Les Cahiers Du CRASC

Centre de Recherche en Anthropologie Sociale et Culturelle

Index des cahiers

كرّاسات المركز، رقم 07، 2004، ص. 09-21 | النص الكامل


 

 

 عبد القادر منقور

 

 

 

لعلّ من نتائج ذلك التلاقح الذي حصل بين الأدب و اللغة هو ما نزع إليه النقد المعاصر في بلورة رؤية حداثية تأخذ بما تمخض عن نظرية الخلق اللغوي التي تقول بإبداعية اللغة كعنصر مهيمن في التجربة الأدبية. و من ثمة دخلت اللسانيات كرافد مهمّ في النقد فظهر المنهج البنيوي الذي يعبّر عن ثورة اللغويين الشكلانيين على المقاربات النقدية التقليدية أمثال فلادمير بروب ورومان جاكبسون. ثم سعت الأسلوبية لتحتل موقعا لها في فضاء النقد المعاصر خاصة في ما بلوره ويز Weiss و دومان Douman في مقولتهمـا ما بعـد البنيوية Post structualion و التي جاءت بمعادلة جديدة في عملية القراءة أضحى فيها المتلقي البعد الثالث في العملية الإبداعية. و في هذه المقاربات التي تعلي من شأن اللغة في الإبداع خاصة فيم أبدعـه تشـومسكي فـي نظريـة النحو الكلي و البنية العميقة و السطحية، و التي أصبحت أساسًا للسيميائيين في استغلالهم لمنهج تشومسكي في وصف القواعد الأساسية لعملية الإنتـاج اللغوية. و على هذا الأساس فإن السيميائية تحلل النص وفق بناء ضمني و بناء ظاهر مع إبراز العلاقة بينهما. أما البناء الضمني فيقع الاهتمام فيه بالبناء الوظائفي و إبراز العلاقات بين الفاعلين، أما البناء الظاهري فيقع الاهتمام فيه بالمستوى اللغوي للنص كالتشاكل و الأسلوب مع الملاحظة أن النفاذ إلى البناء الضمني لا يتم إلاّ بمر اللغة[1].

إن طبيعة النقد السيميائي الوصفية تنحو به إلى محاولة علمنة الأدب إذ يرتفع الناقد السيميائي عن إعمال أي قوالب نقدية جاهزة و يكتفي بمحاولة الولوج إلى فضاء النص الداخلي عبر مختلف العلائق التي تشكلت على السطح بكيفيات يدركها الناقد المحترس و المتملك للحس النقدي الدقيق. و إن أهم مظهر ينحو بالأدب إلى العلمنة هو اللغة أو المعجم اللفظي الذي يستثمره كل أديب أثناء تجربته الإبداعية ذلك أن اللغة أضحت حقلا للدراسات الألسنيـة بمختلف فروعها و لذلك اتخذت كمنفذ للمقاربات النقدية التي تبتغي المنهج الوصفي كإطار لها مثل المقاربة السيميائية.

و قاد هذا المنهج اللساني في التعامل مع النص الأدبي إلى اعتبار أمر الدلالة أمرا ثانويا لأنّ السؤال السيميائي أضحى لا يبحث عن ماذا قال الأديب، أو فحوى مقوله- و إن كان هذا أمرًاأمرًاأايلبلاايبتنا

 مطلوبا و إنما أضحى يبحث عن كيف قال الأديب، ما هي الطرائق اللغوية التي اعتمدها في مقوله. و ثمة تقاطع بين السيميائية و الشعرية إذ تبحث الشعرية عن الأساليب الجمالية التي حملت الموضوع أو الفكرة، ذلك أن القيمة الدلالية للقول الأدبي قيمة متداولة على التخاطب الاجتماعي العام، مثل ذلك مثل الشعر الجاهلي الذي كانت مواضيعه في علم مسبق لدى المجتمـع الجاهلي و إنّما تأثيث جمالية أو شعرية تلك القصائد الجاهلية الخالدة في تنقية القول و القدرة على اختراق سنة التأليف المعادي إلى تفجيـر طاقـات اللغة بكيفية تستهـوي الأذن وتطرب لها الأنفس المتذوقة.

