ التطور. ينبغي أن يبدأ التنظير من داخل الكتابة ـ النص لا من النظرية ـ المقولة، وهذا يعني أن النظرية في شكلها المؤسساتي /الدغمائي نظرية مثالية تخضع الواقع للفكر، لا الفكر للواقع. أي تنطلق من أولية النظرية، مع أن نقطة كل انطلاقة هي الممارسة، ومن ثمة فإن الوصول إلى نظرية للنص ينبغي أن يتم داخل البنيات النصية. ذلك أن الكتابة الحقيقية، تبدأ دوما من الحياة، لا من النظرية، يقول (شلوفسكي Chklovski) أحد الشكلانيين ما يلي : يسقط الشكل الأدبي حين يعجز عن أداء وظيفته الاجتماعية، ومن ثمة، فإن الشكل الجديد لا يظهر ليعبر عن مضمون جديد، ولكن ليحل محل الشكل القديم، الذي يكون قد فقد صفته الجمالية[75]. وهو بهذا يؤكد حقيقة أساسية، وهي أن الكتابة تغير أنماط تشكلها بتغير الشروط الاجتماعية والجمالية. ويقول الفيلسوف (ألتوسير) : يقوم البناء الفلسفي على نقد الفلسفات الأخرى[76]. تؤكد هذه المقولات على حقيقتين : تقول الحقيقة الأولى : أن فاعلية الكتابة التي لا تغير شكلها في لحظة تغير العلاقات الاجتماعية، تفقد ضرورتها وتؤسس لسقوطها. و تقول الحقيقة الثانية: أن المقولات النظرية تحقق مشروعية مصداقيتها بقدرتها على ممارسة فعل (النقد). أي أنها تمارس /تشتغل باعتبارها علاقة في صراع. ويمكن أن نمايز انطلاقا من هذا، شكلين من الكتابة: الكتابة (التقنية) الــتي يبقى أصحابها حسب (كريســتــيــفا  ـ J. kristeva) في حدود (الوهم التقنوي) نتيجة لممارساتهم الساذجة[77]. والتي تسعى إلى عملية التسويق والترويج، حيث يصبح الكاتب بائع معارف، مستكتبا يقوم بوظيفة محدّدة[78]. والكتابة التاريخية التي لا تقرأ النص من النظرية، بل تقرأ النظرية من وجهة النص، كي تعود إلى قراءة النظرية على ضوء أسئلة النص أو لنقل، كي تعود إلى كتابة النظرية التي تساهم فعلا في تغيير الكتابة  -النص، انطلاقا من هذا التحديد، فإن ربط المقولة بالممارسة، لا يقصد إلى إنتاج المعرفة (العلمية)، بقدر ما ينشد جعل الممارسة أكثر وضوحا وفاعلية وأنساقا، أي أقل خطأ، خاصة وأن تأكيد أولوية الممارسة على النظرية يسحب السؤال من حقول /مجال الفلسفة الكلاسيكية كلها، لأن الممارسة بهذا المعنى، لا تشير إلى الممارسة النظرية، أو إلى ممارسة ترتبط بنظرية، بل تقصد إلى ربط النظرية بجملة الممارسات الاجتماعية، من حيث هي أشكال صراع مختلفة و متوحدة و متميزة في الوقت ذاته. و الأخذ بمفهوم (الصراع)، بصيغة الجمع، يجعل من كلّ بحث عن (بناء نظري) نافلاً، لأنّ المطلوب في حالات (الصراع)، لا يتمثل في التنقيب عن (فلسفة جديدة)، أو عن (ممارسة جديدة للفلسفة)، إنما المطلوب هو التعامل بشكل جديد مع الإنسان. أي أن المطلوب في التحديد الأخير، هو البحث عن (ممارسة جديدة للسياسة)[79]. هكذا يمكن رسم آفاق الانتقال من الإنشائية النظرية إلى التاريخ الأدبي. وقد اغتنت الصورة الأولية للشكل الأدبي، بملامح جديدة مستمدة من الدينامية التطورية  dynamique évolutiveو التنوع المستمر. ومن ثمة، لا يمكن أن يدرس النص كواقعة معزولة /مفصولة.

.IV النص، وإنتاج مجال المعرفة (العلمية) بموضوعه :

إن الكتابة مدعوة و من موقعها في حركة التغيير، لأن تنتج معرفة موضوعها (علميا)، أي أن تكون المقاربة النظرية لها منهجا قادرا أن يمارس، حين تنكشف علاقات النص، حين تضيء المنطق الذي يحكمها، وحين تظهر ضرورات بنيتها في الشكل الذي تتجسد فيه المادة الأدبية، و من ثمة يمكن التأسيس لوعي (علمي) يساعد على تجاوز دوائر الفهم المستهلكة، ولممارسة قراءة نقدية تحرر النص من أسره في النظريات السائدة وهي حين تفعل ذلك فإنها تتوغل إلى عالم النص الخاص، وبالتالي تحرره من فكرة التغييب الفعلي لحقيقة دوره الوظيفي[80].

والكتابة حين تسعى إلى تحقيق هذا البعد الوظيفي، فإنها تتوجه إلى النص (نقديا)، ولعل ما يميز هذه الإحالة قدرتها في محاولة استجلاء/تحديد موقع الفكر في النص من حركية التاريخ أو في كشف الإيديولوجي في النص كشفا يعلل (المعنى) فيه، وفي محاولتها هذه، تقتصر على أن تكون (علما) منهجا له أدواته القادرة على كشف قانونية العلاقات البنيوية بين عناصر النص باعتباره منتوجا رمزيا مستقلا /متميزا. ومن ثمة فإن فاعلية الكتابة هي فعل / مجهود يتجاوز الفردي ليتوسع في الثقافة بتوسعها به، وبما أن التحاليل البنيوية تحتل موقعها عادة على مستوى التزامنSynchronique فإنها "لا تشيح بوجهها عن التاريخ. فحيث يوجد التزامن لا يمكن تجاهل التاريخ، لأنه من جهة يضاعف بالبعد الزمني كلية المستويات التزامنية المتوفرة، ولأن المستويات الماضية من جهة ثانية لا تقع تحت أوهام الذاتية لمجرد كونها تمت، وهي تصلح بالتالي لمراقبة ضروب الارتياب في الإدراك الحدسي و أوهام سحر متبادل يجازف دائما، مهما كان مغريا، بتوليد التواطؤ على حساب الصدق"[81].

