Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 07، 2004، ص. 23-31 | النص الكامل


 

 

 حبيب مونسي

 

. النقد و الانفتاح

إنّّ  ما يقابل انفتاح الأثر و يسجّده بصورة واضحة، و يسمح له بالتّجدد والاستمرار، تفتّح الناقد، و رفضه الثبات و الاستقرار، و كأنّ الثاني يستمدّ من الأول مصداقية انفتاحه و تعدّده، فهو في جميع الأحوال قابل لاستقطاب هيئات الناقد و تحوّل مراياه، فإنّ صادف فيه خفّة الظلّ و مرونة الحركة، أعطاه ما لم يعط غيره من فتوحات تتقاصر دونها – دوما- الأداة المنهجية. لقد وصف "جون ستروك "Sturrok" "رولان بارت" قائلا بأنه : " يصرّ على إبقاء ذهنه في حركة دائبة، و على أنّ لا يسمح لنظراته الثاقبة المتنوعة، ومشروعاته المختلفة لتفسير النصوص الأدبية بأن تتجمد في مذهب ثابت المعالم والحدود"[1]. لأنّ الانتهاء عند حدّ من الحدود يعطّل الحركة، أو يجعلها تتراوح مكانها، تستنسخ تجربتها كل حين. و في وصف "ستروك" حقيقة تلتقي مع ما قدمه  "أمبرتو إيكو" " Umberto Eco" في تعريفه الأثر الفني، حين يقول : "إنّ الكيفية التي يكون عليها الأثر، تحدّّد الكيفية التي كنا نبغي أن يكون عليها الأثر" [2] . ذلك إنّه بعدد "الهيئات" التي يكون فيها الناقد " المتحول"، تكوّن صفات الأثر الفني، ففي كلّ هيئة يقدم للأثر قالبا يتبنين فيه، و إذا انتقل إلى غيرها، تحول الأثر معه إلى هيئة أخرى... وتكشف التعاريف المتعدّدة للأثر عبر تاريخ الأدب عن "هيئات" متحوّلة  للنقد و النّقاد.

إنّ وصف "جون ستروك" "لبارت" يعطي لهذا الأخير السمة التي يتحلى بها النقاد الجدد الذين يرون أنّ الهيئات الفكرية و المعرفية في تبدّل مستمر، و أنّ القناعات الرّاسخة خرافة تردّها اعتبارات شتى تكتنفها الثقافة بكلّ ملابساتها. كما تلعب فيها الأمزجة الشخصية دورا كبيرا في صياغة الأذواق وتبديل تراتبية الأولوليات. و "بارت" لم يكن"قلبا" لأنّ هذه الصفة تستهويه. و لكن "بارت" كان يمتلئ كل حين بالجديد، و يتشبّع باكتشاف المتخفّي الذي لم تطله يد النقد التقليدي بوسائلها العتيقة. و هو موقف يمتدّ بعيدا في صميمية التصور الاعتقادي، حينما يتقابل المتحوّل الزائل بالجوهري الثابت، حين يأخذ الزائل و العرضي الأهمية التي كانت للجوهري، فيغدو محط اهتمام وحيرة، و يصير الجوهري محلّ اشمئزاز و موت. إنّ "بارت" : « يضع سيولة الوجود، بل حتى فوضاه، مقابل تصلّب الموت الذي يرى أنّ الجوهرية تمثله »[3]. و يترجم "بارت" سيولة العالم بالتحلّل، أي عندما تتحلل الوحدة التي تمثلها الأنا، في وحدات تُعِدّدُها، بحيث يصبح كلّ واحد منا كثرة تعجز " السيرة الأدبية" عجزا مريعا عن محاصرتها.. مادامت السيّر شتات مبعثر لأنوات عديدة، لا ينتظمها سلك الوحدة. و إذا لاحظنا "التحول"  و التعدّد في الذّات الواحدة، سهل علينا استخلاص سمات فاعلة في التفكير النقدي الجديد، لأنّ التحوّل و التعدّد، يرفضان تعارضا صريحا بينهما و بين المعتقد و الرأي المستتب، و كلّ مواجهة يجريها النقد الجديد إنما تسعى إلى هدم الاعتقاد و الثبات، و تذكير الناس بأنّها مجرد "أراء" هيمنت عليهم حتى نسوا معارضتها [4]. و لذلك حاول "بارت" هدم الاعتقادية و الثبّات من خلال أربعة مآخذ يسجلها على النقد التقليدي :