إذن يعمل البحث السيميائي على تفكيك بنية النص الأدبي ليرتد منها إلى الخارج، إلى عالم المفاهيم و الأفكار، على نقيض المناهج النقدية الأخرى التي تنحو منحى معاكس أي من خارج إلى داخل النص.

فلسفـة الغيـاب :

إن النص الأدبي بالخصوص نص مخادع مخاتل[2]، لا يفصح إلاّ بقدر ما يبطن و لا يُظهر إلاّ بقـدر مـا يخفـي، و النقـد السيميائي يقول بمبدأ التداعي و التقاطع بين العلامات و النصوص، و يقول كذلك بسيميائية الفـراغ والتجـاور و التحاور كما يقول بسيميائية النفي و النقض، و لذلك يطرح لمساءلة النصوص الأدبية جملة من الأدوات و المفاتيح كدراسة الفضاء الأبيض والفضـاء الأسود، و دراسة الحوار الخارجي بين النصوص أو ما يعرف بالتناص. و ما دام النص وسيلة للتواصل فلا تواصل دون اختلاف والاختلاف لا يعني التناقض و إنّما يعني الحضور، فوراء الانتظام النص هناك الانتظام المبني على علاقات : التقابـل و التشاكل و التماثل و حتى  التقاصي، كما أن النص الأدبي يعمل على التجميع، فبالتشبيه يتم جمع كمـا قال الجرجاني المختلفـات البنيـات عبر أنساق بلاغية كالاستعـارات والتشبيهات والمقايسات. و تدخل هذه التقنية في استغلال الفضاء النصي و هو استغلال لما يسمى بالبلاغة البصرية التي تأخذ بأيدينا إلى إدراك المجال الذي تتحرك فيه تجربة الأديب في نقله للصور الفنية. و لعل أهمّ أداة يعملها الأديب في سبيل ذلك هو استغلاله  لقدرة الاستعارة- خاصة- في إزالة العوائق العقلية بين جميع البنيات الطبيعية و الإنسانية- المجردة.

لماذا الرؤية السيميائية إلى النص؟

الكلام على ضربين كما شرح (بالي) تلميذ دي سوسير، كلام عادي وكلام فني غير عادي، أو كلام نفعي و كلام أدبي، و الكلام الأدبي هو اضطراب في استعمال اللغة و الخروج عن النسيج المألوف في الخطاب. و الكلام الفني الأدبي يقـوم على أبعاد ثلاثـة: بعد تعبيري و بعـد دلالي، و بعد تأثيـري، واهتمـام المساءلة السيميائيـة تتركـز على البعدين التعبيري و التأثيري، أي أن الخطاب الأدبي بتوتير نسيج علاقات عناصره اللغوية، و ذلك بإثارة نواحي اللغة الجمالية التي تستمد قيمها الفنية من الدلالات الهامشية، يحقق متعة في التعبير و التشكيل الصُوَري المبدَع المحدِث لما سماه (رومان جاكبسون) بالمفاجأة الأسلوبية، التي تتناسب عكسيا مع تواتر التعبير والتشاكل. أمّا البعد التأثيري المحمول ضمنه النسيج الأسلوبي فيتمظهر وفق قوة الشحن العاطفي التي تحرك الفعل الأدبي من نسق القراءة إلى نسـق ردّ الفعـل الشعـوري، إذ يغـدو المتلقي الوجه الثاني للنص، و الكاشف عن المنبهات الكامنة في ثناياه.