ورغم أن النص هو إنتاجية خاصة بالمعرفة الاجتماعية إلا أن له بنيته الخاصة التي ينهض بها ويستقل، والقراءة تتعامل تحديدا مع هذه البنية وقد تكون عملية كشف هذه العناصر مهمة، ولكن ما هو أهم هو الوصول إلى (قانونية) علاقة الترابط بين هذه العناصر، ذلك أن كشف هذه (القانونية) هو الذي ينتج معرفة (علمية) بالنص، تمكن في النهاية من تملكه معرفيا. أن نمسك بآلية النص، كما معناه أننا "نتزود بسلاح معرفي يخولنا تعرية النص من سره لا من جماله يخولنا الدخول إلى عالمه الداخلي لا لنغرق فيه، بل لنقوله، و لننهض بعظمته و لتكون لنا القدرة على إضاءة هذا المعطى الداخلي فيه، وحدها القراءة العلمية التي تكشف القوانين الداخلية للنص كأثر أدبي Œuvre تترك للنص إمكانية هذا التعدد و هذا التجدد في القراءة، أقول إمكانية، لأن غنى النص هو أيضا عامل تحديد في ذلك، ففي غناه قدرته على أن يكون حاضرا في تطور القراءة التاريخية وفي تغير معيارها الجمالي كمنتج اجتماعي"[82]. وحين ينكشف المعطى الداخلي للنص (علميا)، وفي إطار شبكة العلاقات الشكلية التي تبنى فيها عناصرها الفنية، تبرز العلاقة التي تربط هذا المعطى الداخلي بمراجع النص، و دور القراءة كامن في تحديد هوية هذه العلاقة و على مسافة العلاقة بين النص و بين موقعه في الحركة التاريخية، يتولد الفضاء /الملمح الإيديولوجي في إطار علاقة تكشفها الكتابة نفسها في إنتاجها معرفة (علمية) بالنص. ولذلك يتصف النقد البنيوي في أنه يؤول في أكثر الأحيان إلى لعبة مرايا[83]. يتعذر فيها تمييز الموضوع من صداه الرمزي في شعور القارئ، ذلك أن النص المقروء و فكر القارئ يعكسان أحدهما الآخر، بحيث أنه لم يترك وسيلة تمييز ما يتلقى من الأول وما وضعه الآخر فيه، و هكذا تنزوي في نزعة نسبية متبادلة قد يكون لها بعض المفاتن ذاتيا، و لكننا لا نتبين نموذج الوضوح الخارجي الذي يمكن أن ترجع إليه، إن هذه القراءة تبقى عملية حلم تغريمية[84]. فإذا كان ثمة إمكان للقراءة وتاريخ الأفكار أن يصبحا معا بنيويين حقا، فإن ذلك سيكون على سبيل الحصر شريطة العثور خارجها على وسائل تحقق موضوعي مزدوج[85]. وعندئذ لا يبنى النص على المستوى الإيديولوجي في الثقافة بل بتموضعه على مستواه في الثقافة، غير أنه في احتفاظه بتميزه هذا لا ينعزل عن محيطه بل يبقى فيه، لأنه أصلا موجود فيه، كما أنه لا ينعزل عن حركة الثقافة العامة، لأنه أيضا حاضر فيها، هكذا لم تجد هذه المقاربة /الأطروحة لنظرية الكتابة – النص، وعلى أساس الإمكانات المعرفية- أي فارق بين العلم والأدب، فالأدب الحقيقي مثله مثل العلم يستطيع أن يخترق أعماق الحياة من خلال آليات التعبير عن الصفات الإنسانية، كما أنه يظهر قوانين الحياة وهو لذلك يجتهد لتحقيق هذا البعد، دياليكتيا ويرفض الفكرة القائلة بأن النص الأدبي عالم ذريّ مستقل ومستغلق. إذ لا يكفي لأي كتابة أن توجد دون أن تعني شيئا، ذلك لأن القوانين الداخلية للنص تعكس قوانينه الموضوعية، ولا تعارضها ولذلك فإن العناصر الرئيسية لطريقة لا يمكن أن تحصى بشكل آلي، ولكن ينبغي أن تقوم كنظام[86]. ومن ثمة فإن المعرفة الأدبية هي فعل معقد، بإمكانه تحويل المفهوم المجرد إلى فكرة متخيلة[87]. وهذا المفهوم الخاص هنا، إنما يؤكد أحد المقولات الرئيسية في نظرية المعرفة، وهو أن ما يميز العمل الخاص بالإنسان، هو أن هدفه سابق الوجود في وعي هذا الإنسان. وأنه يؤلف قانون عمله، وهذا الحضور الفاعل للمستقبل، هذا المشروع هو ما يميز الإنسان، وهذا الإسقاط الخيالي أو التجريدي، هو منطلق كل نشاط إنساني، والإلحاح على الجانب الفاعل في المعرفة هو حالة خاصة من ذلك[88]. يقود هذا الفهم إلى التأكيد بأن عملية الكتابة، إن هي إلا نشاط يؤلف بين نقيضين المنطق والخيال، ثم يؤلف منهما وحدة /مركبا جديدا.

من هنا تبرز الأهمية في أن تكون الكتابة (علمية) في نطاق فاعليتها الإنتاجية في إنتاج معرفة جديدة وحين تكون الكتابة (علمية) فإنه لا يمكنها أن تمارس (علميتها) على نصوص فقد بنيتها كأدب، هكذا تستلزم الكتابة (العلمية) بالضرورة قراءتها (العلمية). وانطلاقا من طابع إنتاجية النص، فإن فهم قراءة دور المفاهيم النظرية الضرورية لإنتاج المعرفة التي يؤسس بها الفكر موضوعته، لا ينبغي أن تؤخذ بصورة جاهزة بل يجب إنتاجها /اختراعها. ولذلك فإنه من أولويات مهمات الكتابة أن تؤسس لثورة (كانطية E.Kant) جديدة، تعيد النظر فيها بأدوات إنتاج المعرفة من خلال شبكة علاقات تاريخية تضع في حسابها حركة التطور التجديدية و قوانينها المتميزة ومن ثمة فإن نوع المعرفة وطابعها، يتجددان في نهاية التحليل بأدوات إنتاجها[89]. ولذلك تعتمد الكتابة الأدوات الضرورية للمعاينة على مستوى التحليل والتركيب حتى يمكنها أن تتخطى المظهرية وسياقات البداهة الجاهزة لتنضد ما هو جوهري في كل معرفة، وتمتلك في النهاية تراكمها الخاص.

إن الكتابة هي فضاء يحتفل برغبة استنبات الأصول الجديدة و يأمل في إثارة الانتباه إلى أهمية دور تأسيس إنشاء معرفة (علمية) بالنص من خلال الوصول إلى (الأدبية Littérarité) نفسها.

وإذا كان هذا الجهد مطلوبا فإن ما هو مطلوب كذلك كتابات التأصيل النظري للكتابة-النص، ومن ثمة فإن الكتابة (الطليعية) هي تلك التي تقدم /تطرح كمشروع كتابة. إنها محاولة لإنشاء ما لم ينشأ بعد، تعيد كتابة النص عبر قراءته ولذلك فهي قراءة تأويل Interprétation، والـتأويل ليس تفسيرا Explicatif إنه إعادة استخدام وتوظيف وبناء التأويل هنا، يقود إلى (الاستبدال) استبدال النص بالنص نفسه عبر نص (وسيط)، فزئبقية القراءة وعدم ثباتها خاصية ترجع بالأساس إلى شروط الكتابة نفسها من حيث هي مادة قادرة على التمدد و الارتسام باستمرار، من هنا يمكن أن تساهم القراءة في تأسيس الحقل (النظري) الذي ينتعش بالبحث (العلمي) عن أسئلة الإبداع، تقود هذه الملاحظة إلى الكشف عن طبيعة علاقة التواشج بين الكتابة و أدواتها المنهجية، فإذا لم تخلق الكتابة (الطليعية) قراءتها (الطليعية)، فإنها تظل تدور في مدار مغلق من التجريبية والجزافية التي تبحث عن سياق تستقر فيه[90]. هكذا يصبح هَم البحث النظري في تأسيس المقولات المنهجية المستوعبة، أمرا ملحا من أجل ألا تبقى الجهود محصورة في إطار المراوحة و التردد، من إنجاز مغامرتها الخاصة في طريق الثورة النظرية ضمن أفق المغامرة الفكرية الكبرى للعصر، ذلك أن هذه المفاهيم /الأدوات المعرفية الجديدة، هي ما يقود العقل و يدفعه في دروب اكتشاف الذات وهي تتجسد معرفةً وإبداعا، ثم هي تمارس بقيم الوجود الحار والمتفاعل. قيم التأمل النظري، واقتراح أجهزة معرفية ترمي إلى صوغ القطيعة Rupture التي لا تفصل الإنتاج عن مبدعه و لا عن تاريخه، وإنما تجدد هويته، إن كل مشروع في الحداثة والحالة هذه ليس انقلابا على الذات، ولكن في الذات والسيرورة التاريخية[91]. وهي ما يؤهل النص والفكر والواقع لنضجه في قلب الصدام المتصل الذي تعيشه الأشياء والكلمات، ومن ثمة تصبح فاعلية الكتابة هي كتابة الأسئلة الحقيقية والممكنة والتي تتهيأ لها الرغبة في تعميق ما يخال دائما أنـه بديـهي[92]. ومن ثمة ينبغي أن تصدر الكتابة عن التداعي التخيلي لا عن الاستحضار العقلي، فهي بذلك لا تسرد / تقرر الأجوبة / الحلول، بل تطرح السؤال للإجابة عن الأسئلة، السؤال هو الجواب على معركة الصراعات الكبرى، وهي بذلك تقدم نفسها باعتبارها رمزا فاعلا في تثوير البنية العقلية والوعي الذاتي وذلك بغية تحويل المعطى الثقافي من مادة استهلاكية إعلامية، إلى رمز فاعل فـي الوجود، و قد كتب أدونيس في معرض حديثه عن (الالتزام) : "أن الالتزام الثوري هو الالتزام بالكشف لا بالوصف"[93]. ولذلك يؤكد (بارت R.Barthes) بأن كل ما تستطيع القراءة أن تفعله في مجابهة النص هو أنها تولد معنى تشتقه من الشكل، ذلك أن [الشكل هو العمل][94]. وبذلك تتجلى حقيقة الكتابة كمنهجية حداثية تؤسس كمعطى نصي من حيث فاعليته الإبداعية، لا من حيث مواكبته للسائد والمتداول، تؤكد الروائية (نتالي ساروت Nathalie Sarraute) على أن الكتابة الأدبية كسائر الفنون ينبغي أن ترتكز على بحث Recherche دائم عن واقع ظل مجهولا[95]. وهذا البحث الذي يمنع النص من ولوج دائرة إدراك وتذوق القارئ بطريقة مباشرة وفورية، هو بالذات ما سيمنح لهذا القارئ قوة الانتصار على كل مقاوماته للواقع الجديد، إما بواسطة تعوده المباشر عليه، وإما عن طريق اقتحامه بالعنف[96]. هذا الانتقال الدائم من المعلوم إلى المجهول، من المرئي إلى الخفي، هو ما يجعل الكتابة في حالة تحول مستمر[97]. ومن ثمة فإن النص كما يؤكد الروائي (ألن روب غرييه - Alain Robbe Grillet)، هو بحث عن شيء ما لن يوجد إلاّ بعد الانتهاء من الكتابة[98]. فليس (الواقع) هو الذي يحول الكلام إلى أدب، بل (الفن) هو الذي يحوّل الواقع إلى أدب، أي إلى لغة، فليس الأدب الواقع، بل الوعد[99] فهناك حيث تدخل الحياة الأدب، تغدو، هي ذاتها، أدباً ويجب تقديرها كذلك[100] من ثمة، فإنّ الالتزام بهذا المعنى، هو الكشف عن الصراعات الوجودية، لا بوصفها ومحاكاتها، وإنّما بمساءلتها ببنية عقلية جدلية، وفي هذه النقلة التحويلية لمفهوم الالتزام، تتعزز حتماً العناصر المؤسسة لخلق فعل القراءة المبدع الذي يشارك في إعادة الإنتاج الإبداعي في النص من جهة، وفي إعادة إنتاج الواقع المعيش من جهة أخرى. وفي مقاله (رامبو مشرقيا صوفيا) يؤكد أدونيس، أن كل قارئ عبر الأزمنة، يجب أن يدخل النص كما يدخل في نهر حين يعود إليه مرة ثانية يتغيّر تأويل النص ويتغيّر المؤول ويتغيّر النص ذاته. النص هو قراءته وتأويله. فليس الكاتب وحده هو الذي يكتب، بل يشاركه القارئ أيضاً[101] ولذلك فإنّ قراءة النص الأدبي تقتضي أدبية القراءة. وتلقي الجمال، يفترض جمالية التلقي، أو لنقل، بعبارة ثانية، إنّ أدب الكاتب، يوجد أدب القارئ. لهذا فإنّ السؤال حول كيفية تلقي النص وشروطه، لا يقل أهمية عند السؤال حول شروط إبداعه[102]، فإذا كانت الكتابة الإبداعية تخلق قارئها فيما تخلق أفقها، فإنّ الحاجة اليوم، كتابة وقراءة، هي إلى اللقاء معها : إلى جمالية القراءة الإبداعية[103].      