  • جوهرية القيمية : و ربما وصف هذا الاعتراض لدى الدراسين، بالاعتراض الماركسي - على الرّغم من أنّ " بارت" لم ينضم مطلقا إلى الحزب الشيوعي- و ذلك لنفي "بارت" صفة التاريخية عن النقد التقليدي، فهو لا تاريخي بمعنى أنّه يجعل القيم الأخلاقية و الشكلية التي يتضمنّها الأثر خارجه عن الزمن، و كأنّها  لا تعني الطبقة التي كتبت لها و نشرت فيها أول مرّة، و أن ليس هناك ترابط بين الأثر و الحقبة التاريخية من هذه الجهة. و بالتالي تسحب أحكامها على الفترات اللاّحقة دون حرج. إنّنا نذكر أن الوضعية – التي تبناها "تين" و أتباعه كانت تعتقد جازمة أنّ الأخلاق ظواهر سلوكية نابعة من الوسط، و أنّها  في أحسن أحوالها تكييفات ظرفية إزاء مواقف خاصة، فإذا تسربّت هذه " التكييفات" إلى الأثر الإبداعي فإنّها ستحمل -حتما-  كلّ سيمات حقبتها الزمنية. و عليه يكون من واجب تاريخ الأدب التنبيه على ذلك حتى لا يكون : « تاريخا وضعيا من أسوأ الأنواع »[5]. فإذا كان " بلانشو" يدعو إلى تطهير الأدب و النقد من "القيمة"، فإن "بارت" يريدها مرتبطة بزمن إنتاجها، محصورة في نطاق التاريخية التي أفرزتها.
  • الإيمان بالحتمية : إن لجوء النقد التقليدي إلى إسقاط حياة المؤلف على الصنيع الأدبي إسقاطا مباشرا، يوحي بوجود حتمية ميكانيكية عند النقاد، يؤمنون من خلالها ببساطة العلاقة بين داخل العمل الأدبي وخارجه، فهم يعتبرون : « الحقائق النفسية في العمل الأدبي تمثيل مباشر للحقائق النفسية في حياة المؤلف »[6]. بيد أن مكتشفات التحليل النفسي تدلل بقوة على أن كثيرا من المواقف النفسية لا تفرز –حتما- ما يقابلها من سلوكات نزوعية مباشرة، و إنما تتوسطها آليات معقدة للكبت، و التسامي، و القمع، و القلب و أن « الرغبة و العاطفة الجامحة و الاحباط، قد تؤدي إلى تمثيلات مناقضة لها تماما، فقد يعكس الدافع الحقيقي ليتخذ شكل المبرر الذي يناقضه، و قد يتخذ العمل شكل الحلم الذي يعوض عن الحياة السلبية»[7].

إن ربط الأثر الأدبي بالحتمية – على ذلك الشكل – لا ينتج إلا نصا واحدا يقف عند الشكل البسيط من حياة المبدع. و هي جناية عانتها النصوص في ظل المناهج الموجهة، قبل أن تأتي ثورة اللاوعي بالتحول الخطير في التفسير و التأويل.

2. أحادية المعنى

يشك "بارت" أن يكون في مقدور النقاد الأكاديميين إدراك الرمز فيسميهم – دون حرج "A-Symbolia" و كأنهم مصابون "بالعمى الرمزي"، و لا يرون إلا معنى واحدا في النصوص التي يعالجونها، فلا يتجاوزون حرفية النص، متذرعين بالبيان و الوضوح. إلا أن "بارت" لا ينكر عليهم ذلك إذا صرحوا به، و لكنه يحذرهم من أنه يستحيل على المعالجة النصية : « ألا تضع في مجالها الأكبر متطلبات قراءة رمزية » [8]. ثم يتساءل "بارت" في دهشة عن : « هذا الصمم تجاه الرموز و هذه اللارمزية ؟ و ماذا –إذن- يهدد في الرمز ؟ ولماذا يُعرّّض المعنى المتعدد –أساس الكتاب- الكلام حول الكتاب للخطر؟ ولماذا مرة أخرى أيضا اليوم بالذات ؟ » [9].

لقد جمع "بارت" في هذه العبارة المآخذ التي أثارها النقد التقليدي ضد النقد الجديد، و التي انقلبت عليه مرة أخرى فصدعت أركانه، و فتحت عليه سيلا من الأسئلة، وجدت تجسدها العنيف في حوادث 1968 بفرنسا.