إن الشاعر المبدع يعيش الحدث مخاضًا و تجربة، ويختلط عنده الحلم بالوعي، و الخيال بالواقع، و اللامرئي بالمرئي، فتستحيل عنده اللغة لعبا بالكلمات، فيتحرّر الدال من مدلوله، في تشكيل عفوي يرمي إلى تمثيل عالم قيد البناء، و تنقلب الكلمة إلى شفيرة جمالية، يقول بيار جيرو: "الأنسق الجمالية تضطلع بوظيفة مضاعفة، فبعضها عبارة عن تمثيل للمجهول، وتقع خارج نطاق الشيفـرات المنطقيـة، و هـي أدوات للامسـاك باللامرئي، والفائـق الوصف و اللامعقول، و هي تمسك، بشكل عام بالتجربة النفسية المجردة عبر التجربة العملية للحواس"[3]. و الشاعر مع ذلك يحاول – عفويا- أن يزاوج بين رؤاه التصورية و أدواته التعبيرية في توأمة يخترق بها سنن التأليف الشعري المعروف، حتى أنه يعيش حالة انبهار عجيب أمام ما أبدع، لأنه كان في غربة وجدانية تحتكم إلى اللاشعور الفني كما سماه ريتشاردز[4]. فإذا كان الشاعر لا يقصد ما يكتب، فإن القارئ لا يقف عند حدود الكتابة، و هنا تقوم القراءة الموازية لخط النص عبر تفكيك بنيتها السطحيـة بعناصرهـا المتعددة الصوتيـة و الإيقاعية و التركيبية و الدلالية للولوج إلى فضائه الداخلي و استبطان علائقه و أنساقه..

النص الثوري الجزائري: اللغة والحدث

لقد تشكل النص الثوري الجزائري وفق رؤية تتوحد مقاصدها، وتشترك في رسمهـا للوحـة عامـّة، أشبـه ما تكـون بلوحة فسيفسائية متناسقة الأشكال و الألوان. و لذلك سنعمد إلى استجلاء قيم دلالية عبر قراءتنا لمقاطع من نصوص لشعر الثورة الجزائرية، و لن نخوض في مناقشة مصطلح الثورة، وتقسيم النقاد الشعر في هذا المجال إلى شعر إثارة و شعـر ثورة و شعر مقاومة. و في سؤالهم عن من يكتب شعر الثـورة، هـل الشاعـر الذي عاش الحدث وتزامنت كتاباته مع دويّ الرّشاش أو الشاعر الذي يأتي بعد أن تضع الحرب أوزارها و ينعم الشعب بالاستقلال؟..

إن الحدث الثوري شكل لدى الشاعر المبدع بؤرة استقطاب تشبه حالة الاستلهام التي يبوح فيها الإنسان بأشكال تعبيرية غاية في الغرابة و لكنها صائبة، إذ تحوّل – مع الثورة- اليأس إلى أمل، و اشرأبت نفوس المعذبين من الجزائريين إلى استشراف الغد الذي طال ليله مع مسلسل معاناة الشعب  و تبرمه المطلق من شدة ضيق الحياة تحت سلطة المستعمر، فتقدمت القصيدة الثورية لتمثل حلما جميلا للشعب متخذة الأنساق الآتية:

1. سيميائية الإثارة:

الشاعر الجزائري، و قد أضحت الأرض من حوله رمادا و دخانا و نارا، انبرى على بنية القصيدة ليجعل كلّ شيء يثور، و يستجمع ذلك في رمز يستقطب إليه عنصر الإثـارة، ولعـلّ مقدّسـات الديـن هي أحرى أن تكون منبعًا للإثارة و الثورة، يستهين المرءُ من أجلها كلّ صعب أو نفيس يقول مفدي زكريا[5]  واصفـًا نوفمبر العظيم:

تبارك ليلك الميمون نجمـا       و جلّ جلالك هتك الحجابـا

زكت وثباته عن ألف شهر      قضاها الشعب يلتحق السرابا

فالشاعر يرسم صورتين لحدثين، أحدهما حاضر و الآخر غائب، و القداسة انسحبت من الحدث الغائب إلى الحدث الحاضر ضمن نسقية التشاكل أو التماثل على النحو الآتي:      