ومن أجل نفي (الاغتراب)، تشترط العودة إلى أصول (الماهية Essence) في النص. ويظل البحث النظري كخاصية دائمة التفت بالمعنى، سيرورة فكرية لا تتوقف. ولذلك، فإنّه لا يمكن الاعتقاد بأنّ مسألة التأسيس النظري تكون مطروحة كحالة وضعية استعجاليه على مستوى البحث النظري، بل الأهم من ذلك هو (الوعي النظري) والإنتاج المتمثل لإمكانات النص. بهذا يصير الطموح النظري هذا، هو أن تكون ممارسة إنتاج فعل الكتابة وقراءتها، جزءاً من هذا الوعي النظري العام. ذلك أن المسألة هنا، لا تتعلق بابتكار شكل /نمط خاص للكتابة، وإنّما تتمثل أصلاً في تنويع تطوير الأشكال من زاوية أساسية هي، الكشف عن الوعي الممكن المغيب وراء الوعي القائم[104].

ولكن ما الشكل في كتابة النص الأدبي ؟ إنّه الطريقة في استكشاف الواقع وهو إذن "ينشأ ويتحدد، ويتغير في التاريخ -في المتجول- وليس في الثابت المطلق. ومن هنا أهميته : فالشكل الجديد يزلزل السائد -معرفة وتعبيراُ، من حيث أنّ فاعليته المزلزلة آتية من كونه مقاربة خاصّة ومغايرة، في معرفة الواقع وتغييره، ومن كونه مضاداً للمقاربة السائدة، وهجومياً. وطبيعي أنّ الشكل لا يعمل معزولاً، وإنّما يعمل داخل شبكة من العلاقات : مع الأشكال التعبيرية الأخرى، ومع النصوص السابقة، اختلافاً أو ائتلافاً"[105] ولذلك ينبغي أن يقرأ النص، من حيث هو مكان نوعي لعمل نوعي[106] وهذا يعني أن المحل الأساسي لقيمة النص هو في أنّه متحرّك، ليس له (معنى) مسبق، ثابت. فمعنى النص، يتجدّد في كلّ قراءة مع كلّ قارئ جديد، وغير منتظر. إنّ للنص دلالات بعدد قرائه ؛ أو لنقل، بتعبير آخر، إنّ للنص مستويين : الأوّل هو النص كإمكانية لمعانٍ محتملة، والثاني هو النص كمجموعة من  المعاني التي كونتها القراءات المختلفة. القارئ هو، في هذا المستوى شريك في معنى النص[107]. ومن هنا بالتالي، نفهم كيف أنّ النص ليس مجرّد إيصال، وإنّما هو مشروع يريد أن يدخل القارئ في مشروع دلالي متحرّك، لا أن يعلمه، أو ينقل إليه تأثيراً. ومنه ثمة، فإنّ النص هو دعوة، وقراءته هي حوار معه، لذلك لا بدّ من أن تكون إبداعية /إنتاجية، هي أيضاً[108]. هكذا يكتسب النصّ، دلالاته بحضور فاعلية القراءة /التأويل، فهو كشف للغائب في النص. للمتضمن فيه. التأويل إذن بهذا، ينتج معرفة مثل النص. لذا اعتبرت القراءة ثقافة، كما كان دائماً ثقافة[109]. وبهذا، نجد أنفسنا أمام تفاعل ثقافتين : هكذا يتحوّل النص، إلى حمولة معرفية ترتبط بالواقع. ولكي يتم حلّ هذه الحمولة، يتم اللجوء إلى القراءة التأويلية لهذه الحمولة، من حيث بنيتها المعرفية وبذلك، فإذا كان النص الأدبي إبداعاً، فإنّ عملية هدمه /تفكيكه وإعادة بنائه بدورها، تندرج ضمن إطار الإبداع. إنّه إذاً، إبداع ينهض على غرار إبداع آخر. فالكتابة -النص الذي يفتح نفسه لإمكان أن ينشأ منه نقد عليه، يجب أن يكون نصّاً نقدياً من حيث بنيته، "أي يجب أن يكون نصاً متعدّداً ويحمل أكثر من قراءة واحدة، ويشارك في تأسيس لغة نقدية. فلكأنّ الكتابة الأدبية، وهي تنشئ نصوصها، تقوم بتأسيس النص النقدي الذي ينقد، يبني النص ويهدمه في الآن نفسه"[110]. إذا كان النص، كتابة للخفي، فالقراءة، كتابة لإجلاء هذا المستتر. ذلك أنّ التصوّر الذي ينطبع في ذاكرة القارئ أثناء تعامله مع النص، هو الحاضر الكامن في النص. والغائب الكامن في ما وراء هذا الحاضر، والذي لا يمكن الاقتراب منه إلاّ عن طريق فعل القراءة. هكذا تختص القراءة بالكتابة -النص وفي هذه الخصوصية، لا تنطلق القراءة إلاّ من النص من دواخله، وليس من أيّ شيء لا يطوله النص.