  • الإيديولوجية : لقد حاولنا –كثيرا- رد النقد الغربي إلى منازعه الوضعية، و التي شكلت عند النقاد نسيجا إيديولوجيا يتشح بالعلمية ويرفعها لواءها، غير أنها : "ظلت إيديولوجية غير مصرح بها، مما مكن الوضعيين من ايهام الناس بأن قيمهم قيم كلية شاملة، لا يأتيها الباطل من بين أيديها و لا من خلفها، و أنها ليست قيم طبقة من الطبقات في مجتمع من المجتمعات، في وقت من أوقات التاريخ. لقد كان خداعهم كاملا " [10]. لقد عبر "بارت" عن ذلك "بالتعمية" "Mystification"، ووسمها بالقوة الشريرة اللاأخلاقية، و التي أوهمت الناس بأن الظواهر التاريخية و الثقافية، لها عين الشيئية التي تسم الظواهر الطبيعية. و على هذا "التلبيس" قامت دعاوي الذات والموضوع، و المنهج، و الموضوعية، و الحياد ... و ليس من رد عليها سوى فضحها وكشف أمرها للناس، و بيان الطرق الملتوية التي سلكتها لمخادعتهم، إنه يعتبر ذلك تنويرا اجتماعيا و سياسيا [11]. لقد شكل -هدم الأوثان الأربعة- الإطار الحق للنقد الجديد، الذي قامت دونه عصبة من النقاد الشباب الثائرين على المؤسسة الأكاديمية و هيمنتها على المعنى. فكان التجريب إلى حدود التخوم القصية، و كان الانفتاح إلى حدود اللامحدود.

3. من النقد إلى القراءة

من الأصداء التي تلتقط خلف حفيف لفظ "النقد" صدى الحكم و المعيار، و كأن المتصدى لهذه الغاية يقف في منطقة وسطى بين طرفين، فلا يمر صنيع هؤلاء إلى هؤلاء إلا عبره و بمباركته، فهو بذلك يمثل صورة فريدة متميزة، يطمئن إلى عدلها، و نزاهتها، و اقتدارها، و رهافة ذوقها الطرفان. و هي وظيفة تضارع وظيفة الشاعر في الأزمنة المتقدمة، أو وظيفة الكاهن في الأخرى قبلها. بيد أننا مازلنا اليوم نستشعر فيه هذه الميزة، فنقبل على ما خطت يداه، نستحسن ما يستحسن، و نستهجن ما يستهجن، و قد نتهم أذواقنا لنتقدم ذوقه و نعتد به.

إلا أن ظهور "المنهج" و المرجعية و "الانتماء الإيديولوجي" و الموقف الجمالي" لطخ نصاعة ذلك الثوب، و تحول الناقد ببطء إلى خادم طبع في يد هذه الفلسفة أو تلك، و التي صاغته بحسب هواها و قيمها. و سواء أعلن الناقد انتماءه، أو تركه للقارئ يكشفه عبر المقولات و المفاهيم، فإنّ عملية النقد في جميع أحولها لا تخرج عن كونها : تحليلا و تفكيكا للأثر : «الذي يصوّر الحياة عبر الاتصال الجمالي الذي يتخذ الأداة اللغوية منطلقا له من أجل التّواصل و التأثير بطريقة مخالفة لطرائق الاتصال الأخرى » [12]. ويستهدف تحليل العناصر المشكّلة للمستويات المتعدّدة التي تصنع بنيته الكلّية. ذلك أنّ النقد يعتبر العمل الأدبي : « كلاّ مكوّنا من عناصر مختلفة متكاملة فيما بينها على أساس مستويات متعدّدة تمضي في كلا الاتجاهين : الأفقي و الرأسي في نظام متعدّد الجوانب متكامل الوظائف، في النطاق الكلي الشامل »[13].

لقد غدت الوظيفة  الجديدة للنقد، لا تنطلق في استثمار النص قبل تحديد الأثر الإبداعي مرّة أخرى، فهي – السّاعة- تركّز على التّشكيل الهيكلي تحت توجيه اللّسانيات و البنيوية، و توقف لغتها عند الوصف الذي يفكّك المكوّنات البدائية للأثر، و كأنّ غاية النقد قد تحوّلت هي الأخرى من قبل المعنى و تعيينه إلى الحديث عن كيفية إنتاجه. إن الناقد –و هو يتخلى تدريجيا عن الحكم- يحوّل مسؤولياته فيما يخصّ المعنى : « إلى العناية لا بالناتج بل النظام الذي أنتجه : لا بالدّلالة، بل بطريقة الدلالة، فهو يريدنا أن نفهم "كيف" تعني النصوص، قبل البحث في "ماذا" تعني »[14] هذه النصوص.