إنّ عنصر الإثارة في هذين البيتين يتموضع في العلاقة التي تقيمها السّمة (نوفمبر) ضمن السياق النصي العام مع الحقل المفهومي للسيمات التي تتواصف معها في التركيب اللغوي (البركة، اليمن، هتك الحجابا، ألف شهر….) و تخضع دلالة السّمة (نوفمبر) في حقلها المفهومي مع كل شحن زائد لدلالتها، و هو ما يبعث على التأكيد أن الاهتمام ببناء النص سيميائيا يكون باستقراء علاقته التي تربط الإشارة و المتلقي البعض بالبعض الآخر كما يقول بيرس.

كما يفتح عنصر الإثارة في الشعر المجال لإحداث تناص  داخلي يقوم على أساس التضمين، إذ يحدث تماس بين نصوص عدّة يجمع بينهما عنصر التشاكل الكلي أو الجزئي أو عنصر التباين و التناقض، ففي ذكر الشاعر للشعب الذي يلتحق السرابا، إحالة لآية قرآنية كريمة تصوّر إنسانا وجد في مغارة ضمآن، فيتراءى له السراب المتلألئ ماءاً صافيا حتى إذا أتاه لم يجد شيئا، و الشاعر يشير إلى سنين المساومة السياسية التي لم تجن على الشعب الجزائـري إلاّ وأدًا لآماله و يأسًا و قنوطًا من الحياة..

إن المعجم الشعري المشاكل بنية هذين البيتين يحمل طابع القداسة العليا، علو شأن ليلة القدر كأنها النجم المضيء في السّماء، و هو يشكل حقلا دلاليا يتقاطع مع حقل دلالي آخر ليشكلا معًا رؤية متجددة للوجود، يشعر معها المبدع بفخر و علوِ منزلة:

تبارك… جَلّ… زكت…          و هي تمثل وحدات دلالية موجبة.

هتك… قضى… ليلتحق السّرابا   و هي تمثل وحدات دلالية سالبـة.

و بإبراز أشكال التعالق الناشئ بين الوحدات الدلالية، تتجلى الرؤية الجديدة للشاعر للتجربة التي يخوضها، إذ أن مبدأ التعالق التوافقي (التشاكل) أو التخالفي (التباين) بين مجمل تلك الوحدات يتم تحديثه عبر تفعيل لحركة العناصر اللغوية، وانتظامها داخل سياق خاص، لا يلبث أن يأخذ تموجات جديدة، جدّة الحركة الفعلية المستديمة داخل التركيب الشعري، إذ أنّ النسيج النحوي يشرف على تحقيق الأحداث في زمن ماضٍ، و إن أتى فعل (يلتحق) في صيغة المضارع، و لكن داخل الزمن الماضي، ليدلّ على ديمومة الحدث و استمراريته ليعمّق دلالة الضياع و الخيبة التي وسمت شعور الشعب و قد ذهبت جهودُه أدراج الرّياح..

و يوغل الشاعر مفدي زكريا غياهب المكنون النفسي الذاتي، لتطلع اللغة الشعرية- عنده- حديثا مع الذات، و نمنمة اللاشعور، و يتمظهر هذا في نسيج لغوي يوحي للدلالة و لا يحدّدها و يثير الإحساس و لا يوضّح معنى. فتركيب (هتك الحجابا) من البيت الأول، هو قيد البناء و إن كان المتلقي يستند على السياق النّصي العام في ترجيح دلالة اتضاح قضية الشعب الجزائري لاسترداد حقه بإعلانه ثورة نوفمبر..