هكذا يصمد النص في مواجهة فعل الزمن، ويستمر في الحضور الدائم، بوجود خاصية التأويل. وبالتالي يتحول إلى نسق للكتابة -الوجود، ضد نص الموت. بهذا، تصبح الكتابة عملية كلية من حيث هي إنتاج خلاف لكلية الذات والمجتمع والمتولدة باستمرار. يقول (أنطوان مقدسي) : الكتابة هي حيث كثافة الوجود، تستحيل شفافية[111] ولا نجد في هذا الخطاب، إلاّ تأكيده على أنّ فاعلية الكتابة، هي فاعلية مدفوعة دائماً بدافع الوعي بأسباب الكتابة كمسؤولية. وعند هذا الحدّ فقط، يمكن امتلاك مشاريع تأسيس نظريات / مقولات للكتابة في حدود [علم إمكان العلم]. ذلك أنّه لا يوجد علم جاهز كما يؤكّد على ذلك (بوريس إيخنباوم B.Ikhenbaum)، "إنّ العلم إنّما يعيش متخطياً الأخطاء، وليس وهو يصنع الحقائق"[112] ذلك أنّ كلّ مشروع علم مستوحى في الحقيقة من الاعتقاد بأنّه لا يمكن فهم المنطق العميق للأشياء والظواهر، إلاّ بالغوص في خصوصية حقيقتها التجريبية réalité empirique المحددة، تاريخيا في الزمان والمكان لبنائها (كحالة خاصّة للممكن) حسب تعبير (باشلار Bachelard)، أي كواحدة من الحالات في عالم محدود من التشكيلات الممكنة[113]. حيث يتولد النشاط العلمي داخل العلاقات، بين الاستعدادات التي تنظمها (السيماء Habitus) العلمية، ومن ثمة، فإنّ الرغبة العلمية Libido Sciendi، هي مثل أي ولع آخر، تجد إشباعها في شروط الخضوع للرقابة الخاصّة للحقل هذا هو مبدأ (الخيماء L'alchimie) التي تحوّل شهوة المعرفة، إلى مصلحة في المعرفة[114]. إنّ تاريخ الأفكار، ليس مستأصلاً، بقدر ما هو تاريخ قطائع. أو  لنقل بتعبير (ميشال فوكو Michel Foucault) : تاريخ إبستيمات Epistémes التي لم تكن لتعطي معنى جديداً لأشياء لم يكن لها معنى، بل أنّها غيّرت في الحقيقة طبيعة الدليلSigne ، وبدلت الكيفية التي كان بإمكان الدليل أن يؤول بها[115] ومن ثمة، فإنّ الفكر والخطاب، لا يشكلان التجلي الخالص للمعرفة بل يشكلان "المجال الذي يمكن أن تتولّد فيه كل معرفة[116] هكذا، تمثل هذه القطائع، بتعبير (جاك دريدا Jaques Derrida)، اللحظة التي تسود فيها اللغة الحقل الإشكالي الكوني، حيث لا تمثل سياقاً Contexte لغوياً فقط، بل نصّاً أوسع دائم الانفتاح[117]. ذلك أنّ تاريخ اللغة، هو عبارة عن تقدم رسملة متواصلة[118]. وعلى الفكر أن يكسر هذا السياق[119]. ومن ثمة، فإنّ الفعل الأدبي في حدود كونه ينبع أوّلاً من إرادة الكتابة هذه، هو حقاً الإقرار باللغة الصافية /الخالصة Langue Pure التي ما إن يتم سماعها، حتى تصنع فعل الكتابة[120]. إنّها اللحظة التي يصير فيها كلّ شيء خطاباً[121]. ولذلك يرى (ألتوسير Althusser)، بأن المعرفة، تمرّ بمجموعة من الانفصالات والتراجعات والمنعرجات، أدت إلى القطع مع ما هو ايديولوجي. وقامت ببناء المعرفة العلمية[122] ومن ثمة، فإنّ العلم ليس عملية تجريد مباشر للواقع، بل هو بناء واقع نظري[123]. ولذلك فإنّ الإيديولوجيا عند (ألتوسير)، تشكل العائق الإبستيمولوجي Epistémologique عند (باشلار Bachelard) بهذا، يصبح الفيلسوف عبارة عن إبستيمولوجي تتمثل مهنته في إبراز العوائق الإبستيمولوجية. ويصبح العلم نظاماً نظرياً يتأسس بالقطع مع الإيديولوجيا التي تعتبر ماضيه الخاطئ[124].       

لقد طرحت (جوليا كريـســتيفا J.Kristeva) نظرية للنص من خلال مفاهيم : كالممارسة الدالة Pratique Signifiante، والإنتاجية Productivité والتدليل Signifiance والتناص intertextualité والنص الظاهرPheno-texte والنص المولّد Géno texte. وأما (دريدا Dérrida)، فقد طرح النظرية من خلال مفاهيم كـ (الكتابة والاختلاف L'écriture et la différence) وطرح (جرار جينيت Gérard Genette) هذه النظرية من خلال (التعالي النصي Transcendance ) بأقسامه المختلفة : (التناص)، وما وراء النص Meta texte والنص النظير Paratexte، والنص الأعلى l'hypertexte، جامع النص l'architexte كذلك طرح (بارت Barthes) نظرية النص من خلال مفاهيم عديدة، لعلّ أهمّها، مفهوم اللذّة Plaisir ومفهوم الكتابة Ecriture والإيحاء Connotation.

وكما يؤكد (بارت) على أنّ نظرية النص يجب أن تتلاقى فيها هذه المحاور المعرفية المختلفة. وذلك من أجل إنتاج موضوع جديد هو (النص Texte) و(علمه). وقد أتى وقت وأصبح فيه البحث في مجالات النص، عبارة عن فتح السيميولوجيا Sémiologie على دراسة كلّ الأنظمة المنطقية والفلسفية والثقافية والأدبية، وجعل السيميولوجيا تستفيد من بحوث غير لسانية، كالماركسية (باختين M.Bakhtine) والماركسية الفرويدية (Kristeva) والنيتشوية (Barthes) هذه الممارسات العلمية هي التي جعلت (بارت) في كتابه (النقد والحقيقة vérité critique et) يدعو إلى (علم الأدب Science de la littérature)، على غرار ما أشار إليه (جاكبسون Jakobson) سنة 1919، حينما رأى أنّ موضوع الأدب ليس هو الأدب، وإنّما (الأدبية Littérarité) أي ما يجعل من عمل معطى، عملاً أدبياً [125].

تسعى هذه المقاربات، إلى إقامة تصور منهجي يستهدف البحث في خصوصية النهي، دون أن يعني ذلك، التقوقع المعرفي فيما عرف (بالمحايثة Immanence) أو ما يمكن دعوته بالجوهر(الجواني) للنص. تصور يحاول أن يربط بين (السيميائيات النصية) وبين عناصر التلفظ Enonciation النصي. وكذا بدون تحييد تكوينات آثار النص، وطابعه الفكري والتاريخي، لذلك تسعى هذه المقاربات التوليفية إلى صياغة رؤية كلية للنص وفق منظر شمولي، لابد وأن ينطلق من قراءة /نقد التصورات الأخرى من أجل تبني تصوراً جديداً للممارسة النصية، لا ينغلق على مبحث معرفي واحد. وهو يسعى إلى تجاوز وهم المحايثة النصية وانغلاقية النص الأدبي. ومن ثمة كانت هذه المقاربات، دعوة مفتوحة لإغناء البحث بما توفره المباحث الأدبية والفكرية والعلمية من معطيات كفيلة بجعل الكتابة الأدبية حقلاً للإبداع والعلم معاً، لقد أصبح ضرورياً مع توجهات التحليل السينميائي، البحث عن كلية مفاهيمه قادرة على التوصل إلى تفرد (النص) وتسجيل مواقع قوته وتحوله وصيرورته التاريخية وأثره على مجموع الممارسات الدالة [126]. هكذا شهدت مقولات (النص)، تحول مفهوم (النص) إلى مجال يمارس فيه ويتمثل، التحويل الإبستيمولوجي والاجتماعي والسياسي،فالنص الأدبي، خطاب Discours يخترق وجه العلم والإيديولوجيا والسياسة، ويتنطع لمواجهتها وفتحها وإعادة صهرها. ومن حيث هو خطاب متعدد، يقوم باستحضار Présentifie كتابة Graphie ذلك البلور الذي هو مجمل الدلالة، المأخوذة من نقطة معينة من لا تناهيها. أي كنقطة من التاريخ، حيث يلج هذا البعد اللامتناهي[127]. بهذا يتميز النص جذرياً، عبر فرادته تلك، عن مفهوم (الأثر الأدبيŒuvre) وتقوم مقولات (النصية Textualité) هذه، بالمواجهة بين السيميائيات وبين اشتغال يتموضع خارج المنطق الأرسطي، ويطالب ببناء منطق مغاير. دافعاً بذلك خطاب المعرفة (المعيارية) إلى عنف التنازل أو التجدد[128]. لذلك تسعى مقولات النص، كما تؤكد على ذلك [كريستيفا Kristeva] إلى "الإمساك بالنص وعلمه، بهدف إدماجهما في بناء نظرية معرفة مادية"[129]. وحين يصل الأدب نفسه إلى النضج الذي يمكنه من أن ينكتب كآلة، لا أن يتكلم فقط كمرآة فإنّه يواجه اشتغاله نفسه من خلال الكلام[130]. ومن ثمة يكون (المعنى Sens) الأدبي، (محتملاً Vraisemblable) عبر آلية تكونه[131]. هكذا، تقدم الكتابة نفسها، كشكل جديد مسكون بالرفض والتجاوز، محدثه النقلة النوعية من حالة الكتابة (القول)، إلى حالة الكتابة (الفعل) وفي حالات التشظي، تكون الكتابة حالة ضرورية ملحة لتفجير سلطة النص التقليدي من أجل هدم /إسقاط أقنعة المتخيل التاريخي، ففي الأرض كما يؤكد أدونيس يتحول القمع والاستبداد إلى إله. ومن ثمة فإنّه في حالة /وضعية التغييب القسري لفعل الديمقراطية، تبقى الكتابة في النهاية كمؤشر ثقافي، هي لغة اللغة الجديدة[132]. فالإبداع في الكتابة، لا يكون في النص الموازي للواقع، بل في استقطاب الواقع بكل عناصره المتفاوتة إلى زمن الكتابة لإثارة جدلية دائمة بين علاقات التحول والتكوين. ومن ثمة،فإنّ تحويل السؤال إلى نص، والنص إلى سؤال، ليست رديفاً لإمتلاك الحقائق واستئثار المبدع بها دون غيره من الناس، بل هو في حقيقته اقتراح واقعي للتساؤل والرفض الضدي؛ "إنّها ليست نبؤة، بل اقتراح واقعي ينطلق من العيني ليرسم إطاراته الجديدة"[133]. ولذلك فإنّ الجديد الفعلي الذي تطرحه الكتابة، هو إعادة إنتاج اللغة داخل الخطاب الأدبي الخاص. فتتحرر بذلك من ضغط العناصر الخارجية لتبحث عن تجددها في علاقاتها الداخلية، ثم تفتح هذه العلاقات بدورها لتشكل إطارات وأشكالاً لصراعات مفتوحة. هكذا تتحوّل الكتابة إلى فعل يعكس ويتجاوز[134]. وبما أنّ القارئ يمتلك حرية التعامل مع النص، فهو بالتالي قادر على إعادة تشكيل اللغة، ومن ثمة يتحوّل المنشئ (الكاتب والنص) إلى حالة المفعولية ليضع القارئ المؤول في حالة الفاعلية الإنتـاجية Productivité. إنها المعادلة التي تطرحها الكتابة التي تتعامل مع القارئ كقوة ذات فاعلية متممة. وبذلك تكون مهمة فعل القراءة Lecture، ليس في رؤية الحقيقة حسب كلام كافكا Kafka ولكن في أن يكونها ويكون ذلك بشكل يعطينا الحق لنسأل : "اجعلني أعتقد بما تقول" ولكن أكثر أيضاً : "اجعلني أعتقد بقرارك في قولك"[135].  

