Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 07، 2004، ص. 33-39 | النص الكامل


 

 

الأخضر بركة

 

النص - الكتابة

يتخذ النص الأدبي قاعدة ارتكازه في المكتوب. هكذا يحدده رولان بارت و بول ريكور، إنه الكلام و قد أثبتته الكتابة[1]. ممّا جعل العملية تنتقل من علاقة متكلم (مؤلف) بسامع (متلقي) إلى علاقة نص بقارئ. إذ تغيب المواجهة الشفوية، فتسقط الإحالـة على العالم، و على المؤلف ليعاد تأسيسها من جديد انطلاقا من فعل القراءة، المتموقع  في النص لا خارجه.

غير أن فعل القراءة لا يكاد يتحرر من وضع إشكالي تفرضه خصوصية النص المرتبطة بكيفية اشتغاله على اللغة. و هي كيفية تجعل النص لا يكاد يقول شيئا إذ لا يصير منطويا على معنى معين بقدر ما يغدو محيلا إلى إمكان يفتتحه فكر القارئ بشكل متعدد. هكذا يتأسس النص من حيث أنه نسق لطرح خيبة المعنى كما يقول بارت[2]. فدخول اللغة في لعبة الإمكانات التي تتجاوز مستوى الوظيفة التواصلية أمر لا يمكن أن يتولد عنه إلاّ لا نهائية الدلالة.

إذن فكينونة النص لا تنفك أن تكون اللغة و قد أصبحت سيميائية أي فضاءا قوليا مفتوحا على لعب العلامات. فهو بالتحديد اشتغال رمزي على الدال يجعل منه (النص) واحدًا متعدّدًا في آن واحد من حيث انه صمت في الكتابة، متعدّد من حيث أنه إمكان القراءة.

من هنا نفهم أن القارئ غالبًا ما يعمل على تحويل صمت النص في اتجاه معيّن. يعمل على إنطاقه في حدود أدوات اشتغال القراءة و كيفية اشتغالها. ممّا قد يورّط في اختزال النص في الأفق المحدود للأداة المنهجية. و لنا أن نلاحظ ما يحدث في المقاربات المتعدّدة من المنهج السياقي إلى النسقي. والتي يبدو معها النص كأن لا يقول شيئا في خضم ما تحاول هذه المقاربات أن تجعله يقول، فضلا عن إشكال الفرز بين ما يقوله المنهج و ما يقوله النص. الأمر الذي يحيل إلى سؤال التأويل باعتباره طموحا إلى تحرير النص من ربقة التفسير المبتسر للمعنى للدخول به في مغامرة الإمكان، أي قراءة الاحتمال و مساءلة الذات لذاتها من خلاله.

التأويل و التفسير

يرى بول ريكور أن النص الذي هو خطاب أثبتته الكتابة، هو عالم مستقل عن العالم الفعلي. و من ثم تصبح مهمّة الـقارئ المؤوّل إقامة الإحالة على الـعالم الـفعلي و اكتشاف المؤلف انطلاقا من دلالات النص. غير أن الإشكال الذي نجد أنفسنا إزاءه هو علاقة التأويل بالتفسير (البنيوي خاصّة) أين يلتقيان؟ و أين يتعارضان؟

ليس التأويل منهجا حديث النشأة فقد تم الاشتغال به منذ القدم في قراءة النصوص المقدّسة و تفسيرها ضمن مصطلح "الهيرمنوطيقا" Herméneutique كما اشتغـل بـه العلماء و المفكرون العرب و استثمروه في قراءة النص القرآني، مثل ما نجده عند ابن عربي في الفتوحات المكية و ابن رشد في الفلسفة. و لا تكاد تخلو تفاسير القرآن الكريم من رؤى تأويلية منسوبة إلى بعض الصحابة الكرام و التابعين، و متصوفة السنة انطلاقا من أحوال الذات في العلاقة بالله عز وجل.

أمّا في الغرب فيعتبر الفيلسوف هيدغر أوّل من استخدم التأويل على صعيد أنطولوجي في شرح معنى الكائن ثم غادامير ليغدو معه أكثر من طريقة و منهج إذ صار فلسفة حداثة في قراءة الكتابة.