و يغدو التشكيل الجمالي اللغوي هو المحمول الذي تتموقع ضمنه تجليات الحدث الثوري و تفاعله مع ذات الشاعر، و تبرز الدلالة اهتماما ثانويا. في قول الشاعر مفدي زكريا من البيت الثاني: (زكت وثباته عن ألف شهر)، يقع في نفس الحقل الدلالي المفهومي لتأليف آخر له يقول فيه: (و ألقى الستار عن ألف شهر)، من بيته المشهور: تأذن ربّك ليلـة قدر و ألقى الستار عن ألف شهر.

و مهما يكن فإن الشاعر مفدي زكريا يعمد في قصائده الثورية إلى تلوينات أسلوبية يعرضها للشحن العاطفي، و ينأى بها عن تقديم دلالات منطقية فذلك من شأن الشيفرات الإيصالية الاجتماعية، و يشكلها لأجل خلق دلالات استفزازية تعمل علة تحريك مشاعر المتلقي إلى درجة إزالة حرية ردود الفعل لديه أي إلى مستوى الإشباع الفني الجمالي..

2. سيميائية النّبر:

و من المعجم ذاته، معجم القداسة و الإشراق ينهل الشاعر صالح خرفي، فيحيل الكلمة إلى محراب يشعّ بالرهبة، و يتعالى على كلّ ما يجعله رهين (الرجاء المظلم) يقول الشاعر مخاطبا نوفمبر[6].

قدست فيـك النار تلتهـم الرّجى     فتحيـل ظلمتـه لهيبـا أحمـرا

قدسـت فيـك الدمـع بمقلــة         أغفت لتكتحـل الصّبـاح المسفرا

و اللقطة الخرساء يخنقها الصّدى    و الجوع في شفة المطوح في العدا

قدست فيـك الموت مفتخرا بمن     يعلو المقاصـل كي يتيه و لفخرا

إن الشاعر جعل البؤرة الدلالية المهيمنة تقع في الفعل (قدس)، بحيث يتموضع النّبر القويّ على هذا الفعل و من ذلك يرسم الشاعر وحدة إيقاعية تستوحي ظلال دلالاتها موضع النّبر، إذ بمجرّد أن يُصبح ذلك الفعل من ضمن عالم المتلقي الدّلالي ينسحب النّبر على أسماء العلام و الأمكنة و هي في هذه الأبيات الشعرية: (النار، الدمع، اللقظة الخرساء، الجوع، الموت).

إن مسألـة النّبـر في المقول الشعري يتحكم فيها عامـلان: سيـاق الخطاب الشعري و مقصدية الشاعر في تفاعلها مع الخلفية المعرفية لدى المتلقي، فالشاعر صالح خرفي و هو يسمو بثورة نوفمبر إلى مرتبة القداسة يفك الدال من دلالته المعجمية، ليغدو سمة متحررة تعانق الدلالة النفسية التي يقصدها الشاعر. فسمة (النار) المقدسة تخضع لتشكيل شعري جديد، لتدل على نار الثورة المتأجّجة و قد استحالت لهيبا أحمرا كما تبرز سمة (الدمع)، موضع النّبر القويّ، مدخلا دلاليا يستجمع إليه أعمق مظاهر المعاناة التي كابدها الشعب الجزائري تحت تسلّط المستعمر.

إن عالم القصيدة الدلالية لا يصنعه الشاعر المبدع بمفرده، و إنّما يشاركه في ذلك المتلقي بخلفيته المعرفية و هو ما يبعث على القول أن القراءات الجمالية للنّص الشعري تظـل مفتوحـة على الـدّوام، تتقـدم للبحث عن مبنى متجانسة و شيفرات تحتية لتحقق المقصدية المزدوجة، و في هذا المجال يقف الشاعر صالح خرفي ليحدّد بواسطة مؤشرات سيميائية فضاء قصيدته الدلالي من خلال:

3. سيميائية التباين:

فباعتماد مؤشر التباين، يقيم الشاعر تقابلا دلاليا بين ثنائية لقطية. ترسم ذلك الصراع الدرامي الذي وسم موقف الشعب الجزائري التأثر ضد فرنسا المستعمرة و يمكن توضيح ذلك على النحو الآتي:

توحي دلالة التقابل إلى الصراع الوجودي الذي تشكل ضمن حوارية تعتمد سمة التناقض، فالنار رمز الثورة تعمل على إنهاء الرّجاء المظلم من قبل الاستعمار، فيولد ذلك اليوم المنتظر و قد تحوّلت ظلمة المستعمر إلى لهيب أحمر يبعث شرارات التمرّد و الثورة، و الدّمع و قد نضب من مقلة، يرمز إلى المعاناة و المكابدة التي سبّبها المستعمر للشعب، لتكتحل المقلة الصباح المسفرا رمز للأمل المشرق في تحقيق الحرية، و يجتهد المحتل، لخنق الصوت الجزائري و تكريس طابع المحلية للقضية الجزائرية، فيضحي الصوت صدى لنفسه، كما يغدو الجوع طعاما للمُبْعد المشرّد من الشعب الذي لم يعد الموت المعدّ له من قبل الاستعمار مثنيا لعزيمته أن يعتليَ المقاصل أو المشانق لأجل الفخر و التيه..

 بمجرد ضم المتشابه من السّمات الدلالية يتشكل قطبان يصنعان صراعًا وجوديا فالنار، و اللهيب و الصّباح، و القطة، و المطوّح، و التائه المفتخر، سمات تقع في سياق دلالي،، تجلي قيمة المقصود، و تقوم كقرائن دلالية موجبة تشترك لتشكل حقلا دلاليا تتعالق عناصره المفهومية تحت رمز نوفمبر المقدّس، بينما في المقابل تقوم سمات دلالية هي: (الرّجي، الظلمة، الدّمع، الصّدى، الجوع، الموت) كقرائن سالبة، لتتعالق مشكلة بعناصرها المفهومية رمز الاستعمار، و يربط هذه السمات مع ذات الشاعر الفاعلة يتبيّن المقدّس منها و المدنّس، بل ما يبدو مسبّبا عن الاستعمار، كالدمع الذي جفّ من مقلة هو مقدّس لدى الشاعر باعتبار ما ستكون عليه تلك المقلة التي ستفتح على صباح مسفر ضاحك..

4. سيميائية الإيقاع:

التأليف الشعري يخضع في نسقه النغمي إلى مشاكلـة هواجـس ذات الشاعر المنفعلة، و تتعالق البنية الإيقاعية مع سياق الحدث و ما أفرزه من تفاعلات وجدانية ليرسما معًا جوّا متميّزا للنّص الشعري تتجلى معالمُه على مستوى التوزيع العروضي المتمثل في البحر و القافية و ما يوازي ذلك من ترنيمات داخلية مثيرة للعواطف و الأحاسيس.

إن الحدث الثوري الجزائـري يشكـل منعرجـا في نفسيـة الشاعر بحيث ألقى بظلاله و تجلياته و أبعاده على النّص الشعـري حتى أضحـى الإيقاع الخارجي و الداخلي انعكاسًا للتنظيم العسكري الثوري و تجلية لهواجس الثائرين يقول أبو القاسم خمّار في قصيدتـه (ظلال و أصداء)[7].

لا تفكّـر.. لا تفكّـر

يا لهيب الحرب زمجر.. ثم دمّـر

 في الذرى السمراء، من أرض الجزائر.. لا تفكّـر

مزّق الأحياء.. أشلاء.. و بعثـر

حطّم الطغيان… كسّـر

انشر الارهاب… و النيران.. أكثـر

ثم أكثـر

ساعة الميعاد تندر

أنت بالمستقبل أجدر.