هكذا تنزع الكتابة إلى التأمل عبر وضع العلاقات النصية قيد المساءلة المستمرة، وبالتالي تحويل موقف القارئ، من حالة المفعولية، والانكفاء إلى حالة الفاعلية والتجاوز الإبداعي، لذلك كانت الكتابة دائماً اقتراحاً عينياً ينطلق من واقع التأسيس الجديد خارج الانتماء إلى المعيارية المسبقة. فهي تحرص كخطاب على تأدية وظيفتين : مخاطبة القارئ باعتباره طاقة حرّة ذات قوّة تحويلية قادرة على إعادة إنتاج النهي، بناءً ودلالةً، وتأسيس / بناء النهي المختلف / المغاير. ويتحوّل المفهوم النصي في نظريات القراءة الحداثية، من رصد خارجية النص، إلى رصد الداخل أي أنّ الحمولة الفنية للنص، تكمن في قدرته على إنتاج الحركة في الداخل، لا في الشكل الظاهر. وهذا يعني أن السمة البنائية للنص تتوارى ويحلّ محلها الدور المحوري الذي تلعبه حركة العلاقات في تأسيس الدلالة داخل النص، قيمة في حالة تشكل دائم. الأمر الذي يجعلها احتمالية تقبل التحول و المراجعة بين وجوه تتباين ولا تنتهي وتنبعث في كلّ قراءة جديدة ضمن سياق فضاء النص المفتوح الذي يحمل راية كتابة (الاختلاف)[136]. ولذلك يؤكد (بارت) هنا، على أنّ (المعنى) الأدبي لا يلد بنيويا من التكرار، ولكن من الاختلاف[137]. فمن الكتابة يخلق الاختلاف والتشابه والدهشة والغرابة، ومن ثمة، لا أهمية للنص خارج غرابته. ذلك أنّ الغرابة دعوة للتفاعل، للمشاركة في الكتابة -النص. إذ عن طريق الدهشة يتحول القارئ -المتلقي، إلى عنصر فاعل في الرقعة الإبداعية في النص. بالغرابة يصبح القارئ -المتلقي، عنصراً لا يخلقه الكاتب وإنّما يخلقه النص -الكتابة ومن ثمة، فإنّ الكاتب خالق النص، والنص خالق متلقيه /قارئه والغرابة، تتولد من العجيب /المدهش في النص، واستشفاع الغرابة، معناه تذوق النص[138]. هكذا يتحوّل سرّ مهنة الكتابة، إلى تخليص رؤية الأشياء من آليتها، وجعلها مدهشة[139]، تفتح النصوص على تنوع القراءة وتنوع مظاهر الحياة. يقول (عبد الله الغدامي) : "ليس هناك نص كامل، لأنّ ليس هناك واقع كامل. وستظل النصوص مفتوحة كإمكانية لمعان لم تأت بعد"[140]. وتقول (خالدة سعيدة) : "تصبح القصيدة الكاملة قائمة أبداً فيما يأتي، كل قصيدة دفعة جديدة تضعك في الطريق نحو القصيدة الكاملة"[141]

هكذا، فإنّ القراءة الواعية، لا تلغي إمكانية قيام قراءة أخرى،ولا تستطيع أن تزعم أنّها تمتلك من الإحاطة والشمولية ما يحول دون إنجاز قراءات أخرى. فالقراءة بذلك، ليست فعلاً استحواذياً، وهي ليست حرب مواقع. كما أنّها ليست نفياً للآخر فالقضية لا يمكن اختزالها في نسق جدالي فهي تفيض عليه وتتخطى حدوده. ذلك أنّ : "القراءة تدفع باللغة إلى قول ما لم تتعود قوله وهي من جراء ذلك تبلغ حالة من تفكك تفقد فيه نسقها وتماسكها … وهي لا تفتأ تكسر قيودها لتفلت من أغلالها، وهي النص ونقيضه وهي مركزه وهامشه فهي لا تفتأ تمزق نسيجه لأنّ صلابته وتيبسه يحولان دون قراءته"[142].  لذلك فإنّ الكتابة المفتوحة لا تتعدى كونها مساهمة تأويلية، تتوخى العثور على المنجز بتأويل آخر ومعرفة جديدة. فالكاتب هو صاحب المعرفة الأوّل بالنص، يحتويه في دواخله. بعد ذلك يتحول كل لقاء جديد بين النص والآخر، إلى معرفة جديدة تستولد التجربة الكامنة فيه برؤية جديدة. هذا الإستيلاد الإبداعي، يكون باعثاً لكلّ قارئ جديد للنص، على استكشاف دلالة الأشياء واستكشاف ذاته عبر/خلال النص. ذلك أنّ النص هنا، كما يشير (رولان بارت) إلى ذلك في معظم أطروحاته، هو المتلقي الذي يتلقى المعرفة الأولى عبر الخطاب الأدبي. ثم يتهيأ لتلقي التأويل الجديد مع كلّ قراءة جديدة، وإذا كان (كلود ليفي-ستراوس Claude Lévi-Strauss)، يشـيـر فـي كتابه : (الأنتروبولوجيا البنيويةAnthropologie structurale deux)، إلى أنّ الأسطورة هي مجموع رواياتها أو صياغتها[143]، فإنّ الخطاب الأدبي، هو مجموع قراءاته، وهذا يعني أنّ القراءة لا تتعدى أن تكون جهداً تأويلياً لا يسعى إلى تقدير النتائج، وإنّما يجهد من أجل تقديمها كأحد الوجوه العديدة التي يحتمل النص القراءة بها. ولذلك فإنّ مؤشرات الحضور الجماعي، أساسية في عملية التشكيل النصي. إلاّ أنّ قراءة نص يتفجر بالنسبية وتعدد الاحتمالات، يقتـضـي قراءة دلائلية (Sémiotique). و من ثمة، تصبح ضرورة القراءة التي تعيد إنتاج النص عبر القراءة (البعدية) لـ (درجة الصفر للكتابة Le degré zéro de l'écriture) أمراً ضرورياً بل ملحاً، حيث ترجع اللغة إلى درجة الصفر -ما قبل اللغة لتتحوّل إلى (كم سالب quantité négative) قابل للتحولات. ذلك أنّه في الكتابة، "يأخذ السلبي صياغة، والدلالة الجديدة تستقبل السلب لتحديد تشكيل اللغة داخل كتابة /لغة كونية عالمية ومتعدية للتاريخ"[144]. فالأدب كما يؤكد (بارت) هو، "موضوع خاص جداً، لأنّه يقدم نفسه كلغة كونية. ولأنّه في ذات الوقت لغة خاصّة."[145]. هكذا تخاطب الكتابة العالم حيث الرمز والتأسيس في المحتمل هو عماد الإبداع. وحيث يصبح الرمز حسب (يونج K.Jung) : "أفضل صيغة ممكنة للتعبير عن حقيقة مجهولة نسبياً."[146]. وعليه فإنّ قراءة النص، تضع القارئ أمام فاعليتين :

1. القراءة الدلالية في سطح النسيج النصي

2. قراءة النواة الدلالية القابعة في (درجة الصفر) حيث تبدو الكتابة خاضعة للصمت[147].