أمّا الطرح الذي يقدمه بول ريكور بخصوص النص الأدبي و هو ما يهمّنا من حيث مناقشة علاقة التأويل بالتفسير. فإنه ينبني على ممارسته التأويل انطلاقا من فكرة التثبيت "Fixation" الذي يحوّل الكلام إلى نص بفعل الكتابة. كما يرى أنه لا يمكن أن نتحدث عن التأويل إلاّ بمعارضته بالتفسير المنبثق خاصة من علوم اللغة (الدراسات الألسنية). فكون أن لعالم النص وضعًا مستقلا يحتجب فيه العالم الفعلي هو مسألة يتولد عنها إمكانيتان في القراءة : فإمّا أن نتعامل مع النص داخل انغلاقه و بعيدًا عن أية إحالة خارجية. و هنا نجد أنفسنا نفسّره بواسطة دراسة علاقاته الداخلية أي بواسطة بنيته الخاصّة. و إمّا أن نحوّله إلى خطاب، أي نعيده إلى قلب التواصل الحيّ فيغدو مفتوحا على الإحالة. و هنا نجدنا نؤوّله.

هكذا يتجلّى في الحالة الأولى الموقف التفسيري في تعليق الإحالة. ليتجلى في الحالة الثانية الموقف التأويلي برفع تعليق الإحالة هذا، مع العلم أن النص أصلا و في الحالتين يظل يجعل القراءة ممكنة لكونه يظل مفتوحا على شيء آخر، بالرّغم من إستراتيجية تعليق الإحالة في القراءة البنيوية. أي أنه يظل يستدعي التأويل و يستدعي إمكانية إنتاج خطاب جديد مرتبط بالنص و مختلف عنه في آن.

خاصية الامتلاك

ثم إن ما يميّز التأويل أكثر خاصّية الامتلاك أي امتلاك فهم متجدد للنص و للذات المؤوّلة و هي الخاصّية التي يؤكد عليها شلاير ماخر وبولتمان.

يشرح بول ريكور التأويل بمعارضته بالتفسير (البنيوي خاصّة) من حيث أن الأوّل يرفع تعليق الإحالة التي يضعها الثاني في مقاربة النص، لينتهي إلى أن هذه المعارضة يمكن أن تلغى إذا  اعتبرنا أن التفسير يمكن أن يتمفصل مع التأويل من حيث أن الأوّل إبراز للبنية و الثاني سير في الطريق الفكري الذي يفتحه النص.

إن أساس الامتلاك في التأويل هو أن القراءة ليست فقط فهما للنص، بل للذات المؤوّلة في العلاقة بالنص، أي أن الذات تتأمـل ذاتهـا عبـر وساطة الرموز، العلامات و الآثار الثقافية بما فيه تفسير النصوص الذي سيكون غير ذي فائدة إذا لم تتم من خلاله عمليّة فهم الذات لذاتها ضمن ما يسمى بالتفكير الهيرومينوطيقي للذات، إذ التأسيس الفلسفي للذات لا ينفصل عن التأسيس الفلسفي للمعنى[3].

هكذا تقوم العلاقة بالنص من منظور التأويل على تحويل الشيء الغريب إلى شيء يخصّ الذات. كما هو الحال في قراءة النصوص الأدبية القديمة في الزمن الحديث في أفق ما يمكن أن تعنيه للذات القارئة في تجربة الحياة والوجود عامّة. ممّا يعني أن في التأويل تغلّب على البعد الثقافي و التاريخي، و اندماج كل من تأويل النص و تأويل الذات لذاتها في مشروع واحد هو مشروع القراءة، كمشروع قراءة تراثنا الأدبي العربي، إذ يمكن أن يستعيد النص حركته الإحالية [التي يقطعها و يعلقها التفسير] في اتجاه عالم القارئ ضمن إشكالات  عصره، و إشكالات الوعي بالوجود.

و هو الأمر الذي يؤكده كاسيرر في التأويل الأدبي من حيث أنه لا يمكن فهم نص الماضي في تاريخيته إذا لم يتحقق الاندماج بين الأفق الأصلي للنص و الأفق اللاحق لحاضر المفسّر. إذ أن مفهوم الأفق أمر أساس في علم التأويل الفلسفي و الأدبي التاريخي لفهم مختلف مقابل  غيرية أفقيّ التجربة الماضية و التجربة الحاضرة، و غيرية العالم الخاص و عالم ثقافي آخر، مثلما هو مطروح ضمن حوار الأنا و الآخر[4].

القراءة بهذا المنظور في العلاقة بالنص هي مثل الكلام في علاقته باللسان: إنها حدث خطابي، فالنص الذي قد يمتلك معنى واحدًا من وجهة نظر التفسير: علاقات داخلية، أو بنية خاصّة يصبح في التأويل يمتلك دلالة ما. إذ ينتقل من امتلاك بعد سيميولوجي فقط إلى امتلاك بعد سيمانتيكي[5]. مع بقاء فعل التمفصل دائمًا بين التفسير و التأويل داخل القراءة في انتقالها من إبراز البنية إلى الإمكان الذي يفتحه النص في مساءلة الذات على أرض المعيش.