الإيقاع الخارجي تشرف عليه تلوينات تفعلية (فاعلاتن) وتوزيعها الذي يخضع لتلك الشحنات الانفعالية التي تنتاب وجدان الشاعر، وتتعاضد هذه التفعيلة مع الأسلوب الطلبي المتمثل أساسا في النهي و الأمر. ليكون الوقع ذا تأثيـر بالـغ على السّمـع. فالإثارة و الثورة و القلق و الانفعال، حالات تتجلى في البنية الإيقاعية الخارجية لنص أبي القاسم خمّار.

إن اختيار القافية عند الشاعر تتحكم فيه مقتضيات ذاتية تمليها التجربة الشعرية، فمن انتقاء الحروف المجهورة ذات الكميـة الصوتيـة الظاهرة كالجيم و الراء و الباء إلى تسكين حرف الروي و هو الراء مع قدرته على نقل الانفعال الداخلي و تحريك عواطف و مشاعر المتلقي. ثم إن ترجيعات حرف الروي (الراء) و انتظامه النغمي مع حروف القافيـة يسيطـر جماليـا على بنية النص، و يحمل المتلقي على أن يقف مع كلّ دفقة نغمية ليستطلع بعدها الدلالي. و قد استطاع الشاعر أن يضع النظام الإيقاعي في أول سطر من نصّه الشعري:

لا تفكّـر.. لا تفكّـر

لتأتي باقي الوحدات الكلامية مقتضية نظام هذا السطر الإيقاعي.

أمّا الإيقاع الداخلي فهو محمول ذلك المـزج المـركب من تعالـق الكلمة مع أحاسيس و ذاتية الشاعر المتفاعلة مع تجليات الحدث، فالحالة النفسية التي تنتاب الشاعر خمّار هي حالة استنفار و انفجار تبحث عن مصبّ لها على مستوى التأليف اللفظي، فتأتي الكلمات المتآلفة، متناغمة الأصوات والحروف يشكل فيها حرف الراء الانفجاري التكراري محورًا لتعالق كلمات النص: الحرب، زمجر، دمّر، الذرى، السّمراء، أرض الجزائر، بعثر… هذا الشكل الإيقاعي الداخلي يختصر ذلك التلاحم الدرامي بين الشاعر و انفعالاته مع تجليات الحدوث الثوري..

و يمكن تمثيل موضع النبر في هذه الأبيات الشعرية بالشكل البياني السابق:

و ما يلاحظ أن الألفاظ موضع النّبر جاءت على تشكيلة عروضية واحـدة (/0/0/) سبب خفيف و وتر مفروق و ذلك لتعاطي تناغما (Harmony) متشاكلا  يقوم موازيا لفرض القصيدة الموضوعاتي، و ما يبسم هذا التوازي هو قوّة الأصوات المختارة و هي أصوات تحمل ثقلا نغميا بارزًا كالميم و الجيم واللام، ثم إن هذا التآلف بين اللفظ موضع النّبر و مجموع مكونات السياق الشعرية في البيت يشكل نسقا واضحًا في توزيع القراءة التنغيمية الملائمة لجوّ القصيدة.

إن الأخذ بالقراءة الصوتية للشعر الثوري يرسم ذلك الالتحـام بيـن الصوت و الحركة و هو قائم باعتبار الأول حركة في ذاته ذلك أن "ما نسميه إيقاعا هو الإعادة المنتظمة داخل السلسلة المنطوقة لاحساسات سمعية متماثلة، تكونها مختلف العناصر النغمية ".