هكذا تقوم قراءة النص في (درجة الصفر) بتكريس الحرية للقارئ والنص معاً، ومساعدة الدلالة على الإنعتاق والانطلاق في فضاء المتحرّر واللامحدود. ومن ثمة، فإنّ الكتابة المفتوحة هي التي يعثر فيها القارئ على دلالات معاصرة في كلّ الأزمنة. ذلك أنّ اللغة تصنع من النص ما يسمى (فردوس  الكلمات)[148]. وأنّ الكاتب يقع دوماً في المهمة العمياء للنظم درجة الصفر. ذلك لأنّ اللسان الذي يكونه (الكاتب)، هو دائماً خارج المكان (أي لا مكان). وأنّ الكاتب يجري دائماً أعقاب المهمة العمياء[149]. أي في اللامكان فيحرص بذلك القارئ على البحث عن مكان يتوحد به، فالقارئ يستبطن حاجة إلى التوحد بالمكان الذي يروق له أن يأوي إليه. إنّ في ذلك ما نجده في تفسير (بلانشو Blanchot) للكتابة الأدبية، أو ما سماه (استحالاتها). حيث انتهى إلى أن المجال الأدبي، هو مجال الموت : "إنّه النفي الأمثل، والقتل المؤجل الذي هو اللغة"[150]. وبذلك يصبح الكاتب عند (بلانشو) : بمثابة أورفيوس جديد يبحث عن موت ممتع، يطرق أبواباً موصدة باستمرار، يلتقي العبث واللامعنى وما لا يسمى ولا يجد شيئاً يقوله أو يفصح عنه في هذا العالم الضعيف، لكنّه مفتتن بهذا اللاشيء وعليه أن يقوله"[151]. ولا غرابة بعد ذلك من أن تبدأ كل (حداثة) بالبحث عن الكتابة المستحيلة. ذلك أنّ محور المعادلة الحياتية هنا، يرتبط أصلاً بإدراك المعرفة، لأنّ غياب المعرفة، أصل في الإنسان. لكن أساس الإنسانية هو التحول من اللامعرفة إلى المعرفة ولذلك فإنّ الدور المنوط بالكتابة، هو الكشف عن حقيقة الصراع في الحياة مع تركه مفتوحاً في مساحة الاحتمال، لا التقرير فالأصل هنا، هو إضاءة أهمية التحول /التجدد الذي يغذي المسيرة الإنسانية عبر التاريخ ذلك أنّ الأهمية الحيوية، هي لعملية التأسيس الإبداعي من حيث قدرتها على الخلق/الإنتاج، وبعث الحياة من صميم الغياب بحيث تتمكن الكتابة من  تأسيس منظومة إنشائية بدافع الكشف عن الاحتمالات الإيجابية، وتأسيس الإمكانات المستقبلية اللازمة.أي تحويل فاعلية الكتابة، إلى فعل وجودي. ومن أجل تحقيق فاعلية التأسيس هذه، تحتاج الكتابة إلى [حاضرية] طاقاتها وحركية معرفتها. وهذه الراهنية، تعني إعادة الفحص ضمن شروط حاجات الزمن الحاضر ذلك أنّ حركية المعرفة، تساؤل وتجاوز وكشف. فماذا تفعل الكتابة في حالة المواجهة التي هي جزء من الشروط التاريخية ؟ إنّنا نؤكّد هنا، بكثير من اليقينية والاطمئنان الفكري، أي اللجوء إلى (الاستعارة)، لا يمكن أن يكون وسيلة نافعة، ما لم يتم تجاوز المنجزات إلى العلاقات التي ولدتها، لأنّ (الاستعارة) الحضارية بلا تفاعل، تسليم واستقالة. وفي زمن يتحول فيه (التواصل) نقلاً، تصبح الكتابة بالمعنى الذي تشير إليه الشعارات، اختباء وراء الوهم. ولا يعتبر التأثر واقعاً، ما لم يصبح المتأثر قادراً على إعادة إنتاج الأثر من ضمن مقوماته الثقافية. يقول أدونيس لا يمكن أن؛ "تبحث الحداثة العربية من منظور غربي، وضمن معطيات الحداثة الغربية وإنّما يجب أن تبحث في أفق الفكر العربي -أصولاً وتاريخاً، ضمن معطياته الخاصّة، وبأدواته المعرفية، وفي إطار القضايا التي أثارتها أو نتجت عنها"[152]. ولذلك كان أدونيس، صاحب مشروع داخل الحداثة العربية، ومشروعه هو (تعريب) الحداثة وعلى أية حال، فإنّ جانباً مهماً من هذه الأطروحات النظرية موظف منهجياً لإرساء بعض الخطوط الأساسية لنظرية خاصّة في الكتابة، ما تزال قيد التبلور، أو كما يسميها محمد بنيس بـ (الشعرية المفتوحة)[153]. لا يمكن تناولها بمعزل عن التصور الأوروبي للحداثة والموشوم بها[154]. والقول بظهور المفهوم الأوروبي في أفق الكتابة العربية كمرجع ضروري، يعني انتقال المعيارية إلى هذه الكتابة، وتحوله إلى سلطة تؤطر في النهاية عملية البناء -النصي كمشروع حضاري عام. وفي هذه الحال تكون الكتابة العربية في حضرة الآخر الأوروبي ثقافة وتاريخاً[155]. هكذا يكون لهذا اللقاء، سلطة تعيين الانتماء للزمن ولأهله وللأدب وجماليته وللكون والمتخيل عنه. وباسترسال السلطة، يستمر اللقاء أيضاً، إنّه لقاء رحلة مجهولة المسار[156]. ماذا يترتب عن هذه الملامسة (التثاقفية Acculturation) هو أنّ الحداثة العربية من حيث هي محصلة للوعي بالنقصان المتولد عن حضور (المعجز الغربي)، يؤسس للتصورات العامة التي تصدر عنها الكتابة. أي أنّها تقدّم خارج المعطى النصّي نفسه. بينما الحداثة على مستوى النص (معوقة ومتحجرة)، لأنّ ما يحكم انتساب الخطاب، هو نسق Système الكتابة الذي يؤرخ للذات الكاتبة على الدوام[157]. لقد تأسست الكتابة العربية على مرجعية تندرج في الثقافة العالمية. ولكن نسق الكتابة ظلّ ضمن إطار الثقافة العربية على الرغم من (إنزياحاته Ecartement) الفكرية والأسلوبية. والتحول العالمي الكبير إذن، جرى على مستوى التوجه النظري للكتابة أمّا مسألة تحول (نسيج Tissu) الكتابة، فتلك مسـألة معقدة ولا يمكن أن تتم إلاّ ضمن خصوصيات لغة الكتابة ومكوناتها الثقافية. هكذا تبدو الكتابة ملتبسة بتاريخيتها. إذن هذه الرؤية (الواقعية) التي تجعل من الإنتاج الأدبي والثقافي العام ورشة جماعية خاضعة لبعض القواعد، تبدو أكثر طمأنينة وأكثر إنسانية من الاعتقاد بمواهب الإعجاز والعبقرية.

 


الهوامش

[1]ينظر : فوكو، ميشال            Foucault, Michel  :Réponse au cercle d'épistémologie.-Cahier pour l'analyse, 1968.-p.40

عن : بيار، بورديو Pierre Bourdieu : "أسباب علمية"، "إعادة النظر بالفلسفة".- ترجمة الدكتور أنور مغيث دار الأزمنة الحديثة ط1، 1998.- ص.74

[2] ينظر : أنجينو، مارك    Angenot, Marc (مشترك) : "في أصول الخطاب النقدي الجديد" ترجمة أحمد المديني.- الدار البيضـاء، دار عيون المقالات، طـ2، 1989.- ص.112.

[3] ينظر : بورديو، بيار : م. س.- ص.10.

[4] ينظر : دراج، فيصل : حوار في علاقات الثقافة والسياسة.- دمشق، دار الجليل للطباعة والـنشـر، ط1، 1984.- ص. 244.

[5] ينظر : دراج، فيصل : م. ن.- ص.246.