إنّ ذلك يعيّن مرحلة كان فيها الاهتمام الشكلي، و الانشغال اللساني سيّد الموقف، فانعكس المطلب النقدي على اللغة الإبداعية و حركتيها داخل البنيات، و في النسيج الأسلوبي ضمن العبارة. و قد كان من الضروري التمييز بين البنية و الأسلوب في إطار اللغة الإبداعية  ذات الصبّغة الجمالية البارزة، لأن البنية : « تتصلّ بتركيب النّص، بينما يمسّ الأسلوب النسيج اللّغوي المكتوب به فحسب » [15]. و يظل المعنى مرهونا بالعلاقة التبادلية بين البنيات و الأساليب، لا يخرجه من ذلك الطّرق المغلق إلا فاعلية التأويل، الذي يتوقف أساسا على شخصية الناقد، و على عصره، و انتمائه الأيديولوجي. لأّنه لا يتم تأويل عنصر ما من عناصر الأثر إلاّ من خلال دمجه داخل نظام – ليس نظام العمل الأدبي الذي ينتمي إليه – و لكن نظام الناقد القائم عليه[16].

إنّ بذور القراءة – نشاط قائم وراء النقد – تتخلّق في صلب عملية الدّّمج الواسع التي تتخطى حدود الأثر و نظامه الرمزي، إلى نظام يؤمّمه، و يصبغ عليه مسحة جديدة،  تتعدّد بتعدّد المسؤولين. و تتجاوز  مهمة الناقد القصدية القائمة وراء الحرفية و الدلالة الأحادية القارة إلى « الكشف عن إمكانية تعدّد الدّلالة في النّص الواحد. و هو إقرار بلا محدودية  الأثر و قابليته للانفتاح، وإقرار – أيضا – بالتأويل. إذ إنّ الكشف عن تعدّد الدّلالة رهين ظروف الناقد الذي يدخل النّص في نظامه دون تعسّف »[17]. ذلك أنّه انطلاقا من أبعاد اللّغة و خصائصها، فإنّ ما يقوله، الأثر يتجاوز حتما ما قاله كاتبه، لأنّ ما ينبثق عنه من معان لا يمكن أبدا حصره في ملفوظاته. بل ذلك ما يشكّل الغموض الأساسي للكتابة. إنّ كلّ تحليل يستبطن الشّبكات الدّلالية للنّص، يحيل دوما على دلالات أخرى تقع خارجه، مشكلة الأطر المعرفية التي يستند إليها. إنّه يحيل من خلال الدّلالة الجمالية – مثلا – على دلالة وجودية تكتنف الموقف، و من دلالة الوجود إلى الدلالة الميتافيزيقية / الدينية، ثم الاجتماعية، ثم بشكل أوسع الدلالة التاريخية من جديد عند الدلالة الجمالية، و قد اعتنت و توسّعت [18].

قد يوهمّنا هذا الطّرح أنّ الدّلالات المذكورة تقع خارج النّص – وجودا مستقلا – بل أطرها فقط، و تشكلّ معانيها لحمة الأثر وسداه. فهي متواجدة بالقدر الذي يكتنزه الرّمز و تحيل عليه ظلال المدلول في سدفة من الغموض والعمق، ما دام العمق : « ميزة ممكنة للغموض شريطة أن لا يترجم ضبابية الفكر » [19]. إنّه الآن يسهل علينا إدراك كيفية التحوّل من النقد إلى القراءة، من خلال إعادة الاعتبار لطرفين خطيرين في العملية الإبداعية : المبدع والقارئ.

  • المبدع : لم يكن الحديث عن المبدع في المقاربات التقليدية إلاّ من وجهة تاريخية ضيّقة حصرته في السّير الذاتية، و استأثرت به الدّراسات في "فلسفة الفن"، محاولة كشف أسرار العملية الإبداعية من خلاله. و من ثم أغرقته في الأوصاف التي تتأرجح بين قطبين متدابرين : تجعله ذاتا مشرقة منفصلة "Détaché" عن الواقع، تتمتع بمعرفة كليّة. كما هو الحال عنـد "بـرغـسـون" Bergson" غارقة في الآن "l'instant" بما فيه من فردية، وغرضية، وعدم قابلية للإعادة [20]. أو هو ينهض بواجباته كإنسان و ينظر إلى الفن نفسه باعتباره "رسالة. بل عــلــيه أن يـــمارسه كواجب مقدّس. عند "كروتشه" "Croce" [21]. أو هو يقدّم "معادلا حسيا" يستطيع من خلاله الأفراد استعادة المعنى. و أنّ "الموضوع الجمالي" دعوة، لا بدّ  من الاضطلاع بها. أو نحن أحرار في قبولها أو رفضها، كما هو الشأن عند "سارتر" [22] إنّه – في الأحوال جميعها – ذلك الشخص الذي لا يهتم باليومي المتحوّل، والعرضي الزائل. و لكنّه يسعى وراء الخالد ليثبته أو يقضي دونه. ومها كان الرأي الشائع و المعتمد فيه، فإنّ النظرة تولد من تفكير حاد الأشكال القائمة – حينها – و من خضوع واضح لبعض المزاعم الشائعة في تلك الأحيان [23].