ثم إن التنوع الذي يطبع جرس الأحرف المشكلة للفظ موضع النبر سواء في الحدّة (قوة الحرف) أو المدّة (مدّ الحرف بحرف لين) أو في الشدّة (الثقل الصوتي للحرف) أو في التعدّد (التكرار) لما تتشكل معها البنية الإيقاعية في تجاوبها مع بنية الخطاب الشعري المشدود إلى الكلمات التي تسوق التركيب المعبر عن الدفقة النفسية و الشعر الحادّ، حتى يبدو الشاعر و هو ينساق وراء الألفاظ موضع النبر و كأنه يرسم لوحة تعبّر عن عبثية وجودية صرفة تخرج تماما عن الإطار المضموني لفحوى القصيدة. حتى كأن القصيدة بإيقاعاتها  وبألفاظها المنبورة نبرًا ثقيلا أو نبرًا خفيفا هي التي تكتب الشاعر و ليس العكس. و هذا ما يدل دلالة واضحة أن القراءة الصوتية التي يحسنُ معها ترتيب الإيقاعات ترتيبا مستقيما لها علاقة بالقيمة الدلالية لفحوى الخطاب الشعري. و هذا ما يؤكد تعالق البناء الفني و نفسية الشاعر في أحوالها المختلفة. إن فضاء نص الشعر الثوري يسظل مفتوحًا أفقه لكل مقاربة تأويلية تبتغي استكناه بعده الامتاعي عبر تفكيك أسسه الجمالية و ذلك بتبني رؤيوية المتلقي المشبعة بإمكانيات تذوقية تتلمس مواطن الجمال بحسّها المرهف معملة أدوات مساءلة تعتمد السّمة النّصية لإبراز المعالم العميقة، كسمة البؤرة الدلالية أو سمة الإثارة التي تشكل غرضا للشاعر الثوري و غيره، يستجمع حولها وحدات دلالية متشاكلة و متباينة، تصدر عنها و ترتدّ إليها. و يبقى تفاعل الشاعر[8] مع الحدث الثوري هو مصدر تواتر الإثارة وتجلياتها على مستوى النّص، و تتعاضد البؤرة الدلالية مع سمة النّبر في توزيع مواضع الإثارة في البيت أو السطر الشعري، في حين تقوم سمة التباين فضلا على التشاكل على رسم ثنائية متصارعة عبر تحديد الحقل الدلالي الشعري الذي يتشكل أساسًا بواسطة توتير التركيب اللغوي و إخضاع عناصره إلى اللعب بالكلمات، فتنشأ أنسجة تعبيرية عبر علاقات لغوية قيد التشكيل لأنّها محكومة باصطلاح غير مطرّد يماثل الحالات النفسية المتوترة لدى الشاعر الثوري. و تصل هذه العناصر مجتمعة (الإثارة، التباين، النبر) إلى درجة التكثيف في تعبيرها عن الموقف الدرامي، ليغدو الإيقاع بتناغم أصواته وتجليات أبعاده الشعورية صدى لبنية النّص العميقة التي تحتضن التجربة النفسية للشاعر الثوري..

هذه مداخل الرؤية السيميائية لمقاطع شعرية اتخذت من الحدث الثوري محورا للتعبير المشبع بالشحن العاطفي المتمخض عن توتير داخلي نفسي قام ليتواتر مع الجوّ المشحون بالقلق و الانفعال و الثورة…

 


الهوامش

[1] شمعة، خلدون : النقد و الحرية.- دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العربي، 1977.- ص.17.

[2] حرب، علي : نقد الحقيقة.- الدار البيضاء_ المغرب، المركز الثقافي العربي، ط 02، 1995.- ص.01

[3]  جيرو، بيير : علم السيميولوجيا.- دمشق، ترجمة د. منذر عياشي، دار طلاس، ط1، 1988.- ص.116

[4]  ريتشاردز، أ : مبادئ النقد الأدبي.- القاهرة، ترجمة د. مصطفى بدوي المؤسسة المصرية، 1963.

[5] اللهب المقدس : الجزائر، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، 1988 ص.30.

[6] أطلس المعجزات : الجزائر، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع،1985.- ص.70.

[7] ظلال و أصداء : الجزائر، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع، 1984.- ص.ص. 8-9.

[8] الزبيدي، توفيق.- أثر اللسانيات في النقد.- تونس، دار الكتاب، 1990.- ص.63