[6] ينظر : عامل، مهدي : مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني.- دار الفارابي، 1980.- ص.36.

[7] ينظر : ألتوسير، لوي : الفلسفة وفلسفة العلماء العفوية.- ترجمة رضا الزواري، الدار البيضاء، دار عيون المقالات، ط2، 1989.- ص.20.

[8]  ينظر : غرامشي، أنطونيو : المختارات. نقلا عــــن فيصل دراج. م. س.-ص.237.

[9]  ينظر : دراج، فيصل : م. س.- ص.238.

[10] ينظر : عامل، مهدي : م. س.- ص.5.

[11] ينظر : خوري، إلياس : الذاكرة المفقودة. "دراسات نقذية".-بيروت،  مؤسسة الأبحاث العربية، ط1، 1982.- ص.ص.19- 20.

[12] ينظر : العيد، يمنى (مشترك) : "الثقافة الوطنية في لبنان على خط المواجهة".-بيروت، دار  الطليعة، ط1، 1979.- ص. 256.

[13] ينظر : دمشقية، عفيف (مشترك) : المقاومة والثقافة.- دار آسيا، دار الكتاب، 1985.- ص.63.

[14] أدونيس (مشترك) : المقاومة في الثقافة.- ص.ص. 69 - 70

[15] يـنـظـر : أدونـيـس : سـياسة الشعر. دراسات في الشعرية العربية المعاصرة.-بيروت، دار الآداب، ط2، 1969.- ص.18.

[16] ينظر : أدونيس : م. ن.- ص.20.

[17] ينظر : أدونيس : م. ن.- ص.20.

[18] أطروحة للفيلسوف (جاك دريدا -Jacques Dérrida) في مؤلفه : (الكتابة والاختلاف -L'écriture et la différence).

[19] ينظر : أركون، محمد : الفكر العربي. ترجمة الدكتور عادل العوا.- بيروت، منشورات عويدات، باريس، ط1، 1982.- ص. 21.

[20] صفدي، مطاع : مجلة (الآداب).- ع6، س10، 1962.- ص.13.

[21] ينظر : اسكانوف، فلاديمير : مجلة (الآداب).-  ع10، س15، 1967.- ص.43.

[22] ينظر : مروة، حسيني : دراسات نقرية في ضوء المنهج الواقعي.- دار الفارابي، ط2، 1976.- ص.314

[23] شكري، غالي : شعرنا الحديث إلى أين.- دار الآفات الجديدة، ط2، 1978.- ص.162

[24] ينظر : خوري، إلياس : م. س.-ص.11.

[25] ينظر : يقطين، سعيد : القراءة والتجربة.-الدار البيضاء، دار الثقافة، ط1، 1985.- ص.13.

[26] ينظر : يقطين، سعيد : م. ن.- ص.ص 23- 24.

[27] العيد، يمنى : في معرفة النص. دراسات في النقد الأدبي.-بيروت، منشورات دار الآفاق الجديدة، ط1، 1983.- ص. 48.

[28] ياكبسون (مشترك) : نظرية المنهج الشكلي. نصوص الشكلانيين الروس.- ترجمة إبراهيم الخطيب، مؤسسة الأبحاث العربية، الشركة المغربية للناشرين، ط1، 1982.- ص. 94.

[29] ينظر : العيد، يمنى : في معرفة النص.- ص.56.

[30] ينظر : يمنى العيد :م. ن.- ص.63.

[31] ياكبسون : م. س.-ص.81.

[32] ينظر : بنيس، محمد : ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب. مقاربة بنيوية تكوينية،الدار البيضاء، دار التنوير للطباعة والنشر، المركز الثقافي العربي، ط2، 1985.- ص.25.

[33] ياكبسون : م. س.- ص.35.

[34] تجدر الإشارة هنا، إلى أن مصطلح (الهدفية) يستعمل هنا، بمعناه العام ولا ينحصر بأي مفهوم هدفي معين، ويراد به أن يشمل كل اتجاه يستخدم الأدب في سبيل منحى إيديولوجي. أي إعطائه وظيفة خارجة عن خواص ماهيته.

[35] العيد، يمنى : ممارسات في النقد الأدبي.-بيروت، دار الفارابي، 1975.- ص. 5.

[36] ينظر : بليخانوف، جورج : المؤلفات الفلسفية.- المجلد الخامس ترجمة زياد الملا، دار دمشق،1982.

[37] أوكونور، فرانك: الصوت المنفرد.- مقالات في القصّة القصيرة، ترجمة الدكتور محمود الربيعي، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، دار الكتاب العربي، 1969.

[38] ينظر : صبحي، محي الدين : مجلة (الآداب).- ع10، س19.- ص.84.

[39] ينظر : سارتر، جون بول : (ما الأدب ؟).- ترجمة الدكتور غنيمي هلال، الفجالة القاهرة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر.- ص.63.

[40] ينظر : سارتر : م. ن.- ص.ص. 70 وما بعدها.

[41] ينظر : سارتر : م. ن.- ص.66.

[42] ينظر : سارتر : م. ن.- ص.66.

[43] ينظر : سارتر : م. ن.- ص.67.

[44] ينظر : سارتر : م. ن.- ص.150.

[45] ينظر : سارتر : م. ن. : ص.68.

[46] رودريكر، هوريست : الانعكاس والفعل. دياليكتيك الواقعية في الإبداع الفن، ترجمة الدكتور فؤاد مرعي، بيروت، دار الفارابي و دمشق، دار الجماهير، 1977.- ص.57.

[47] ينظر : د. منذور، محمد : في الأدب والنقد.- الفجالة القاهرة، دار نهضة مصر للطباعة والنشر.- ص.11.

[48] ينظر : أمين، محمود : الثقافة والثورة.- دار الآداب، ط1، 1970.- ص.90.

[49] ينظر : أدونيس : مجلة (الآداب).- ع10، س17.- ص.75.

[50] ينظر : سارتر : (ما الأدب ؟).-  ص.ص.49 وما بعدها.

[51] ينظر : سارتر : م. ن.- ص.ص. 70 وما بعدها.

[52] ينظر : سارتر : م. ن.- ص.ص. 70 وما بعدها.

[53] ينظر : سارتر : م. ن.- ص.20.

[54] ينظر : سارتر : م. ن.- ص.ص. 45-46.

[55] ينظر : إليوت، ألكسندر : آفاق الفن.- ترجمة جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط3، 1982.- ص.ص. 12- 13.

[56] ينظر : إليوت، ألكسندر : م. ن.- ص.13.

[57] ينظر : سميرنوفا، أوفسيانيكوف. ز. : موجز تاريخ النظريات الجمالية.- ترجمة باسم السقا، دار الفارابي.- ص.434

[58] ريابوف، ف : الفن والإيديولوجيا.- ترجمة الدكتور خلف الجراد، سوريا، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط1، 1984.- ص.7.

[59] ينظر : العالم، محمود وأمين : مجلة (الآداب).- ع8، س21.- ص.89.

[60] ينظر : العالم، محمود وأمين : مجلة (الآداب).- ع9، س19.- ص.73

[61] ينظر فريفل، جون : الأدب والفن في ضوء الواقعية.- ترجمة مفيد الشوباشي، دار الفكر العربي.- ص.120.

[62] أرنولد هاوزر : الفن والمجتمع عبر التاريخ.-  ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 1981.- ص.160.

[63] ينظر أرنولدهاوز : م. ن.- ص.506.

[64] ينظر : ويليك، رينيه ؛ وارين، أوستن : نظرية الأدب.- ترجمة محي الدين صبحي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.- ط2، 1981.- ص.128.

[65] ماركوز، هربرت : البعد الجمالي، نحو نقد النظرية الجمالية الماركسية.- ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، ط2، 1982.- ص.8.

[66] ينظر : ماركوز، هربرت : م. ن.- ص.11.

[67] ذكره فريفل، جون : م. س.- ص.125.

[68] أرقون، هنري : الجمالية الماركسية.-  ترجمة جهاد نعمان، بيروت، منشورات عويدات،ط1، 1975.- ص.25.

[69] خوري، إلياس : الذاكرة المفقودة.- ص.82. 

[70] ينظر : خوري، إلياس : م. ن.- ص.87.

[71] عامل، مهدي : المرجع السابق.- ص.27.

[72] ينظر : عامل مهدي : م. س.- ص.33.

[73] ينظر : ألتوسير، لوي : المرجع السابق.- ص.21.

[74] ينظر : عامل، مهدي : المرجع السابق.- ص.5.

[75] ينظر : شلوفسكي (مشترك) : نظرية المنهج الشكلي.- ص.47.

[76] ينظر : ألتوتسير، لوي : م. س.- ص.ص. 18 وما بعدها.