انطلاقا من هذه الرؤية نستطيع أن نتحدث عن النص في علاقته بالقراءة من حيث أنه بقعة إمكان كما يصفه التوحيدي في نهاية الإشارات والتنبيهات. أي أن التأويل هنا يجعلنا نتعامل معه بانفتاح باحثين عن احتمالات المعنى، ليس فقط على مستوى البنية، بل فيما يمكن أن تحجبه اللغة ذاتها، من حيث أن الحجب آلية لا مفكّر فيها، فكل خطاب حجاب كما يؤكد فلاسفة التفكيك[6]. فضلا عن احتمالات النصوص، إذ ما إن نحتفي بنص واحد حتى تتحرك نصوص كثيرة كامنة فيه. كما يمكن أن نفكّر بتجديد العلاقة مع النص العربي القديم مثلا من حيث أن المعنى لا يكمن فقط في المؤثرات التي أنتجته، و لكن في جانبه الانطولوجي، الذي يفتح لنا إمكان الحوار معه و إشراكه في حوار الحاضر. بين الذات و ذاتها و الذوات الأخرى. و إلاّ ما الذي يعنيه لي الآن الاحتفاء بالشعر الـجاهلي، و النص الصوفي و الفلسفي و غيره. و ما جدوى اختزال نصوص الماضي في بنى ثابتة، إذا لم يتم تأسيس سؤال لدلالة تلك البنى و ما يمكن أن تعنيه للذات القارئة في محاولة فهمها لذاتها هي.

يقدم لنا النص ماهيته في التأويل باعتباره  صمتا يحده اللانهائي، يغري كل القراءات، يقبلها جميعا و يظل مختلفا عنها. فهو لا ينطوي في قعره على معنى ينتهي الأمر باستخراجه شرحًا أو تفسيرًا، هذا إن كان له قعرٌ أصلا. إنه غمّ القراءة كما يصفه موريس بلونشو[7] " فكل نص – يقول – مهما يكن ممتعا، مفيدا، و يولد، إضافة إلى ذلك الشعور بالوجود، إنّما هو نص فارغ، لا يوجد عمقيا. فلا بد من عبور هوّة. و إذا لم نقفز فوقها فإننا لا نفهم[8]"، بمعنى أنه بين الذات و ذاتها يقيم النص كمسافة يعبرها سؤال القراءة، لا ليصل إلى جواب نهائي، و إنما ليؤسس خطابًا جديدًا، ذلك الجديد الذي يقول عنه "أننا نخافه و نشتهيه لأنه يحارب الحقيقة (المؤسّسة) و هي حرب من أقدم الحروب حيث يمكن دائمًا أن يتقرّر شيء أكثر صحّة".

إن الكتابة / التأويل تبدو بهذا المعنى مغامرة الانفتاح مع النص على اللانهائي، على ما لم يقل بعد، و على أن ثمّة دائما ما يُرى - يقول الشاعر رينيه ماريا ريلكه.

يظل النص مختلفا عن القراءات مهما تراكمت، و مفتوحا على التأويل لا لشيء إلا لأنه حقل إمكان، يخيّب أمل كل مقاربة تريد أن تختزله في بنية أو معنى، إذ أنه، كما قال بارت، ليس إلاّ نسقا لطرح خيبة معنى. و هنا قوّته، متنوّع، حمّال أوجه، كاشف، حاجب، يقول شيئا، ليقول شيئا آخر غيره.

 


الهوامش

[1] ريكور، بول : العرب و الفكر العالمي.- العدد الثالث، 1988.

Ricoeur, Paul : Qu’est ce qu’un texte – le livre : du texte à l’action.- Paris, Essai d’herméneutique II, Ed. Seuil.

[2] Jouve, Vincent : La littérature selon Barthes.- Paris, Les éditions de minuit, 1986.- Collection Argument.- p. 40.

[3] مجلة العرب و الفكر العالمي.- عدد الثالث، 1988.

[4] مجلة العرب و الفكر العالمي.- عدد الثالث، 1988.

[5] أبو زيد، حامد : إشكاليات القراءة و آليات تأويل النص.- بيروت، المركز الثقافي، ط 2، 1992.- ص.13.

- فلسفة التأويل.دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين ابن عربي – المقدمة.

[6] حرب، علي : نقد النص.- المركز الثقافي العربي، ط 95.- ص.11

[7] الكتابة الكارثة L’écriture  de desastre. Maurice Blanchot  مجلة مواقف عدد 56. خريف سنة 1988. ترجمة عائدة أسمر

[8]  حرب، علي : نقد النص.- المركز الثقافي العربي، ط 95.- ص.11