 القارئ : إذا كان المبدع يصدر عن منظومة فكرية – خاصة به – ذات تشكيل معقّد غالبا، تصنعه تقاطعات شتى بين الديني، و الأسطوري، والاجتماعي، و النفسي، و الثقافي... و التي تؤثّث المنظومة الإبداعية وتعطيها صبغة التفرّد، فإنّ الشأن عينه عند القارئ، يقابل به الأثر الفني. وكل قراءة إنّما تحمل في ثناياها اعتبارها للموقف، و اللحظة، و تلوينات المنظومة القرائية. و هي عملية معقدّة، تخفي في ثناياها كثيرا من التقاطعات ذات المفعول الخفي في نتائج القراءة. فإذا كان المبدع : « يخضع لسلسلة من القوانين المتعدّدة، كقانون تداعي الخواطر الذي ينادي به علم النفس، وقانون تقسيم العمل الذي قال به دوركايم » [24]. فإنّ القارئ – هو الآخر - يخضع لها خضوعا متفاوت الدّرجات، حاولت سوسيولوجيا القراءة الكشف عنه عمليا من خلال التجريب[25].

 


الهوامش

[1] ستروك، جون ؛ بارت، رولان : في البنيوية و ما بعدها من ليفي شترواس إلى دريدا (ت) محمد عصفو.- الكويت، عالم المعرفة، نشاط، 1996.- ص.75.

[2] Eco, Umberto, : L’œuvre ouverte.- trad. Chantal roux de Bézieux avec le concours d’André Boucourechliev, Ed. Seuil, 1965.- p.11.

[3] ستروك، جون ؛ بارت، رولان : م.م.س.- ص.45.

[4] أنظر م.س.- ص.78.

[5] ستروك، جون ؛ بارت، رولان : م.م.س.- ص.79.

[6] م.س.- ص.81.

[7] م.س.- ص.81.

[8] بارت، رولان : النقد و الحقيقة، (ت إبراهيم الخطيب).- الدار البيضاء، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1985.- ص.45.

[9] م.س.- ص.47.

[10] ستروك، جون : م.س.- ص.ص.83-84.

[11] أنظر م.س.- ص.84.

[12] الوعر، مازن : دراسات لسانية تطبيقية.- دمشق، ط 1، دار طلاس للنضر، 1989.- ص.108

[13] فضل، صلاح : نظرية البنائية في النقد الأدبي.- القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 2، 1980.- ص.321.

[14] ستروك، جون : م.س.- ص.83.

[15] فضل، صلاح : م.م.س.- ص.296.

[16] أنظر م.س.- ص.300.

[17] الزيدي، توفيق : أثر اللسانيات في النقد العرب الحديث.- ليبيا، الدار العربية للكتاب، 1984.- ص.136.

[18] Doubrovoski, Serge :  Pourquoi la nouvelle  critique ?.- Denoel / Gonthier, 1966.- p.61.

[19] Ibid.- p.63.

[20]  زكرياء، إبرهيم.-  فلسفة الفن في الفكر المعاصر.- مكتبة مصر (دت).- ص.27.

[21] م.س.- ص.47.

[22] م.س.- ص.237.

[23] Brincourt, André  et Jan : A la recherche de l’esthétique à travers Bergson.- Paris, Proust et Malraux, éd. La table ronde, 1955.- p.18

[24] عيد، رجاء : فلسفة – الالتزام في النقد الأدبي.- منشأة المعارف بالإسكندرية، 1996.- ص.21.

[25] أنظر مونسي، حبيب : سوسيولوجيا القراءة.- مجلة الوصل، معهد الأدب العربي، جامعة تلمسان،   ع3 / 1998