[77] ينظر : المرتجي، أنور : سيميائية النص الأدبي.- دار إفريقيا شــرق، 1987.- ص.17.

[78] ينظر : أدونيس : سياسة الشعر.- ص.20.

[79] ينظر : دراج، فيصل (مشترك) : الحداثة والوعي التاريخي قضايا وشهادات الحداثة (I) النهضة، التحديث، القديم والجديد مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، 1990.- ص.ص. 76-77.

[80] ينظر : العيد، يمنى (مشترك) : الثقافة الوطنية في لبنان على خطّ المواجـهة.- ص.258.

[81] ستروس، كلود ليفي : الأنتروبولوجيا البنيوية.- الجزء الثاني، ترجمة الدكتور مصطفى صالح، دمشق، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1983.- ص. 396.

[82] ينظر : العيد، يمنى (مشترك) الثقافة الوطنية في لبنان على خطّ المواجهــة.- ص. 260.

[83] ينظر : ستروس، كلود ليفي : المرجع السابق.- ص.395.

[84] ينظر : ستروس، كلود ليفي : م. ن.- ص.395.

[85] ينظر : ستروس، كلود ليفي : م. ن.- ص.395.

[86] ينظر : بسكنوف، فلاديمير : مجلة (الآداب).- ع 10، س 15.- ص.42.

[87] ينظر : غارودي، روجية : ماركسية القرن العشرين.- ترجمة نزيه الحكيم، بيروت، دار الآداب، ط4، 1978.- ص.162.

[88] ينظر : غارودي، روجية : م ن.- ص.163.

[89] ينظر : عامل، مهدي : المرجع السابق.- ص.10.

[90] ينظر : الشمعة، خلدون : النقد والحرية.- العرب دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1977.- ص.216.

[91] ينظر : المديني، أحمد : أسئلة الإبداع في الأدب العربي المعاصر.-بيروت، دار الطليعة، ط1، 1985.- ص.ص. 9 - 10

[92] ينظر : المديني، أحمد : م. ن.- ص.15.

[93] أدونيس : صدمة الحداثة.- بيروت، دار العودة، 1978.- ص.252.

[94] بارت، رولان : نقد وحقيقة.- ترجمة الدكتور منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، ط1، 1994.- ص.101.

[95] ساروت، نتالي (مشترك) : الرواية والواقع.- ترجمة رشيد بن حدو. الدار البيضاء، دار عيون المقالات، ط1، 1988.- ص.10.

[96] ينظر: ساروت، تتالي : م. ن.- ص.14.

[97] ينظر : ساروت، تتالي : م. ن.- ص.16.

[98] ينظر : غربية، ألن روب (مشترك) : الرواية والواقع.- ص.34.

[99] ينظر أدونيس : سياسة الشعر.- ص.21.

[100] ينظر : تينيانون، يوري (مشترك) : نظرية المنهج الشكلي.- ص.79.

[101] ينظر : أدونيس : مجلة (مواقف).- ع 57.- ص.30.

[102] ينظر : أدونيس : سياسة الشعر.- ص.49.

[103] ينظر : أدونيس : م. ن.-  ص.62.

[104] ينظر : برادة، محمد (مشترك) : الرواية العربـيـة واقـع و آفـاق.- دار ابن رشد للطباعة والنشر، ط1. 1981، ص.11.

[105] أدونيس : سياسة الشعر.- ص.54.

[106] ينظر : أدونيس : م. ن.- ص.56.

[107] ينظر : أدونيس : م. ن.- ص.59.

[108] ينظر : أدونيس : م. ن.- ص.60.

[109] ينظر : كليطو، عبد الفتاح : الأدب والغرابة.-بيروت، دار الطليعة.- ص.ص. 12-20.

[110] خوري، إلياس : الذاكرة المفقودة.- ص.11.

[111] ينظر : المديني، أحمد (مشترك) : الرواية العربية واقع وآفاق.- ص.191.

[112] إيخنباوم، بوريس (مشترك) : نظرية المنهج الشكلي.- ص.31.

[113] ينظر : بورديو، بيار : أسباب علمية.- ص.23.

[114] ينظر : بورديو، بيار : م. ن.- ص.114.

[115] فوكو، ميشال : نظام الخطاب وإدارة المعرفة.- ترجمة أحمد السطاوي وعبد السلام بنعبد العالي، البيضاء، دار النشر المغربية، 1985.- ص.71.

[116] فوكو، ميشال : نظام الخطاب.- ترجمة الدكتور محمد سبيلا.- دار التنوير للطبـاعـة والـنشـر، ط1، 1984.- ص.ص. 86 - 87.

[117] ينظر : دريدا، جاك : الكتابة والاختلاف.- ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، ط1، 1988.- ص.65.

[118] ينظر : دريدا، جاك : م. ن.- ص.70.

[119] ينظر : دريدا، جاك : م. ن.- ص.71.

[120] ينظر : دريدا، جاك : م. ن.- ص.145.

[121] ينظر : دريدا، جاك : م. ن.- ص.65.

[122] ينظر : ألتوسير، لوي : المرجع السابق.- ص.17.

[123] ينظر : ألتوسير، لوي : م. ن.- ص.17.

[124] ينظر : ألتوسير، لوي : م. ن.- ص.17.

[125] ينظر : نظرية المنهج الشكل.- ص.35.

[126] ينظر : كريستيفا، جوليا : علم النص.- ترجمة فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، ط1، 1991.- ص.8.

[127] ينظر : كريستيفا، جوليا : م. ن.- ص.ص. 13- 14.

[128] ينظر : كريستيفا، جوليا : م. ن.- ص.19.

[129] ينظر : كريستيفا، جوليا : م. ن.- ص.20.

[130] ينظر : كريستيفا، جوليا : م. ن.- ص.45.

[131] ينظر : كريستيفا، جوليا : م. ن.- ص.48

[132] ينظر : خوري، إلياس : دراسات في نقد الشعر.- بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط3، 1980.- ص.33.

[133] ينظر : خوري، إلياس : م. ن.- ص.64.

[134] ينظر : خوري، إلياس : م. ن.- ص.94.

[135] بارت، رولان : نقد وحقيقة.- ص.114.

[136] هو المشروع الفلسفي الذي يؤسس له الفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا) وخاصة في مؤلفه (الكتابة والاختلاف).

[137] ينظر : بارت، رولان : نقد وحقيقة.- ص.104.

[138] ينظر : نور الدين، صدوق : حدود النص الأدبي.- الدار البيضاء، دراسة في التنظير والإبداع، دار الثقافة، 1984، ط 1.- ص.12.

[139] ينظر : ياكبسون (مشترك) : نظرية المنهج الشكلي.- ص.26.

[140] الغذامي، عبد الله : تشريح النص.-بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط1، 1987.-      ص. 79.

[141] خالدة، سعيد : حركية الإبداع. دار العودة.- بيروت، ط1، 1979.- ص.ص. 25- 26.

[142] بن عرفة، عبد العزيز : الدال والاستبدال.-بيروت، المركز الثقافي العربي،1993.- ص.18.

[143] ستروس، كلود ليفي : الأنتروبولوجية البنيوية.- ترجمة مصطفى صالح، دمشق، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1978.- ص.ص. 257- 259.

[144] بارت، رولان : درجة الصفر للكتابة.- ترجمة محمد برادة، الرباط، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط3.- ص.22.

[145] بارت، رولان : درس السيميولوجيا. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي.- الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط1، 1986.- ص.36.

[146] الغدامي، عبد الله : الخطيئة والتكفير.- جدة، منشورات النادي الأدبي والثقافي، ط1، 1985.- ص.138.

[147] ينظر بارت، رولان : لذة النص.- ترجمة منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، ط1، 1992.- ص.19.

[148] بارت، رولان : لذة النص.- ص.31.

[149] ينظر : بارت : لذة النص.- ص.ص. 67 - 68.

[150] بارت، رولان : درجة الصفر للكتابة.- ص.6.

[151] بارت، رولان : م. ن.- ص.7.

[152] ينظر : أدونيس : الشعرية العربية.-بيروت، دار الآداب، ط2، 1989.- ص.89.

[153] بنيس، محمد : الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها.- الجزء الأوّل (التقليدية)، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط1، 1989.- ص.55.

[154] ينظر : بنيس، محمد : م. ن.- ص.32.

[155] ينظر : بنيس، محمد : الشعر العربي الحديث. بنياته وإبدالاتها.- الجزء الثاني (الرومانسية العربية، دار توبقال للنشر،  ط1، 1990.- ص. 14.

[156] ينظر : ينيس، محمد : م. ن.- ص.8.

[157]ينظر : ينيس، محمد : م. ن.- ص.66.